35 ، 36 – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية ( تعليق على معلمة زايد )
أحمد بن علي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
رقم القاعدة: 35
نص القاعدة: اخْتِلالُ التَّحْسِينِيِّ بِإِطْلاقٍ قَدْ يِلْزَمُ عنه اخْتِلالُ الحاجِيِّ والضَّرُورِيِّ بِوَجْهٍ ما.
هذه القاعدة كسابقتها
—–
رقم القاعدة: 36
نص القاعدة: لَوْ عَمَّ الحَرَامُ الأَرْضَ جَازَ اسْتِعْمَالُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الحَاجَاتُ وَالضَّرُورَاتُ. [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – إذا طَبَّقَ الحرامُ الزمانَ وأهلَه, ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً, فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة. [2]
2 – إذا عم الحرام قطراً بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً, جَازَ استعمال ما يحتاج إليه ولا يقتصر على الضرورة. [3]
3 – لو عم الحرام الأرض جاز أن يستعمل منه ما تمس حاجته إليه دون ما زاد. [4]
4 – لو عم الحرام أرضاً ولم يبق بها حلال, جاز تناول قدر الحاجة دون التنعم ولا يتوقف على الضرورة. [5]
5 – لو عم الحرام قطراً بحيث ندر وجود الحلال جاز أخذ المحتاج إليه وإن لم يضطر بلا تبسط. [1]
6 – لو عم الحرام جاز استعمال ما يحتاج إليه ولا يقتصر على الضرورة بل على الحاجة. [2].
قواعد ذات علاقة:
1 – المقاصد الشرعية: ضروريات وحاجيات وتحسينيات [3]. (الاشتراك في الموضوع).
2 – قد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما. [4] (أصل).
3 – اختلال التحسيني بإطلاق قد يلزم عنه اختلال الحاجي والضروري بوجه ما. [5] (مكملة).
4 – المشقة تجلب التيسير [6]. (أصل).
5 – الضرورات تبيح المحظورات. (أخص) [ف 513].
6 – الضرورة تقد بقدرها [7]. (قيد) [ف 532].
7 – ما جاز لحاجة يتقدر بقدرها [8] (قيد) [ف 6500].
8 – ما جاز لعذر بطل بزواله [1]. (قيد) [ف 2102].
9 – الحاجة تتنزل منزلة الضرورة: عامة كانت أو خاصة [2]. (أعم) [ف 002].
10 – مهما حرم الكل حل الكل [3]. (أعم) [ف 1168].
شرح القاعدة:
ومعنى القاعدة: أنه إذا عم الحرام الأرض أو قطراً من أقطارها, جاز للمكلف أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجات, ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام, ولانْقَطَع الناس عن الحِرَف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام. قال الإمام رحمه الله [المقصود بالإمام: إمام الحرمين الجويني، وهو مقصود الشافعية عند إطلاق لفظ “الإمام” في مصادر الفقه الشافعي.]: ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال الحلال بل يقتصر على ما تمس إليه الحاجة دون أكل الطيبات وشرب المستلذات ولبس الناعمات التي هي بمنازل التتمات والتكميلات…
كما أن القاعدة مقيدة بقاعدة: ” ما جاز لعذر بطل بزواله “, فإذا زالت الحاجة والضرورة التي اقتضت حِلَّ مثل هذه المحرمات, عادت الأحكام إلى ما كانت عليه من التحريم.
كما أنها أخص من قاعدة: ” الحاجة تتنزل منزلة الضرورة: عامة كانت أو خاصة “, من ناحية أنها تبين حالة خاصة من حالات الحاجة وهي الحاجة العامة أي عموم البلوى بالمحرمات, فهي تكشف عن صورة محددة لهذه الحاجة, وهي أن يعم الحرام الزمان وأهله, ويعسر أو يتعذر الكسب الحلال. وقد دلت صيغة القاعدة وصيغها الأخرى على ثلاثة قيود مهمة للقاعدة [2]:
الأول: إذا انسدت الطرق إلى الحلال.
والثاني: إذا عمَّ الحرام الأرض.
والثالث: إذا عمَّ الحرام جمهور الناس.
فأما الأول: إذا انسدت الطرق إلى الحلال, فيجوز الأخذ من الحرام قدر الحاجة دون زيادة, ولكن إذا تمكن الناس من تحصيل ما يحلّ, فيتعين عليهم ترك الحرام واحتمال الكَلّ في كسب ما يحلّ, وهذا إذا كان ما يتمكنون منه مغنياً كافياً دارئاً للضرورات, سادًّا للحاجة. فأما إذا كان لا يسد الحاجة العامة, ولكنه يأخذ مأخذاً ويسد مسدًّا, فيجب الاعتناء بتحصيله, ثم بقية الحاجة تتدارك بما لا يحل.
وأما الثاني: إذا طبَّقت المحرمات طبقَ الأرض, فلا شك في أنه يجوز الأخذ من الحرام بقدر الحاجة, ولكن إذا اختص الحرام بناحية من النواحي؛ فإن تمكن أهلها من الانتقال إلى مواضع أخرى, يقتدرون فيها على تحصيل الحلال, تعين ذلك عليهم. إلا أن يتعذر انتقالهم لكثرة العدد أو وعورة الطريق وبُعْد تلك الناحية بمسافة قد لا يتمكنون من قطعها قبل أن يهلكوا؛ فإن لهم أن يأخذوا قدر الحاجة.
وأما الثالث: إذا استوعب الحرامُ طبقات الأنام, فلا شك في أنه يجوز الأخذ من الحرام بقدر الحاجة, ولكن إذا اختص الحرام بطبقة من الناس, فإن تمكن من الاستغناء عن التعامل معهم, ووجد بديلاً في غيرهم ممن يتعاملون بالحلال, وجب عليه أن يقاطعهم …
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن هذه القاعدة ليست مجرد افتراض قد لا يحصل إلا في آخر الزمان عند انتشار الهرج والتقاتل, وإنما هي قاعدة واقعية انطبقت على أمكنة وأزمنة مضت, وتنطبق على أمكنة كثيرة في واقعنا المعاصر, كما في حالات الحروب المدمرة للأرزاق ولفرص الكسب الحلال…
أدلة القاعدة:
قول الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}..
الاتفاق الذي نقله ابن العربي على جواز الشبع عند توالي المخمصة..
قال الزركشي تحت قاعدة: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ
وَإِذَا عَمّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الضَّرُورَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: (وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ) فِي الْحَلَالِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ…
[المنثور في القواعد الفقهية 2/ 317]
وكذلك أورده السيوطي تحت نفس القاعدة:
الضَّرُورِيَّاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ
[الأشباه والنظائر – السيوطي ص84]
قال ابن حجر الهيتمي:
الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصها عنها، ومن ثم جاز أكل الميتة للمضطر، وإساغة اللقمة بالخمر، وغصب خيطٍ لخياطة جرحِ محترم، والتلفظ بكلمة الكفر، وإتلاف المال للإكراه، ودفع الصائل وإن أدَّى إلى قتله، ولو عمَّ الحرام قطرًا بحيث لم يوجد فيه حلالٌ إلا نادرًا. . جاز استعمال ما يحتاج له وإن زاد على قدر الضرورة، ولا يرتقي إلى التبسط وأكل الملاذ…
[الفتح المبين بشرح الأربعين ص524]
تنبيه : قول الهيتمي :
الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصها عنها
يوضحه :
زاد الشافعية على هذه القاعدة قيدًا وهو عدم نقصان الضرورة عن المحظور، إذ قالوا: (الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها) .
وقالوا: ليخرج عن هذه القاعدة لو كان الميت نبيًا فإنه لا يحق أكله للمضطر؛ لأن حرمة النبي في نظر الشرع أعظم من مهجة المضطر.
وهذا الشرط ملتزم أيضًا عند غير الشافعية وإن لم يشترطوه، فإنه لو أكره إنسان على قتل غيره بقتل فلا يرخص له، وكذلك لو دفن الميت بغير تكفين لا ينبش عليه، لأن مفسدة هتك حرمته أشد من مفسدة عدم تكفينه، لأن التستر بالتراب قام مقامه.
وهذا في الحقيقة يندرج تحت القاعدة القائلة: (باختيار أهون الضررين) .
الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية ١/٢٣٨ — محمد صدقي آل بورنو (ت ١٤٤٦)