34 – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية ( تعليق على معلمة زايد )
أحمد بن علي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
رقم القاعدة: 34
نص القاعدة: قَدْ يِلْزَمُ مِنِ اخْتِلالِ الحَاجِيِّ بِإِطْلَاقٍ اخْتِلالُ الضَّرُورِيِّ بِوَجْهٍ مَا. [1]
قواعد ذات علاقة:
1 – المقاصد الشرعية: ضروريات وحاجيات وتحسينات. [2] قاعدة أصل
2 – المقاصد الضروريّة أصل للحاجية والتحسينية. [3] قاعدة أصل
3 – اختلال التحسيني بإطلاق قد يلزم عنه اختلال الحاجي والضروري بوجهٍ ما. [4] قاعدة مكمِّلة
4 – كل مرتبة من مراتب مقاصد الشريعة ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة. [5] قاعدة مكمِّلة
شرح القاعدة:
… والقاعدة محلّ البحث تتناول على وجه الخصوص أثر تفويت المصالح الحاجية على المصالح الضرورية وتبيّن أن المصالح الحاجية إذا أهملت إهمالا مطلقا فقد يفضي هذا إلى وقوع الخلل في أصلها وهي المصالح الضرورية, أي أن المصالح الحاجية – وإن كانت أخفض رتبة من المصالح الضرورية -فإن تضييعها وتفويتها بالكلية قد يعود على الضروريات بالخلل والاضطراب, قال الشاطبي: “فلو فرض اختلال الضروري بإطلاق لاختلّا باختلاله بإطلاق, ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق, نعم قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق, اختلال الحاجي بوجه ما, وقد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما, فلذلك إذا حوفظ على الضروري فينبغي المحافظة على الحاجي وإذا حوفظ على الحاجي فينبغي أن يحافظ على التحسيني, إذا ثبت أن التحسيني يخدم الحاجيّ, وأن الحاجيّ يخدم الضروري فإن الضروري هو المطلوب. “…
أما إذا كان ترك الحاجيات محدودا أو قليلا, بحيث لم تترك بإطلاق وإنما تركت تركا غير دائم ولا متكرر, فإن هذا لا يلزم عنه اختلال الضروريات, لأن اختلال الحاجيات حينئذ لن يكون مطلقا وإنما سيكون بوجه ما….
ففي مجال الحفاظ على الدين مثلا, إذا أهملت الحاجيات التي تيسر على الناس أداء العبادات المختلفة, فإن الأفراد لن يقوموا بها حق القيام, أو أنهم سيقومون بها ولكن منقوصة ومختلة, قال الشاطبي: “فاعلم أن الحرج مرفوع عن المكلفين لوجهين: “أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه فى جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.
والثانى: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر تأتي فى الطريق فربما كان التوغل فى بعض الأعمال شاغلا عنها وقاطعا بالمكلف دونها وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة فى الاستقصاء فانقطع عنهما”
وما يجري على إهمال الحاجيات المتعلقة بحفظ الدين يجري على بقية الكليات الأخرى: النفس والنسل والعقل والمال, فإن تفويت الحاجيات التي تعمل على الحفاظ على الكليات الأخرى مؤذن بإدخال النقص على أصل هذه الكليات.
أدلة القاعدة:
أولا: من السنة:
1 – عن النعمان بن بشير أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يقول: الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه, ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه, ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. ” [1]
وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده , ويسرق الحبل فتقطع يده” [2]
حيث يرشد هذان الحديثان إلى أن المتجرئ على الأخف, يوشك أن يقع فيما هو أثقل, فالوقوع في الشبهات التي تتردد بين الحلال والحرام مدخل للوقوع في الأثقل وهو الحرام, وسرقة البيضة والحبل مدخل لسرقة ما هو أعظم منهما, كذلك فإن التضييع للحاجيات وهي الأخف يمكن أن يكون مدخلا للإخلال بما هو أعظم وهو الضروريات…
2 – جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان , مما يطيل بنا فيها, قال: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ , ثم قال: ” يا أيها الناس إن منكم منفرين, فأيكم ما صلى بالناس فليوجز, فإن فيهم الكبير, والضعيف, وذا الحاجة “..
3 – عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: ” من هذه؟ “قالت: فلانة. تذكر من صلاتها, قال: ” مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا” وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه. [3]
ففي هذا الحديث تنبيه إلى أن حمل النفس على الشاق من الأعمال وإهمال مبدأ التيسير والتخفيف هو مظنة للانقطاع عن التكليف بالكلية ولتضييع الأعمال التي تقوم بها المصالح الضرورية..
ثانيا: من المعقول:
1 – أن الحاجيات والتحسينات هي بمثابة السياج بالنسبة للضروريات تحميها وتذود عنها, ولذا كان في إهدارها مدخل لاختلال الضروريات لأن في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد, ومدخلاً للإخلال به..
2 – وأن كلا من الحاجيات والتحسينات يمكن أن تنهض بمجموعها كفرد من أفراد الضروريات ذلك “أن الضروريات إنما يحسن موقعها حيث يكون فيها المكلف في سعة وبسطة من غير تضييق ولا حرج..
تطبيقات القاعدة:
1 – شرعت للمريض مجموعة من الأحكام المخفِّفة تيسيراً عليه ومراعاة لحاله؛ كالصلاة قاعداً إن لم يستطع الصلاة قائماً, أو الصلاة على جنب إن لم يستطع قاعدا, وكالإفطار في رمضان, والمسح على الجبيرة, فإذا تكلف المريض الإتيان بالعزائم بالرغم مما فيها من حرج ومشقة, وأهمل الرخص الشرعية الحاجية بإطلاق, فقد ينشأ عن هذا فوات النفس أو فساد عضو من الأعضاء.
2 – العقود التي أجازها الشارع لحاجة الناس والتيسير عليهم في معاملاتهم: كالمزارعة والمساقاة والمضاربة والسلم وغيرها, إذا تركت بإطلاق وتوقف الأفراد عن التعامل بها فقد يكون هذا سببا قويا لإدخال النقص على أصل الحفاظ على المال…
انتهى من معلمة زايد
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ج - الاحتجاج بالضروريات:
7 – الضروريات أقوى مراتب المصلحة، وفي الاحتجاج بها خلاف بين الأصوليين.
فقال الغزالي: يجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد لها أصل معين، ومثال ذلك: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشريعة، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا.
لكن الغزالي إنما يعتبرها بشروط ثلاثة قال: وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف: أن تكون ضرورية قطعية كلية (1) .
وهي حجة عند الإمام مالك، لأن الله تعالى إنما بعث الرسل لتحصيل مصالح العباد عملا بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع (2) .
وينظر تفصيل ذلك: في الملحق الأصولي.
د - الضروريات أصل لما سواها من المقاصد:
8 – المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية. والتحسينية فلو فرض اختلال الضروري بإطلاق لاختل الحاجي والتحسيني بإطلاق، ولا يلزم من اختلال الحاجي والتحسيني اختلال الضروري بإطلاق – ومع ذلك فقد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه من الوجوه – فالحاجي يخدم الضروري، والضروري هو المطلوب لأنه الأصل.
وبيان ذلك أن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة المعروفة، فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنيوي مبنيا عليها حتى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود، (أي ما هو خاص بالمكلفين والتكليف) .
وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى، ولو عدم المكلف لعدم من يتدين، ولو عدم العقل لارتفع التدين، ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء، ولو عدم المال لم يبق عيش، فلو ارتفع ذلك لم يكن بقاء، وهذا كله معلوم لا يرتاب فيه من عرف ترتيب أحوال الدنيا وأنها زاد للآخرة (1) .
هـ - اختلال الضروري يلزم منه اختلال الحاجي والتحسيني:
9 – إذا ثبت أن الضروري أصل للحاجي والتحسيني وأنهما مبنيان عليه باعتبارهما وصفين من أوصافه، أو فرعين من فروعه، لزم من اختلاله اختلالهما؛ لأن الأصل إذا اختل اختل الفرع من باب أولى.
فلو فرضنا ارتفاع أصل البيع من الشريعة لم يكن اعتبار الجهالة والغرر، ولو ارتفع أصل القصاص لم يكن اعتبار المماثلة فيه، وهكذا (2) .
[الموسوعة الفقهية الكويتية 28/ 210]