640 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد ومحمد بن إبراهيم
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
640 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 1 ص 241): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي السفر عن سعيد بن شفي عن ابن عباس قال: جعل الناس يسألونه عن الصلاة في السفر فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى أهله.
حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن شفي، قال: كنت عند ابن عباس … فذكر الحديث.
الحديث من طريق شعبة صحيحٌ.
وقد أخرجه عبد بن حُمَيْدٍ في “المنتخب” (ج 1 ص 590) فقال رحمه الله: حدثنا سليمان بن داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا السفر يحدث عن [ص: 536] سعيد بن شفي، عن ابن عباس … فذكر الحديث.
—–
بوب مقبل في الجامع:
218 – القصر في الصلاة
في بلوغ المرام :
٤١٧ – وَعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال صاحب فتح العلام شرح بلوغ المرام :
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
معنى الحديث:
قال السندي -رحمه الله- في حاشيته على «مسند أحمد» كما في «تحقيق المسند» (١٩/ ٣٣٥): ظاهره أنَّ هذا المقدار مسيرة القصر، لكن أصل هذا الحديث فيما يظهر ما جاء عن أنس في حجة الوداع أنه صلَّى بذي الحليفة ركعتين، فالمراد أنه إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال بنية سفر طويل صلى ركعتين. اهـ
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٠٨٦): وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم، وأبو داود من حديث أنس قال: كان رسول الله – ﷺ – إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. ولا يخفى بُعْد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: …، فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه،
ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ؛ فإن الثلاثة أميال مدرجة فيها فيؤخذ بالأكثر.
احْتِيَاطًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ فِي بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ
تنبيه : في شرح الزرقاني (١/ ٤٢٥) [نقلًا عن الفتح]: «ورده القرطبي [ذكره في تفسيره (٥/ ٣٥٤)] بأنه مشكوك فيه، فلا يحتج به؛ فإن أراد لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلَّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها؛ فيؤخذ بالأكثر احتياطًا.
الحديث الذي روي بالشك هو في «صحيح مسلم» (٦٩١) بلفظ: «كان رسول الله – ﷺ – إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلّى ركعتين»،
مسألة [١]: متى يبدأ في القصر؟
- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (١٠٨٩): قَالَ اِبْن المنْذِر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِمَنْ يُرِيد السَّفَر أَنْ يَقْصُر إِذَا خَرَجَ عَنْ جَمِيع بُيُوت الْقَرْيَة الَّتِي يَخْرُج مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل الْخُرُوج عَنْ الْبُيُوت، فَذَهَبَ الْجمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَة جَمِيع الْبُيُوت، وَذَهَبَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَر يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِله، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا رَكِبَ قَصَرَ إِنْ شَاءَ. وَرَجَّحَ اِبْن الْمُنْذِر الْأَوَّل بِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْصُر إِذَا فَارَقَ الْبُيُوت، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَام عَلَى أَصْل مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُت أَنَّ لَهُ الْقَصْر، قَالَ: وَلَا أَعْلَم النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – قَصَرَ فِي شَيْء مِنْ أَسْفَاره إِلَّا بَعْد خُرُوجه عَنْ الْمَدِينَة. اهـ.
وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، باب (٥) من كتاب تقصير الصلاة، أنه كان في سفر، فقصر بأصحابه، وهم يرون البيوت، ثم رجع من سفره فقصر بهم وهم يرون البيوت. أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر وغيرهما.
وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنه كان يقصر إذا خرج من بيوت المدينة من طريقين يشهد أحدهما للآخر.
مسألة [١]: إذا أقام المسافر ببلدٍ، فهل يقصر، أم يُتِم؟
- هذه المسألة تُعتبر أصعب مسائل هذا الباب، وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا، ونذكر هاهنا أشهر الأقوال في المسألة:
القول الأول: إذا عزم على إقامة خمسة عشر يومًا؛ أتم الصلاة، ثبت هذا عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، بمجموع بعض الطرق كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥)، وقال بهذا القول أصحاب الرأي، والثوري، وهو قول المزني من الشافعية.
القول الثاني: إذا عزم على إقامة اثني عشر يومًا فأكثر؛ أتم الصلاة، ثبت هذا القول عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، بإسناد حسنٍ، وكان هذا آخر أمره، كما بينه نافع، كما في الأوسط، وهو قول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والأوزاعي.
القول الثالث: إذا عزم على إقامة تسعة عشر يومًا؛ أتمَّ، وإن كان دونها قصر، صحَّ هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقال به إسحاق بن راهويه.
القول الرابع: إذا عزم على إقامة عشرة أيام؛ أتَمَّ، وهو قول الحسن بن صالح، ومحمد بن علي. وثبت هذا القول عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، كما في «الأوسط»، وجاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، كما في «الأوسط»، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
القول الخامس: إذا عزم على إقامة أربعة أيام؛ أتمَّ، وإن كان دونها؛ قَصَرَ، وهذا قول ابن المسيب في رواية، والشافعي، ومالك، وأبي ثور، إلا أنَّ الشافعي لا يعد منها يوم الدخول، ويوم الخروج.
القول السادس: إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام؛ أتمَّ، وهو قول أحمد، وداود، وعن أحمد رواية إنْ عزم على (٢١) صلاةً؛ أتمَّ، وهذه الرواية لا تبعد عن الرواية الأولى، واختارها ابن المنذر.
القول السابع: أنَّ المسافر لا يزال مسافرًا، وإنْ أقام في بلد؛ مالم يستوطن ذلك البلد، أو ينوِ به إقامةً مطلقةً، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-، وقد استند شيخ الإسلام لهذا المذهب على بعض الآثار، وهي ما ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٣)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أنَّ أبا جمرة الضُّبَعِي قال له: إِنَّا نُطيل المقام بالغزو في خراسان، فكيف ترى؟ قال: صَلِّ ركعتين، وإنْ أقمت عشر سنين. وصحَّ عنه عندهما أيضًا أنه قال: إنْ أقمت في بلدة خمسة أشهر،
فاقصر الصلاة.
وصحَّ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أنه أقام بنيسابور سنةً، أو سنتين يُصلِّي ركعتين. أخرجه ابن المنذر (٤/ ٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وإسناده صحيح.
وثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه أقام بِعُمان شهرين يقصر الصلاة، أخرجه أيضًا ابن المنذر، وابن أبي شيبة، وثبت عن عبد الرحمن بن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين، يصلي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج. أخرجه البيهقي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة ليس فيها نَصٌّ صريح يُعتمد عليه، ولكن أقرب هذه الأقوال إلى الصواب -والله أعلم- هو القول السادس؛ وذلك لأنَّ المسافر إذا عزم على الإقامة أصبح مُقيمًا.
ومما يدل على ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للمهاجر إقامة ثلاثة أيام في بلده. أخرجاه في «الصحيحين» من حديث العلاء بن الحضرمي، ولو كانت إقامة المهاجر أربعة أيام، أو أكثر، لا تجعله مُقيمًا لما حُرِّم عليه البقاء.
وقوله: (رخَّص) يدل على أنَّ هذه تُعتبر إقامة، ولكنه رُخِّصَ فيها، وعلى هذا: فمن أقام فهو مقيم، والمقيم عليه أن يُتمَّ الصلاة، ولكن صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في
«الصحيحين» أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام، وهو يقصر الصلاة؛ فإنه وصل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ثم أقام بها إلى صبيحة الثامن، فهذا يدل على أنَّ من عزم على إقامة أربعة أيام فحكمه حكم المسافر، فإذا زاد على هذه المدة فحكمه حكم المقيم على الأصل، والله أعلم.
وهذا القول رجَّحه الإمام ابن باز -رحمه الله-، وهو اختيار الشيخ يحيى حفظه الله.
وأما القائلون بتحديد خمسة عشر يومًا، فليس عندهم ما يعتمد عليه إلا أثر ابن عمر -رضي الله عنهما-، وقد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك، وأمَّا رواية: «أقام بمكة خمسة عشر يومًا» فقد تقدم أنها ليست صحيحة.
وأما القائلون بتحديد تسعة عشر يومًا، فاستندوا إلى حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، الذي في الباب، وليس لهم فيه دلالة؛ لأنَّ الظاهر من الحديث أنَّ هذه الفترة أقامها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غيرَ عازم على إقامتها، بل وقعت اتفاقًا من غير قصد.
وأما القائلون بتحديد عشرة أيام؛ فحجتهم حديث أنس الذي في الباب، وهو في «الصحيحين»، وفيه زيادة: (قلت لأنس: كم أقمتم بها؟ قال: عشرًا)، لكن قال الإمام أحمد، وغيره: ليس لحديث أنس وجه؛ إلا أنه حسب أيام إقامته – صلى الله عليه وسلم – في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له إلا هذا.
وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فلا يستقيم من حيث اللغة؛ لأنَّ من عزم إقامة سنة مثلًا، أو سنتين، أو أكثر؛ فإنه ليس بضارب في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وهذا لا يُعدُّ ضاربًا في الأرض، شرعًا، ولا لغةً، ولا عُرْفًا.
وأما الآثار المذكورة؛ فقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، التحديد بتسعة عشر يومًا كما في «البخاري»، وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، التحديد باثني عشر يومًا، فهذا يدل على أنَّ الآثار المذكورة عنهما ليس المراد بها أنهم عزموا على إقامة تلك المدة، بل ذلك في حقِّ من لم يعزم على الإقامة.
وكذلك سعد بن أبي وقاص، قد ثبت في «الصحيحين» عنه أنه عند أنْ وَلِيَ الكوفة، وأقام بها كان يصلي تمامًا، فهذا يدل على أنه في تلك الواقعة لم يَعزِم على الإقامة، وكذلك الآثار الأخرى تُحمل على أنهم لم يعزموا على الإقامة، وهذا يحصل في الجهاد؛ فإنَّ المجاهد إنما يريد أن يفتح تلك البلدة، ثم ينصرف، ومما ينبه عليه أن أثر أنس، وعبد الرحمن بن سمرة من طريق الحسن عنهما، وقد عنعن، وهو مدلس.
ولْيُعْلَم أيضًا أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قد تردد في المسألة في بعض المواضع، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٧): إذا نوى أن يُقيم بالبلد
أربعة أيام فما دونها؛ قصر الصلاة، وإنْ كان أكثر ففيه نزاعٌ، والأحوط أن يُتمَّ الصلاة. اهـ (١)
مسألة [٢]: إذا أقام ببلدٍ لحاجة يتوقعها قبل أربعة أيام؟
قال النووي -رحمه الله- في «شرح المهذب» (٤/ ٣٦٥): أمَّا إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها قبل أربعة أيام، فقد ذكرنا أنَّ الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يومًا. وقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: يقصر أبدًا. وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقيم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول مالك، وأحمد، وعليه تحمل الآثار الواردة عن الصحابة في القصر في أكثر من أربعة أيام، التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم.
قصر الصلاة للمسافر سنة مؤكدة لا ينبغي تركها ، باتفاق الأئمة ، إلا ما يُحكى عن الشافعي في أحد قوليه : أن الإتمام أفضل ، ولكن الصحيح من مذهبه : أن القصر أفضل .
وانظر : “المجموع” للنووي (4/218- 223) .
ويدل على تفضيل القصر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في جميع أسفاره ، ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة وهو مسافر قط .
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) رواه البخاري (1081) ومسلم (724) .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما : (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) رواه البخاري (1102) وسلم (689) .
يعني في أول خلافة عثمان ، وإلا فعثمان رضي الله عنه كان يتم في آخر خلافته .
ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى بمنى أربع ركعات قال : (إنا لله وإنا إليه راجعون ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) رواه البخاري (1084) ومسلم (695) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“ويكره إتمام الصلاة في السفر ، قال أحمد : لا يعجبني ، ونقل عن أحمد إذا صلى أربعاً أنه توقف في الإجزاء ، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة كان يتم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في السفر ، وحديث عائشة في مخالفة ذلك لا تقوم به الحجة” انتهى من “الاختيارات” (ص 32) .
وقال ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد” (1/464) :
“وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الرباعية ، فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة ، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة .
وأما حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ، ويفطر ويصوم ، فلا يصح ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .
وقد رُوي : كان يقصر وتُتم ، ويفطر وتصوم .
قال شيخنا ابن تيمية : وهذا باطل ، ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه ، فتصلي خلاف صلاتهم” انتهى .
بل ذهب بعض الأئمة كالإمام أبي حنيفة وابن حزم رحمهما الله إلى أن قصر الصلاة للمسافر واجب ، ولا يجوز له إتمامها .
والراجح هو قول جمهور العلماء ، أن القصر سنة مستحبة وليس واجباً ، ويدل لذلك أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما ، قد أتما الصلاة في السفر ، ولو كان القصر واجباً لما أتما ، وقد تابع الصحابة عثمان رضي الله عنهم على إتمام الصلاة بمنى ، ولو كان الإتمام حراماً ، لم يتابعوه في ذلك .
قال الإمام الشافعي رحمه الله : “لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتم عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود ، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم” انتهى من “الأم” (1/159) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “الشرح الممتع” (4/358- 362) :
“وقال بعض أهل العلم : إن الإتمام مكروه ، لأن ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم المستمر الدائم ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أتم أبداً في سفر ، وقال : (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهذا قول قوي ، بل لعله أقوى الأقوال .
وقال بعض أهل العلم : أن القصر واجب ، وأن من أتم فهو آثم …
والذي يترجح لي – وليس ترجحاً كبيراً – هو أن الإتمام مكروه ، وليس بحرام ، وأن من أتم فإنه لا يكون عاصياً ، هذا من الناحية النظرية .
وأما من الناحية العملية فهل يليق بالإنسان أن يفعل شيئاً يُخشى أن يكون عاصياً فيه ؟
فلا ينبغي من الناحية المسلكية والتربوية ، بل افعل ما يكون هو السنة ، فإن ذلك أصلح لقلبك ، حتى وإن كان يجوز لك خلافة ” انتهى باختصار .
—-
قال الإتيوبي:
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القصر في السفر:
قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وروينا عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف السنة، فقد كفر. وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين. وقالت عائشة رضي الله عنهما: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر.
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما. وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا. وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يرجع، إلا أن يدخل مصرًا من الأمصار، فيتمّ. وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تركوها لأنها ثقلت عليهم؟.
وسئل مالك عن مُسَافِرٍ أَمَّ مُقِيمًا ، فأتمّ لهم الصلاة جاهلاً، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه.
واختلف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنة ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأولبين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد، لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلاً لما بينهما.
وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر انتهى كلام ابن المنذر باختصار.
وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الاختلاف: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج:
الأولى: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه الآتي 5/ 1458 – ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيم. وأما حديث عائشة – رضي اللَّه تعالى عنها -: “كان يقصر في السفر، ويُتمّ”، فلم يصح. ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
والحجة الثانية: حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه بألفاظ:
منها: “فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر”، وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة:
منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتاً لنُقل تواترًا. وقد تقدم عن هذه الأجوبة في أوائل كتاب الصلاة 3/ 455.
ومنها: أن المراد بقولها: “فرضت” أي قدّرت، وهو خلاف الظاهر.
ومنها: ما قاله النووي: إن المراد بـ”فرضت” أي لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: بل ما قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى- تأويل صحيح، لا تعسف فيه، كما يأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها.
والحجة الثالثة: ما في “صحيح مسلم” عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: “إن اللَّه عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة”، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللَّه عز وجل أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان.
والحجة الرابعة: حديث عمر رضي الله عنه عند النسائي-37/ 1420 – وغيره: “صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان،، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم”.
وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصرت، وقوله: “على لسان محمد ص” تصريح بثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم.
والحجة الخامسة: حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم للمصنف -3/ 457 – : “إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتانا، ونحن ضُلّال، فعلمنا، فكان فيما علمنا أن اللَّه عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر”.
واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحجج:
الأولى: منها قول اللَّه تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية، ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم لقرعية قصر العدد. قال في “الهدي” -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية انتهى.
الحجة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: في حديث الباب: “صدقة تصدق اللَّه بها عليكم”، فإن الظاهر من قوله: “صدقة” أن القصر رخصة فقط.
وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في “صحيح مسلم” وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يحيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في “شرح مسلم”، ولم نجد في “صحيح مسلم” قوله: “فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ”، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا ثبت ذلك، فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، وقرّرهم عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وسلم ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم”، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في “مسنده”، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه.
الحجة الرابعة: حديث عائشة رضي الله عنها: “كان يقصر في السفر، ويتمّ”، وقد تقدم أنه لا يصحّ.
وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب.
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، كما تقدم، ويبعد أن يلازم صلى الله عليه وسلم طول عمره المفضول، ويدع الفاضل انتهى كلام الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح قول من قال بجواز الإتمام مع أفضلية القصر، لأن الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الإتمام ليست صريحة قطعية في الدلالة عليه، حيث إنها تقبل التأويل، كما تقدم في كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى-، وإنما حملني على ترجيح هذا القول بعد طول التوقف فيه اتفاق الصحابة الذين حجوا مع عثمان – رضي اللَّه تعالى عنهم – على صحة صلاة عثمان، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلوا معه، واعتدوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر – رضي اللَّه تعالى عنهم -، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يصلوا معه، وأما إنكارهم فلمخالفته ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من ملازمة القصر، لا لعدم جواز الإتمام.
وأما القول بأفضلية الإتمام فلا وجه له؛ لمخالفته لما لازمه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مدة حياته، فالأفضل هو الذي داوم عليه، وإنما الكلام في الجواز فقط. هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 16/ 328]
في شرح حديث صدقة تصدق الله بها عليكم ، قال العباد :
فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)، يعني: فاقصروا، ويكون ما جاء من ذكر الخوف في الآية محمولًا على الغالب أو جرى مجرى الغالب، وليس المقصود به القصر عليه وحده، هذا هو الذي يفهم من هذا الحديث؛ لأنه أتى به للدلالة على أن الآية إنما هي في قصر العدد والكمية وأنه بدل أن تكون الصلاة أربعًا تكون ثنتين.
وهذا هو الذي جاء في هذا الحديث عن عمر ﵁، وبعض أهل العلم قال: إن القصر الذي في الآية إنما هو قصر الكيفية، وهو خاص في حال الخوف، وذلك بأن تصلى على هيئة معينة، وعلى حالة مخصوصة، وعلى صفات معينة كما سيأتي في صلاة الخوف.
وكذلك -أيضًا- في كونها في حال شدة الخوف والقتال يصلي الناس على حسب أحوالهم راجلين وراكبين مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، فالصلاة تصلى في وقتها ولا تؤخر، ولكن قالوا: هذا قصر للكيفية، وليس قصرًا للكمية، وقصر الكمية إنما ثبت في السنة ولم يثبت في القرآن، وإنما الذي جاء في القرآن هو قصر الكيفية، لكن هذا الذي جاء عن عمر رضي الله عنهما في هذا الحديث دليل على أنه قصر للكمية، وأن ذكر الخوف في الآية إنما جرى مجرى الغالب، وليس الأمر مقصورًا عليه، وبعض أهل العلم -كما ذكرت- يقول: إن الآية إنما هي في قصر الكيفية وليست في قصر الكمية، والقصر في الكمية إنما جاء في السنة عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الكثيرة التي جاءت من قوله وفعله ﵊، حيث كان يقصر، وحيث كان يأتي عنه ذكر القصر، كما جاء في حديث ابن عباس: (فرضت صلاة السفر ركعتين، والحضر أربعًا، والجمعة ركعتين) يعني: تمامًا غير قصر، فيكون إثبات قصر الكمية إنما جاء في السنة، وعلى كل فالآية اختلف فيها، والذي جاء في حديث عمر يدل على أنها كما تدل على قصر الكيفية تدل على قصر الكمية كذلك.
شرح سنن أبي داود للعباد ١٤٩/٥