(47 ‘ 48 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد البلوشي ،
وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٢١) – (باب: الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨١] (٤٧) – (حدثني حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله – ﷺ – قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»).
[١٨٢] (…) – (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله – ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا، أو ليسكت»).
[١٨٣] (…) – (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله – ﷺ – بمثل حديث أي حصين، غير أنه قال: «فليحسن إلى جاره»).
[١٨٤] (٤٨) – (حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير جميعا، عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو، أنه سمع نافع بن جبير، يخبر عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي – ﷺ – قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(٢١) – (باب: الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨١] (٤٧) -الحديث
شرح الحديث:
(عن أبي هريرة) – رضي الله عنه -، (عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -) أنه (قال: «من) شرطية، أو موصولة مبتدأ، خبره جملة “فليقل … إلخ” (كان يؤمن بالله واليوم الآخر) قال الأبي: هو من خطاب التهييج، أي من صفة المؤمن، لا أنه شرط حقيقة. انتهى [“شرح الأبي”، ١/ ١٥١].
المراد به الإيمان الكامل، وخصه «بالله، واليوم الآخر» إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات [«فتح» ١٠/ ٥٤٨].
(فليقل خيرا، أو ليصمت) بضم الميم
ومعنى الحديث: أن المرء إذا أراد أن يتكلم، فليفكر قبل كلامه، فإن علم أنه لا يترتب عليه مفسدة، ولا يجر إلى محرم ولا مكروه، فليتكلم، وإن كان مباحا فالسلامة في السكوت؛ لئلا يجر المباح إلى المحرم والمكروه،
وفي حديث أبي ذر – رضي الله عنه – الطويل الذي صححه ابن حبان: «ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه»، قاله في «الفتح» [«فتح» ١٠/ ٦٥٤].
حديث أبي ذر في الضعيفه 3089 وقال : ضعيف جدا
وورد في المصنف لعبدالرزاق : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : سمعت وهيبا ، يقول : إن عمر بن عبد العزيز قال : ” من عد كلامه من عمله قل كلامه ” .
وقال النووي في «شرحه»: معناه أنه إذا أراد أن يتكلم، فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا، يثاب عليه، واجبا أو مندوبا، فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير، يثاب عليه، فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه، أو مباح مستوي الطرفين،
فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه، مندوبا إلى الإمساك عنه؛ مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا، وقد قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)﴾ [ق: ١٨].
واختلف العلماء في أنه هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب؛ لعموم الآية، أم لا يكتب إلا ما فيه جزاء، من ثواب أو عقاب؟
وإلى الثاني ذهب ابن عباس – رضي الله عنهما – وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الآية مخصوصة، أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء، وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات؛ لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات.
وقد أخذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى معنى الحديث، فقال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر، أو شك فيه أمسك. انتهى كلام النووي [«شرح مسلم» ٢/ ١٩].
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره) وكذا هو في حديث أبي شريح بلفظ: «فليكرم جاره»، وفي رواية أبي هريرة التالية: «فلا يؤذ جاره»، وفي الرواية الثالثة: «فليحسن إلى جاره».
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وضيفه، وبرهما، وكل ذلك تعريف بحق الجار، وحث على حفظه، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إليه في كتابه العزيز، وقال – ﷺ -: «ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه»، متفق عليه.
[تنبيه]: قال في «الفتح»: ورد تفسير الإكرام والإحسان للجار، وترك أذاه في عدة أحاديث أخرجها الطبراني، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأبو الشيخ في «كتاب التوبيخ» من حديث معاذ بن جبل، قالوا: يا رسول الله ما حق الجار على الجار؟
قال: «إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك، إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة، فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ولدك؛ ليغيظ بها ولده»، وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثره لعمرو بن شعيب، وفي حديث بهز بن حكيم: «وإن أعوز سترته»، وأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلا.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قوله: «يشعر بأن للحديث أصلا» فيه نظر لا يخفى؛ إذ الأسانيد الواهية لا يتقوى بعضها ببعض، فكيف تشعر بثبوت أصل الحديث؟ فتبصر، والله تعالى أعلم.
قال: ثم الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحبا، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٥٤٨].
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه) زاد في حديث أبي شريح: «جائزته، قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام …» الحديث.
و«الضيف»: يطلق على الواحد، وغيره بلفظ واحد؛ لأنه في الأصل مصدر قاله الفيومي [«المصباح المنير» ٢/ ٣٦٦].
الضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، ومن خلق النبيين عليهم الصلاة والسلام، والصالحين، قال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤] قيل: أكرمهم إبراهيم عليه السلام بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد أوجبها الليث ليلة واحدة، واحتج بالحديث: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم»وهو في صحيح الأدب [قال الإتيوبي في حاشية : “أخرجه أحمد ٤/ ١٣٠ و١٣٢ و١٣٣، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، وإسناده صحيح”. انتهى] ، وبحديث عقبة: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».
وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق، وحجتهم قوله – صلى الله عليه وسلم -: «جائزته يوم وليلة»، والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «فليكرم»، و«ليحسن» يدل على هذا أيضا، إذ ليس يستعمل مثله في الواجب، مع أنه مضموم إلى الإكرام للجار، والإحسان إليه، وذلك غير واجب،
وتأولوا الأحاديث أنها كانت في أول الإسلام؛ إذ كانت المواساة واجبة.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: لا يخفى على من تأمل أن ما أول به عامة الفقهاء غير واضح، فالحق ما قاله الليث رحمه الله تعالى من وجوب الضيافة؛ لظهور حجته، بل سيأتي ترجيح القول بوجوبها ثلاثة أيام، فتبصر، والله تعالى أعلم.
واختلفوا، هل الضيافة على الحاضر والبادي أم على البادي خاصة؟
فذهب الشافعي رحمه الله، ومحمد بن عبد الحكم إلى أنها عليهما،
وقال مالك، وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي؛ لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق، ومواضع النزول، وما يشترى من المأكل في الأسواق، وقد جاء في حديث: «الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر»، لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع،
وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا، وخيف عليه، وعلى أهل الذمة إذا اشترطت عليهم. انتهى كلام القاضي عياض [«إكمال المعلم» ١/ ٢٨٦ – ٢٨٩].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أيضا أن ما ذهب إليه الشافعي، وابن عبد الحكم من وجوب الضيافة على أهل الحاضر والبادي هو الأرجح؛ لعموم الأدلة، وضعف متمسك من خالفهم، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – هذا متفق عليه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨٢] (…) – الحديث
وقوله: (فلا يؤذي جاره) قال النووي رحمه الله تعالى: كذا وقع في الأصول: «يؤذي» بالياء في آخره، وروينا في غير مسلم: «فلا يؤذ» بحذفها، وهما صحيحان، فحذفها للنهي، وإثباتها على أنه خبر، يراد به النهي، فيكون أبلغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] على قراءة من رفع، ومنه قوله – ﷺ -: «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه»، ونظائره كثيرة، والله تعالى أعلم. انتهى [«شرح مسلم» ٢/ ٢٠].
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨٤] (٤٨) – الحديث
(أبو شريح الخزاعي) الكعبي، اختلف في اسمه، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة.
أسلم قبل الفتح هكذا في «الإصابة» ٧/ ١٧٣، والذي في «تهذيب التهذيب»، و«تحفة الأشراف»: أسلم يوم الفتح، والظاهر أن ما في «الإصابة» هو الصواب، فتأمل”. انتهى]، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح، مات سنة ثمان وستين على الصحيح
وحديث أبي شريح الخزاعي – رضي الله عنه – هذا متفق عليه. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه»: «باب: حق الجوار في قرب الأبواب»، ثم أورد فيه حديث عائشة – رضي الله عنها -، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا».
قال في «الفتح»: قوله: «أقربهما» أي: أشدهما قربا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.
وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبا، ويؤخذ من الحديث: أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه: تقديم العلم على العمل.
واختلف في حد الجوار:
فجاء عن علي – رضي الله عنه -: «من سمع النداء فهو جار»،
وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار،
وعن عائشة: حد الجوار أربعون دارا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثله،
وأخرج البخاري في «الأدب المفرد» مثله عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف، عن كعب بن مالك، مرفوعا: «ألا إن أربعين دارا جار»،
وأخرج ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: «أربعون دارا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، ومن بين يديه»، وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة. انتهى [راجع: «الفتح» ١٠/ ٥٤٩ – ٥٥٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث – الحديث الأول – بكلام حسن طويل، لكنه مشتمل على نفائس العلوم، ودقائق الفهوم، أحببت إيراده في مسائل، وإن كان كثير منه سبق ذكره، إلا أن فيه زوائد سديدة، وعوائد مفيدة. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثانية): في قوله – ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر … إلخ»، فإنه يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق: أن الأعمال تدخل في الإيمان، وقد فسر النبي – ﷺ – الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد بالصبر عن المعاصي، والسماحة بالطاعة.
وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله، كأداء الواجبات، وترك المحرمات، ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره.
وتارة تتعلق بحقوق عباده، كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن:
[أحدها]: قول الخير، والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي – رضي الله عنه – قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «هل تملك لسانك؟» قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: «فهل تملك يدك؟» قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: «فلا تقل بلسانك إلا معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير» [رواه الطبراني في «الكبير» (٨١٨)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٠٠، وحسن إسناده].
وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان، كما في «المسند» عن أنس – رضي الله عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يستقيم إيمان عبد، حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه» صحيح الترغيب 2554 [أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ 13048 ورجال إسناده ثقات، إلا أن فيه عنعنة قتادة].
وخرج الطبراني من حديث أنس – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يخزن من لسانه» [أخرجه في «الأوسط» و«الصغير»، قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٠٢: فيه داود بن هلال، ذكره أبو حاتم، ولم يذكر فيه ضعفا، وبقية رجاله رجال الصحيح]. وهو في الضعيفة 2027 وقال : ضعيف .
وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «إنك لن تزال سالما ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك» [أخرجه في «الكبير» ٢٠/ ١٣٧، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. «مجمع» ١٠/ ٣٠٠].
الطبراني في الكبير ١٦٥٦١، وصححه الألباني في صحيح الجامع
وفي «مسند الإمام أحمد» عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما -، عن النبي – ﷺ – قال: «من صمت نجا» [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ١٥٩ و١٧٧، والترمذي (٢٥٠١)، والدارمي ٢/ ٢٩٩”. انتهى].
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يزل بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب».
وخرج الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار» [صححه ابن حبان (٥٧٠٦)].
وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ -، قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم».
وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان بن سحيم، عن أمه، قالت: سمعت النبي – ﷺ – يقول: «إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيتكلم بالكلمة، فيتباعد بها أبعد من صنعاء» [قال الإتيوبي رحمه الله في حاشية البحر الثجاج: “في سنده عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس”. انتهى]. وهو في ضعيف الترغيب 1717 وقال : ضعيف
وخرج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي من حديث بلال بن الحارث، قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه» [أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٩، والترمذي (٢٣١٩) وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٢٨٠)]. وهو في الصحيحة 888
وعن أم حبيبة – رضي الله عنها -، عن النبي – ﷺ – قال: «كلام ابن آدم عليه، لا له إلا ذكر الله عز وجل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر: “أخرجه الترمذي (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤)، وحسنه الترمذي، مع أن في سنده أم صالح بنت صالح لا يعرف حالها”. انتهى.]. وهو في ضعيف الترمذي
وقوله – ﷺ -: «فليقل خيرا، أو ليصمت» أمر بقول الخير، وبالصمت عما عداه، وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه، بل إما أن يكون خيرا، فيكون مأمورا بقوله، وإما أنه غير خير، فيكون مأمورا بالصمت عنه، وحديث معاذ، وأم حبيبة يدلان على هذا.
وخرج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه -، ولفظه: إن النبي – ﷺ – قال له: «يا معاذ ثكلتك أمك، وهل تقول شيئا إلا وهو لك أو عليك».
وقد قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)﴾ [ق: ١٨]،
وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات، وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – بإسناد ضعيف [رواه الطبراني (٧٧٦٥ و٧٧٨٧ و٧٩٧١) ولفظه: «صاحب اليمين أمين على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنة أثبتها، وإذا عمل سيئة قال له صاحب اليمين: امكث ست ساعات، فإن استغفر لم يكتب عليه، وإلا أثبت عليه سيئة»، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٠٨: رواه الطبرني بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا].
الضعيفه 2237 موضوع
إنما حسنه بلفظ
٣٨٦٠ – إنّ صاحِبَ الشِّمالِ لَيَرْفَعُ القَلَمَ سِتَّ سَاعَات عن العبد المسلم المخطئ فإنْ نَدِمَ واسْتَغْفَرَ الله مِنْها أَلْقَاهَا وإلاّ كتبت واحدة
(طب) عن أبي أمامة. صحيح الجامع
وهو في الصحيحة 1209
وفي «الصحيح» عن النبي – ﷺ -: «إذا كان أحدكم يصلي، فإنه يناجي ربه، والملك عن يمينه»، وروي من حديث حذيفة – رضي الله عنه – مرفوعا: «إن عن يمينه كاتب الحسنات» [رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٤ بإسناد صحيح].
واختلفوا هل يكتب كل ما يتكلم به، أم لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب؟
على قولين مشهورين.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، وشربت، وذهبت، وجئت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، فذلك قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].
وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «ما من قوم يقومون من مجلس، لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة» [صححه الحاكم ١/ ٤٩٢، وابن حبان (٥٩٠ و٥٩٢)]، وخرجه الترمذي، ولفظه: «ما جلس قوم مجلسا، لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم – ﷺ – إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم»، وفي رواية لأبي داود، والنسائي: «من قعد مقعدا، لم يذكر الله فيه، إلا كان عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا، لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة»، زاد النسائي: «ومن قام مقاما، لم يذكر الله فيه، كان عليه من الله ترة»، وخرج أيضا من حديث أبي سعيد – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «ما من قوم يجلسون مجلسا، لا يذكرون الله فيه، إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة» [أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» (٤٠٩) و(٤١٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٢) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -]. وراجع الصحيحة 76
وقال مجاهد: ما جلس قوم مجلسا، فتفرقوا قبل أن يذكروا الله، إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم، وما جلس قوم مجلسا، فذكروا الله قبل أن يتفرقوا، إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك، وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم.
وقال بعض السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات، وخرجه الطبراني، من حديث عائشة – رضي الله عنها -، مرفوعا: «ما من ساعة تمر بابن آدم، لم يذكر الله فيها بخير، إلا تحسر عندها يوم القيامة» [رواه الطبراني في «الأوسط»، وقال الهيثمي في «المجمع»: فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك”. ]. وهو في ضعيف الترغيب 913 وقال : ضعيف جدا .
فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام، فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة، مما لا بد منه.
وقد روي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: إياكم وفضول الكلام، حسب امرئ ما بلغ حاجته، وعن النخعي قال: يهلك الناس في فضول المال والكلام.
وأيضا: فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه، يوجب قساوة القلب، كما في الترمذي من حديث ابن عمر، مرفوعا: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي» [أخرجه الترمذي (٢٤١١) وفي سنده إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، وقال عنه في «التقريب»: صدوق، روى مراسيل، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله]. وضعفه الألباني في الضعيفة 920
وقال عمر – رضي الله عنه -: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به.
وخرجه العقيلي من حديث ابن عمر، مرفوعا بإسناد ضعيف.
وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم، فتخبر به، أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك.
وقال رجل لسلمان – رضي الله عنه -: أوصني، قال: لا تتكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحق، أو اسكت.
وكان أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – يأخذ بلسانه، ويقول: هذا أوردني الموارد [رواه مالك ٢/ ٩٨٨].
وقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان، وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت، وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم إنك ما سكت فأنت سالم، فإذا تكلمت فخذ حذرك، إما لك وإما عليك.
وهذا باب يطول استقصاؤه، والمقصود أن النبي – ﷺ – أمر بالكلام بالخير، والسكوت عما ليس بخير.
وخرج الإمام أحمد، وابن حبان من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنهما -: أن رجلا قال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة … فذكر الحديث، وفيه قال: «فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير» [صحيح ابن حبان (٣٧٤)]. صحيح التعليق الرغيب للألباني .
فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لا بد من الكلام بالخير، والسكوت عن الشر.
وكان السلف كثيرا يمدحون الصمت عن الشر، وعما لا يعني؛ لشدته على النفس، ولذلك يقع الناس فيه كثيرا، فكانوا يعالجون أنفسهم، ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
قال الفضيل بن عياض: ما حج، ولا رباط، ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد، وقال: سجن اللسان سجن المؤمن، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في غم شديد.
وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه: إن كان الكلام من فضة، فإن الصمت من ذهب، فقال: معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب.
وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات.
وتذاكروا عند الأحنف بن قيس أيما أفضل، الصمت أو النطق؟
فقال قوم: الصمت أفضل، فقال الأحنف: النطق أفضل؛ لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والنطق الحسن ينتفع به من سمعه.
وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله: الصامت على علم كالمتكلم على علم، فقال عمر: إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالا، وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، وكيف بفتنة النطق؟ فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا.
ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يوما، فرق الناس، وبكوا، فقطع خطبته، فقيل له: لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به، فقال عمر: إن القول فتنة، والفعل أولى بالمؤمن من القول.
وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر، فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحد الحكماء: إذا كان المرء يحدث في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت، وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت فليحدث، وهذا حسن، فإن من كان كذلك كان سكوته وحديثه بمخالفة هواه، وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك كان جديرا بتوفيق الله إياه، وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأن كلامه وسكوته يكون لله عز وجل.
وبكل حال فالتزام الصمت مطلقا، واعتقاده قربة إما مطلقا، أو في بعض العبادات، كالحج والاعتكاف والصيام منهي عنه.
وروي من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – ﷺ – نهى عن صيام الصمت، وخرج الإسماعيلي من حديث علي – رضي الله عنه -: نهانا رسول الله – ﷺ – عن الصمت في العكوف، وفي «سنن أبي داود» من حديث علي – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «لا صمات يوم إلى الليل». صحيح سنن أبي داود
وقال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – لامرأة حجت مصمتة: إن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، وروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: صوم الصمت حرام. انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى في الجزء الأول من الحديث [«جامع العلوم والحكم» ٢/ ٣٣٢ – ٣٤٣]، قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: وهو بحث نفيس جدا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثالثة): في الأمر الثاني مما أمر به النبي – ﷺ – في هذا الحديث المؤمنين، وهو إكرام الجار، وفي بعض الروايات النهي عن أذى الجار، فأما أذى الجار فمحرم؛ لأن الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما.
وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قيل: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك».
وفي «مسند الإمام أحمد» عن المقداد بن الأسود – رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله – ﷺ -: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله – ﷺ -: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»، قال: «فما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرام حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره».
وفي «صحيح البخاري» عن أبي شريح – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، وخرجه الإمام أحمد وغيره، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه».
وخرج الإمام أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أيضا، قال: قيل: يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء، تؤذي جيرانها، سليطة، قال: «لا خير فيها، هي في النار»، وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار ، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا، قال: «هي في الجنة»، ولفظ الإمام أحمد: «ولا تؤذي بلسانها جيرانها» [قال الإتيوبي: “رواه أحمد (٢/ ٤٤٠)، والبخاري في»الأدب المفرد«(١١٩)، وصححه الحاكم في»المستدرك«٤/ ١٦٦ ووافقه الذهبي، مع أن فيه أبا يحيى مولى جعدة بنت هبيرة، لم يرو عنه غير الأعمش”]. قال الألباني : صحيح كما في صحيح الترغيب
[«الأثوار جمع ثور، وهو القطعة العظيمة من الأقط]
وخرج الحاكم من حديث أبي جحيفة – رضي الله عنه – وصححه، قال: جاء رجل إلى النبي – ﷺ – يشكو جاره، فقال له: «اطرح متاعك في الطريق»، قال: فجعل الناس يمرون به، ويلعنونه، فجاء إلى النبي – ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ما لقيت من الناس، قال: «وما لقيت؟» قال: يلعنوني، قال: «فقد لعنك الله قبل الناس»، قال: «يا رسول الله، فإني لا أعود»، وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، ولم يذكر فيه: «فقد لعنك الله قبل الناس» [صححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي]. وهو في صحيح الترغيب 2558 وقال صحيح لغيره
وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة – رضي الله عنه -، قالت: دخلت شاة لجارة لنا، فأخذت قرصة لنا، فقصت إليها فأخذتها من بين لحييها، فقال رسول الله – ﷺ -: «إنه لا قليل من أذى الجار» [رواه الطبراني في»المعجم الكبير«٢٣/ ٥٣٥، وذكره الهيثمي في»المجمع” ٨/ ١٧٠، وقال: رجاله ثقات]. حكم الألباني بأنه ضعيف جدا الضعيفة 4809 .
فأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به؛
وقد قال الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد، وحقوق العباد على العباد أيضا، وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع:
[أحدها]: من بينه وبين الإنسان قرابة، وخص منهم الوالدين بالذكر؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشركونهما فيه، فإنهما كانا السبب في وجود الولد، ولهما حق التربية والتأديب، وغير ذلك.
[الثاني]: من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان، وهو نوعان: من هو محتاج؛ لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج؛ لقلة ماله، وهو المسكين.
[والثالث]: من له حق القرابة، والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جار ذو قربى، وجار جنب، وصاحب بالجنب.
وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار الذي له قرابة، والجار الجنب: الأجنبي، ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب، وقد روي عن النبي – ﷺ – أنه كان يقول في دعائه: «أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة، فإن جار البادية يتحول» [رواه أحمد ٢/ ٣٤٦، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٧)، والنسائي ٨/ ٢٧٤، وصححه ابن حبان (١٠٣٣)، والحاكم ١/ ٥٣٢ ووافقه الذهبي].
ومنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار المسلم، والجار الجنب: الكافر، وفي «مسند البزار» من حديث جابر – رضي الله عنه – مرفوعا: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك، لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم، ذو رحم، فله حق الإسلام، وحق الجوار، وحق الرحم» [رواه البزار (١٨٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٠٧ من طريق الحسن البصري، عن جابر، ولم يسمع منه، وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٦٤: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي، وهو وضاع]. وهو في الضعيفة 2493 .
وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة، ولا تخلو كلها من مقال.
وقيل: الجار ذو القربى: هو القريب الملاصق، والجار الجنب: البعيد الجوار.
وفي «صحيح البخاري» عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما بابا».
وقال طائفة من السلف: حد الجوار أربعون دارا، وقيل: مستدار أربعين دارا من كل جانب.
وفي مراسيل الزهري أن رجلا أتى النبي – ﷺ – يشكو جارا له، فأمر النبي – ﷺ – بعض أصحابه أن ينادي: ألا إن أربعين دارا جار، قال الزهري: وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني ما بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله.
وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ قدرا، وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين، أو أربعين نفسا، يعني أنهم سكان معه في الدار، قال: يبدأ بنفسه، وبمن يعول، فإن فضل أعطى الأقرب إليه، وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم؟، قيل له: لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر، ليس له عنده موقع، فرأى أنه لا يبعث إليه.
وأما الصاحب بالجنب: ففسره طائفة بالزوجة، وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر، وإنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك، ويلم بك لتنفعه، وفي «المسند»، والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي – ﷺ – قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» [رواه أحمد ٢/ ١٦٧ و١٦٨، والترمذي (١٩٤٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٥)، وصححه ابن حبان (٥١٨ و٥١٩)، والحاكم ٢/ ١٠١ و٤/ ١٦٤ ووافقه الذهبي]. وصححه الألباني في صحيح الأدب
الرابع: من هو وارد على الإنسان، غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل، يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر، وفسره بعضهم بالضيف، يعني به ابن السبيل، إذا نزل ضيفا على أحد.
والخامس: ملك اليمين، وقد وصى النبي – ﷺ – بهم كثيرا، وأمر بالإحسان إليهم، وروي أن آخر ما وصى به عند موته الصلاة، وما ملكت أيمانكم [رواه أحمد ٣/ ١٧، وابن ماجه (٢٦٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٦٠٥)].
وأدخل بعض السلف في هذه الآية ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم.
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي «الصحيحين» عن عائشة، وابن عمر – رضي الله عنهم – عن النبي – ﷺ -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه».
فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته، وفي «المسند» عن عمر – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «لا يشبع المؤمن دون جاره» [رواه أحمد ١/ ٥٥، ومن طريقه الحاكم ٤/ ١٦٧، وفي إسناده انقطاع]، وخرج الحاكم من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما -، عن النبي – ﷺ – قال: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع» [صححه الحاكم ٤/ ١٦٧ ووافقه الذهبي]، صححه الألباني في صحيح الأدب وفي رواية أخرى عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، عن النبي – ﷺ – قال: «ما آمن من بات شبعان، وجاره طاويا» [رواه ابن عدي في»الكامل«٢/ ٦٣٧ وفي سنده حكيم بن جبير ضعيف، وله شاهد من حديث أنس عند الطبراني في»الكبير«(٧٥١) وفيه محمد بن سعيد الأثرم ضعفه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وله طريق آخر عند البزار (١١٩) وفيه علي بن زيد بن جدعان، ضعيف، وحسنه الهيثمي في»المجمع«٨/ ١٦٧، والمنذري في»الترغيب والترهيب«٣/ ٣٥٨].
وفي «المسند» عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ -: «أول خصمين يوم القيامة جاران» [رواه أحمد ٤/ ١٥١، والطبراني في»الكبير«١/ ٨٥٢ بإسناد حسن، ورواه الطبراني ١٧/ ٨٣٦ بإسناد آخر، وقال الهيثمي في»المجمع”: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح]. صحيح الترغيب وقال : حسن
وفي كتاب «الأدب» للبخاري عن ابن عمر – رضي الله عنهما -: «كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه» [رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١١١) وفي سنده ليث بن أبي سليم، ضعيف]. لكن الألباني قال حسن لغيره صحيح الأدب
وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف، من حديث عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي – ﷺ – قال: «من أغلق بابه دون جاره؛ مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنيته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بقتار قدرك [«القتار» كالدخان وزنا ومعنى، قاله في «المصباح»]، إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك؛ ليغيظ بها ولده». الضعيفة 5391
ورفع هذا الكلام منكر، ولعله من تفسير عطاء الخراساني.
وقد روي أيضا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر، مرفوعا: «أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها».
وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: «أوصاني خليلي – ﷺ -: إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك، فأصبهم منها بمعروف»، وفي رواية أن النبي – ﷺ – قال: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».
وفي «المسند»، والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه ذبح شاة، فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر: “حديث صحيح”. انتهى.].وهو في صحيح الترغيب 2574 وقال : صحيح .
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره»، ثم يقول أبو هريرة – رضي الله عنه -: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم.
ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه، أن يمكن جاره من وضع خشبة على جداره، إذا احتاج الجار إلى ذلك، ولم يضر بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح، وظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده، بما لا يضر به، إذا علم حاجته. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إني لأسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع، فقال: قد يصدق وقد يكذب، قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنه يجوع؟، قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئا، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنما هو الجار.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: الأغنياء يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئا على شيء، كيف لا يجب عليهم؟ قلت: فإذا كان للرجل قميصان – أو قلت: جبتان – يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلا.
وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفضائل، ولم يخصه بالجار، ونصه الأول يقتضي اختصاصه بالجار.
وقال في رواية ابن هانئ في السؤال يكذبون: أحب إلينا لو صدقوا، ما وسعنا إلا مواساتهم. وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران وغيرهم.
وفي «الصحيح» عن أبي موسى – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني».
وفي «المسند»، وصحيح الحاكم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي – ﷺ – قال: «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل» [صححه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على «المسند»، راجعه رقم (٤٨٨٠)]. وهو في ضعيف الترغيب 1100 وقال : منكر
ومذهب أحمد ومالك أنه يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره، فيجب عندهما كف الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضر به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه، ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه في بذله، وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله بالأذى، قال الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى.
ويروى من حديث أبي ذر – رضي الله عنه -: “إن الله يحب الرجل، يكون له الجار يؤذيه جواره، فيصبر على أذاه، حتى يفرق بينهما موت، أو ظعن”، خرجه الإمام أحمد [«المسند» ٥/ ١٥١، وفيه ابن الأحمس مجهول]. وهو في صحيح الترغيب 2569 وقال : صحيح
وفي مراسيل أبي عبد الرحمن الحبلي: أن رجلا جاء إلى النبي – ﷺ – يشكو إليه جاره، فقال له النبي – ﷺ -: “كف أذاك عنه، واصبر لأذاه، فكفى بالموت مفرقا”، خرجه ابن أبي الدنيا [وفي إسناده رشدين بن سعد، ضعيف]. انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيس جدا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الرابعة):
في الأمر الثالث مما أمر به النبي – ﷺ – المؤمنين في هذا الحديث، وهو إكرام الضيف، والمراد إحسان ضيافته.
وفي “الصحيحين” من حديث أبي شريح – رضي الله عنه – قال: أبصرت عيناي رسول الله – ﷺ -، وسمعته أذناي حين تكلم به، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته»، قالوا: وما جائزته؟ قال: «يوم وليلة»، قال: «والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة».
وخرج مسلم من حديث أبي شريح أيضا، عن النبي – ﷺ – قال: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه»، قالوا: يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال: «يقيم، ولا شيء له يقريه به».
وخرج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، قالها ثلاثا، قالوا: وما إكرام الضيف يا رسول الله؟ قال: «ثلاثة أيام، فما جلس بعد ذلك فهو صدقة» [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا في حاشية البحر المحيط: “رواه أحمد ٣/ ٧٦ من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد – رضي الله عنه -، وهذا إسناد ضعيف، فابن لهيعة سيء الحفظ، ودراج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، ورواه بلفظ: «الضيافة ثلاثة أيام …» أحمد ٣/ ٨ و٢١ و٣٧ و٦٤ و٨٦، وأبو يعلى (١٢٤٤ و١٢٨٧)، والبزار (١٩٣١ و١٩٣٢)، وصححه ابن حبان (٥٢٨١)، وقال الهيثمي في «المجمع»: رواه أحمد هكذا مطولا ومختصرا بأسانيد، وأبو يعلى، والبزار، وأحد أسانيد رجاله رجال الصحيح”]. وهو في صحيح الترغيب 2594 وقال : صحيح لغيره
ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام، ففرق بين الجائزة والضيافة، وأكد الجائزة،
وقد ورد في تأكيدها أحاديث أخر، فخرج أبو داود، من حديث المقدام بن معد يكرب – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك»، وخرجه ابن ماجه، ولفظه: «ليلة الضيف حق على كل مسلم» [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر الثجاج: ” إسناده صحيح”. انتهى.]. وهو في الصحيحة 2204 وقال له شاهد من حديث عقبة مخرج في الإرواء 2591
وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث المقدام أيضا، عن النبي – ﷺ – قال: «أيما رجل أضاف قوما، فأصبح الضيف محروما، فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله». الضعيفة 6881 وقال : منكر بهذا التمام
وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا، فننزل بقوم، لا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله – ﷺ -: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف، الذي ينبغي لهم». الإرواء 2591
وخرج الإمام أحمد، والحاكم، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ – قال: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروما، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه» [أخرجه أحمد ٣/ ٣٨٠، وصححه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٣٢، ووافقه الذهبي]. وهو في الصحيحة 640
وقال عبد الله بن عمرو: من لم يضف فليس من محمد – صلى الله عليه وسلم -، ولا من إبراهيم عليه السلام، ( لم نجده مسندا )
وعن إبراهيم بن نشيط عن أنه دخل على عبد الله بن الحارث بن جزء – رضي الله عنه -: فرمى إليه بوسادة كانت تحته وقال : من لم يكرم ضيفه، فليس من محمد – صلى الله عليه وسلم -، ولا من إبراهيم عليه السلام قال الألباني ضعيف موقوف أعله ابوحاتم بالانقطاع بن إبراهيم وعبدالله بن الحارث .( ضعيف الترغيب 1535 )
وقال أبو هريرة – رضي الله عنه – لقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يضيفوه، فتنحى، ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يجيبوه، فقال لهم: لا تنزلون الضيف، ولا تجيبون الدعوة، ما أنتم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انزل عافاك الله، قال: هذا شر وشر، لا تنزلون إلا من تعرفون.( لم نجده مسندا )
وروي عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – نحو هذه القضية، إلا أنه قال لهم: ما أنتم من الدين إلا على مثل هذه، وأشار إلى هدبة في ثوبه.( لم نجده مسندا )
تنبيه : في الروض المعطار :
وحكى الأوزاعي قال: بلغني أن أبا هريرة رضي الله عنه نزل فامية فلم يضفه أحد، فلما رأى ذلك وضع سفرته، ثم دعا إليها فلم يجبه أحد، فلما رأى ذلك ارتحل، فقيل لهم: هذا أبو هريرة، فلحقوه فجعلوا يعتذرون إليه، فقالوا: ما عرفناك، فقال: أما تنزلون إلا من تعرفون؟ ما أنتم من الدين على مثل هذا، وأخذ هدبة من ثوبه.
الروض المعطار في خبر الأقطار ١/٤٣٣ — الحميري، ابن عبد المنعم (ت ٩٠٠)
ولم يذكر له مصدراً
وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يوما وليلة، وهو قول الليث، وأحمد، وقال أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه؛ لأنه حق له واجب،
وهل يأخذ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟، على روايتين منصوصتين عنه.
وقال حميد بن زنجويه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرا، إلا أن يكون مسافرا في مصالح المسلمين العامة، دون مصلحة نفسه.
وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أن يأكل، وإن لم يعلم أن سيده أذن؛ لأن الضيافة واجبة، وهو قياس قول أحمد؛ لأنه نص على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة، وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك، وروي ذلك عن النبي – ﷺ – أيضا، فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداء جاز إجابة دعوته، فإضافته لمن نزل به أولى.
ومنع مالك، والشافعي، وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده، ونقل علي بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مروا بهم ثلاثة أيام، والمشهور عنه الأول، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم، واختلف قوله: هل تجب على أهل الأمصار والقرى، أم تختص بأهل القرى، ومن كان على طريق يمر بهم المسافرون؟
على روايتين منصوصتين عنه، والمنصوص عنه أنها تجب للمسلم والكافر، وخص كثير من أصحابه الوجوب للمسلم، كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين،
فأما اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث فهما تمام الضيافة، والنصوص عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى، وقال: قد فرق بين الجائزة والضيافة، والجائزة أوكد، ومن أصحابنا – يعني الحنبلية – من أوجب الضيافة ثلاثة أيام، منهم أبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى، والآمدي، وما بعد الثلاث فهو صدقة.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فإن ظواهر النصوص تدل له، والله تعالى أعلم.
قال: وظن بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى، ورده أحمد بقوله – ﷺ -: «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة»، ولو كان كما ظن هذا لكان أربعة.
قلت – القائل ابن رجب -: ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى قوله: ﴿وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت: ٩ – ١٠]، والمراد في تمام الأربعة.
وهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم من حديث أبي شريح – رضي الله عنه -، وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قرى الضيف»، قيل: يا رسول الله، وما قرى الضيف؟ قال: «ثلاثة، فما كان بعد فهو صدقة».
قال حميد بن زنجويه: عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة، من الطعام أطيب ما يأكله هو وعياله، وفي تمام الثالث يطعمهم من طعامه، وفي هذا نظر، وسنذكر حديث سلمان – رضي الله عنه – بالنهي عن التكلف للضيف.
ونقل أشهب عن مالك قال: جائزته يوم وليلة، يكرمه، ويتحفه، ويخصه يوما وليلة، وثلاثة أيام ضيافة.
وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن ينفق عليه من ماله، ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث؛ لأنه قضى ما عليه، وفعل ذلك الإمام أحمد رحمه الله.
وقوله – ﷺ -: «لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه»، يعني: يقيم عنده حتى يضيق عليه، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة، أم فيما زاد عليها؟
فأما فيما ليس بواجب فلا شك، وأما ما هو واجب، وهو اليوم والليلة [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى معلقا في حاشية البحر الثجاج: “قد سبق ترجيح القول بوجوبها ثلاثة أيام، فلا تغفل”. انتهى]،
فيبنى على أنه، هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئا، أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به؟
فإن قيل: إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به، وهو قول طائفة من أهل الحديث، منهم حميد بن زنجويه، لم يحل للضيف أن يستضيف من هو عاجز عن ضيافته، وقد روي من حديث سلمان – رضي الله عنه – قال: نهانا رسول الله – ﷺ – أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا [رواه أحمد ٥٤٤١،
والطبراني في «الكبير» (٦٠٨٣ و٦٠٨٤ و٦٠٨٥ و٦١٨٧). قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٧٩: أحد أسانيد «الكبير» رجاله رجال الصحيح] وهو في الصحيحة 2392 ، فإذا نهي المضيف أن يتكلف للضيف ما ليس عنده دل على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف، إلا بما عنده، فإذا لم يكن عنده فضل لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه، كما فعل الأنصاري الذي نزل فيه: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩]، فذلك مقام فضل وإحسان، وليس بواجب، ولو علم الضيف أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يتأذون بذلك، لم يجز له استضافتهم حينئذ؛ عملا بقوله – ﷺ -: «ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه» [متفق عليه].
وأيضا فالضيافة نفقة واجبة، ولا تجب إلا على من عنده فضل عن قوته وقوت عياله، كنفقه الأقارب، وزكاة الفطر.
وقد أنكر الخطابي تفسير تأثيمه بأن يقيم عنده، ولا شيء له يقريه به، وقال: أراه غلطا، وكيف يأثم في ذلك، وهو لا يتسع لقراه، ولا يجد سبيلا إليه؟ وإنما الكلفة على قدر الطاقة، قال: وإنما وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث؛ لئلا يضيق صدره بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه المن والأذى، فيبطل أجره.
وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره، وإنما وجهه أنه أقام عنده، ولا شيء له يقريه به، فربما دعاه ضيق صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول أو فعل، وليس المراد أنه يأثم بترك قراه، مع عجزه عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [«جامع العلوم والحكم» ١/ ٣٣٢ – ٣٦٠]، وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): أن هذه الأمور المذكورة في هذا الحديث من شعب الإيمان.
٢ – (ومنها): الأمر بلزوم الصمت إلا عن الخير، فإذا أراد أن يتكلم بشيء ينبغي له أن يفكر في ذلك، فإن كان ما يتكلم به خيرا يثاب عليه، واجبا كان أو مندوبا فليتكلم به،
وإن لم يظهر له خيريته، سواء ظهر له أنه حرام، أو مكروه، أو مباح، فليمسك عنه، فالكلام المباح مأمور بتركه، مخافة انجراره إلى الحرام.
٣ – (ومنها): الأمر بإكرام الجار.
٤ – (ومنها): الأمر بإكرام الضيف، و[قد سبق] تحقيق الخلاف في وجوبه وعدمه.
٥ – (ومنها): هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير، وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يؤول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت.
وقد أخرج الطبراني، والبيهقي في «الزهد» من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – نحو حديث الباب، بلفظ: «فليقل خيرا ليغنم، أو ليسكت عن شر ليسلم»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٦ – (ومنها): ما قاله في «الفتح»: قد اشتمل حديث أبي هريرة وأبي شريح رضفا المذكوران في الباب على أمور ثلاثة، تجمع مكارم الأخلاق الفعلية والقولية، أما الأولان فمن الفعلية، وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة، والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة، وحاصله من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله، قولا بالخير، وسكوتا عن الشر، وفعلا لما ينفع، أو تركا لما يضر، وفي معنى الأمر بالصمت عدة أحاديث:
منها: حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقد تقدما.
وللطبراني عن ابن مسعود – رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ فذكر فيها: «أن يسلم المسلمون من لسانك».
ولأحمد، وصححه ابن حبان من حديث البراء – رضي الله عنه – رفعه في ذكر أنواع من البر قال: «فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير».
وللترمذي من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما -: «من صمت نجا» الصحيحة 536 ، وله من حديثه: «كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب»، وله من حديث سفيان الثقفي – رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف علي؟ قال: «هذا»، وأشار إلى لسانه، وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام – رضي الله عنه -، وفي حديث معاذ – رضي الله عنه – عند أحمد، والترمذي، والنسائي: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة …» فذكر الوصية بطولها، وفي آخرها: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا»، وأشار إلى لسانه … الحديث.
وللترمذي من حديث عقبة بن عامر – رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك». انتهى [«الفتح» ١٠/ ٥٤٩].
٧ – (ومنها): ما قاله العلامة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد المغربي: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث:
قول النبي – ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت»، وقوله – ﷺ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله – ﷺ – للذي اختصر له الوصية: «لا تغضب»، وقوله – ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: الصمت بسلامة هو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال، قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس، قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت، فلما علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات.
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: من عد كلامه من عمله، قل كلامه فيما لا يعنيه.
وعن ذي النون رحمه الله تعالى: أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه، ذكره النووي في «شرحه» [شرح مسلم” ٢/ ١٩ – ٢٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج].