موقع الشيخ الدكتور سيف الكعبي

تفسير قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }

عرض التفسير
تفسير قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }
3424 زائر
29-10-2013 01:10
الشيخ سيف الكعبي حفظه الله

(بحث مجموع من أجوبة الإخوة وممن شارك الأخ أحمد بن علي وسعيد الجابري وعبدالله الديني وآخرين)

شرح قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}[الذاريات:56و57] وتعلقها بالتوحيد.

( ﺷﺮﺡ اﻟﻜﻠﻤﺎﺕ والمعنى الإجمالي) :

يعبدون: أي يوحدون.

والعبادة: اﺳﻢﺟﺎﻣﻊ ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﺒﻪ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺮﺿﺎﻩ ﻣﻦ اﻷﻗﻮاﻝ ﻭاﻷﻋﻤﺎﻝ اﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻭاﻟﺒﺎﻃﻨﺔ.

ﻭﻗﻴﻞ: اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ: اﺳﻢ ﻳﺠﻤﻊ ﻛﻤﺎﻝ اﻟﺤﺐ ﻟﻠﻪ ﻭﻧﻬﺎﻳﺘﻪ, ﻭﻛﻤﺎﻝ اﻟﺬﻝ ﻟﻠﻪ ﻭﻧﻬﺎﻳﺘﻪ, وبهذا ﻋﺮفها ابن تيمية.

ﻓﺎﻟﺤﺐ اﻟﺨﻠﻲ ﻋﻦ اﻟﺬﻝ، ﻭاﻟﺬﻝ اﻟﺨﻠﻲ ﻋﻦ اﻟﺤﺐ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﺒﺎﺩﺓ, ﻭﺇﻧﻤﺎ اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻣﺎ ﻳﺠﻤﻊ ﻛﻤﺎﻝ اﻷﻣﺮﻳﻦ.

وﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﻘﻴﻢ:

ﻭﻋﺒﺎﺩﺓ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﻏﺎﻳﺔ ﺣﺒﻪ... ﻣﻊ ﺫﻝ ﻋﺎﺑﺪﻩ ﻫﻤﺎﻗﻄﺒﺎﻥ.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في ﻗﻮﻟﻪ: {ﺇﻻﻟﻴﻌﺒﺪﻭﻥ }

اﺳﺘﺜﻨﺎء ﻣﻔﺮﻍ ﻣﻦ ﺃﻋﻢ اﻷﺣﻮاﻝ، ﺃﻱ: ﻣﺎ ﺧﻠﻘﺖ اﻟﺠﻦ ﻭاﻹﻧﺲ ﻷﻱ ﺷﻲء ﺇﻻ ﻟﻠﻌﺒﺎﺩﺓ.

{ ﻭاللاﻡ } ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: ﺇﻻ { ﻟﻴﻌﺒﺪﻭﻥ } ﻟﻠﺘﻌﻠﻴﻞ، ﻭﻫﺬا اﻟﺘﻌﻠﻴﻞ ﻟﺒﻴﺎﻥ اﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ اﻟﺨﻠﻖ، ﻭﻟﻴﺲ اﻟﺘﻌﻠﻴﻞ اﻟﻤﻼﺯﻡ ﻟﻠﻤﻌﻠﻮﻝ; ﺇﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ؛ ﻟﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﺨﻠﻖﻛﻠﻬﻢ ﻋﺒﺎﺩا ﻟﻠﻪ ﻳﺘﻌﺒﺪﻭﻥ ﻟﻪ، ﻭﻟﻴﺲ اﻷﻣﺮﻛﺬﻟﻚ. ﻓﻬﺬﻩ اﻟﻌﻠﺔ ﻏﺎﺋﻴﺔ، ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻣﻮﺟﺒﺔ . ﻓﺎﻟﻌﻠﺔ اﻟﻐﺎﺋﻴﺔ ﻟﺒﻴﺎﻥ اﻟﻐﺎﻳﺔ ﻭاﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻔﻌﻞ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻗﺪ ﺗﻘﻊ، ﻭﻗﺪ ﻻ ﺗﻘﻊ.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { إلا ليعبدون } أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها وهذا اختيار ابن جرير.

قال الشنقيطي: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة { إلاَّ لِيَعْبُدُونِ } في إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية ، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله ، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملاً ، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم .انتهى

وبعضهم قال ( إلا ليعبدون) أي ليعرفوني وقيل : هم المؤمنون.

وقال مجاهد: إلا لآمرهم وأنهاهم . واختاره الزجاج وابن تيمية ودلل عليه ابن تيمية بقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ثم قد يطاع وقد يعصى.

ومما يدل عليه حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يقولُ اللَّهُ تبارَك وتعالى لأَهونِ أَهلِ النَّارِ عذابًا لو كانت لَك الدُّنيا وما فيها أَكنتَ مفتديًا بِها فيقولُ نعم فيقولُ قد أردتُ منكَ أَهونَ من هذا وأنتَ في صُلبِ آدمَ أن لا تشرِكَ أحسبُه قال ولا أدخلَك النَّارَ فأبيتَ إلَّا الشِّركَ ) أخرجه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم. فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى من توحيده .

فطلب التوحيد هي الإرادة الشرعية .ُ

﴿ﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺭﺯﻕ﴾:

ﻟﻢ ﻳﺮﺩ اﻟﻠﻪ ﻣﻨﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﺮﺯﻗﻮا ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﻻ ﻳﺮﺯﻗﻮا ﻏﻴﺮﻫﻢ.

﴿ﻭﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻄﻌﻤﻮﻥ﴾:

ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﻣﻨﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻄﻌﻤﻮا ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﻻ ﻳﻄﻌﻤﻮا ﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺃﺳﻨﺪ اﻟﺮﺯﻕ ﻭاﻹﻃﻌﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﺴﻪ.

اﻟﺮﺯاﻕ: ﻛﺜﻴﺮ اﻟﺮﺯﻕ ﻟﺨﻠﻘﻪ.

ﺫﻭ اﻟﻘﻮﺓ: ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻘﻮﺓ.

اﻟﻤﺘﻴﻦ: اﻟﺸﺪﻳﺪ اﻟﻘﻮﺓ.

ﻗﻮﻟﻪ: ﴿ﺧﻠﻘﺖ﴾ ﺃﻱ: ﺃﻭﺟﺪﺕ، ﻭﻫﺬا اﻹﻳﺠﺎﺩ ﻣﺴﺒﻮﻕ ﺑﺘﻘﺪﻳﺮ، ﻭﺃﺻﻞ اﻟﺨﻠﻖ اﻟﺘﻘﺪﻳﺮ.

فيه مسائل :

-اﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ اﻟﺠﻦ ﻭاﻹﻧﺲ:

ﻓﺎﻟﺤﻜﻤﺔﻫﻲ ﻋﺒﺎﺩﺓ اﻟﻠﻪ، ﻻ ﺃﻥ ﻳﺘﻤﺘﻌﻮا ﺑﺎﻟﻤﺂﻛﻞ ﻭاﻟﻤﺸﺎﺭﺏ ﻭاﻟﻤﻨﺎﻛﺢ ·

- ﻋﺒﻮﺩﻳﺔ اﻟﺨﻠﻖ:

ﻋﺎﻣﺔ ﻭﺧﺎﺻﺔ:

ﻓﺎﻟﻌﺎﻣﺔﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:

{ﺇﻥ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎﻭاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ ﺇﻻ ﺁﺗﻲ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﻋﺒﺪا} [ﻣﺮﻳﻢ: 93.]

ﻭاﻟﺨﺎﺻﺔﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻋﺒﺎﺩ اﻟﺮﺣﻤﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻤﺸﻮﻥ ﻋﻠﻰ اﻷﺭﺽ} [اﻟﻔﺮﻗﺎﻥ: 63]

{ﻋﻴﻨﺎ ﻳﺸﺮﺏ ﺑﻬﺎ ﻋﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ} [اﻹﻧﺴﺎﻥ: 6]

- ﺃﻥ اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻫﻲ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ: ﺃﻱ: ﺃﻥ اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻓﻜﻞ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﻻ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ بعبادة، ﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﺃﻥ ﺑﻌﺾ اﻟﺴﻠﻒﻓﺴﺮﻭا ﻗﻮﻟﻪﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﺇﻻﻟﻴﻌﺒﺪﻭﻥ} ﺇﻻ ﻟﻴﻮﺣﺪﻭﻥ.

ﻗﺎﻝ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ( أﻧﺎ ﺃﻏﻨﻰ اﻟﺸﺮﻛﺎء ﻋﻦ اﻟﺸﺮﻙ، ﻣﻦ ﻋﻤﻞ ﻋﻤﻼ ﺃﺷﺮﻙ ﻓﻴﻪ ﻣﻌﻲ ﻏﻴﺮﻱ ﺗﺮﻛﺘﻪ ﻭﺷﺮﻛﻪ .) –صحيح وضعيف جامع الصغير: صحيح-

- فهم خاطئ: رجل قال : إن الله خلقنا لحكمة لا يعلمها إلا هو ‘ وهذا فهم خاطئ مخالف لنصوص القرآن والسنة.

- ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﺟﻮﺩ اﻟﺠﻦ.

- ﻛﻤﺎﻝ ﻏﻨﻰ اﻟﻠﻪﻋﻦ ﺧﻠﻘﻪ.

- ﺃﻥ ﻣﺼﺪﺭ اﻟﺮﺯﻕ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ، ﻭﻟﻜﻦ اﻟﻌﺒﺪﻣﺄﻣﻮﺭ ﺑﻔﻌﻞ اﻷﺳﺒﺎﺏ.

- ﺇﺛﺒﺎﺕ اﺳﻤﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎء اﻟﻠﻪ ﻭﻫﻤﺎ:

{ اﻟﺮﺯاﻕ } { ﻭاﻟﻤﺘﻴﻦ }

- إثبات أقسام التوحيد الثلاثة .

- فيه الزهد في الدنيا.

- الآية فيها دلالة على أهمية التوحيد‘ فأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو : دعوة غيره معه ؛ والدليل قوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً } [ النساء : 26 ]

ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ اﻵﻳﺔ ﻟﻠﺘﻮﺣﻴﺪ ﺣﻴﺚ ﺩﻟﺖ اﻵﻳﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦﺧﻠﻖ اﻟﺠﻦ ﻭاﻹﻧﺲ ﻫﻲ ﺇﻓﺮاﺩ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻭاﻟﻜﻔﺮ ﺑﻤﺎﺳﻮاﻩ.

   طباعة 
2 صوت
روابط ذات صلة
جديد التفسير
جديد التفسير

جديد قسم التخريجات