1517 ‘ 1518 ‘ 1519 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
أحمد بن علي وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د سيف بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
5 – باب تحريم تلقي الجلب
14 – (1517) حدثنا أبي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ). ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافع، عن ابن عمر؛
أن رسول الله صلى الله عليه سلم نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الْأَسْوَاقَ.
وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ وقَالَ الْآخَرَانِ: أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن التلقي.
15 – (1518) وحدثنا أبي بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن مبارك عن التميمي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن تلقي البيوع.
16 – (1519) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الجلب.
17 – (1519) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ. فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بالخيار).
—-
أسانيد : عبدالله في الإسناد هو ابن مسعود
البخاري – حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، «وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ: أَنْ تُلَقَّى البُيُوعُ»، (خ) ٢١٤٩
وفي الكبرى للبيهقي :
١٠٩١٢ – أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا مَضَى
السنن الكبرى – البيهقي – ط العلمية ٥/٥٦٨
معاني :
جلب
الجلب في اللغة هو المجلوب، أي ما يجلب من بلد إلى بلد.
واستعمله الفقهاء بمعنى السلع والأقوات التي يجاء بها من بلد إلى آخر للتجارة.
أما مصطلح (تلقي الجلب) فالمراد به عندهم استقبال القادمين الذين يحملون البضائع والأقوات لشرائها منهم قبل أن يبلغوا بها السوق.
وهذا التعبير درج على استعماله فقهاء الحنفية، ويسميه الشافعية والحنابلة (تلقي الركبان) والمالكية (تلقي السلع) .
فقه المعاملات ٤/٥٩ لمجموعة مؤلفين
قَوْلُهُ: (عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى غَيْرِهِ يُبَاعُ فِيهِ.
حاشية السندي على سنن ابن ماجه ٢/١٤
وفي تكملة المطيعي :
قوله «الجلب» بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول المجلوب، يقال جلب الشئ جاء به من بلد إلى بلد للتجارة.
قوله «الركبان» جمع راكب، والمراد قافلة التجارة التى تجلب الارزاق والبضائع.
وذكر الركبان خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عددا ركبانا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدا، راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم.
فقه الحديث:
قال ابن القيم – رحمه الله -: «نهى عن ذلك؛ لما فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي – صلى الله عليه وسلم – الخيار إذا دخل السوق» الطرق الحكمية
وقال ابن القيم نهي عن ذلك لما فيه من تغرير البائع. فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة. ولذلك أثبت له النبي – ﷺ – الخيار مع الغبن. فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل فيكون المشتري غارًا له. ومنه تلقي سوقة الحجيج الجلب من الطريق. وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف. ثم يبيعونه كما يريدون. فيمنعهم والي الحسبة. نقله المطيعي في تكملته لمجموع النووي
قال الصنعاني :
قوله: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار».
أقول: ترجم البخاري لأحاديث الباب بقوله: باب النهي عن تلقي الركبان وأن بيعه مردود؛ لأن صاحبه عاصٍ آثم إذا كان به عالمًا وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز.
قال الحافظ : جزم المصنف بأن البيع مردود بناءً على أن النهي يقتضي الفساد والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة .
التحبير لايضاح معاني التيسير
قال ابن عثيمين :
تلقِّي الركبان، والركبان هم الذين يجلبون إلى البلد، وليسوا من أهل البلد، فهؤلاء لا يجوز للإنسان أن يتلقاهم ويشتري منهم؛ لأن في ذلك إضرارًا بهم وإضرارًا بالسوق (الزاد )
قال الطيبي :
قوله: «فهو بالخيار» «مح»: قال أصحابنا: لا خيار
للبائع قبل أن يقدم ويعلم السعر، فإذا قدم، فإن كان سعره أرخص من سعر البلد ثبت له الخيار، سواء أخبر المشتري بالسعر كاذبًا أم لم يخبر، وإن كان السعر أغلى أو كسعر البلد فوجهان: الأصح لا خيار له لعدم الغبن، والثاني: ثبوته لإطلاق الحديث.
شرح الطيبي
قال الهرري :
قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب) أي: البضاعة المجلوبة؛ ليشتريها قبل هبوطها إلى البلدة بثمن رخيص ، وقيل: الجلب جمع جالب؛ كخدم وخادم، والمراد به: مَن جلب الأموال إلى البلد.
قال ابن الملك: اعلم: أن تلقي الجلب والشراء منهم بأرخص الثمن .. حرام عند الشافعي ومالك وأحمد، ومكروه عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان مضرًّا لأهل البلد ولبَّسَ فيه السعرَ على التُّجَّار، ثم لو تلقاهم رجل واشترى منهم شيئًا .. لم يقل أحد بفساد بيعه، لكن الشافعي أثبت الخيار للبائع عند قدومه ومعرفته تلبيس السعر عليه؛ لظاهر الحديث.
وقالت الحنفية: لا خيار له؛ لأن لحوق الضرر كان لتقصير من جهته؛ حيث اعتمد على خبر المشتري الذي كان كُلَّ همتِه تنقيصُ الثمن، وأما الحديث .. فمتروك الظاهر؛ لأن الشراء إذا كان بسعر البلد أو أكثر لا يثبت الخيار للبائع في أصح قولي الشافعي، فلا ينهض أن الحديث حجة. انتهى.
أما ابن الملك .. فلم يأت بالجواب عن هذا الحديث بشيء؛ لأن مجرد قوله: (إن الحديث متروك الظاهر) لا يقبل منه حتى يأتي له بمَحملٍ صحيحٍ، ولم يأت به، والقول بثبوت الخيار أوفق لهذا الحديث الصحيح الذي لم نجد ما يعارضه فيما بحثنا ونظرنا، والله أعلم. انتهى.
قال القرطبي: وقد اختلف أصحابنا في مسافة منع ذلك: فقيل: يومان، وقيل: ستة أميال، وقيل: قرب المصر.
قلت: هذه التحديدات متعارضة لا معنى لها؛ إذ لا توقيف فيه، وإنما محل المنع أن ينفرد المتلقي بالقادم خارج السوق؛ بحيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هذا، فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصح قول بعض أصحابنا: لو تلقى الجلب في أطراف البلد أو أقاصيه .. لكان تلقيًّا منهيًّا منه، وهو الصحيح؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى عن تلقي السلع حتى تورد الأسواق، فلو لم تكن للسلعة سوق .. فلا يخرج إليها؛ لأنه التلقي المنهي عنه، غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كله سوقها. انتهى من «المفهم».
شرح سنن ابن ماجه للهرري[[ ٤٦٠/١٢-٤٦٦ ]]
وفي تكملة المطيعي :
أما الاحكام ففى هذه الأحاديث دليل على أن التلقى محرم، وقد اختلف في هذا النهى هل يقتضى الفساد أم لا؟ فقيل يقتضى الفساد وقيل لا، وهو الظاهر وقد عقب الشيخ مجد الدين أبو البركات ابن تيمية (الجد) في كتابه المنتقى على حديث أبى هريرة بقوله: وفيه دليل على صحة البيع قال الشوكاني رحمه الله تعالى: لأن النهى ههنا لأمر خارج، وهو لا يقتضيه كما تقرر في الأصول ، وقد قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية وبعض الحنابلة، وقال بعضهم بعدم الفساد لما سلف.
قال الشافعي في الأم: وقد سمعت في هذا الحديث – يعنى حديث أبى هريرة بعد أن ساقه أخبرنا مالك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لا تلقوا السلع – فمن تلقى فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق، وبهذا نأخذ إن كان ثابتا.
ففى هذا دليل على أن الرجل إذا تلقى السلعة فاشتراها فالبيع جائز، غير أن لصاحب السلعة بعد أن يقدم السوق الخيار لأن تلقيها حين يشترى من البدوي قبل أن يصير إلى موضع المساومين من الغرر له يوجد النقص من الثمن، فإذا قدم صاحب السلعة فهو بالخيار بين انفاذ البيع ورده ولا خيار للمتلقي لأنه هو الغار لا المغرور. اه
قال العلامة ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ” ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجئ إلى السوق، فإن النبي صلى عليه وسلم نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع، فانه لا يعرف السعر فيشترى منه المشترى بدون القيمة، ولذلك أثبت لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْخِيَارَ إذا دخل السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن.
وأما ثبوته بلا غبن ففيه عن أحمد روايتان.
(إحداهما) يثبت وهو قول الشافعي لظاهر الحديث (والثانية) لا يثبت
لعدم الغبن، ولذلك ثبت الخيار للمشترى المسترسل إذا غبن، وفى الحديث «غبن المسترسل ربا» وفى تفسيره قولان
(أحدهما)
أنه الذى لا يعرف قيمة السلعة
(والثانى)
وهو المنصوص عن أحمد أنه الذى لا يماكس، بل يسترسل إلى البائع ويقول: أعطني هذا.
وليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل بغيره.
وهذا مما يجب على والي الحسبة إنكاره، وهذا بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر…
وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقى الركبان، واختلفوا هل هو محرم أو مكروه فقط.
وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه أجاز التلقي وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن الذى في كتب الحنفية أنه يكره التلقي في حالتين (الاولى) أن يضر بأهل البلد (والثانية) أن يلبس السعر على الواردين.
قال الشوكاني :
قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي لأنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق اه.
ولا مانع من أن يقال: العلة في النهى مراعاة نفع البائع، ونفع أهل السوق.
واعلم أنه لا يجوز تلقيهم للبيع منهم ، كما لا يجوز للشراء منهم لأن العلة التى هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة في ذلك، ويدل على ذلك ما رواه البخاري بلفظ «لا يبع» فإنه يتناول البيع لهم والبيع منهم…
وذكروا شروط للمنع ، أن يكون قاصدا للتلقي ويوهمهم بكثرة المؤونة وكساد ما معهم
قال الشوكاني: والكل من هذه الشروط لا دليل عليه انتهى من تكملة المطيعي
تنبيه : في الضعيفة :
٦٦٨ – «غبن المسترسل ربا».
باطل.
٦٦٧ – «غبن المسترسل حرام».
ضعيف جدا.
رواه الطبراني في ” الكبير
سلسلة الأحاديث الضعيفة
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم تلقّي الركبان:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور إلى تحريمه، وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ إلى جوازه، إذا لم يضرّ بالناس، فإن أضرّ كُره، كذا حكاه النوويّ، وقال: والصحيح الأول؛ للنهي الصريح.
قال وليّ الدين رحمه الله: والذي في كتب الحنفيّة الكراهة في حالتين:
[إحداهما]: أن يضرّ بأهل البلد.
[والثانية]: أن يلبّس السعر على الواردين، فإن أراد النوويّ ضرر أهل البلد، فَيَرِدُ عليه الحالة الثانية، وإن أراد مطلق الناس، تناول الصورتين، ثم إن الكراهة عند بعضهم للتحريم، فإن أرادوا ذلك هنا كان مذهبهم موافقًا لمذهب الجمهور، لكن قال ابن حزم: إن أبا حنيفة كرهه، إن أضرّ بأهل البلد، دون أن يحظره، قال: وما نعلم أحدًا قاله قبله، وحكى ابن حزم عن مالك أنه لا يجوز فعله للتجارة، ولا بأس به لابتياع القوت من الطعام، والأضحية، قال: ولا نعلمه عن أحد قبل مالك. انتهى.
وقال ابن قُدامة رحمه الله: وكره التلقّي أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وحكي عن أبي حنيفة، أنه لم ير بذلك بأسًا، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تُتَّبع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الجمهور على تحريم تلقّي الركبان، وهو الحقّ؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان البيع بالتلقّي:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: واختلفوا، في أن البيع هل يبطل، أم لا؟ فقال الشافعيّ، وأحمد: لا يبطل، فإن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يُخلّ هذا الفعل بشيء من أركانه، وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع.
وقال آخرون: يبطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وحكاه الشيخ تقيّ الدين في “شرح العمدة” عن غير الشافعيّ من العلماء، وهذه الصيغة، لا عموم فيها، وليس المراد أن جميع العلماء غير الشافعيّ قائلون بالبطلان، وإن كانت العبارة توهم ذلك، وهذا قول في مذهب مالك، حكاه سحنون عن غير ابن القاسم، وقال ابن خويز منداد: البيع صحيح على قول الجميع، وإنما الخلاف في أن المشتري لا يفوز بالسلعة، ويشركه فيها أهل الأسواق، ولا خيار للبائع، أو أن البائع بالخيار.
قال ابن عبد البرّ: ما حكاه ابن خويز منداد عن الجميع في جواز البيع هو الصحيح، لا ما حكاه سحنون عن غير ابن القاسم أنه يُفسخ البيع، قال: وكان ابن حبيب يذهب إلى فسخ البيع في ذلك، فإن لم يوجد، عُرضت السلعة على أهل السوق، واشتركوا فيها، إن أحبّوا، وإن أبوها رُدّت على مبتاعها. انتهى.
وقال الإمام ابن قُدامة رحمه الله: فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح، في قول الجميع، وقاله ابن عبد البر رحمه الله وحُكي عن أحمد، رواية أخرى: أن البيع فاسد؛ لظاهر النهي، والأول أصح؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار”، رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح؛ ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة، يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المصرّاة، وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار؛ إذ ليس الضرر عليه، إنما هو على المسلمين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الجمهور على أن البيع صحيح، وهو الحقّ؛ لأن الشارع خيّر البائع، بين إمضاء البيع، وفسخه، وإنما يكون الخيار بينهما في عقد صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى الخيار الذي ثبت في هذه المسألة:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: قال الشافعيّة: لا خيار للبائع قبل أن يَقْدَم، وَيعْلَم السعرَ، فإذا قَدِم، فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر المتلقّي بالسعر كاذبًا، أم لم يُخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد، أو أكثر، فوجهان:
[أصحهما] عندهم: أنه لا خيار له؛ لعدم الغبن.
[والثاني]: ثبوته؛ لإطلاق الحديث، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار”.
وقال الحنابلة أيضًا بثبوت الخيار، لكنهم قيّدوه بأن يُغبن بما لا يُغبن به عادةً، واختلفوا في تقديره، فقدّره بعضهم بالثلث، وبعضهم بالسدس.
واختلف المالكيّة القائلون بأن البيع لا يبطل على قولين:
[أحدهما]: أن السلعة تُعرض على أهل السلع في السوق، فيشتركون فيها بذلك الثمن، بلا زيادة، فإن لم يوجد لها سوقٌ، عُرضت على الناس في المصر، فيشتركون فيها، إن أحبّوا، فإن نقصت عن ذلك الثمن، لزمت المشتري، قاله ابن القاسم، وأصبغ.
[والثاني]: يفوز بها المشتري، وقال الليث بن سعد: إن كان بائعها لم يذهب رُدّت إليه، حتى تباع في السوق، وإن كان قد ذهب، ارتُجعت منه، وبيعت في السوق، ودُفع إليه ثمنها. انتهى.
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله بعد أن ذكر ما تقدّم في المسألة السابقة من الخلاف -: فإذا تقرر هذا، فللبائع الخيار، إذا علم أنه قد غُبِن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له، وقد روينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، ولا قول لأحد مع قوله.
وظاهر المذهب، أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة، ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغبن، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ويُحْمَل إطلاق الحديث في إثبات الخيار، على هذا، لِعِلْمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار، إذا أتى السوق، فيُفهَم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له، من حين البيع، قال: وينبغي أن يتقيد الغبن المثبت للخيار بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط.
وقال أصحاب مالك: إنما نُهي عن تلقي الركبان؛ لما يفوت به من الرفق لأهل السوق؛ لئلا يُقطع عنهم ما له جلسوا، من ابتغاء فضل الله تعالى، قال ابن القاسم: فإن تلقاها مُتَلَقّ، فاشتراها، عُرِضت على أهل السوق، فيشتركون فيها، وقال الليث بن سعد: تباع في السوق، وهذا مخالف لمدلول الحديث، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم، جعل الخيار للبائع، إذا دخل السوق، ولم يجعلوا – يعني المالكية والليث – له خيارًا، وجَعْلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم الخيار له، يدل على أن النهي عن تلقي الركبان؛ لحقّه، لا لحقّ غيره، ولأن الجالس في السوق، كالمتلقي في أن كل واحد منهما، مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق الضرر به، دفعًا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس، أولى من رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته، فلا يُعَرَّجُ على مثل هذا، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قدامة رحمه الله في الردّ على أصحاب مالك، والليث فيما قالوه؛ لمخالفته صريح الحديث، حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فيما ذكره أهل العلم في سبب النهي عن التلقّي المذكور:
قال النوويّ رحمه الله: قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه، قال الإمام، أبو عبد الله المازريّ:
[فإن قيل]: المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق بأهل البلد، واحتُمِل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي أن لا يُغبَن البادي، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “فإذا أتى سيدُهُ السوقَ، فهو بالخيار”.
[فالجواب]: أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل، إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن يُنظَر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي، إذا باع بنفسه، انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي، إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد في قُبالة واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق، في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع الموادّ عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة، والمصلحة، والله أعلم. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: واختلف في وجه النهي عن التلقّي، فقيل: ذلك لحقّ الله تعالى، وعلى هذا، فيُفسخ البيع أبدًا، وقال به بعض أصحابنا، وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور: على أنه لحق الآدميّ؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، ثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر، فقال الشافعيّ: هو البائع، فيدخل عليه ضرر الغبن، وعلى هذا، فلو وقع لم يُفسخ، ويكون صاحبه بالخيار، وعلى هذا يدلّ ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: “إذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار”. وقال مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السلع، ومقصود الشرع الرفقُ بأهل الحاضرة، كما قد قال: “دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض”، وكأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى قول مالك فلا يُفسخ، ولكن يخيّر أهل السوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقّي معه، أو لا؟ قولان، سبب المنع عقوبته بنقيض قصده، وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعيّ التلقّي إلا أن يضرّ بالناس، فيكره، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب ما قاله الشافعيّ رحمه الله من أن النهي لحقّ البائع، وأن له الخيار؛ لموافقته للنصّ الصحيح الصريح: “فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار”، فإنه يدلّ على أن البائع هو سبب النهي، وأن البيع إذا أجازه جاز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قلت سيف بن دورة الكعبي : لا مانع أن يكون المنع لحق أهل السوق ولحق البائع ، وإعطاء البائع الخيار ، يدفع الضرر عنه وعن أهل السوق .
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم: هل يُقدّر النهي عن التلقّي بمسافة، أم لا؟
قال وليّ الدين العراقيّ رحمه الله: ظاهر الحديث أنه لا فرق في النهي عن التلقّي بين أن تكون المسافة التي يُتلقّى إليها قريبة، أو بعيدة، وهو الذي يقتضيه إطلاق أصحابنا، وغيرهم، وقيّد المالكيّة محل النهي بحدّ مخصوص، واختلفوا في ذلك الحدّ، فقال بعضهم: ميل، وقال بعضهم: فرسخان، وقال بعضهم: يومان، وهو معنى ما رواه أبو قرّة، عن مالك أنه قال: إني لأكره تلقي السلع، وأن يُبلغ به أربعة برود. انتهى. فإن زادت المسافة على ذلك لم تدخل تحت النهي، وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، وكأن ذلك جاز على طريقته في أن النظر لأهل البلد، وإنما تتشوّف أطماعهم لمن قرُب منهم، وأما البعيد، فلا تشوّف لهم إليه، ولعلّ النظر في تحديد القرب للعرف.
وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه منهيّ عنه إذا كان بحيث لا تقصر الصلاة إليه، فإن تلقّاها بحيث تقصر الصلاة، فصاعدًا، فلا بأس بذلك. انتهى.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: وقد اختلف أصحابنا – يعني المالكيّة – في مسافة منع التلقّي، فقيل: يومان، وقيل: ستة أميال، وقيل: قرب المصر، قلت: هذه التحديدات متعارضةٌ، لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محلّ المنع أن ينفرد المتلقّي بالقادم خارج السوق بحيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هذا، فيكون ذلك في القريب والبعيد، حتى يصحّ قول بعض أصحابنا: لو تلقّى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه، لكان تلقّيًا منهيًّا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى عن تلقّي السلع حتى تورد الأسواق، فلو لم يكن للسلعة سوقٌ، فلا يخرج إليها؛ لأنه التلقّي المنهيّ عنه، غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كلّه سوقها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما عليه الجمهور من أن التلقيّ حرام مطلقًا، سواء كانت المسافة قريبة، أم بعيدة، إذا كان خارج السوق؛ لإطلاق النصوص في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): عقد الإمام البخاريّ رحمه الله في “صحيحه” بابًا لمنتهى التلقّي، فقال: “باب منتهى التلقّي”، ثم أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: “كنّا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نبيعه، حتى نبلغ به سوق الطعام”، وحديثه: “كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه، حتى ينقلوه”، فبيّن بالرواية الثانية أن التلقّي كان إلى أعلى السوق من غير خروج عن البلد، فإن خرج منها، وقع في التلقّي المنهيّ عنه.
قال وليّ الدين: وكلام أصحابنا يوافق هذا، حيث قالوا في تعريفه الذي قدّمت ذكره: “قبل قدومهم البلد”، والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظّ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك، فهو بتقصيرهم، وأما قبل دخول البلد، فإنهم لا يعرفون السعر، ولو أمكنهم تعرّفه، فنادرٌ، لا يترتّب عليه حكم.
وذكر ابن بطّال أن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة، أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في معنى التلقّي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك، فيجوز فيه البيع، وليس بتلقّ.
قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط به السوق.
قال ابن المنذر: وبلغني هذا القول عن أحمد، وإسحاق أنهما نهيا عن التلقّي خارج السوق، ورخّصا في ذلك في أعلى السوق إلى آخر كلامه، فردّ تبويب البخاري إلى مذهبه، والمعنى الذي ذكره في أنه إذا وجد من يسأله عن السعر كان الشراء حرامًا، وإن لم يجد من يسأله عن السعر، كان جائزًا غير ملائم، والذي يقتضيه النظر عكسه، والله أعلم.
وحَكَى ابن عبد البرّ عن الليث بن سعد أنه قال: أكره تلقي السلع، وشراءها في الطريق، أو على بابك، حتى تقف السلعة في سوقها التي تباع فيها، قال: وإن كان على بابه، أو في طريقه، فمرت به سلعة، يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها، إذا لم يقصد التلقّي، إنما التلقّي أن يقصد لذلك. انتهى.
وذكر ابن حزم أن حديث ابن عمر هذا استدلّ به من أجاز التلقّي، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لستّة أوجه:
[أحدها]: أن المحتجّين به هم القائلون بأن الصحابيّ إذا روى خبرًا، ثم خالفه، فقوله حجة في ردّ الخبر، وقد صحّ عن ابن عمر الفتيا بترك التلقّي.
[ثانيها]: أنه لا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه.
[ثالثها]: أن معنى قوله: “فنهانا أن نبيعه”: أن نبتاعه.
[رابعها]: أن هذا منسوخ بالنهي.
[خامسها]: أنه محمول على أن البائعين أجازوا البيع.
[سادسها]: ما قدّمته من أن الرواية الأخرى بيّنت أن التلقّى كان إلى أعلى السوق من غير خروج عنه. انتهى من “المحلّى” باختصار.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنه لا يحلّ لأحد تلقي الجلب، سواء خرج لذلك، أو كان ساكنًا في طريق الجالبين، وسواء بَعُدَ موضع تلقّيه أم قرب؛ لإطلاق النصّوص، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 654]
فتاوى وفوائد :
فتوى اللجنة الدائمة :
” يحرم تلقي أصحاب البضائع في الشارع قبل دخولهم الأماكن المعدة لعرض السلع وبيعها ؛ لأن ذلك داخل في مسألة الركبان المنهي عنه ؛ للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والذي جاء فيه : ( ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق ) , وأخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (4/373) , وما أخرجه البخاري في صحيحه عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ( كنا نتلقى الركبان , فنشتري منهم الطعام , فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام ) , وفي لفظ آخر عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال : ( كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق , فيبيعونه في مكانه , فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه ) , وفي رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تلقوا الجلب , فمن تلقاه فاشتري منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ) , وعلى ذلك فإن السلعة إذا لم يهبط بها صاحبها إلى السوق المعد لبيعها فيه فإنه يحرم تلقي أصحابها , ومن تلقاها قبل بلوغه السوق فإنه آثم , وعاصٍ لله تعالى , إذا كان عالماً بالتحريم ؛ لما فيه من الخداع والتغرير بالبائع , والإضرار بأهل السوق , وإذا ثبت هذا وحصل غَبْن للبائع ( أي : خداع في الثمن) لم تجر العادة بمثله , فللبائع الخيار بين إمضاء البيع وبين فسخ البيع , وذلك داخل في خيار الغبن ” انتهى .
“فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” (13/122)
———————
قال العباد :
وإذا كان أصحاب القرى لا يسيرون إلى السوق، بل يقف أحدهم على أطراف المدينة بسلعته ويشترى منه فلا بأس، ما دام أنه جاء إلى هذا المكان وجلس يبيع فيه، وهذا لا يسمى تلقي ركبان، وإنما الكلام على أناس يريدون الأسواق، فيتلقاهم أناس قبل أن يصلوا إلى الأسواق فيشتروا منهم.
شرح سنن أبي داود للعباد ٣٩٣/٥
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية … المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على خطابكم رقم ١٧٧٩ – ٦ وتاريخ ١٨/٥/٨٤هـ المشفوعة به المكاتبة الواردة إليكم من أمارة منطقة أبها حول تشكي أهالي ظهران الجنوب من الأشخاص الذين يتلقون الركبان خارج البلد لشراء المواشي. كما جرى الاطلاع على قرار المجلس الإداري بأبها برقم ٢٢ وتاريخ ٢٦/٢/٨٤هـ المتضمن منع السماسرة من تلقي الركبان خارج البلد. وأن لا تباع المواشي إلا داخل البلد.
وبتأمل ما ذكر وجدنا ما قرره المجلس الإداري بأبها وجيهًا. فيتعين منعهم من تلقي الجلب حتى يدخل السوق، وقد ورد النهي عن تلقي الركبان في الحديث الصحيح الذي رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق “. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف ١٣٣ – ١ وتاريخ ١٢/٣/١٣٨٤هـ)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ج٧ ص٩٢
فتوى للعباد :
النصيحة بالتمهل في البيع ليست من تلقي الجلب
السؤال
أنا أعرف سعر السوق، ويريد أخي أن يبيع سيارته فقلت له: لا تبعها في هذا الوقت واتركها عندي لأبيعها لك بسعر أعلى، فهل هذا الفعل صحيح؟
الجواب
لا بأس بهذا؛ لأن هذا ليس فيه تلقي جلب، ولا فيه أي محذور، فكلاهما من أهل البلد، فإذا كان يعرف أن الأسعار في أوقات يكون فيها هبوط، وفي أوقات يكون فيها ارتفاع فقال مثل هذا لأخيه؛ فلا بأس.
شرح سنن أبي داود للعباد ٣٩٣/٤١
قال ابن عثيمين :
فصار الغبن يكون في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون بسبب زيادة الناجش.
الثاني: أن يكون بسبب الاسترسال.
(المسترسل) كل من يجهل القيمة
والثالث: تلقي الركبان.
الدليل في المسترسل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (١٠). فكون الرسول عليه الصلاة والسلام يجعل هذا من الغش، يجعل الغاش متبرأ منه، يدل على تحريم الغش، وأنه من الكبائر، ولا يجوز أن نوافق العاصي على معصيته، ونمكِّنه من بلوغ مأربه.
ولكن لاحظوا الآن أنه لو غُبن الإنسان بهذه الطريقة، فإنه لا خِيار له، فلو غبن الإنسان بجهلِه بالقيمة مع كونه يُحسن المماكسة، لكن ما يدري أن القيم تغيرت
الفقهاء يقولون: لا خيار له، والصحيح أن له الخيار إذا علمنا أن صاحبه قد غشه، إذا علمنا أن الرجل هذا قد جاءه خبر بتغير الأسعار ونزولها، فخدع الناس وباع عليهم بالأسعار الحاضرة فإن مَنْ غُبِن له الخيار.
ودليل ذلك أن هذا من الغش والخيانة لإخوانه المسلمين … ثم ذكر بقية الصور انتهى
وفي تقريب الفتاوى : قال ابن تيمية :
٣٤٨٨ – لَيْسَ لِأهْلِ السُّوقِ أَنْ يَبِيعُوا الْمُمَاكِسَ بِسِعْر، وَيَبِيعُوا الْمُسْتَرْسِلَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ أَو مَن هُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ السِّعْرِ، هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْبَاعَةِ.
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَقِّي السِّلَعِ؛ فَإنَّ الْقَادِمَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لَبَادٍ وَقَالَ: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ» .
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لَبَادٍ»؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارٌ.
وَهَذَا نَهْيٌ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِن ضَرَرِ الْمُشْتَرِينَ؛ فَإِنَّ الْمُقِيمَ إذَا تَوَكَّلَ لِلْقَادِمِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهَا، وَالْقَادِمُ لَا يَعْرِفُ السِّعْرَ ضَرَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ – ﷺ -: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ».
وقال ابن تيمية: «إذا اتفق أهل السوق ألا يزيدوا في سلعة لهم فيها غرض ليشتريها أحدهم، ويتقاسموها، فهذا يضر بالمسلمين أكثر من تلقي الركبان»
الفوائد :
قال البسام في شرح أحاديث بلوغ المرام :
١ – الحديثان فيهما فقرتان لبيان نوعين من المعاملات المحرَّمة، قوله: “لا تلقوا الركبان” والرواية الأخرى: “لا تلقوا الجلب”، معناه النَّهي عن استقبال القادمين إلى البلد لبيع بضائعهم فيه، حينما يتلقاهم السماسرة والدلالون خارج السوق الذي تباع فيه السلع، إما ليشتروا منهم بضائعهم على جهل من القادمين بقيمها في السوق، وإما ليتولى السماسرة بيعها عن أصحابها على الناس.
٢ – مذهب جمهور العلماء تحريم تلقيهم، والشراء منهم، وتركهم يبيعون سِلَعَهُم بأنفسهم على الناس.
٣ – علة التحريم أمران:
الأول: غبن القادمين بشراء سلعتهم منهم بأقل من قيمتها في السوق.
الثاني: التضييق على الناس المحتاجين المستفيدين، وذلك باستقصاء جميع ثمنها، فقد جاء في مسلم والسنن عن جابر أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: “لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض”.
٤ – الفقرة الثانية: “فمن تُلقي، فاشتُري منه، فإذا وصل البائع السوق فهو بالخيار” ففيه إثبات الخيار للبائع بين إمضاء البيع، أو رده.
قال شيخ الإسلام: أثبت النبي -ﷺ- للركبان الخيار إذا تُلُقوا؛ لأنَّ فيه نوع تدليسٍ، وغشٍّ.
وقال ابن القيم: نهى عن ذلك لِما فيه من تغرير البائع، فإنَّه لا يعرف السعر، فيُشْترى منه بدون القيمة، ولِذا أثبت له النبي -ﷺ- الخيار إذا دخل السوق.
جاء في حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: الحديث وإن كان ظاهره الإطلاق، فيقيد بما هو جارٍ متسامحٌ فيه، من التغابن اليسير.
والعقد صحيح؛ لأنَّ النَّهي قُصِر على التلقي، ولم يقل: لا تشتروا، ولا نزاع في ثبوت الخيار للبائع من الغبن غبنًا يخرج عن العادة.
٥ – الإسلام يراعي المصالح العامة، فيقدمها على المصالح الخاصة، ولذا فإنَّ تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، فيه مصلحة خاصة للمتلقي الحاضر، ولكن لما كانت مصلحة أهل البلد -بشرائهم السلع رخيصة- قدمت على انتفاع الواحد.
٦ – قال شيخ الإسلام: من البيوع ما نهي عنه لِمعنىً فيه، من ظلم أحد المتبايعين للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك، والشارع لم يجعلها لازمة كالبيوع الحلال، بل جعل الخيرة إلى المظلوم، إن شاء أبطلها، وإن شاء أجازها، فإنَّ الشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهى عن الفواحش، ونكاح المحرَّمات، والمطلقة ثلاثًا، وبيع الربا.
وبعض الناس يحسب أنَّ هذا النوع من جملة ما نهي عنه، والنَّهي يقتضي
الفساد، فأفسدوا بيع النجش، والبيع على أخيه، وبيع المدلس، والتحقيق أنَّ هذا النوع لم يكن النَّهي عنه فيه لحق الله، بل لحق الإنسان.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤/٣١٤-٣١٥]