موقع الشيخ الدكتور سيف الكعبي

تفسير قوله تعالى [الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم[

عرض التفسير
تفسير قوله تعالى [الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم[
1446 زائر
18-03-2014 05:19
سيف الكعبي

11:30 م 4 يناير - سيف الكعبي: ( بحث مجموع من أجوبة الإخوة حول قوله تعالى [الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ]. )

(وممن شارك أحمد بن علي وآخرون)

جمع :سيف الكعبي

أهمية التوحيد:

1 - أن تحقيق التوحيد هو الغاية التي من أجلها خلق الله تعالى الجن والإنس، والدليل قوله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات56

2 - أن تحقيق التوحيد هو الغاية التي من أجلها بعث الله الأنبياء والرسل، والدليل قوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} النحل36 3- أن جميع الأعمال من صلاة وصيام وجهاد متوقف قبولها على تحقيق أصل التوحيد، والدليل قوله تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الأنعام88

4- أن التوحيد هو أول أمر يُسأل عنه الإنسان في قبره، والدليل ما جاء عند أبي داود (4753) وغيره أن الميت يأتيه ملكان فيسألانه "من ربك وما دينك ومن نبيك" والمقصود بقول الملكين "من ربك" أي من معبودك، فالسؤال هنا عن توحيد العبادة لأن الناس لا يُمتحنون على توحيد الربوبية إذ أن إبليس وهو أكفر المخلوقات الكافرة يقر بتوحيد الربوبية.

5 - أن القرآن كله يدعو إلى تحقيق التوحيد ولوازمه، ووجه ذلك أن آيات القرآن إما أن تأتي صريحة في الدعوة إلى التوحيد مباشرة كما في قوله تعالى {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} غافر14 ونحو ذلك، أو أن تنهى عن الشرك كما في قوله تعالى {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ} يونس106 والنهي عن الشيء أمر بضده، وإما أن تأمر الآيات بفعل الطاعات مثل الصلاة والصوم والزكاة ونحوه، أو تنهى عن فعل المحرمات مثل الزنا والسرقة ونحوه، وفعل الطاعات وترك المحرمات من لوازم التوحيد ومكملاته، وإما أن تأتي الآيات مبينة ما أعده الله من الجنات والنعيم وما أعده الله من النار والعذاب الأليم، فهذا فيه جزاء الموحدين الذين حققوا التوحيد، وجزاء المخالفين المشركين الذين أعرضوا عن توحيد الله وبهذا يتبين لنا أن القرآن كله من الدفّة إلى الدفّة يدعو إلى التوحيد ولوازمه.

تحقيق التوحيد له ثمار؛

فمن أعظم ثماره صحة العقيدة فالذي تفسد عقيدته تفسد حياته كلها، لما في الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب}، فسائر أهل الكفر والشرك والبدع والخرافات ثاروا على المسلمين وقلقلوا الآمنين وزعزعوا في الدين بسبب عدم إخلاصهم لتوحيد رب العالمين: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ))[الصف:5].

فتصحيح العقيدة أمر لابد منه

يقول الله عز وجل: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)إبراهيم'':26:34.

كذلك؟! أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه فقال: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)[البقرة:266]، وقال تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ))[البينة:5] وقال تعالى: ((وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))[الأنعام:88] وقال تعالى(وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))[الأنعام:88]، وقال تعالى: ((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ))[الزمر:65-66].

وأخبر أن من لم يوحد الله ما قدر الله حق قدره ولا عظمه حق تعظيمه: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ))[الزمر:67].وقال عز وجل: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا))[الفرقان:23]، وقال: ((سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ))[المنافقون: وقال تعالى ((مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ))[إبراهيم:18]، ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ))[النور:39].

والثانية: لا تقبل الأعمال إلا بتوحيد الله.

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه}، وفي تفسير قول الله عز وجل: ((فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا))[الكهف:110]، قال الفضيل : أخلصه وأصوبه، الذي يريد يعمل عملاً صالحاً يجعله خالصاً صائباً متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن ثمار هذا التوحيد العظيم مع قبول الأعمال: أن يحقق الأمن في بلد إذا حقق أهله التوحيد، قال الله في كتابه: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ))

ومن ثمرات التوحيد الحصول على الهدايه قال تعالى {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الحج54، وقوله تعالى {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} البقرة213 [الأنعام:82]

ومن ثماره أن يكون الموحد ولياً لله : ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ))[الحج:38]، ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) [البقرة:257].

واعلم أن من حقق توحيد الله أنه مجاب الدعوة{ولأن استعاذني لأعيذنه}،

واعلم أن الله عزوجل مع الموحد : ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ))[النحل:128].

ومن حقق التوحيد مكن الله له وورثه الدنيا والآخرة: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)) [الأنبياء:105]، فزوال الأمم ونكباتها، وزوال الدول وخساراتها، كل ذلك بعدم تحقيق توحيد الله عز وجل: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ))[النحل:112].

ومن ثمرات التوحيد أن الموحد يعطى الحياة الطيبة يقول الله عز وجل: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))[النحل:97]، هذه الحياة الطيبة ليست في الدنيا فقط، بل هي في الدنيا وفي البرزخ وفي دار الجنان، دار القرار: ((وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ))[غافر:39]،

ومن ثمرات التوحيد أن يفرج الله عز وجل كربك: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ))[الأنبياء:88]

ومن ثمرات التوحيد؛ النجاة من مكاره الدنيا والآخرة، الدليل قوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} يونس103

ومن ثمرات التوحيد أن يبعد عنه الخوف والحزن قال عز وجل: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ))[فصلت:32:30].

وقال تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [الأحقاف:14:13]،

ومن ثمرات تحقيق التوحيد تمكين الله عزوجل للموحدين ، قال الله عز وجل : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا))[النور:55]،

ومن ثمرات تحقيق التوحيد أن الله يرزقك الثبات: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)[إبراهيم:27].

ومن أعظم ثمار التوحيد أنك آمن أيها الموحد من عذاب الله إن مت على ذلك: {أتدري يا معاذ ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم؟ قال: حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً} متفق عليه، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن حق على الله عز وجل سبحانه كتبه على نفسه، وذلك الحق ألا يعذب الموحد.

ومن ثمرات التوحيد ضمان دخول الجنة لمن حققه، والدليل قوله تعالى {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} البقرة25، فقوله تعالى (الذين آمنوا) أي الذين حققوا التوحيد.

ومن ثمرات التوحيد تكفير السيئات، والدليل قوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} العنكبوت7، وقوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} المائدة65

ومن ثمرات التوحيد سعة الرزق، والدليل قوله تعالى {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الحج50، وقوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} الأعراف96

ومن ثمار التوحيد أنه سبحانه وتعالى وعد الموحدين بالنصر على الأعداء والعزة والرفعة، والدليل قوله تعالى {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} غافر51، وقوله تعالى {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الروم47 أي الموحدين، وقوله تعالى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} المنافقون8، وقوله تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} المجادلة11

ومن ثمار التوحيد تأييد الله تعالى للموحدين، والدليل قوله تعالى {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} الصف14

ومن ثمار التوحيد؛ أنه ليس للشيطان سلطان على الموحدين، والدليل قوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} النحل99

ومن ثمرات التوحيد؛ أن يقذف الله في قلوب الخلق محبة الموحدين، والدليل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} مريم96

ومن ثمرات التوحيد؛ استغفار الملائكة للموحدين، والدليل قوله تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} غافر7

ومن ثمرات التوحيد؛ أن الموحدين هم خير البرية، والدليل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} البينة7

ومن ثمرات التوحيد؛ أن رحمة الله الخاصة يفوز بها الموحدون، والدليل قوله تعالى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} الأحزاب43

ومن ثمرات التوحيد؛ حصول السكون والطمأنينة للموحدين عند المصائب التي تفزع القلوب وتشوش الألباب، والدليل قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} الفتح4.

شرح قول الله _تعالى_: [الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ].

هذه الآية فَصَل الله بها القضاء بين إبراهيم وقومه، وقد سبقها قوله _تعالى_: عن إبراهيم _عليه السلام_ لما حاج قومه: [فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *الذين آمنوا ولم يلبسوا].

وحكم الله عزوجل لإبراهيم _عليه السلام_ بالحجة على قومه

قال الشاطبي:"فأما قوله تعالى "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" .. الآية، فإن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص، فإن السورة من أولها إلى آخرها مقررة لقواعد التوحيد، وهادمة لقواعد الشرك وما يليه، والذي تقدم قبل الآية قصة إبراهيم عليه السلام في محاجته لقومه بالأدلة التي أظهرها لهم في الكوكب والقمر والشمس، وكان قد تقدم قبل ذلك قوله" ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته" فبين أنه لا أحد أظلم ممن ارتكب هاتين الخلتين، وظهر أنهما المعنى بهما في سورة الأنعام"

فالظلم في قوله _تعالى_: [بِظُلْمٍ]: هو الشرك، وما دونه من سائر المظالم؛ فالشرك هو أظلم الظلم، ويليه ظلم الإنسان للعباد، ثم ظلمه لنفسه بما دون الشرك.

فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والهداية التامة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.

ومن أشرك بالله _عز وجل_ لم يكن له أمن، ولا اهتداء على الإطلاق؛ لأن الشرك _أظلم الظلم_ فهو الظلم الرافع للأمن والهداية.

وأما ما دون الشرك من الذنوب فيحصل للعبد أمن بقدر ما معه من الإيمان، وينتفي عنه من الأمن بقدر ما فعل من الذنوب، فيحصل له أصل الأمن، وأصل الهداية دون أن يحصل له كمالها.

والأمن هاهنا شامل للأمن في الدنيا، والبرزخ، والآخرة _كما مر_.

كما أنه شامل لأمن الأديان، وأمن الأفكار، وأمن الأبدان، وأمن الأوطان، وأمن القلوب.

وهذا حاصل لمن لم يلبسوا إيمانهم بشرك ولا معاصٍ.

وإذا تأملت هذا تبين لك سببُ النقص الذي يعترينا من هذا الناحية، وتبين الجواب لمن يقول: لماذا لا نشعر بالأمن التام، والطمأنينةِ في قلوبنا مع أننا لا نشرك بالله، وهل ذلك الأمن والطمأنينة في الآخرة فحسب؟

ويجاب عن ذلك؛ بأن يقال: إن سبب ذلك هو التفريط ببعض أفراد الإيمان وشعبه، وأن ندرك أن الأمن والنعيم يدرك في الدنيا كما يدرك في الآخرة مع عظم التفاوت في ذلك، بخلاف من يظن أن ذلك إنما يكون في الآخرة، وأن نعيم الدنيا إنما هو للكفار؛ خصوصاً إذا رأى ما هم عليه في الدنيا من الرياسة والمال؛

فأهل الإيمان حقاً هم أسعد الناس وأشرحهم صدراً في هذه الدنيا، وأهل الكفر والفجور أشد الناس قلقاً وهماً وكدراً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ مقرراً هذا المعنى: "وكل هذا محسوس مجرَّب، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهرٍ من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذَّات أهل البرِّ ولم يخبرها".

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: في حال من يتطلع، ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: "فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين".

قال الحسن -رحمه الله- في العصاة: "إنهم _ وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين _ إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يُذلَّ من عصاه".

فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف، حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانوا من الشهرة وبعد الصيت بمكان عال، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروِّحون به أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب.

ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك.

هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف.

وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه.

أما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه.

وهو مع عجزه_أيضاً_له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها_ما لا يمكن وصفه".

وقد خاف الصحابة من هذه الآية فقالوا : أينا لا يظلم نفسه؟ قال ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم:بارك، أولم تسمعها إلى قول لقمان لابنه :(( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم))

قوله: (وهم مهتدون)، أي: في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل.

ولابد من معرفة من هم دعاة الأمن وأهله؟! ومن هم دعاة الشر وأهله؟! وأنّه لا التقاء بينهما، قال تعالى: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً). [سورة النساء، الآية: 27].

ويقول عز وجل: (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). [سورة البقرة، الآيات: 221].

ويقول الله عز وجل عن مؤمن آل فرعون وهو يدعو قومه: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِة عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ). [سورة غافر، الآيات: 41 - 42].

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

التفسير المتشابهة التفسير التالية

جديد التفسير
جديد التفسير

جديد قسم التخريجات