(44 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد البلوشي ،
وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي وأحمد بن عبدالعزيز
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، “(18) بَاب وُجُوبِ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنَ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ والناس أجمعين.
ولإطلاق عَدَمِ الإِيمَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِبُّهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٦] (٤٤) – (وحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ …، (ح) وحَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ – وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ – حَتَّى أكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»).
[١٧٧] (…) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٦) بَاب وُجُوبِ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنَ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ والناس أجمعين.
ولإطلاق عَدَمِ الإِيمَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِبُّهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ”.
وفي البحر المحيط الثجاج للإتيوبي رحمه الله: “(١٨) – بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٦] (٤٤) – الحديث
شرح الحديث:
(مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”) من عطف العامّ على الخاصّ، وهل تدخل النفس في هذا العموم؟ الظاهرُ دخولها، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي.
قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: لم يُرِد به حُبَّ الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُفْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى.
قال الطيبيّ: قوله: “ولا سبيل إلى قلبه” ليس بمطلق، وذلك أن المحبّ ينتهي في المحبّة إلى أن يتجاوز عن الهوى، فيؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه، فضلًا عن محبة ولده … [“الكاشف عن حقائق السنن”، ٢/ ٤٤٣]
وقال ابن بَطّال، والقاضي عياض وغيرهما رحمهم الله تعالى: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد، ومحبة مُشاكلة واستحسان، كمحبة سائر الناس، فجمع النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أصناف المحبة في محبته.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان عَلِمَ أن حَقَّ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – آكد عليه من حَقِّ أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به – صلى الله عليه وسلم – استُنْقِذنا من النار، وهُدِينا من الضلال.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومن محبته نُصْرَة سنته، والذّبّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل مالَهُ ونفسه دونه، قال: وإذا تَبَيَّن ما ذكرناه تبيّن أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبيّ – صلى الله عليه وسلم -، ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه، فليس بمؤمن. انتهى، ذكره النوويّ في «شرحه» [«شرح مسلم» ٢/ ١٥ – ١٦].
وقال في «الفتح»: والمراد بالمحبة هنا حبّ الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال الطيبي: فيه إشعارٌ بالموازنة والترجيح، وتلميح إلى قضية النفس الأمّارة، واللوّامة، والمطمئنة، فإن الأمّارة مائلة إلى اللذّات، وحبّ العاجلة، والمطمئنّة مقابلة بها، مرجّحة لحبّ الآجلة، فإن من رَجَّح جانب الأمّارة كان حب أهله ووالده راجحًا على حبه – صلى الله عليه وسلم -، ومن رجّح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ – ٣٠]، ولا ارتياب أن من دخل في زمرة عباده المرتَضَين، وانخرط في سلك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين لا يُحبّ أن ينكُص على عقبيه، فيُرجّح جانب الأهل والأولاد على جانبه – صلى الله عليه وسلم -، وهذا محال، وفي هذا التقرير أيضًا معنى قوله: «وجد حلاوة الإيمان»، وذلك أن النفس الأمارة موءوفة، كمن غلبت عليه الصفراء، فإنه لا يجد حلاوة العسل، فإذا صحّت واطمأنت زال عنه ذلك المرض، فيجد حلاوة الإيمان. انتهى كلام الطيبيّ [«الكاشف» ٢/ ٤٤٣].
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب «المفهم» بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزمًا للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر – رضي الله عنه – الذي رواه البخاريّ في «الأيمان والنذور» من حديث عبد الله بن هشام: كنا مع النبيّ – صلى الله عليه وسلم -، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ – صلى الله عليه وسلم -: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ – صلى الله عليه وسلم -: «الآن يا عمر». انتهى. [ “قال في «الفتح» ١٣/ ٣٧٥: أي: الآن عرفت، فنطقت بما يجب، وأما تقرير بعض الشرّاح: الآن صار إيمانك معتدًّا به، إذ المرء لا يُعتدّ بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ففيه سوء أدب في العبارة، وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل، والتحرّز، لاستغراق الفكر في المعنى الأصليّ، فلا ينبغي التشديد في الإنكار على من وقع ذلك منه، بل يُكتفى بالإشارة إلى الردّ، والتحذير من الاغترار به؛ لئلا يقع المنكر في نحو مما أنكره. انتهى”. انتهى.].
تنبيه :
كلام ابن حجر في الجزء ١١ من فتح الباري (ط السلفية)، وسبق أن ناقش المسألة في الجزء الأول، قال رحمه الله:
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان ; لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مرادا هنا ; لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه…..
فلعله يقصد عدم التشديد في الرد على القاضي عياض، وأن عبارة القاضي فيها سوء أدب غير مقصود.
حيث أن مقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا ينبغي أن يقال فيه أن إيمانه كان غير معتداً (لأن القاضي قال شرط في الإيمان، ولازم هذ القول عدم الاعتداد بإيمانه قبل وجود هذا الشرط ).
والله أعلم انتهى التنبيه
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقدِ غرض من أغراضه، أو فقدِ رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم -، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، من فقدِ شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
قد يقصد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ، لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ»، (صحيح البخاري ) ٣٥٨٩
وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ» قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي، لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّر.، (صحيح مسلم ) ١٤٢ – (٢٣٦٤) وسيأتي بإذن الله تعالى شرحه
يقول القاضي عياض:
(وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له:
١ – إما لأستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له.
٢ – أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء، وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء.
٣ – أو يكون حبه إياه لمرافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها) [الشفا بتعريف حقوق المصطفى. للقاضي عياض اليحصبي طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٩، هـ – ٢ / ٢٩ – ٣٠].
يقول النووي ملخصا كلام القاضي عياض: (وبالجملة فأصل المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه.
وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والأبعاد من الجحيم) [صحيح مسلم بشرح النووي. طبع دار الفكر، بيروت ١٤٠١هـ، ٢ / ١٤] .
وأصل الحب قوة في القلب تحرك إرادة الإنسان لتحصيل المحبوبات أصلا، ودفع المكروهات تبعا، فتميل النفس إلى الشيء إن كان محبوبا وتنفر عنه إن كان مكروها [انظر. رسالة العبودية، ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠ / ١٩٢].
وحب المسلم لرسول الله ﷺ عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوتت درجة الشعور بهذا الحب تبعا لقوة الإيمان أو ضعفه.
وليس هذا الحب أمرا عقليا مجردا عن الميل القلبى كما ذهب إليه البيضاوي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله ﷺ: “أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال:
(المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله.
فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل- والعقل يقتضي رجحان ذلك- تمرن على الائتمار بأمره حيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ به التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي: إدراك مما هو كمال وخير من حيث هو كذلك) [فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ط دار المعرفة بيروت ١ / ٦٠- ٦١].
وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد بقوله:
(. . . . كلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبا قلبيا.
. . . . وأما مجرد إيثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف هوى النذر كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه.
. . . . فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازما له. لا أنه الحب) [تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد. للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. ط٣، طبع المكتب الإسلامي. بيروت، ١٣٩٧هـ، ص٤٧٦، ٤٧٧]
قال ابن تيمية:
(وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» [مجموع الفتاوى، ١٠ / ٦٤٩].
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٧] (…) -الحديث
شرح الحديث:
وقوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ، قال في «الفتح»: وذِكرُ الولد والوالد، أَدْخَلُ في المعنى؛ لأنهما أعزّ على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعزّ من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا.
وهل تدخل الأم في لفظ «الوالد»؟، أن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ الناس بعد الوالد والولد، من عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدّم الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛ لمزيد الشفقة. انتهى [«الفتح» ١/ ٧٦].
[البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
“قوله: «لَا يُؤْمِنُ»، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل الواجب، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ماله، وأهله وولده، وفي اللفظ الآخر: «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، وهذا كمال الإيمان الواجب، فإذا لم يكن كذلك نقص إيمانه، ويأثم إذا قدم محبة المال، أو محبة الولد، أو الأهل على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وينقص إيمانه، ويضعف إيمانه، كما قال الله تعالى في الآية الكريمة: { قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَ ٰنُكُمۡ وَأَزۡوَ ٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَ ٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ }
[سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ٢٤]
فالإيمان الكامل الواجب، أن يقدم محبة الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة المال والأهل والولد والنفس؛ ولذلك قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «الآنَ يَا عُمَرُ» [أخرجه البخاري (٦٦٣٢)]، يعني: الآن بلغت المحبة، أو الإيمان الكامل”. [توفيق الرب المنعم، (1/ 117 – 118)].
قال الحافظ ابن حجر: أي: إيمانا كاملا، قال الشيخ عبد الرؤف المناوي في فيض القدير: أي: إيمانا كاملا، وقال في قوله: (حتى أكون أحب إليه). غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل من ولده ووالده والناس أجمعين.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: (لا يؤمن أحدكم): أي الإيمان الواجب والمراد كماله، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين.
بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه كما في الحديث : الآن يا عمر»، رواه البخاري،
فمن قال: إن المنفي هو الكمال فان أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أن المنفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قاله شيخ الإسلام رحمه الله، فمن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن كل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد: (لا يؤمن أحدكم)؛ أي: لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه أيضا كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فساقه، وقال: فمن لم يكن كذلك فهو من أصحاب الكبائر … فانه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب..، وقال أيضا: وأكثر الناس يدعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما ذكر فلابد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له وإلاّ فالمدعي كاذب، فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحسبها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . [عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها – عبد المحسن العباد (164 – 166)].
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
يقول القاضي عياض مستدلا بهذه الآية:
(فكفى بهذا حضا وتنبها ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله) [الشفا، ٢ / ١٨].
وفي قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) .
ويبين ابن القيم أن هذه الآية دليل على أن من لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به من نفسه فليس من المؤمنين ثم يوضح أن هذه الأولوية تتضمن أمرين:
١ – (. . . أن يكون أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه.
٢ – ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها) [الرسالة التبوكية. لابن القيم. مراجعة الشيخ عبد الطاهر أبي السمح، ط١، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها مكة المكرمة، ١٣٤٧ هـ، ص ٢١- ٢٢].
وفي حديث «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان، والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج، وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فلما نفى- الإيمان – حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذكي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها فهو معرض للوعيد) [مجموع الفتاوى، ٧ / ١٥ وما بعدها].
ومن الأحاديث الدالة على وجوب المحبة ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن هشام قال: وفيه «… والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر» [صحيح البخاري. كتاب الإيمان والنذور. باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ٨ / ١٦١].
ونقل ابن حجر في شرح هذا الحديث عن بعض الزهاد أن:
(تقدير الكلام لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك.
. . . وقال الخطابي حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه) .
ثم يستطرد ابن حجر معلقا على كلام الخطابي فيقول:
(فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر» أي الآن عرفت فنطقت بما يجب) [فتح الباري، ١١ / ٥٢٨].
المحبة- كما قال ابن رجب – على درجتين:
١ – إحداهما- فرض: وهي المحبة التي تقتضى قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه، من تصديقه في كل ما أخبر به وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهي عنه من المحرمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم الإيمان بدونه.
٢ – والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضى حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته، في أخلاقه، وآدابه، ونوافله، وتطوعاته، وأكله، وشربه، ولباسه، وحسن محاضرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة، وأخلاقه الطاهرة. والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز القلب من محبته، وتعظيمه، وتوقره ومحبة استماع كلامه، وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين. ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها، ورغبته في الآخرة [استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس. لأبي الفرج عبد الر حمن بن رجب الحنبلي. طبع مطبعة الإمام. مصر ص٣٤، ٣٥].
(المسألة الثانية): هل الحكم الذي اشتمل عليه هذا الحديث يكون لسائر الأنبياء والمرسلين أيضا؟
قال الحافظ في الفتح: محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . [عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها – عبد المحسن العباد (166 – 167)].
وفي لقاء الباب المفتوح ٤/٢٩ — ابن عثيمين (ت ١٤٢١)
محبة الأنبياء
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، فهل هذا الحكم عام في جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟
هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أما الأنبياء فمسكوت عنهم، ولكن يجب علينا أن نحب الأنبياء لما لهم من مقام الصدق وإبلاغ الرسالة والصبر والتحمل، لأننا نحبهم لله، وهم على رأس من نحبهم لله، فكما يجب علينا أن نحب شخصًا لله يجب علينا أن نحب الأنبياء أكثر وأكثر، أما أن نلحقهم بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت ذلك.
(المسألة الثالثة):
قال الحافظ في الفتح: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة، فان كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية … وقال الكرمإني: ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم إرادة طاعته وترك مخالفته وهو من واجبات الإسلام.. وقال ابن القيم في النونية:
فهو المطاع وأمره العالى على … أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الـ … أهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على الـ … ـنفس التي قد ضمها الجنبان [المصدر السابق].
(المسألة الرابعة):
السر في الأحبية الثابتة في الحديث كونه صلى الله عليه وسلم سبب هداية الناس الذين بعثه الله إليهم إذ أخرجهم الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فلما كان سبب المحبة بين المحب والمحبوب ما يحصل من النفع للمحب كانت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمة على محبة أعز الناس إلى الإنسان؟ لأن النفع الذي حصل للمسلم بسبب الرسول هو بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، ولهذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم أجر عمله مثل أجور من آمن به من حين بعثه الله إلى قيام الساعة لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي دل الناس على الخير ومن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من فعله كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . [عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها – عبد المحسن العباد (167 – 168)].
المسألة الخامسة : هل قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ على عمومه
قال ابن القيم:
(وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] إنه باق على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عجّل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها) [جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم. تحقيق طه يوسف شاهين، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ص٩٨ – ٩٩].
المسألة السادسة : اقوال أهل العلم في محبة النبي صلى الله عليه وسلم
نصوص العلماء في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه :
. محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم واجبات وأصول وقواعد الإيمان، قال (في مجموع الفتاوى):
“محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله وأجل قواعده؛ بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين؛ فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة: إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة كما قد بسطنا ذلك في ” قاعدة المحبة ” من القواعد الكبار…”.
. من تمام محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بغض من حادّ الله ورسوله، قال (في مجموع الفتاوى):
“فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ لقوله تعالى ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ . وقال تعالى: ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾ وقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ .
فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة،
وهؤلاء سلكوا طريق الإرادة والمحبة مجملا من غير اعتصام بالكتاب والسنة كما سلك أهل الكلام والرأي طريق النظر والبحث من غير اعتصام بالكتاب والسنة فوقع هؤلاء في ضلالات وهؤلاء في ضلالات. ”
. حلاوة الإيمان تحصل عقيب محبة الله ورسوله،
قال (في الفتاوى الكبرى):
عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئا أو اشتهاه إذا حصل له مراده، فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهي.
ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطا مبينا؛ فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة، فإن الإنسان مثلا يشتهي الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة، فاللذة تتبع النظر إلى الشيء، فإذا نظر إليه التذ، فاللذة تتبع النظر ليس نفس النظر، وليست هي رؤية الشيء؛ بل تحصل عقيب رؤيته، وقال تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١] وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات، والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب، أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن.
فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها.
” وتفريعها ” أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ” ودفع ضدها ” أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار، فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله، وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله…
– وفي مجموع الفتاوى ٢٧/٢٥ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي﴾ فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ؛ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ *فَإِنَّ جَفَاءَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْكَبَائِرِ؛ بَلْ هُوَ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا* كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
مجموع الفتاوى ٢٧/٤٢٥ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)
قال ابن القيم رحمه الله :
وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لَهُ حَقٌّ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ مِثْلُ وُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُ وَيَأْمُرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . وَلِهَذَا كَانَتْ مُبَايَعَتُهُ مُبَايَعَةً لِلَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّهُمْ عاقدوه عَلَى أَنْ يُطِيعُوهُ فِي الْجِهَادِ وَلَا يَفِرُّوا وَإِنْ مَاتُوا. وَهَذِهِ الطَّاعَةُ لَهُ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ. وَعَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَهْلِنَا وَأَمْوَالِنَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ: ﴿وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ﴾ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ: … الْآنَ يَا عُمَرُ﴾ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ﴿: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ﴾ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَجَاةَ لِأَحَدِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا وُصُولَ لَهُ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ: بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَاتِّبَاعِهِ. وَهُوَ الَّذِي يُنْجِيهِ الله بِهِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَهُوَ الَّذِي يُوصِلُهُ إلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَأَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَنْفَعُهَا نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِهِ صلى الله عليه . وَهُوَ أَنْصَحُ وَأَنْفَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ. فَإِنَّهُ الَّذِي يُخْرِجُ الله بِهِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا هُوَ. وَأَمَّا نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ فَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا. وَهُوَ دَعَا الْخَلْقَ إلَى اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَدْعُو إلَى غَيْرِ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِ اللَّهَ. وَمَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ بِأَمْرِهِ وَمَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فَمَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ دَعَا إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَيْ عَلَى بَيِّنَةٍ وَعِلْمٍ يَدْعُو إلَيْهِ بِمَنْزِلِ مِنْ اللَّهِ بِخِلَافِ الَّذِي يَأْمُرُ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَوْ بِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ وَحْيًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ . وَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِحُجْرَتِهِ لَا مِنْ دَاخِلٍ وَلَا مِنْ خَارِجٍ. بَلْ يُفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا. فَلَيْسَ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهِ صلى الله عليه وسلم كَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ عَنْهُ وَالْجِهَادِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ وَمُوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَكُلِّ مَا يُحِبُّهُ الله وَيُتَقَرَّبُ إلَيْهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ حُجْرَتِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِيمَا بَعُدَ عَنْ الْحُجْرَةِ لَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِ؛ بَلْ قَدْ نَهَى هُوَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجْعَلَ بَيْتُهُ عِيدًا. فَنَهَى أَنْ يُقْصَدَ بَيْتُهُ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَمَنْ قَصَدَ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُجْرَةِ أَفْضَلُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ صلى الله عليه وسلم . وَهَذَا مِمَّا كَانَ مَشْرُوعًا كَالْإِيمَانِ بِهِ. وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِأَنَّهُ رَسُولُ الله وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَشْرَعْهُ الله وَلَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا إلَيْهِ بَلْ نَهَى عَنْهُ صلى الله عليه وسلم كَدُعَاءِ غَيْرِ الله وَعِبَادَتِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَالْحَجِّ إلَى الْمَخْلُوقِينَ وَإِلَى قُبُورِهِمْ: فَهَذِهِ إنَّمَا يَأْمُرُ بِهَا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا وَحْيٌ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ فَهُمْ يُضَاهُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أَوْ هُمْ نَوْعٌ مِنْهُمْ.
وَقَدْ مَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ الرَّسُولِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُخْشَى مَخْلُوقٌ وَلَا يُتَّقَى مَخْلُوقٌ لَا مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُمَا.
الداء والدواء = الجواب الكافي – ط دار المعرفة ١/١٩٩ — ابن القيم (ت ٧٥١)
وقال ابن القيم :
وَأَصْلُ دَعْوَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، إِنَّمَا هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمُتَضَمِّنَةُ لِكَمَالِ حُبِّهِ، وَكَمَالِ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَوَازِمِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ … قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ.
» *فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ مَحَبَّةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ – صلى الله عليه وسلم – وَوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا عَلَى مَحَبَّةِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَمَا الظَّنُّ بِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ سبحانه وتعالى، وَوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا عَلَى مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ؟ .*
وَمَحَبَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ تَخْتَصُّ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ فِي قَدْرِهَا وَصِفَتِهَا وَإِفْرَادِهِ سُبْحَانَهُ بِهَا: فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ، بَلْ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَنَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَيَكُونُ إِلَهُهُ الْحَقُّ وَمَعْبُودُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَقَدْ يُحَبُّ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُحَبُّ لِذَاتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَا تَصْلُحُ الْأُلُوهِيَّةُ إِلَّا لَهُ، وَ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] .
وَالتَّأَلُّهُ: هُوَ الْمَحَبَّةُ وَالطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ.
الداء والدواء
وفي التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ١/٦٠ — عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦)
وفي الصحيحين – من حديث أنس – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: («لا يؤمن»
«أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين») .
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا تعارضت المحبتان، فإن قدم ما يحبه الرسول كان صادق الإيمان، وإلا فهو ناقص الإيمان. كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥] .
فأقسم تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، ولا يبقى في قلوبهم حرج وضيق من حكمه وينقادوا له انقيادا، وينشرحوا لحكمه. وهذا شامل في تحكمه في أصول الدين، وفي فروعه، وفي الأحكام الكلية، والأحكام الجزئية.
وفي قوله تعالى :
﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة ١٢٨]
قال السعدي :
يمتن [تعالى] على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو ﷺ في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم.﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم.﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم.ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره
(تفسير السعدي — السعدي (١٣٧٦ هـ))
قال ابن عثيمين :
«أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» وهنا قال أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن المحبة هنا لرسول الله عليه الصلاة والسلام هنا تابعة ونابعة من محبة الله سبحانه وتعالى.
كلما كان لله أحب؛ كان للرسول صلى الله عليه وسلم أحب.
شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/٢٥٤ — ابن عثيمين (ت ١٤٢١)
من علامة محبة الله تعالى :
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المقة من الله ٨ / ١٧].
قال ابن حجر:
(المراد بالقبول في حديث الباب: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله) [فتح الباري، ١٠ / ٤٦٢]،
آية الابتلاء :
. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
قال ابن كثير رحمه الله:
(هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله.
كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» [أخرجه البخاري تعليقا في كتاب الاعتصام. باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود، ٩ / ١٢٣]، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: «ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تحب».
وقال الحسن البصري وغيره من السلف:
زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] [تفسير ابن كثير. لإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ط. دار الفكر، بيروت، ١ / ٣٥٨]
الموافقة :
قال القاضي عياض اعلم أن من أحب شيئا آثره و آثر موافقته و إلا لم يكن صادقا في حبه و كان مدعيا فالصادق في حب النبي صلى الله عليه و سلم من تظهر علامة ذلك عليه و أولها الاقتداء به و استعمال سنته و اتباع أقواله و أفعاله و اجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره و يسره و منشطه و مكرهه و شاهد هذا قوله تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 31 ]
وإيثار ما شرعه و حض عليه على هوى نفسه تعالى و موافقة شهوته قال الله تعالى : { و الذين تبوؤا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ سورة الحشر / 59 ، الآية : 9 ]
و إسخاط العباد في رضا الله تعال
الشفا 2 / 22
معنى التعزير :
فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا – لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ – ٩] (١) .
فالتسبيح لله عز وجل والتعزير والتوقير للنبي ﷺ وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) والتعزير بمعنى التعظيم.
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى:
(معنى التعزير في هذا الموضع: التقوية والنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) [تفسير الطبري المسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. ط ٢، مصطفى الحلبي. القاهرة، ١٣٧٣ هـ، ٢٦ / ٧٥].
ويعرف ابن تيمية التعزير بأنه:
(اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) [الصارم المسلول على شاتم الرسول. لابن تيمية.
تحقيق. محمد محي الدين عبد الحميد، طبع دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨ هـ، ص ٤٢٢].
عدم التقدم :
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ – إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ – إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ – وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ – ٥] (١) فقد أشارت هذه الآيات إلى بعض وجوه الأدب مع النبي ﷺ منها:
– عدم التقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل أو إذن أو تصرف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (٢) . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
” لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه، ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله [ تفسير ابن جرير، ٢٦ / ١١٦]. وهذا الأمر فرض باق على الأمة إلى يوم القيامة- مثل طاعته ﷺ حيا وميتا- فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته ﷺ كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذوي العقول السليمة، فالأدب كل الأدب معه ﷺ تقديم سنته وأقواله على كل قول أو رأي [انظر. مدارج السالكين لابن القيم، ٢ / ٣٨٩].
التأدب :
وقد شدد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه النكير على رجلين رفعا أصواتهما في المسجد النبوي وذلك فيما رواه البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال:
(كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فاتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما- أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ!) [صحيح البخاري. كتاب الصلاة. باب رفع الصوت في المساجد ١ / ١٢٧].
ومن الأدب مع الرسول ﷺ عدم جعل دعائه كدعاء الناس بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (٥) وللمفسرين في معنى هذه الآية قولان:
– أحدهما: معناه أن لا تجعلوا دعاءكم ونداءكم للرسول ﷺ كما ينادي بعضكم بعضا باسمه المجرد فنهاهم الله أن ينادوا رسوله ﷺ بيا محمد. بل الأدب معه ﷺ أن ينادوه: بيا رسول الله، ويا نبي الله، مع خفض الصوت احتراما وتوقيرا له [انظر تفسير ابن كثير، ٣ / ٣٠٦ – ٣٠٧، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، طبع مطبعة المدني، مصر، ٦ / ٢٥١ – ٢٥٢].
الثاني: أن لا تجعلوا دعاء الرسول لكم من جنس دعاء بعضكم بعضا إذا شاء أجاب وإن لم يشأ لم يجب. بل الأدب معه أنه إذا دعاكم لم يسعكم إلا إجابته والسمع والطاعة له [انظر مدارج السالكين، ٢ / ٣٨٩ – ٣٩٠].
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] (٣) .
قال ابن القيم:
(ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع- من خطة أو جهاد أو رباط- لم يذهب أحدهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه. . . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله، وفروعه، دقيقة، وجليله؟ هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤) ومن الأدب معه. أن لا يستشكل قوله. بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا،نعم هو مجهول وعن الصواب معزول.
ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجرأة) [مدارج السالكين، ٢ / ٣٩٠].
نهى الله المؤمنين عن الجهر بالقول لرسول الله ﷺ، كما نهاهم عن مخاطبته كما يخاطب بعضهم بعضا كما سبق آنفا. لما فيه من الجفاء والإيذاء له. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٢) .
فنهى الله المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ (راعنا) لما فيها من احتمال معنى: ارعنا نرعاك على سبيل المقابلة كما يقال حادثنا وجالسنا، نحادثك ونجالسك. فكأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم. بل حقه ﷺ أن يرعى على كل حال، أو يكون معناها: ارعنا معك حتى نفهمك وتفهم عنا [انظر. تفسير الطبري، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، طبع دار المعارف مصر، ٢ / ٤٦٣ – ٤٦٦]، وكلا المعنيين فيه جفاء لا يليق بمقام النبوة.
وقيل نهوا عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود لأنهم كانوا يورون بهذه الكلمة عن الرعونة فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولهم [انظر. الشفا للقاضي عياض، ٢ / ٣٧. وتفسير ابن كثير، ١ / ١٤٨- ١٤٩].
—
حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا :
قال أبو بكر بن العربي (١) .
(حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنةفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٢) . وكلام النبي ﷺ من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناه [ذكر العلماء فروقا بين الحديث والقرآن منها:
إن كلام الرسول ﷺ ليس معجزا كالقرآن.
إننا متعبدون بالقرآن وتلاوته في الصلاة وخارجها وليس الحديث كذلك.
– إن القرآن لا يقرأه القارئ إلا وهو طاهر على خلاف في ذلك وليس الحديث كذلك] بيانها في كتب الفقه والله أعلم) [أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق على محمد البجاوي، ٤ / ١٧٠٢ – ١٧٠٣].
الصلاة عليه من ربه :
ويتضمن معنى الصلاة عليه: ثناء الله عليه والإشارة برفع ذكره، والطلب من الله أن يعلى ذكره، ويزيده تعظيما وتشريفا، والمراد بالطلب هنا هو طلب الزكاة- زيادة الثناء والتشريف- لا طلب أصل الصلاة. أما السلام فيتضمن سلامته أي من كل آفة وعيب [انظر. جلاء الأفهام في الصلاةوالسلام على خير الأنام. لابن القيم ص٨٤، وما بعدها، وفتح الباري ١١ / ١٥٢ – ١٥٣، ١٦٩].
أورد البخاري تعليقا عن أبي العالية قال: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء».
قال ابن عباس:
يصلون: يبركون [صحيح البخاري، كتاب التفسير. باب «إن الله وملائكته يصلون على النبي» ٦ / ١٥١].
وقد أخبر الله أنه وملائكته يصلون على النبي وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٣) .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا ” [تفسير ابن كثير، ٣ / ٥٠٧].
كما رغب رسول الله ﷺ في الصلاة والسلام عليه في أحاديث عدة: منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» [صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، ١ / ٣٠٦].
وقد سئل الحافظ ابن حجر عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة. كأن يقول مثلا. اللهم صل على سيدنا محمد أو على سيد الخلق، وعلى سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ، أو عدم الإتيان بها لعدم ورود ذلك في الآثار؟ .
فأجاب رحمه الله:
(نعم، اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعا منه ﷺ لم يكن يقول عند ذكره ﷺ: ﷺ وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر. لأنا نقول: لو كان ذلك راجحا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين. ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال: ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك) [أوردها بتمامها: الألباني نقلا عن الحافظ محمد بن محمد الغرابيلي تلميد الحافظ ابن حجر.
انظر. صفة صلاة النبي ﷺ، تأليف محمد نصر الدين الألباني، ط١١، المكتب الإسلامي ١٤٠٣ هـ، ص ١٥٣- ١٥٥].
وللصلاة على النبي ﷺ مواطن يتأكد وجوبها أو استحبابها فيها: منها: التشهد الأخير في الصلاة، واختلف في وجوبه واستحبابه على قولين [انظر: جلاء الأفهام، ص١٩٣- ٢١٦.
حكم من سب الرسول صلى الله عليه وسلم :
وقد أجمع أهل العلم على وجوب قتل من سب الرسول ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصا في نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو التحقير لشأنه.
فحكم من أتى بذلك أن يقتل بلا استتابة لأنه آذى رسول الله ﷺ بما يستوجب إهدار دمه إن كان مسلما، ونقض عهده وقتله إن كان ذميا [انظر في بيان ذلك. الشفا ٢ / ٢١٤ وما بعدها. والصارم المسلول ص ٣ وما بعدها، ص ٤١٨ – ٤١٩] كل ذلك حماية لعرضه ﷺ وصونا لمكانته ومنزلته.
تواضعه صلى الله عليه وسلم :
وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما. وقال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم» [أخرجه مسلم في كتاب الصلاة. باب ائتمام المأموم بالإمام، ١ / ٣٠٩، والنسائي في كتاب السهو. باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا ٣ / ٩]، وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه [الصارم المنكي في الرد على السبكي، ٢٨٨].
وقد أنكر النبي ﷺ على من قال له: ما شاء الله وشئت أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رجلا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني والله عدلا. بل ما شاء الله وحده» [المسند، ١ / ٢١٤، والحديث إسناده حسن.
انظر السلسة الصحيحة ١ / ٥٦- ٥٧].
حب الصحابة له صلى الله عليه وسلم :
ولما احتضر بلال نادت امرأته، واويلاه. وهو يقول وافرحاه (غدا نلقى الأحبة. محمدا وحزبه) [أورد هذه الحكاية ابن عساكر في ترجمة بلال بن رباح رضي الله عنه- انظر. تهذيب تاريخ دمشق. الشيخ عبد القادر بدران، ط ٢، دار المسيرة بيروت، ١٣٩٩، ٣ / ٣١٧].
وكان خالد بن معدان الكلاعي وهو من أعلام التابعين – لا يأوى إلى فراشه مقيله إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم يسميهم ويقول: (هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم فعجل ربي قبضي إليك) . حتى يغلبه النوم [روى ذلك الخبر القاضي عياض في الشفا، ٢ / ٢١.
وابن عساكر، تهذب تاريخ دمشق، ٥ / ٩٠، عن عبدة بنت خالد بن معدان].
—
فائدة في أسباب تقوي محبة الله
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:
يجب على طالب العلم أن يتنبه لهذه المسألة وهي ما إذا كان فعل الشيء مقصودًا بالذات، وما إذا كان وسيلة لمقصود شرعي ثابت الأول بدعة، والثاني جائز بل هو مطلوب.
فإن قال قائل: أهل البدع يقولون: إننا نتقرب إلى الله تعالى.
قلنا: إذن هي عندكم مقصودة لذاتها، فهي بدعة، إذا قالوا: إن إحياء ذكرى المولد النبوي من أجل أن تقوى المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم ، قلنا: قد جعل الله تعالى لمحبة رسوله أسبابًا أقوى من هذه وأدوم، أسبابًا تكون مع الإنسان إلى موته ليلًا ونهارًا، فإن كل عبادة يفعلها الإنسان وهو يشعر بأنه متأس بالرسول صلى الله عليه وسلم سوف يذكره لا بلسانه لكن بقلبه، ثم إعلان ذكرى الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الأذان في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ١/٦٢٠ — ابن عثيمين (ت ١٤٢١)
—-
ثمرات :
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المقة من الله ٨ / ١٧].
قال ابن حجر:
(المراد بالقبول في حديث الباب: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله) [فتح الباري، ١٠ / ٤٦٢]،
—-
رابعًا: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان أن حبّ الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – علامة على كمال إيمان العبد.
2 – (ومنها): ما قاله في «الفتح»: في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه، وإما غيرها.
أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو حقيقة المطلوب،
وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفعٍ مَا على وجوهه المختلفة، حالًا ومآلًا،
فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة – رضي الله عنهم -، من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى [راجع: «الفتح» ١/ ٨٦].
3 – (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: محبّة النبيّ – صلى الله عليه وسلم – من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبّة الله عز وجل، وقد قرنها الله تعالى بها، وتوعّد من قدّم عليهما محبّة شيء من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٤].
و قال صلى الله عليه وسلم لعمر – رضي الله عنه – -:… الآن يا عمر
فيجب تقديم محبّة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١].
وسُئل بعضهم عن المحبّة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال.
فعلامة تقديم محبّة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على محبّة كلّ مخلوق: أنه إذا تعارضت طاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلًا على صحة محبّته للرسول – صلى الله عليه وسلم -، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على طاعته، وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التّامّ الواجب عليه.
وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – تبعٌ لمحبّة مُرسله عز وجل. هذا كلّه في امتثال الواجبات، وترك المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [«شرح البخاريّ» لابن رجب ١/ ٤٩]، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
4 – (ومنها):
قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي – ﷺ -، وآمن به إيمانًا صحيحًا، لم يَخْلُ عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ – ﷺ -، غير أنهم في ذلك متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتّفق لعمر – رضي الله عنه – حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ – ﷺ -: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ … الحديث. وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ من رسول الله، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه [رواه مسلم (١٢١)]. ولا شكّ في أن حظّ أصحابه – ﷺ – من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكّر بالنبي – ﷺ -، أو بشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ويجده وجدانًا لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة.
فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ٢٢٥ – ٢٢٧]، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
5 – (ومنها): وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على أعز الناس إلى الإنسان.
6 – (ومنها): أن محبة الرسول ﷺ واجبة وهي تابعة لمحبة الله لازمة لها.
7 – (ومنها): أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب.
8 – (ومنها): أنه قد ينفي الإيمان عن شخص ولا يخرج بذلك عن الإسلام.
9 – (ومنها): أنه إذا كان هذا شأن محبة الرسول ﷺ فما الظن بمحبة الله؟
10 – (ومنها): الإشارة إلى ما يجب للوالد من التوقير والإجلال وما يجب للولد من الشفقة.
11 – (ومنها): البدء بالأهم فالمهم. [عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها، ص(168)].
12 – راجع بابُ المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ من شرحنا لصحيح مسلم فهناك نقولات أخرى حول المحبة