موقع الشيخ الدكتور سيف الكعبي

بحث في قوله تعالى "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآية "

عرض التفسير
بحث في قوله تعالى "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآية "
2829 زائر
18-03-2014 05:15
سيف الكعبي

١١:٢٦ م ٢٠/١١/٢٠١٣ - سيف الكعبي: (بحث مجموع من أجوبة الأخوة وممن شارك الأخ أحمد بن علي وآخرون)

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ وعلاقتها بالتوحيد

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك : تعالوا، أيها القوم، أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًا يقينًا، لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا، ولكن وحيًا من الله أوحاه إليّ، وتنزيلا أنزله عليّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه . انتهى

وهذه الآيات :"اشتملت على وصايا عشرة بُدأت بالوصية بالتوحيد،فالله –عزوجل-حرم على عبادة أشياء ونهاهم عنها ،وأوصاهم بأشياء بدأها بنهيهم عن الشرك ،وتحريم الشرك، والتحذير منه قبل نهيهم عن أي شئ آخر وقبل أمرهم بأي شئ وختم هذه الوصايا بقوله تعالى(وأن هذا صراط مستقيماً فا تعبوه ولا تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون)

وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أويصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية.

وذكر الله عقوبات لمن أشرك معه غيره؛ فمن العقوبات للمشركين النار ؛قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)، ومنها أنهم حُرِمُوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )

وقول الله عزّ وجلّ: " {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} " هذا خبر من الله عن نفسه سبحانه وتعالى مؤكّد بـ "إنّ".

أنه: " {لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} " فهذا فيه خطورة الشرك، فالله لا يغفر للمشرك مع أن رحمته وسعت كل شيء، ولكن المشرك لا يدخل فيها، لعِظم جريمته. والشرك لا يمكن تجنبه إلاَّ إذا عرف وعرف خطره.

وفي الآية الأخرى أخبر سبحانه أنه حرم الجنة على المشرك، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} والحرام: الممنوع، فلا يمكن أنّ المشرك يذوق طعم الجنة، أو يشم رائحة الجنة.

وفي الآية الثالثة: يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ، منعهم الله من دخول المسجد الحرام لأنهم نجس، ونجاسة الشرك نجاسة معنويّة، والمسجد الحرام لا يدخله إلاَّ أهل التّوحيد {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} كذلك المشرك حلال الدم والمال، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله عزّ وجلّ" . {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} .

وفي هذا أبلغ الرد على هؤلاء الذين يقولون: لا خوف على المسلمين من الوقوع في الشرك بعدما تعلموا وتثقفوا، وإنما الخوف على الناس من الشرك في الحاكمية، ويركزون على هذا النوع فقط.

وقوله تعالى (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا‏) أي‏:‏ لا قليلًا ولا كثيرًا‏.‏

وقال الخليل عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} .

وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم (قولوا لا اله إلا الله تفلحوا)

وقد أمر الله عزوجل بعبادته (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عظيم )

(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تتقون )

(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أليم)

(وبالوالدين إحسانًا)، يقول: وأوصى بالوالدين إحسانًا.

وحذف "أوصى" و"أمر"، لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه.

والإحسان للوالدين يكون بالأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة

وقوله( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم). الإملاق: الفقر.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود- سألتُ ، أو سئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أيُّ الذنبِ عندَ اللهِ أكبرُ ؟ قالَ : ( أنْ تجعلَ للهِ ندًا وهوَ خَلَقَكَ) قلتُ : ثمَّ أيُّ ؟ قالَ : ( ثمَّ أنْ تقتُلَ ولدَكَ خِشيَةَ أنْ يطْعَمَ معكَ ) . قلتُ : ثم أيُّ ؟ قالَ : ( أنْ تُزانِيَ بحليلةِ جارِكَ ) . قالَ : ونزلَتْ هذهِ الآيةُ تصديقًا لقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ }

جوهرة: في سورة الإسراء( خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) ففي سورة الأنعام قدم رزق الآباء لما كانوا في الفقر ، وفي سورة الإسراء قدم رزق الأولاد لأنهم إنما يخشون الفقر. (هذه الفائدة ذكرها ابن كثير ثم ابن عثيمين)

وقوله(وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن) وهي:الذنوب العظام المستفحشة ولا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن.

والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.

وقوله( َ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق) ففي الصحيحين " - لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ ، يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ ، وأنِّي رسولُ اللهِ ، إلا بإحدى ثلاثٍ : الثَّيِّبُ الزان . والنَّفُسُ بالنَّفْسِ . والتاركُ لدِينِهِ . المفارِقُ للجماعة"ِ

وقوله (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) قال ابن عطية : هذا نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف ، وفيه سد الذريعة ، ثم استثنى ما يحسن ، وهو السعي في نمائه. والأشد: هو الرشد وزوال السفه مع البلوغ .قاله الإمام مالك وربيعة ودليله قوله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا).

قوله تعالى (ُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)قال ابن كثير : يأمر الله عزوجل بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء ، ولا حرج على من أخطأ بعد استفراغ وسعه . انتهى بمعناه

قوله تعالى( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)وهذا أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد. ومنه قوله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)

قوله تعالى( وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) العمل بالكتاب والسنة فينقادوا لأمر الله بأن يطيعوه فيما أمرهم به ويجتنبوا ما نهاكم عنه قال الله عزوجل ذاما بني اسرائيل ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم )المائدة 13 الآية

وأما قوله:(ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا، ووصاكم بها ربكم، وأمركم بالعمل بها لا بالبحائر، والسوائب، والوصائل، والحام، وقتل الأولاد، ووأد البنات، واتباع خطوات الشيطان (لعلكم تذكرون)، يقول: أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها، لتتذكروا عواقبَ أمركم، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون، فتنزجروا عنها، وترتدعوا وتُنيبوا إلى طاعة ربكم

قوله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) }

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم، أيها الناس، في هاتين الآيتين من قوله:(قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)، وأمركم بالوفاء به، هو"صراطه" يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده (مستقيمًا)، يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق (فاتبعوه)، يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل)، يقول: ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه، من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات (فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان، اتباعُكم إياها "عن سبيله"، يعني: عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصّى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم (ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم:"إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل"، وصاكم به"لعلكم تتقون"، يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها، وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها، فيحل بكم نقمته وعذابه .

وعن عبد الله بن مسعود قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًّا فقال: هذا سبيل الله. ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطًا فقال: هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها. ثم قرأ هذه الآية:(وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)

{ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا }

وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما لم يقدر عليه

درة : قال ابن عطية : (ومن حيث كانت المحرمات الأُوَل لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت العبارة لعلكم تعقلون، والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى) أ. هـ. وقريب منه كلام ابن الجوزي في المقتبس

فوائد :

جوهرة :قال ابن تيمية (ت:728) رحمه الله:

(فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعلمية، فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر، والعملية كالاعمال العامة المذكورة فى الانعام والاعراف وسورة بنى إسرائيل، كقوله تعالى {قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآيات الثلاث، وقوله {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} إلى آخر الوصايا، وقوله {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين}، وقوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون}

فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع، كعامة ما فى السور المكية، فإن السور المكية تضمنت الأصول التى اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة.

وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة، كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التى أكمل الله بها الدين، كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام المناكح ونحوها، وأحكام الأموال بالعدل كالبيع، والاحسان كالصدقة، والظلم كالربا، وغير ذلك مما هو من تمام الدين.

ولهذا كان الخطاب فى السور المكية {يا أيها الناس}؛ لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذلا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل، فلما هاجر النبى إلى المدينة، وعزَّ بها أهل الإيمان، وكان بها أهل الكتاب، خوطب هؤلاء وهؤلاء، فهؤلاء {يا أيها الذين آمنوا}، وهؤلاء {يا أهل الكتاب} أو {يا بنى إسرائيل}، ولم ينزل بمكة شيء من هذا، ولكن في السور المدنية خطاب {يا أيها الناس}، كما في سورة النساء وسورة الحج، وهما مدنيتان وكذا فى البقرة).

مجموع الفتاوى 15/ 159 - 160.

درة: لا تجد في القرآن الكريم البر أو الدعاء أو التوصية إلا بذكر الوالدين لا الأبوين ، لأن الأم أقرب بهذا الوصف فهي أولى بالإحسان

أمثلة:

"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 23" الاسراء

" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 36" النساء

" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً "

"رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ 41" ابراهيم

ولم يرد استعمال (الأبوين) إلا مرة في المواريث، حيث نصيب الأب أكثر من نصيب الأم، أو التساوي في الأنصبة

كما ان لفظ (الأبوان) قد يأتي للجدين: "وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ 6" يوسف

ويأتي لآدم وحواء: "يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ 27" لأعراف

فائدة :الأصل في الأشياء الحل والمحرم محصور , فكل ما تراه من مطعومات ومشروبات والملبوسات والمنافع فالأصل فيه أنه حلال , والمحرم محصور ومعدود بفضل الله عز وجل , ولذلك فآياته في القرآن تأتي بصيغة الحصر كما في هذه الآية.

فائدة:خص بعض الفواحش بالذكر لشناعتها وبشاعتها وخطورتها بين الناس، وإلا فإن الله تعالى قد حرم الفواحش ودخل في هذا التحريم الفواحش الظاهرة والباطنة القولية والفعلية.

إرتبطت عقيدة التوحيد في الإسلام بالأخلاق

وتنظيم حياة البشر ووضع المواثيق لحقوق الإنسان ؛ فإليك أهم المبادئ التي نأخذها من الآيات الكريمة

أولا- التحرر من العبودية لغير الله سبحانه - فالتوحيد هو أساس الحرية التي يسعى اليها الإنسان , فإذا أسلم العبد لله, وشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله , فقد تحققت له الحرية الحقيقية لا الحريات الزائفة التي تدور حول الإنفلات الخلقي الذي نشاهده

والذي يؤدي إلى الأمراض النفسية والهلاك في الدنيا والأخرة

ثانيا- الإحسان إلى الآباء , وهذه قمة الأخلاق التى لا تعرفها الدول المتقدمة.

ثالثا- حقوق الطفل , فقد أمرنا الله تعالى بعدم قتلهم بسبب الفقر , فإن الذي خلقنا هو الذي يرزقنا وإياهم , والذي يتصور غير ذلك ليس بمؤمن.وحقوق الطفل كثيرة في الشريعة الإسلامية.

رابعا- عدم القرب من الفواحش ماظهر منها وما بطن - والنهي هنا جاء مشددا

خامسا- حماية النفس الإنسانية ,متمثلة في تحريم قتل النفس

سادسا- صيانة مال اليتيم , بالنهي عن تبديد ماله الذي ورثه , ولكن إن كان التعامل مع مال اليتيم لتنميته واستثماره فلا بأس , فإذا بلغ اليتيم الرشد فيسلم إليه ماله

سابعا- الوفاء في الكيل في حالة البيع بهذه الوسيلة, (المكيال)

والوفاء والدقة في الميزان في حالة البيع بهذه الوسيلة (الميزان)

وهذا بقدر الإمكان قال تعالى: لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا

ثامنا- العدل في القول , ولو كان الذي عليه الحق قريب , فالعدل أساس الملك وبدون العدل تنهار الأمم.

تاسعا- الوفاء بعهد الله, في حال الإتفاق بين الأفراد بعهود معينة, وجب الوفاء بها, وكذلك العهود المبرمة بين الدول , وما كانت المنازعات وماكانت الحروب إلا بعدم الوفاء بالعهود.

عاشرا- اتباع طريق الله المستقيم , والطريق المستقيم هو الطريق الموصل إلى السعادة في الدنيا وإلى جنات الله في الأخرة

النهي عن إتباع طرق الشيطان لانها تبعدنا عن طريق الحق والهدى.

هذه المبادئ العظيمة مرتبطة بعقيدة التوحيد ولا يمكن أن نفصل بينها .

قال ابن مسعود رضي الله عنه من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمته فليقرأ هذه قوله تعالى : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) إلى قوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)

تنبيه : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه جائز في باب الخبر وغير جائز في باب الطلب والمناداة (لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضا)

-جاء في خاتمة هذه الآيات التنويه بالقرآن الكريم وبركته والأمر باتباعه لأنه يهدي للتي هي أقوم.

   طباعة 
2 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

التفسير المتشابهة التفسير التالية

جديد التفسير
جديد التفسير

جديد قسم التخريجات