642 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
642 – قال أبو داود رحمه الله (ج 10 ص 400): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد المعنى قالا أخبرنا يحيى عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا الوليد بن عبد الله، وقد وثَّقه ابن معين.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج 2 ص 1228).
وابن أبي شيبة (ج 8 ص 602) قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس به.
—–
دراسة الحديث رواية:
[حكم الألباني] : حسن صحيح سنن أبي داود
قال الأرنؤوط:
إسناده صحيح. يحيى: هو ابن سعيد القطان.
وأخرجه ابن ماجه (3726) من طريق يحيى بن سعيد القطان، بهذا الإسناد.
وهو في “مسند أحمد” (2000).
قلنا: المنهي عنه من علم النجوم هو علم التأثير، الذي يقول أصحابه: إن جميع أجزاء العالم السُّفلي صادر عن تأثير الكواكب والرُّوحانيات، فهذا محرّم لا شك فيه، لأنه ضرب من الأوهام، وما سوى ذلك من علم الفلك فتعلُّمُه مباح لا حرج فيه، بل هو فرض كفاية لا بد أن يقوم به نفر من المسلمين ليرفع الإثم عن عامتهم، قال الله تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام:97].
[سنن أبي داود 6/ 51 ت الأرنؤوط]
بوب عليه مقبل في الجامع:
39 – من العلم ما لا يجوز تعلمه
21 – التنجيم والسحر
31 – ما جاء في السحر والتنجيم
دراسة الحديث دراية:
– قال مظهر الدين الزيداني (ت ٧٢٧) في المفاتيح في شرح المصابيح ٥/١٠٠: قوله: «مَنِ اقتبسَ علمًا من النجوم اقتبسَ شُعبةً من السِّحر».
(اقتبس)؛ أي: تعلَّم، (الشُّعبة): البعض، والمراد بها ها هنا: القطعة والبعض؛ يعني: كما أن تعلُّمَ السِّحر والعملَ به حرامٌ، فكذلك تعلُّم علم النجوم والتكلُّم به حرامٌ، وقد ذُكر ما يجوز تعلُّمه من علوم النجوم.
* * *
– قال الجلال السيوطي (ت ٩١١) في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود ٣/٩٥٨: (من اقتبس) أي: تعلّم.
(علمًا من النّجوم اقتبس شعبة من السّحر) قال الخطّابي: علم النجوم المنهيّ عنه هو ما يدّعيه أهل التّنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، كمجيء الأمطار وتغيّر الأسعار، فأمّا ما يعلم به أوقات الصلاة وجِهة القبلة فغير داخل فيما نهى عنه.
– قال ابن الملك (ت ٨٥٤) في شرح المصابيح لابن الملك ٥/١٢٨: «عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: من اقتْبَسَ»؛ أي: تعلَّمَ.
«عِلمًا من النجوم اقتبسَ شُعْبةً»؛ أي: قطعةَ «من السِّحْر»؛ لأنَّ المنجم يُضيفُ الكوائنَ إلى غير الباري تعالى، كالساحرِ يُضيفُها إلى سِحْرِه.
«زاد» اقتباس شعبة السحر «ما زاد» اقتباسُ عِلْمِ النجوم.
– قال صالح آل الشيخ في التمهيد لشرح كتاب التوحيد ١/٣١٠: قوله: «من اقتبس شعبة»: يعني من تعلم بعضا من علم النجوم؛ لأن الشعبة هي: الطائفة من الشيء، أو جزء من أجزائه، فكل جزء من أجزاء علم النجوم الذي هو علم التأثير نوع من أنواع السحر، قال. «فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» يعني: كلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في تعلم السحر، حتى يصل إلى آخر حقيقة علم التأثير كما يسمونه، فيصبح سحرا وكهانة على الحقيقة، ويأتي أن التنجيم منه علم التأثير وهو جعل الكواكب والنجوم في حركتها والتقائها وافتراقها وطلوعها وغروبها مؤثرة في الحوادث الأرضية، أو دالة على ما سيحدث في الأرض، فيجعلونها دالة على علم الغيب، ومنبئة على المغيبات، وهذا القدر من السحر؛ لأنه يشترك معه في حقيقته وهو أنه تأثير بأمر خفي.
– قال المنذري في الترغيب والترهيب: والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدَّعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيّر الأسعار، ونحو ذلك. ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الأزمان. . وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة؛ من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى من الليل والنهار، وكم بقي فإنه غير داخل في النهي. والله أعلم» (١).
قال الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٣
(١) قلت: ومن ذلك عندي التنبؤ بنزول المطر، وتساقط الثلج، وهبوب الرياح، ونحوها، فإن لمعرفة ذلك اليوم موازين دقيقة سخرها الله للناس في هذا الزمان، مثل الساعات التي يعرف بها الوقت، فلا علاقة لذلك البتة بعلم النجوم المذموم.
—
قال محمد بن عبدالوهاب:
باب (24) بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت” .
قال عوف: العيافة: زجر الطير. والطرق: الخط يخط بالأرض.
والجبت: قال الحسن: “رنة الشيطان” إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد” رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك. ومن تعلق شيئا وكل إليه”
وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا هل أنبئكم ما الْعَضْهُ؟ هي النميمة القالة بين الناس” رواه مسلم. ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من البيان لسحرا” .
[التوحيد لابن عبد الوهاب ص74]
قال ابن رسلان:
(عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من اقتبس …) والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ثم يجيء ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاطٍ لعلم استأثر اللَّه تعالى به.
وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة … فغير منهي عنه
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 15/ 660]
قال ابن عثيمين:
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف والآثار فيها دليل على ما سبق أنه يحرم أن يأتي الإنسان الكهان فيصدقهم كمن أتى عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوما مجرد ما يسأل العراف ومنه الكهان لا تقبل له صلاة أربعين يوما فإن صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أما إذا أتى الكاهن ليبين كذبه وزيفه فهذا لا بأس به بل قد يكون أمرا محمودا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن صياد رجل كاهن أو ساحر كلمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ماذا خبأت لك يعني ما الذي أضمرت في نفسي قال الدخ وعجز أن يكمل الكلمة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أضمر في نفسه الدخان ولكنه عجز أن يدركها قال الدخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم أخسأ فلن تعدوا قدرك وأما ما يتعلق بذلك..
أي بالتنجيم والكهانة فمنه التطير و الطيور لا تغني شيئا هذا كله أبطله النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتعلق الإنسان بأحد سوى الله وأمر الإنسان إذا هم بأمر ولم يتبين له أن يستخير … وأما الاستقسام بالأزلام والطير وما أشبه ذلك فكله لا خير فيه
[شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 6/ 409]
قال العباد:
أورد أبو داود باب في النجوم، أي: في تعلم التنجيم، وعلم التنجيم حرام، ويكون كفراً وشركاً إذا اعتقد أن النجوم لها تأثير في المخلوقات وأنها فاعلة، وأما إذا أريد بعلم النجوم: معرفة الأوقات، ومعرفة الجهات كجهة القبلة، ومعرفة جهة السير في الليل؛ فإن هذا لا مانع منه، ولا بأس به، قال الله عز وجل: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16]، … وإنما المحذور تعلم العلم الذي فيه اعتقاد أن الكواكب والنجوم تؤثر في الكون، فهذا هو الأمر المحرم.
قوله: (زاد ما زاد) يعني: كلما زاد من هذا التعلم فإنه يزيد السحر.
[شرح سنن أبي داود للعباد 440/ 9 بترقيم الشاملة آليا]
قال ابن تيمية:
فصل
خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة، فوجود ذلك يدلّ على أنّ صاحبه ليس بنبيّ. ويمتنع أن [يكون] شيءٌ من ذلك دليلاً على النبوة؛ فإنّ ما استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده.
وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم وعبادة الكواكب ومخاطبتها، كلّ ذلك مناقضٌ للنبوة؛ فإنّ النبي لا يكون إلا مؤمناً، وهؤلاء كفار؛ فوجود ما يناقض الإيمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى، وهو آيةٌ، ودليلٌ، وبرهان على عدم النبوة، فيمتنع أن يكون دليلاً على وجودها.
وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممّن ليس بنبيّ، لا يخرج عن مقدور الإنس والجن.
وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق؛ فإنّ من الناس من يقول: إنّ المقدور لا بُدّ أن يكون في محلّ القدرة.
وليس هذا هو لغة العرب، ولا غيرهم من الأمم؛ لا لغة القرآن والحديث، ولا غيرهما، وإنّما يدّعون ذلك من جهة العقل. وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل.
لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة؛ لغة العرب، وغيرهم التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره يخاطب بها الناس؛ كقوله في الحديث الصحيح لأبي مسعود لما ضرب غلامه: “اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا” ؛ فجعل نفس المملوك مقدورا عليه [لسيده] ، كما يقول الناس: القوّة على الضعيف ضعفٌ في القوة، [ويقولون] : فلانٌ قادر على فلان، وفلانٌ عاجز عن فلان، ويقولون: فلانٌ ناسج هذا الثوب، و [بَنَى] هذه الدار. ومنه: قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الفُلْكَ} ؛ فجعل الفلك مصنوعة لنوح. ومنه: قوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ؛ أي والأصنام التي تعملونها، وتنحتونها؛ فجعل ما في الأصنام من التأليف معمولاً لهم، كما جعل تأليف السفينة مصنوعاً لهم. وهذا كثير .
والمقصود هنا: أنّ ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم، هو ممّا يصنعه الإنس والجنّ، لا يخرج ذلك عنهم. والإنس والجنّ قد أُرسلت إليهم الرسل ، فآيات الأنبياء خارجة عن قدرة الإنس والجن؛ لا يقدر عليها لا الإنس ولا الجن، ولله الحمد والمنة.
مقدورات الجن والإنس
ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الإنس، لكن يختلف في المواضع؛ فإنّ الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتّى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام يمرض به أو يموت.
فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت، هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور الإنس.
ومنعه من الجماع هو من جنس المرض المانع له من ذلك.
والحب والبغض لبعض الناس، كما يفعله الساحر، هو من استعانته بالشياطين، وهو من جنس مقدور الإنس. بل شياطين الإنس قد يؤثرون من البغض والحب أعظم مما تؤثره شياطين الجن.
والجنّ [تقدر] على الطيران في الهواء، وهو من الأعمال. والطيور تطير، فهو من جنس مقدور الإنس. لكن يختلف المحل [بأنّ] هؤلاء سيرهم في الهواء، والإنس سيرهم على الأرض.
وكذلك المشي على الماء، وطيّ الأرض؛ وهو قطع المسافة البعيدة في زمان قريب: هو من هذا الجنس، هو مما تفعله الجن، وهو مما تفعله الجن ببعض الناس. وقد أخبر الله عن العفريت أنه قال لسليمان عن عرش بلقيس وهو باليمن وسليمان بالشام: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} . ولهذا يوجد كثيرٌ من الكفار والفساق والجهال تطير بهم الجن في الهواء، وتمشي بهم على الماء، وتقطع بهم المسافة البعيدة في المدة القريبة.
وليس شيءٌ من ذلك من آيات الأنبياء، ولله الحمد والمنة؛ إذ كان مقدور الإنس والجنّ، والإخبار ببعض الأمور الغائبة التي يأتي بها الكهّان، هو أيضاً من مقدور الجنّ؛ فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به، وتارة يسترقون السمع من السماء فيخبرون به، وتارة يسترقون وهم يكذبون في ذلك؛ كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عنهم.
وما تخبر به الأنبياء من الغيب، لا يقدر عليه إنس، ولا جنّ، ولا كذب فيه.
وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها، وكذلك كل من تعود الإخبار عن الغائب؛ فأخبار الجن لا بد أن [تكذب] ، فإنه من طلب منهم الإخبار بالمغيّب كان من جنس الكهان، وكذبوه في بعض ما يخبرون به، وإن كانوا صادقين في البعض.
وقد ثبت في الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكهّان؟ فقيل له: إنّ منا قوماً يأتون الكهان؟ قال: “فلا يأتوهم” .
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: “من أتى عرافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً”.
وفي السنن عنه أنه قال: “من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد”.
والنبي صلى الله عليه وسلم لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد [الأقصى] ، لم يكن المقصود مجرّد وصوله إلى الأقصى، بل المقصود ما ذكره الله [بقوله] : {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} ، كما قال في سورة النجم: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّة المَأوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} .
وما رآه مختص بالأنبياء، لا يكون ذلك لمن خالفهم، ولا يريه الله تعالى ما أراه محمدا حين أسرى به. وكذلك صلاته بالأنبياء في المسجد الأقصى، وركوبه على البراق؛ هذا كله من خصائص الأنبياء.
[النبوات لابن تيمية 2/ 991]
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
تنجيم
التعريف:
1 – التنجيم مصدر نجم يقال: نجمت المال عليه إذا وزعته، كأنك فرضت أن يدفع عند طلوع كل نجم نصيبا، ثم صار متعارفا في تقدير دفعه، بأي شيء قدرت ذلك. وكانت العرب تؤقت بطلوع النجوم؛ لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب. وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء، وكانوا يسمون الوقت الذي يحل فيه الأداء نجما لوقوعه في الأصل في الوقت الذي يطلع فيه النجم، واشتقوا منه فقالوا: نجمت الدين بالتثقيل إذا جعلته نجوما .
ويطلق التنجيم أيضا على النظر في النجوم.
واصطلاحا هو علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية .
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذه المعاني…
الحكم التكليفي:
أولا: التنجيم بمعنى النظر في سير النجوم:
7 – قسم الفقهاء علم النجوم إلى قسمين:
الأول: حسابي: وهو تحديد أوائل الشهور بحساب سير النجوم.
ويسمى من يمارس ذلك المنجم بالحساب. ولا خلاف بين الفقهاء في جواز ممارسة التنجيم
بهذا المعنى، وتعلم ما يعرف بمواقيت الصلاة والقبلة، بل ذهب جمهورهم إلى أن ذلك فرض كفاية . وجاء في حاشية ابن عابدين : والحسابي حق، وقد نطق به الكتاب في قول الحق تبارك وتعالى: {الشمس والقمر بحسبان (2) } .
وأجاز الفقهاء الاعتماد عليه في دخول أوقات الصلاة وتحديد جهة القبلة
وقالوا: إن حساب الأهلة، والخسوف والكسوف قطعي، فالله سبحانه وتعالى أجرى حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب على نظام واحد دائم، وكذلك الفصول الأربعة. والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، فينبغي الاعتماد عليه في أوقات الصلاة ونحوها، وفي جهة القبلة.
وفرقوا بين هذا، وبين ما ذهب إليه الأكثرون من عدم اعتبار حساب المنجمين في ثبوت هلال رمضان بأن الشارع نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر في قوله عز وجل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (4) } وكذلك بقية الأوقات، فمن علم شيئا من ذلك لزمه حكمه. أما ثبوت هلال رمضان فقد علق الشارع وجوبه برؤية الهلال، فلم يجز الاعتماد على القواعد الفلكية، وإن كانت صحيحة في نفسها.
وذهب بعض الفقهاء إلى جواز إثبات دخول رمضان وخروجه بالحساب .
الثاني: استدلالي:
وقد عرف ابن عابدين هذا القسم بأنه علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية. وهذا القسم هو المنهي عنه إذا ادعى أصحابه أنهم يعلمون الغيب بأنفسهم منه، أو أن لها تأثيرا على الحوادث بذاتها؛ لخبر: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد وخبر: من صدق كاهنا أو عرافا، أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد
أما إذا أسند الحوادث لعادة أجراها الله تعالى عند الوقت الفلاني فلا يأثم بذلك لخبر: {إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك غديقة أي: كثيرة المطر. وهي كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض .
وقال ابن عابدين: إنما زجر عن ذلك لأسباب ثلاثة:
أ – أنه مضر بأكثر الخلق فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير الكواكب وقع في نفوسهم أنها المؤثرة.
ب – أن أحكام النجوم تخمين محض. قال ابن عابدين: وقد كانت معجزة لإدريس عليه السلام فيما يحكى وقد اندرس.
ج – أنه لا فائدة فيه، فإن ما قدر كائن، والاحتراز عنه غير ممكن (2) .
[الموسوعة الفقهية الكويتية 14/ 52]
تخريج : إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك غديقة أخرجه مالك في الموطأ بلاغا
ذكر ابن عبد البر في «تجريد التمهيد» (٢٤٢، ٢٤٩، ٢٥٣) أن في «الموطأ» من بلاغات مالك ومرسلاته واحدًا وستين حديثًا، وجَدَها كلَّها متصلةً، حاشا أربعة أحاديث لم يستطع وَصْلَها، وهذا الحديثُ أحدها. وقد صنف ابنُ الصلاح رسالةً في وصل هذه الأحاديث، مطبوعة بذيل «توجيه النظر» للجزائري، وكلامُه عن هذا الحديث فيها (٢/ ٩٢٨).
قال ابن رجب :
وهذا من البلاغاتِ لمالكٍ التي قيل: إنه لا يعرَفُ إسنادُها.
وقد ذكرَه الشافعى، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ
بنِ عبدِ اللَّهِ، عنِ النبيّ – ﷺ – – مرسلًا -، قال: «إذا نشأتْ بَحْرِيَّة، ثم استحالتْ شاميةً، فهو أمطرُ لها».
قال ابنُ عبدِ البر: ابنُ أبي يحيى، مطعون عليه متروكٌ.
وإسحاقُ، هو: ابن أبي فروةَ، ضعيفٌ – أيضًا – متروكٌ.
وهذا لا يَحتَجُ به أحدٌ من أهل العلم.
قلت: وقد خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الواقديِّ: نَا عبدُ الحكيم بنُ
عبدِ اللَّهِ بن أبي فروةَ: سمعتُ عوفَ بنَ الحارثِ: سمعتُ عائشةَ تقولُ:
سمعتُ النبيَّ – ﷺ – يقولُ:
«إذا أنشاتِ السحابةُ بحرية، ثم تشاءَمت، فتلك عين»
أو قالَ: «عام غديقة».
يعني: مطرًا كثيرًا.
والواقديُّ: متروك – أيضًا.
والمعنى: أنَّ السحابةَ إذا طلعتْ بالمدينةِ من جهةِ البحرِ، ثمَّ أخذتْ إلى
ناحيةِ الشامِ، جاءتْ بمطرٍ كثير، وهو الغدَقُ.
قال تعالى: (لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) .
وقيَّده ابنُ عبدِ البرِّ: «غُدَيقةٌ» بضمِّ الغينِ بالتصغيرِ.
ومن هذا المعنى: قولُ اللَّهِ عز وجل: (فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا) .
وفسَّره علي بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومَن بعدَهُما بالسحابِ.
قال مجاهدٌ: تحملُ المطر. انتهى من الفتح
تنبيه : وراجع كلام موسع في كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم حول الرد على المنجمين
باختصار
الكواكب عند ابن القيم هي علامات على قدرة الله وحكمته، مسخرة لخدمة الإنسان، وليست أسباباً للسعادة أو معرفة الغيب، كما يزعم المنجمون، فالسعادة الحقيقية تأتي من العلم بالله والشرع واتباع أوامره.