(46 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأسامة وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، “(٢٠) – (بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨٠] (٤٦) – (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(٢٠) – (بَابُ: بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٨٠] (٤٦) – الحديث
شرح الحديث:
(جَارُهُ) يطلق الجار على عدّة معان، قال الفيّوميّ: جاوره مُجاورةً، وجِوَارًا، من باب قاتل، والاسم الْجُوَارُ بالضمّ: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثَعْلبٌ عن ابن الأعرابيّ: الجارُ الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجارُ الشريكُ في العقار مقاسمًا كان أو غير مقاسم، والجارُ الْخَفِيرُ، والجارُ الذي يُجير غيره، أي يُؤْمِنُهُ مما يَخَافُ، والجارُ المستجيرُ أيضًا، وهو الذي يَطْلُبُ الأمان، والجارُ الحليف، والجارُ الناصر، والجارُ الزوج، والجارُ أيضًا الزوجة، ويقال فيها أيضًا: جارةٌ، والجارةُ الضَّرَّة، قيل لها: جارةٌ؛ استكراهًا للفظ الضَّرَّة. انتهى [“المصباح المنير” ١/ ١١٤].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها صالحة؛ لأن تُراد في الحديث، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجار هنا يصلح للمجاور لك في مسكنك، ويصلح للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلّ واحد منهما يجب الوفاء بحقّه، وتحرُم أذيّته تحريمًا أشدّ من تحريم أذى مطلق المسلمين. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٢٨].
(بَوَائِقَهُ») جمع بائقة: وهي الغائلة، والداهية، والفتك، قاله النوويّ [«شرح مسلم» ٢/ ١٧]، وقال القرطبيّ: هي الداهية التي توبق صاحبها، أي تُهلكه. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٢٨]. وقال الفيّوميّ: البائقة: النازلة، وهي الداهية، والشرّ الشديد، وباقت الداهيةُ: إذا نَزَلت، والجمع البوائق. انتهى [«المصباح المنير» ١/ ٦٦]. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في معنى «لا يدخل الجنة»، جوابان يَجريان في كلّ ما أشبه هذا
قال النوويّ رحمه الله: في معنى «لا يدخل الجنة» جوابان يَجريان في كلّ ما أشبه هذا:
[أحدهما]: أنه محمولٌ على من استحلّ الإيذاء، مع علمه بتحريمه، فهذا كافرٌ لا يدخلها أصلًا.
[والثاني]: معناه: جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فُتحت أبوابها لهم، بل يؤخّر، ثم قد يُجازَى، وقد يُعفى عنه، فيدخلها أوّلًا، وإنما تأوّلنا هذين التأويلين؛ لأنا قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن من مات على التوحيد مصرًّا على الكبائر، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، فأدخله الجنّة أوّلًا، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة، والله تعالى أعلم [«شرح مسلم» ٢/ ١٧].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: إن من كان مُضرًّا لجاره، كاشفًا لعوراته، حريصًا على إنزال البوائق به كان ذلك منه دليلًا
إما على فساد اعتقاد ونفاق، فيكون كافرًا، ولا شكّ في كونه لا يدخل الجنّة،
وإما على استهانة بما عظّم الله تعالى من حُرْمة الجار، ومن تأكيد عهد الجوار، فيكون فاسقًا فِسْقًا عظيمًا، ومرتكب كبيرة، يُخاف عليه من الإصرار عليها أن يُختم عليه بالكفر، فإن المعاصي بريد الكفر، فيكون من الصنف الأول،
وإن سَلِمَ من ذلك، ومات غير تائبٍ، فأمره إلى الله تعالى، فإن عاقبه بدخول النار لم يدخُل الجنة حين يدخلها من لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنّة الْمُعدَّة لمن قام بحقوق جاره،
وعلى هذا القانون ينبغي أن يُحْمَلَ ما في هذا الباب مما قال النبيّ – صلى الله عليه وسلم -: إن فاعله لا يدخل الجنّة، مما ليس بشرك؛ للأدلة المتقدّمة، ولما يأتي في أحاديث الشفاعة. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٢٨]، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قاله ابن الإتيوبي رحمه الله تعالى. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: “٢٠١٦ – / ٢٤٨٥ – وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الثلاثمائة: «لَا يُؤمن أحدكُم الَّذِي لَا يَأْمَن جَاره بوائقه» وَفِي لفظ: «لَا يدْخل الْجنَّة. .» .
قَالَ أَبُو عبيد: البوائق: الغوائل وَالشَّر، يُقَال: أَصَابَتْهُم بائقة: أَي داهية، وباقتهم تبوقهم بوقا، وَكَذَلِكَ فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة، والصالة: الداهية.
[فَإِن قيل]: فَهَل يخرج بِهَذَا من الْإِيمَان؟ فَالْجَوَاب: يخرج من كَمَال الْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الصّفة لَيست من صِفَات الْمُؤمن.
[فَإِن قيل]: فَهَل يمْنَع هَذَا دُخُول الْجنَّة؟ فقد سبق مثل هَذَا مشروحا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. [كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/٥١٥ – 516)، لابن الجوزي (ت ٥٩٧)].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
“أنه يصح أن ينفى الإيمان المطلق عمن عنده مطلق إيمان؛ لأن هذا الحديث نفى الإيمان المطلق الذي هو الكمال، واستمع إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} الأنفال:2-3، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ} يعني: ما المؤمنون إلا هؤلاء، لو قلنا: إن المراد بهذه الآية: مطلق الإيمان- لانتفى الإيمان عن كثير من الناس اليوم، مَن الذين إذا ذكر الله تَوْجَلُ قلوبهم؟
قليل، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} الأنفال: 2، هذه أيضًا قليل؛ لكن المراد هنا: المؤمنون الكُمَّل الذين كَمُل إيمانهم، أما قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} النساء:92، فالمراد: مطلق الإيمان؛ ولهذا يصح أن يعتق الإنسان عبدًا فاسقًا ليس بكافر؛ إذن نفي الإيمان هنا الإيمان المطلق، يعني: الكامل”. [فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 287-288)].
قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيمَانُ (مِنْهُ) ؟
قَالَ: هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا – فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رواه البخاري تحت حديث (٦٨١١).
(المسألة الثانية): بأي أعمال الإيمان تتعلق إكرام الجار؟
- قال ابن رجب رحمه الله: “فقوله – صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان.
وقد فسر النبي – صلى الله عليه وسلم – الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة: بالطاعة.
- وأعمال الإيمان: تارة تتعلق بحقوق الله، كأداء الواجبات، وترك المحرمات، ومن ذلك: قول الخير، والصمت عن غيره.
وتارة تتعلق بحقوق عباده، كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أَذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن. [جامع العلوم والحكم (1/ 363)].
(المسألة الثالثة ): ترتيب الذنوب في العظم، وأسباب عظم الزنا بحليلة جاره
روى البخاري (٦٨١١): عَنْ عَبْدِ اللهِ – رضي الله عنه -، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك». [انظر: ٤٤٧٧ – مسلم: ٨٦ – فتح ١٢/ ١١٤].
قال ابن الملقن (ت ٨٠٤) رحمه الله تعالى: وحديث عبد الله بن مسعود (فيه) ترتيب الذنوب في العظم، وقد يجوز كما قال المهلب أن يكون بين الذنبين المرتبين ذنب غير مذكور، وهو أعظم من المذكور، قال: وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا، وكان – عليه السلام – إنما قصد بالتعظيم من الذنوب إلى ما يخشى مواقعته وبه الحاجة إلى بيانه وقت السؤال، كما فعل في الإيمان بوفد عبد القيس وغيرهم،
وإنما عظم الزنا بحليلة جاره، وإن كان الزنا كله عظيمًا؛ لأن الجار له من الحرمة والحق ما ليس لغيره،
فمن لم يراع حق الجوار فذنبه مضاعف لجمعه بين الزنا وبين خيانة الجار الذي أوصى الله بحفظه [انظر: «شرح ابن بطال» ٨/ ٤٣٠]، وقد قال – عليه السلام – «والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». [التوضيح لشرح الجامع الصحيح (31/ 144 – تراث)].
(المسألة الرابعة ): تَفَاوُتُ إِثْمِ الزِّنَى، يَتَفَاوَتُ إِثْمُ الزِّنَى وَيَعْظُمُ جُرْمُهُ بِحَسَبِ مَوَارِدِهِ.
فَالزِّنَى بِذَاتِ الْمَحْرَمِ أَوْ بِذَاتِ الزَّوْجِ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مَنْ لاَ زَوْجَ لَهَا، إِذْ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ، وَإِفْسَادُ فِرَاشِهِ، وَتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ أَذَاهُ.
فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا وَجُرْمًا مِنَ الزِّنَى بِغَيْرِ ذَاتِ الْبَعْل وَالأَجْنَبِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَارًا انْضَمَّ لَهُ سُوءُ الْجِوَارِ، وَإِيذَاءُ الْجَارِ بِأَعْلَى أَنْوَاعِ الأَذَى، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَوَائِقِ، فَلَوْ كَانَ الْجَارُ أَخًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ أَقَارِبِهِ انْضَمَّ لَهُ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ فَيَتَضَاعَفُ الإِثْمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ [حديث: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». أخرجه مسلم (١ / ٦٨ – ط الحلبي) من حديث أبي هريرة].
وَلاَ بَائِقَةَ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى بِامْرَأَةِ الْجَارِ.
فَإِنْ كَانَ الْجَارُ غَائِبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَالْعِبَادَةِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْجِهَادِ، تَضَاعَفَ الإِثْمُ حَتَّى إِنَّ الزَّانِيَ بِامْرَأَةِ الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ يُوقَفُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ.
قَال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلاَّ وَقَفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُمْ؟ [حديث: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين» أخرجه مسلم (٣ / ١٥٠٨ – ط الحلبي) من حديث بريدة]، أَيْ: مَا ظَنُّكُمْ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ؟ قَدْ حَكَمَ فِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا شَاءَ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَحِمًا لَهُ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِهَا، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُحْصَنًا كَانَ الإِثْمُ أَعْظَمَ، فَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا وَعُقُوبَةً، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، أَوْ بَلَدٍ حَرَامٍ، أَوْ وَقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الإِجَابَةِ تَضَاعَفَ الإِثْمُ. [مطالب أولي النهى ٦ / ١٧٣، ١٧٤ المكتب الإسلامي بدمشق ١٩٦١ م]. [الموسوعة الفقهية الكويتية، (24/ 20 – 21)].
المسألة الخامسة : ايذاء الجار من الكبائر :
قال ابن حجر الهيتمي-رحمه الله-:
(الكبيرة العاشرة بعد المائتين إيذاء الجار ولو ذميًا)
إيذاء الجار ولو ذميًا كأن يُشرف على حرمِه أو يَبني ما يؤذيه مما لا يسوغ له شرعًا…
تنبيه: عَدُّ هذا كبيرة هو صريح ما في الأحاديث الكثيرة الصحيحة وبه صرح بعضهم، فإن قلت: إيذاء المسلم كبيرة مطلقًا فما وجه تخصيص الجار؟
قلت: كأن وجه التخصيص أنَّ إيذاء غير الجار لا بد فيه أنْ يكون له وقع بحيث لا يحتمل عادة بخلاف إيذاء الجار فإنه لا يشترط في كونه كبيرة أنْ يصدق عليه عرفًا أنه إيذاء.
ووجه الفرق بينهما ظاهر لما عُلم من هذه الأحاديث الصحيحة مِن تأكد حُرمة الجار والمبالغة في رعاية حقوقه.
الزواجر عن اقتراف الكبائر(1/422 ـ ٤٢٧)
قال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على إيذاء الجار، وأنه من كبائر الذنوب، ومن المتوعد عليه بعدم دخول الجنة.
وإذا كان الجار لا يأمنه جاره، دلَّ على فسقه.
توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (1/ 120)
(المسألة السادسة): أمانة الجار وحقوقه:
ومن الأمانات التي بينك وبين الناس: أمانة الجار:
فالجار أمانة، تغض بصرك عن عرضه، وتحفظ ماله وتأمنه، قال ﷺ: (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله! خاب وخسر؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، ولهذا المؤمن أمنه الناس على دمائهم وأموالهم: (والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فالجار أمانة، وعليك أن تحفظه في غيبته وحضوره، وفي عرضه وماله وجميع شئونه؛ لأنك ألصق الناس به.
بعض الناس لا يرى أخاه ولا قريبه إلا في الشهر مرة، لكنَّ الجار تراه كل مرة، فعليك أن تكون جارًا صالحًا.
(المسألة السابعة):
قال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا} [النساء/ ٣٦].
قال السعدي رحمه الله:
(وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) أي: الجار القريب الذي له حقان، حق الجوار، وحق القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف.
وكذلك (الجار الجنب) أي: الذي ليس له قرابة، وكلما كان الجار أقرب بابا، كان آكد حقا.
فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة، والدعوة، واللطافة بالأقوال والأفعال، وعدم أذيته بقول أو فعل.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) قيل: الرفيق بالسفر، وقيل: الزوجة، وقيل:
الصاحب مطلقا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر ويشمل الزوجة.
فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له، والوفاء معه في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد. اهـ
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الجار: هو الملاصق لك في بيتك والقريب من ذلك، وقد وردت بعض الآثار بما يدل على أن الجار أربعون دارًا كُل جانب، ولا شك أن الملاصق للبيت جار، وأما ما وراء ذلك فإن صحت الأخبار بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فالحق ما جاءت به، وإلا فإنه يرجع في ذلك إلى العرف، فما عده الناس جوارًا فهو جوار…قال أهل العلم: والجيران ثلاثة:
1 ـ جار قريب مسلم؛ فله حق الجوار، والقرابة، والإسلام.
2 ـ وجار مسلم غير قريب؛ فله حق الجوار، والإسلام.
3 ـ وجار كافر؛ فله حق الجوار، وإن كان قريبًا فله حق القرابة أيضًا.
فهؤلاء الجيران لهم حقوق: حقوق واجبة، وحقوق يجب تركها …وأما أحاديث أبي هريرة ففيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقسم ثلاث مرات فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» يعني: غدره وخيانته وظلمه وعدوانه، فالذي لا يأمن جاره من ذلك ليس بمؤمن، وإذا كان يفعل ذلك ويوقعه فعلًا فهو أشد.
وفي هذا دليل على تحريم العدوان على الجار؛ سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، فإن فعل فإنه ليس بمؤمن، والمعنى: أنه ليس متصفًا بصفات المؤمنين في هذه المسألة التي خالف بها الحق.
شرح رياض الصالحين (3/ 176- 178)
(المسألة الثامنة):
ليس هناك أقوى من صحبة الجار، وكلما قرب الجدار زاد الحق وثقلت المسؤولية، فإن كان ذا قرابة كان الحق آكد ، والواجب أعظم.
عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» [البخاري: كتاب الأدب، باب: إثم من لا يأمن جاره بوانقه رقم (٦٠١٦) والبوانق: جمع بانقة، وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يأتي بغتة]، وفي حديث آخر : «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه» [مسلم: كتاب الإيمان، باب: التدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه رقم (١٦٩)]،
يهتم الإسلام بحماية الجار من أذى جاره، وفي الحديث السابق يبين عليه الصلاة والسلام خطورة من لا يأمن جاره بوائقه؛ لأن الأصل في الجار أن يأمن جاره، ولا يتصور في يوم من الأيام أن يخونه في شيء، لذا شدد عليه الصلاة والسلام التحذير من خيانة الجار في غير ما حديث.
والمتأمل لحياة العرب في الجاهلية يجد الحرص على حفظ حقوق الجار والبعد عن خيانته، وكانوا يفتخرون بذلك دائما.
قال عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي … حتى يواري جارتي مأواها
قال الشيخ أبو جمرة:
وهو ما كانت الجاهلية ترعاه وتحافظ عليه وتفتخر بحفظه، وتعيب تارك ذلك وتذمه. اهـ
فكيف وقد جاء الإسلام وهذّب أخلاقهم أكثر مما كانوا عليه من مروءة وحفظ للجار وعدم خيانته.
وخيانة الجار من أخطر الأمور في المجتمع، فإذا كان الرجل يتخوف من جاره أو لا يأمن جاره فإنه لا يقر له قرار، ويعيش في قلق في كل لحظة بسبب هذا الهاجس المحزن، ولا يحس بهذا إلا من ذاق مرارة سوء الجار وابتلي بجار لا يأمن بوائقه، نسأل الله السلامة والعافية. [فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري/ ٥٢٦].
قال ابن الملقن رحمه الله تعالى: “وهذا الحديث شديد الحض على ترك أذى الجار، ألا ترى أنه – عليه السلام – أكد ذلك بقسمه ثلاث مرات أنه لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، ومعناه: أنه لا يؤمن الإيمان الكامل، ولا يبلغ أعلى درجاته من كان بهذِه الصفة، فينبغي لكل مؤمن أن يحذر أذى جاره ويرغب أن يكون في أعلى درجات الإيمان وينتهي عما نهاه الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَّا العباد عليه.
وقال أبو حازم المزني: كان أهل الجاهلية أبر بالجار منكم، هذا قائلهم يقول:
ناري ونار الجار واحدة … وإليه قبلي تُنزل القِدْرُ.
ما ضَرَّ جارًا أن أُجاوره … أَن لا يَكون لبابه سترُ.
أَعمى إِذا ما جارتي برزت … حتى يواري جارتي الخدرُ [«أدب الصحبة» ص ٨٨، ونسبت هذِه الأبيات لربيعة بن عامر بن أنيف، الملقب بمسكين الدارمي، من شعراء العصر الأُموي مات سنة تسعٍ وثمانين. انظر: «معجم الأدباء» ٣/ ٣٢٨ – ٣٣٢ (٤١٦)].
(المسألة التاسعة):
الأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِوَارِ:
أ – حَدُّ الْجِوَارِ:
– ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُل جَانِبٍ [قليوبي وعميرة ٣ / ١٦٨، والمغني ٦ / ١٢٤، وكشاف القناع ٤ / ٣٦٣]. مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: حَقُّ الْجَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا [حديث أبي هريرة «حق الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا» أخرجه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار وهو ضعيف. كذا في مجمع الزوائد (٨ / ١٦٨ – ط القدسي)]
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ أَوِ الْمُقَابِل لَهُ بَيْنَهُمَا شَارِعٌ ضَيِّقٌ لاَ يَفْصِلُهُمَا فَاصِلٌ كَبِيرٌ كَسُوقٍ أَوْ نَهْرٍ مُتَّسِعٍ، أَوْ مَنْ يَجْمَعُهُمَا مَسْجِدٌ أَوْ مَسْجِدَانِ لَطِيفَانِ مُتَقَارِبَانِ، إِلاَّ إِذَا دَل الْعُرْفُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْحَدِّ.
وَحَمَلُوا حَدِيثَ: أَلاَ إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ عَلَى التَّكْرِمَةِ وَالاِحْتِرَامِ، كَكَفِّ الأَذَى، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالْبِشْرِ فِي الْوَجْهِ وَالإِهْدَاءِ [الشرح الصغير ٤ / ٧٤٧].
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ فَقَطْ؛ لأَنَّ الْجَارَ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ، وَهِيَ الْمُلاَصَقَةُ حَقِيقَةً. وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ هُوَ الْقِيَاسُ.
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) إِلَى أَنَّ الْجَارَ هُوَ الْمُلاَصِقُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَجْمَعُهُمُ الْمَسْجِدُ؛ لأَِنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا عُرْفًا وَشَرْعًا، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ [حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أخرجه البيهقي (٣ / ٥٧ – ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة وضعف إسناده البيهقي]، وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه مَوْقُوفًا بِمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِرَّ الْجِيرَانِ فَاسْتِحْبَابُهُ شَامِلٌ لِلْمُلاَصِقِ وَغَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ الاِخْتِلاَطِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْمُجَاوَرَةِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ لِتَحَقُّقِ الاِخْتِلاَطِ [البحر الرائق ٨ / ٥٠٥، والبناية ١٠ / ٤٩٧ – ٤٩٨، وفتح القدير ٨ / ٤٧١].
ب – حُقُوقُ الْجِوَارِ:
– جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ تَحُضُّ عَلَى احْتِرَامِ الْجِوَارِ، وَرِعَايَةِ حَقِّ الْجَارِ.
وفي قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ [حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٤٥ – ط السلفية) ومسلم (١ / ٦٨ – ط الحلبي) من حديث أبي هريرة]. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ [حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٤٥ – ط السلفية) من حديث أبي شريح] هَذَا وَاسْمُ (الْجَارِ) جَاءَ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَشْمَل الْمُسْلِمَ، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ، وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ، وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ، وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ، وَالْقَرِيبَ وَالأَجْنَبِيَّ، وَالأَقْرَبَ دَارًا وَالأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ.
قَال أَحْمَدُ: الْجِيرَانُ ثَلاَثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ، وَهُوَ الذِّمِّيُّ الأَجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ. وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ: وَهُوَ الْمُسْلِمُ الأَْجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَحَقُّ الإِْسْلاَمِ. وَجَارٌ لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ: وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الإِسْلاَمِ وَحَقُّ الْقَرَابَةِ [فتح الباري ١٣ / ٤٨ – ٤٩، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٢ / ١٢٤ تحقيق محيي الدين عبد الحميد – ط ١ سنة ١٣٧٤ هـ – ١٩٥٥ م – مطبعة السعادة بمصر. وفي نصه حديث نقله الغزالي في الإحياء ٢ / ٢١٣ إلا أن الحافظ العراقي صرح بضعفه].
وَأَوْلَى الْجِوَارِ بِالرِّعَايَةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَهُمْ بَابًا. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ حِينَ قَال: بَابٌ: حَقُّ الْجِوَارِ فِي قُرْبِ الأَْبْوَابِ. وَأَدْرَجَ تَحْتَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَال: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا [حديث عائشة: «إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي. . . .» أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٢٠ – ط السلفية)]
وَمِنْ حُقُوقِ الْجِوَارِ مَا ذَكَرَهُ بعضهم فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ حَقُّ الْجِوَارِ كَفَّ الأَْذَى فَقَطْ، بَل احْتِمَال الأَْذَى، فَإِنَّ الْجَارَ أَيْضًا قَدْ كَفَّ أَذَاهُ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قَضَاءُ حَقٍّ وَلاَ يَكْفِي احْتِمَال الأَْذَى، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الرِّفْقِ، وَإِسْدَاءِ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ. . وَمِنْهَا: أَنْ يَبْدَأَ جَارَهُ بِالسَّلاَمِ، وَيَعُودَهُ فِي الْمَرَضِ، وَيُعَزِّيَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَيُهَنِّئَهُ عِنْدَ الْفَرَحِ، وَيُشَارِكَهُ السُّرُورَ بِالنِّعْمَةِ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ زَلاَّتِهِ، وَيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَيَحْفَظَ عَلَيْهِ دَارَهُ إِنْ غَابَ، وَيَتَلَطَّفَ بِوَلَدِهِ، وَيُرْشِدَهُ إِلَى مَا يَجْهَلُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. . هَذَا إِلَى جُمْلَةِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ [الإحياء ٢ / ٢١٣].
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمُجَاوَرَةَ تُوجِبُ لِكُلٍّ مِنَ الْحَقِّ مَا لاَ يَجِبُ لأَجْنَبِيٍّ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا لاَ يَحْرُمُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ. فَيُبِيحُ الْجِوَارُ الاِنْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْجَارِ الْخَالِي مِنْ ضَرَرِ الْجَارِ، وَيَحْرُمُ الاِنْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْجَارِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِضْرَارٌ [فتاوى ابن تيمية ٣ / ١٧].
حِفْظُ حُرْمَةِ الْجَارِ:
– الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَقِّ حِفْظُ حُرْمَةِ الْجَارِ، وَسَتْرُ عِيَالِهِ. .، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْجِدَارِ السَّاتِرِ وَبِالنَّافِذَةِ الَّتِي لاَ يُطِل مِنْهَا الْجَارُ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ.
أَمَّا الْجِدَارُ السَّاتِرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ مِنْ قَدِيمٍ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ بِالاِشْتِرَاكِ مَعَ الآْخَرِ لِيَحْجِزَ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، فَامْتَنَعَ الآْخَرُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْبِنَاءَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ إِلاَّ فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً؛ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ جَارِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ [المغني ٤ / ٤٦٠].
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ سُئِل عَنْ بُسْتَانٍ مُشْتَرَكٍ حَصَلَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ، فَأَرَادَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبْنِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ جِدَارًا، فَامْتَنَعَ أَنْ يَدَعَهُ يَبْنِي، أَوْ يَقُومَ مَعَهُ عَلَى الْبِنَاءِ. فَأَجَابَ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ الْجِدَارُ مِنْ أَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ [الفتاوى ٣٠ / ١٣].
فَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ قَدِيمًا، فَهُدِمَ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ، وَأَبَى الآْخَرُ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَقْوَالٌ. . قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُجْبَرُ. وَقَال أَبُو اللَّيْثِ: فِي زَمَانِنَا يُجْبَرُ؛ لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَقِيل: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى تَفْصِيلٍ: إِنْ كَانَ أَصْل الْجِدَارِ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، وَيُمْكِنُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبْنِيَ فِي نَصِيبِهِ سُتْرَةً. . لاَ يُجْبَرُ الآْبِي عَلَى الْبِنَاءِ. وَإِنْ كَانَ أَصْل الْحَائِطِ لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ الآْبِي بِالْبِنَاءِ [فتاوى قاضيخان ٣ / ١٠٨، والفتاوى الهندية ٤ / ١٠٠].
وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لاَ يُجْبَرُ الَّذِي أَبَى مِنْهُمَا عَلَى الْبُنْيَانِ، وَيُقَال لِطَالِبِ الْبِنَاءِ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، وَابْنِ إِنْ شِئْتَ.
وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَعَهُ عَرْصَةَ الْحَائِطِ، وَيَبْنِيَ فِيهَا لِنَفْسِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُؤْمَرُ بِالْبُنْيَانِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ. قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا.
وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ لأَحَدِهِمَا وَهَدَمَهُ إِضْرَارًا بِجَارِهِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ لأَجْل أَنْ يَسْتُرَ عَلَى جَارِهِ. وَإِذَا هَدَمَ الْجِدَارَ لإِصْلاَحِهِ أَوِ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ فَلاَ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يُعِيدَهُ، وَيُقَال لِلْجَارِ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ إِنْ شِئْتَ [الكافي ٢ / ٩٤٢، ومواهب الجليل ٥ / ١٥٠، والخرشي ٦ / ٥٨، ١٩٤، والتاج والإكليل ٥ / ١٥٠، والشرح الكبير ٣ / ٣٦٨، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٦٨].
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ – فِي الْجَدِيدِ – أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّرِيكِ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى عِمَارَةِ الْجِدَارِ وَلَوْ بِهَدْمِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْمُشْتَرَكِ لاِسْتِهْدَامٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ الْمُمْتَنِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَكْلِيفِهِ الْعِمَارَةَ، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ.
وَقِيل: إِنَّ الْقَاضِيَ يُلاَحِظُ أَحْوَال الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الاِمْتِنَاعَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنَادٌ أَجْبَرَهُ.
قَال فِي الرَّوْضَةِ: وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، وَالْقَنَاةِ، وَالْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَاتِّخَاذِ سُتْرَةٍ بَيْنَ سَطْحَيْهِمَا.
وَلَوْ هَدَمَ الْجِدَارَ الْمُشْتَرَكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الآْخَرِ لَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْصِ لاَ إِعَادَةُ الْبِنَاءِ؛ لأَنَّ الْجِدَارَ لَيْسَ مِثْلِيًّا، وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَإِنْ نَصَّ فِي غَيْرِهِ عَلَى لُزُومِ الإِعَادَةِ [مغني المحتاج ٢ / ١٩٠].
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْجِدَارُ الَّذِي انْهَدَمَ مُشْتَرَكًا وَطَالَبَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ الْمُوسِرَ بِبِنَائِهِ مَعَهُ أُجْبِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَهُ [مطالب أولي النهى ٣ / ٣٦٢].
وَأَمَّا فِي السَّطْحِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ سَطْحُهُ، وَسَطْحُ جَارِهِ سَوَاءً، وَفِي صُعُودِهِ السَّطْحَ يَقَعُ بَصَرُهُ فِي دَارِ جَارِهِ، فَلِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الصُّعُودِ مَا لَمْ يَتَّخِذْ سُتْرَةً. وَإِنْ كَانَ بَصَرُهُ لاَ يَقَعُ فِي دَارِ جَارِهِ، وَلَكِنْ يَقَعُ عَلَى جِيرَانِهِ إِذَا كَانُوا عَلَى السَّطْحِ لاَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. قَال الإِْمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ: هَذَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ.
وَقَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: إِنَّ الْمُرْتَقِيَ يُخْبِرُهُمْ وَقْتَ الاِرْتِقَاءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى يَسْتُرُوا أَنْفُسَهُمْ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُجْبَرُ صَاحِبُ السَّطْحِ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ سُتْرَةً تَحْجُبُهُ عَنْ جَارِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ [فتح القدير ٥ / ٥٠٦ – ٥٠٧ والفتاوى الهندية ٥ / ٣٧٣، والفتاوى البزازية ٦ / ٤١٩، وحاشية العدوي ٦ / ٦٠ وحاشية البجيرمي ٣ / ١٥].
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُمْنَعُ الْجَارُ مِنْ صُعُودِ سَطْحِهِ إِذَا كَانَ يَنْظُرُ حَرَامًا عَلَى جَارِهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُلْزَمُ بِاتِّخَاذِ سُتْرَةً إِذَا كَانَ سَطْحُهُ أَعْلَى مِنْ سَطْحِ جَارِهِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْعُلُوِّ اشْتَرَكَا فِي بِنَائِهَا؛ إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ بِالسُّتْرَةِ فَلَزِمَتْهُمَا [مطالب أولي النهى ٣ / ٣٥٨، والمغني ٤ / ٤٦٥، وكشاف القناع ٣ / ٤٠١ – ٤٠٢].
– وَأَمَّا النَّافِذَةُ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنْ فَتْحِ بَابٍ، أَوْ كَوَّةٍ تُطِل عَلَى سَاحَةِ الْجَارِ. وَلَيْسَ لِلْجَارِ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ مَا يَسْتُرُ جِهَتَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَقَال أَبُو السُّعُودِ: وَبِهِ يُفْتَى.
وَقِيل: إِنْ كَانَتْ الْكَوَّةُ لِلنَّظَرِ، وَكَانَتِ السَّاحَةُ مَحَل الْجُلُوسِ لِلنِّسَاءِ يُمْنَعُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى [فتاوى قاضيخان ٣ / ٤٣٣، وفتاوى البزازية ٦ / ٤١٤، ومنحة الخالق ٧ / ٣٦، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٤٨ وبه أخذت المادة ٦٢ من مرشد الحيران، والمادة ١٢٠٢ من مجلة الأحكام العدلية].
وَإِنْ كَانَ ارْتِفَاعُ النَّافِذَةِ عَنْ أَرْضِ الْغُرْفَةِ مِقْدَارَ قَامَةِ الإِْنْسَانِ، فَلَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَهُ سَدَّهَا [المادة ١٢٠٣ من مجلة الأحكام العدلية].
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَنْعِ فَتْحِ نَافِذَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا الْجَارُ عَلَى دَارِ جَارِهِ، فَإِنْ فَتَحَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ سَدُّهُ.
وَحَدُّ الإِْشْرَافِ هُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَتَبَ فِي رَجُلٍ أَحْدَثَ غُرْفَةً عَلَى جَارِهِ، فَفَتَحَ كَوَّةً: أَنْ يُوضَعَ وَرَاءَ تِلْكَ الْكَوَّةِ سَرِيرٌ، وَيَقُومَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَإِنْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا فِي دَارِ الرَّجُل مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْظُرُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ [المدونة الكبرى ١٤ / ٥٢٩، ١٥ / ١٩٧، والكافي ٢ / ٩٣٩، والخرشي ٦ / ٥٩ – ٦٠، والشرح الكبير ٣ / ٣٦٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٦٩].
أَمَّا النَّافِذَةُ الْقَدِيمَةُ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْضَى بِسَدِّهَا. فِي قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ الْمَالِكُ مِنْ فَتْحِ نَافِذَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ يُشْرِفُ بِذَلِكَ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ؛ لِتَمَكُّنِ الْجَارِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِبِنَاءِ سُتْرَةٍ تَسْتُرُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّافِذَةَ وَالْبَابَ، وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُشْرِفُ الْجَارُ مِنْهُ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ يُقْضَى بِسَدِّهِ. وَإِلاَّ فَلاَ [مرشد الحيران – المادة ٦٣ والشرح الكبير ٣ / ٣٦٩ وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٦٩ والتاج والإكليل ٥ / ١٦٠، وحاشية البجيرمي ٣ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٨٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٥٨]. [الموسوعة الفقهية الكويتية، (16/ 217) وما بعدها].
[انظر]:
٤٢ – بابُ: الوَصِيَّةِ بِالجارِ والإحْسانِ إلَيْهِ من فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم (٢٦٢٤).
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): بيان تحريم إيذاء الجار.
٢ – (ومنها): بيان كون إيذاء الجار من الكبائر.
٣ – (ومنها): نفي الإيمان عمّن لا يأمن جاره بوائقه، وأخرج البخاريّ من حديث أبي شُرَيح الْخُزاعيّ – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يَأْمَنُ جاره بوائقه».
قال ابنُ بطال رحمه الله تعالى: في هذا الحديث تأكيدُ حَقِّ الجار؛ لقسمه – صلى الله عليه وسلم – على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفيُ الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شكّ أن العاصي غير كامل الإيمان.
وقال ابن أبي جمرة رحمه الله: إذا أُكِّد حَقّ الجار مع الحائل بين الشخص وبينه، وأُمر بحفظه، وإيصال الخير إليه، وكفّ أسباب الضرر عنه، فينبغي له أن يُرَاعِي حَقَّ الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يُسَرّان بوقوع الحسنات، وَيَحْزَنَان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحقّ من كثير من الجيران. انتهى ملخصًا [راجع: «الفتح» ١٠/ ٥٤٦].
٤ – (ومنها): أن من يؤذي جاره يُحْرَم من دخول الجنّة إما تحريمًا أوّليًّا، أو تحريمًا مؤبَّدًا على التوجيه الذي أسلفناه.
٥ – (ومنها): من يُكْرِم جاره، ويقوم بمصالحه، مع مراعاة سائر الحقوق يكون مؤمنًا كامل الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].
٦ – (ومنها): الوعيد الشديد على إيذاء الجار، وأنه من كبائر الذنوب، ومن المتوعَّد عليه بعدم دخول الجنة.
وإذا كان الجار لا يأمنه جاره، دل على فسقه، وعلى تعديه وإيذائه، ففي الحديث الآخر: «واللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، وهذا يدل على نقص إيمانه وضعفه. [توفيق الرب المنعم (1/ 120)].
٧ – (ومنها): يهتم الإسلام بحماية الجار من أذى جاره.
٨ – (ومنها): خيانة الجار من أخطر الأمور في المجتمع.
٩ – (ومنها): قال الصنعاني -رحمه الله-: الحديث دليل على عظم حق الجار والأخ، وفيه نفي الإيمان عمَّن لا يحب لهما ما يحب لنفسه.
وتأوله العلماء بأن المراد منه: نفي كمال الإيمان، إذ قد علم من قواعد الشريعة أن من لم يتصف بذلك لا يخرج عن الإيمان، وأطلق المحبوب ولم يعين، وقد عيَّنه ما في رواية النسائي في هذا الحديث بلفظ: «حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه»، قال العلماء: والمراد: من الطاعات والأمور المباحة، قال ابن الصلاح: وهذا قد يُعَدُّ من الصعب الممتنع، وليس كذلك، إذ معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه من الخير، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له مثل حصول ذلك من جهة لا يزاحمه فيها؛ بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدَّغِل -عافانا الله وإخواننا أجمعين-. انتهى.