[1ج/ رقم (636)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وطارق أبوشديد وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد ومحمد بن ديرية
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (636)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (١٩٥٤): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرِنِي الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَإِنِّي مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلا أُرِيكَ آيَةً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ»، فَقَالَ: «ادْعُ ذَلِكَ الْعِذْقَ»، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَجَاءَ يَنْقُزُ، حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ارْجِعْ»، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: يَا آلَ بَنِي عَامِرٍ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْحَرَ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين. وأبو ظبيان اسمه حصين بن جندب.
الحديث أخرجه الدارمي (ج ١ ص ٢٦) فقال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير وأبو معاوية، عن الأعمش به.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، (١٩٥٤).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١٥ – كتاب دلائل النبوة، ٩ – ما جاء في خاتم النبوة، (٢٢٥٢). و١٩ – إتيان الشجرة إليه صلى الله عليه وسلم ، (٢٢٧٠).
٣٢ – كتاب الأدب، ١١٧ – أسماء القبائل والشعوب، (٣٧٣٨).
وقال محققو المسند الأرنؤوط – ط: الرسالة (3/ 424)-: إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو ظبيان: هو حصين بن جندب الجنبي.
وأخرجه الدارمي (٢٤)، والبيهقي في «الدلائل» ٦/١٥-١٦ و١٦ من طريق أبي معاوية، بهذا الإسناد.
وأخرجه الدارمي (٢٤)، والبيهقي ٦/١٦ من طريقين عن الأعمش، به.
وأخرجه ابن سعد ١/١٨٢، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٣/٣، والترمذي (٣٦٢٨)، والطبراني (١٢٦٢٢)، والحاكم ٢/٦٢٠، والبيهقي ٦/١٥ من طريق شريك، عن سماك، عن أبي ظبيان، به.
وأخرجه أبو يعلى (٢٣٥٠)، وابن حبان (٦٥٢٣)، والطبراني (١٢٥٩٥)، والبيهقي ٦/١٧، وأبو نعيم في «الدلائل» (٢٩٧) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس.
(ينقز؟) يقفز ويثب”.
والثاني: شرح وبيان الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرِنِي الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ)، الخاتم هو خاتم النبوة الذي كان في مؤخر كتفه عليه الصلاة والسلام.
(فَإِنِّي مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «أَلا أُرِيكَ آيَةً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ»، فَقَالَ: «ادْعُ ذَلِكَ الْعِذْقَ»)، العذق بفتح العين المهملة النخلة، وبكسرها العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عذاق.
(قَالَ: فَدَعَاهُ، فَجَاءَ يَنْقُزُ)، بضم القاف من باب نصر، أي: يقفز ويثب.
(حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «ارْجِعْ»، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: يَا آلَ بَنِي عَامِرٍ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْحَرَ). جاء عند ابن سعد مختصرا من طريق شريك عن سماك عن أبي ظبيان وفي آخره فآمن وأسلم ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس مطولا وفي آخره فقال العامري والله لا أكذبك بقول أبدا؛ ثم قال يا بني صعصعة والله لا أكذبه بشيء يقوله أبدا. [الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، (22/ 47)].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): معجزات النبي صلى الله عليه وسلم :
ما من نبي أُرسل إلّا وأيده الله تعالى بالمعجزات؛ لتكون برهانًا واضحًا للناس في إثبات رسالته، وها هي بعض معجزات نبينا ﷺ إجمالًا:
١ – معجزة القرآن.
٢ – انشقاق القمر.
٣ – الإسراء والمعراج.
٤ – نبع الماء من بين أصابعه ﷺ.
٥ – تكثير الطعام ببركته ودعائِه.
٦ – كلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعوته.
٧ – حنين الجذع لفراق النبي ﷺ.
٨ – تسليم الحجر على النبي ﷺ.
٩ – إخبار الشاة له ﷺ بأنها مسمومة.
١٠ – إبراؤه للمرضى ﷺ.
١١ – إخباره – ﷺ – بالأحداث التي لم تقع وقد وقعت.
(المسألة الثانية): صفة خاتم النبوة:
(المطلب الأول): ما ورد في إثبات خاتم النبوة وصفته
إن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها – ﷺ – ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرةرضي الله عنه-: «رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» [رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته، ومحله من جسده ﷺ، ح ٢٣٤٤ (١٥/ ١٠٦)].
قال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي -رضي الله عنه- العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي – ﷺ – أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو يقول: أشهد أنك رسول الله”. [المفهم (٦/ ١٣٥)].
وقد وردت صفة خاتم النبوة في السنة الصحيحة أنه كان بارزاً في حجم بيضة الحمامة، بين كتفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حوله خِيلان [جمع خال: نقطة تضرب إلى السواد وتسمى شامة]، وعليه شعرات مجتمعات.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ رحمه الله: “اتَّفَقَتْ الأَحَادِيث الثَّابِتَة عَلَى أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ شَيْئًا بَارِزًا عِنْد كَتِفه الأَيْسَر ، قَدْره قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة انتهى. بتصرف.
ولم يثبت أن الخاتم كان مكتوباً عليه لفظ الجلالة أو (محمد) أو غير ذلك من الكلمات.
(المطلب الثاني): بعض الأحاديث الواردة في صفة خاتم النبوة، ومحله من جسده
- عن السّائب بن يزيد، يقول: ذهبتْ بي خالتي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: يا رسول اللَّه، إنّ ابن أخي وَجِعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضّأ فشربت من وَضوئه، ثم قمتُ خلْف ظهره فنظرتُ إلى خاتمه بين كتفيه كزِرّ الحَجَلة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٩٠، ٣٥٤١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٤٥) كلاهما من طريق حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ السائب بن يزيد، فذكر مثله.
قال القرطبيّ: “وقوله: ((زِرّ الحجلة)) الرواية المعروفة فيه: زرّ -بتقديم الزّاي- قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: الحجلة بيت كالقبة بستر بالثياب، ويجعل له باب من جنسه، فيه زرٌّ وعروة. تشدّ إذا أغلق. وقال القاضي أبو الفضل: الزرّ: الذي يعقد به النساء عُرى أحجالهن كأزرار القميص. والحجلة هنا: واحدة الحجال، وهي ستور ذات سُجوف. وقال غيره: الحجلة: هي الطّائر المعروف، وزرُّها: بيضتها. كما قال جابر: بيضة الحمام.
قلت -أي القرطبي-: والأول أشهر في الزرّ، والثاني: أشبه بالمعنى”. «المفهم» (٦/ ١٣٦).
- عن جابر بن سمرة، قال: رأيتُ خاتمًا في ظهر رسول اللَّه -ﷺ- كأنّه بيضة حمام. وفي رواية: عند كتفه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٤) عن محمد بن المثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت جابر بن سمرة، فذكر مثله.
ورواه الترمذيّ (٣١٤٤) من وجه آخر عن أيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: كان خاتمُ رسول اللَّه -ﷺ- يعني الذي بين كتفيه- غدّة حمراء مثل بيضة الحمام.
وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
وأمّا ما وقع في صحيح ابن حبان (٦٢٩٧): مثل بيضة النّعامة يشبه جسده. فهو غلط؛ لأنّه روى في الصحيح: مثل بيضة الحمامة. وهو الصّواب.
وقوله: «يشبه جسده». معناه لونه لون جسده.
- عن عبد اللَّه بن سرْجِس، قال: رأيت النبيّ وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا. أو قال: ثريدًا. قال: فقلتُ له: أستغفر لك النبيُّ -ﷺ-؟ قال: نعم. ولك ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. قال: ثم درتُ خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغِض كتفه اليُسرى. جُمْعًا عليه خِيلانٌ كأمثال الثآليل.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٦) من طرق عن عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن سَرْجس، فذكر مثله.
وقوله: «ناغض كتفه»، وهو أعلى الكتف.
وقوله: «جُمعًا» معناه: أنه كجمع الكف، وهو صورته، بعد أن تجمع الأصابع وتضمها.
قوله: «خيلان» جمع خال، وهو الشّامة في الجسد.
وقوله: «الثآليل» جمع ثؤلول، وهي حبيبات تعلو الجسد.
قال القرطبيّ في «المفهم» (٦/ ١٣٦) بعد أن ذكر بعض هذه الأحاديث: «هذه الألفاظ كلّها متقارية المعنى مفيدة، أنّ خاتم النّبوة كان نتوءًا قائمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل: بيضة الحمامة، وإذا كثّر: جمع اليد، وقد جاء في البخاريّ: كان بَضْعَةً ناشزةً أي: مرتفعة».
وقوله: وقد جاء في البخاريّ: كان بَضْعة ناشزة، وهم منه رحمه اللَّه تعالى فإني لم أجد هذه اللّفظة في صحيح البخاريّ، وإنّما هي في شمائل الترمذيّ كما سيأتي في حديث أبي نَضْرة العوقيّ عن أبي سعيد الخدريّ.
- عن قرّة بن إياس، قال: أتيتُ رسول اللَّه -ﷺ- في رهطٍ من مُزينة، فبايعناه، وإنّ قميصه لمطلق الأزرار. قال: فبايعتُه ثم أدخلتُ يدي في جيب قميصه فمستُ الخاتم.
قال عروة: فما رأيتُ معاوية بن قرّة بن مرّة ولا ابنه قط إلّا مطلقي أزرارهما قطّ في شتاء ولا حرٍّ، ولا يُزَرِّران أزرارهما أبدًا.
صحيح: رواه أبو داد (٤٠٨٢)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، والترمذيّ في الشمائل (٥٧) كلّهم من طريق زهير، حدّثنا عروة بن عبد اللَّه بن قشير أبو مهل الجعفيّ، قال: حدّثني معاوية بن قرّة، عن أبيه
(يعني قرّة بن إيّاس) قال: (فذكر مثله).
ومن هذا الطّريق رواه أيضًا أحمد (١٥٥٨١)، وصحّحه ابنُ حبان (٥٤٥٢).
ورجاله رجال الصّحيح غير عروة بن عبد اللَّه بن قشير فقد روى له أبو داود، وابن ماجه، ووثقه أبو زرعة وابن حبان وغيرهما.
ورواه أحمد (١٥٥٨٢) عن روح، حدثنا قرة بن خالد، قال: سمعت معاوية بن قرة، يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه -ﷺ- فاستأذنته أن أدخل يدي في جربانه، وإنه ليدعو لي، فما منعه أن ألمسه أن دعا لي. قال: «فوجدت على نغض كتفه مثل السلعة». وإسناده صحيح. وقوله: «نغض كتفه» أي أعلى كتفه.
- عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاريّ، قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: «يا أبا زيد ادنُ مني وامْسح ظَهْري». وكشف ظهره، فمسحتُ ظهره، وجعلتُ الخاتم بين أصابعي، قال: فغمزتُها. قال: فقيل: وما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع على كتفه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٢٨٨٩)، وأبو يعلى (٦٨٤١)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٦٣٠٠)، والترمذيّ في «الشمائل» (١٩) كلّهم من طريق أبي عاصم النّبيل، حدّثنا عزرة بن ثابت، حدّثنا علباء بن أحمر اليشكريّ، حدّثنا أبو زيد، فذكره.
وإسناده صحيح ورجاله رجال الصّحيح، وأبو عاصم هو الضّحاك بن مخلد النّبيل.
ورواه أحمد (٢٠٧٣٢)، والطبراني (١٧/ ٢٧) من وجهين آخرين عن عزرة بن ثابت، بإسناده مثله.
قال الهيثميّ في «المجمع» (٨/ ٢٨١): «رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانيّ، وزاد في رواية عنده: رأيت الخاتم على ظهر رسول اللَّه -ﷺ- هكذا بظهره كأنه بختم. وأحد أسانيده (أظن يقصد به أحمد) رجاله رجال الصحيح. أي هو الإسناد الأول.
- عن بريدة، قال: جاء سلمان إلى رسول اللَّه -ﷺ- حين قدم المدينة، فقال النبيّ -ﷺ- لأصحابه: ((أبسْطوا)). فنظر سلمان إلى الخاتم الذي على ظهر رسول اللَّه -ﷺ- فآمن به.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٩٩٧)، والبزّار -كشف الأستار (٢٧٢٦) -، والطبرانيّ في الكبير (٦٠٧٠) كلّهم من طريق زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، فذكر قصة إسلام سلمان مطوّلًا، وستأتي في موضعها.
ورواه الترمذيّ في الشمائل (٢٠)، والحاكم (٢/ ١٦) كلاهما من هذا الوجه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: إسناده حسن من أجل حسين بن واقد المروزيّ فإنه “صدوق”. وفي التقريب: “ثقة له أوهام”. وأمّا قصة إسلام سلمان فروي بأسانيد بعضها أصحّ من بعض، وستأتي في موضعها.
ومنها ما رواه الإمام أحمد (٢٣٧٣٧) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم ابن عمر بن قتادة الأنصاريّ، عن محمود بن لبيد، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: حدثني سلمان الفارسيّ حديثه من فيه. في حديث طويل، وجاء فيه: قال سلمان: «ثم جئت رسول اللَّه -ﷺ- وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازةً من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسولُ اللَّه -ﷺ- استدرتُه عرف أنّي أسْتَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفته فانكبت عليه أقبَّلُه وأبكي، فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-:”تحوّل”. فتحولتُ فقصصت عليه حديثي كما حدّثتُك يا ابن عباس. قال: فأعجبَ رسول اللَّه -ﷺ- أن يسمع ذلك أصحابُه. . . .».
وإسناده حسن؛ لأنّ محمّد بن إسحاق حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث، وباقي رجاله ثقات.
- عن أبي نَضْرة العَوقيّ قال: سألتُ أبا سعيد الخدريّ عن خاتم رسول اللَّه -ﷺ- فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة.
حسن: رواه الترمذيّ في الشّمائل (٢١) عن محمد بن بشّار، حدّثنا بشر بن الوضّاح، حدّثنا أبو عقيل الدَّورقيّ، عن أبي نَضْرة العوقي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بشر بن وضاح فإنّه حسن الحديث. قال الحافظ في التقريب: «صدوق».
وأبو نَضْرة العوقيّ -بفتح المهملة والواو ثم قاف هو المنذر بن مالك بن قُطعة – بضم القاف وفتح المهملة- مشهور بكنيته من رجال الصّحيح.
ورواه الإمام أحمد (١١٦٥٦) من وجه آخر بلفظ: لحم ناشز بين كتفيه. وفيه عبد اللَّه بن ميسرة ضعيف.
قال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٢٨٠): «رواه أحمد، وفيه عبد اللَّه بن ميسرة وثّقه ابنُ حبان وضعّفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات».
وقلت: وفيه شيخ عبد اللَّه بن ميسرة عتاب البكريّ لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٢٧٤) وعليه اعتمده الهيثميّ في توثيقه.
ولحم ناشز – أي: مرتفع عن الجسم.
- عن رُميثة قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- لو أشاء أن أُقبِّل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لفعلت- يقول: «اهتزّ عرش الرحمن تبارك وتعالى». يريد سعد ابن معاذ يوم توفي.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٧٩٣)، والترمذيّ في الشمائل (١٧)، والطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٢٦٧) كلّهم من طرق عن يوسف بن يعقوب الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدّته رُميثة، فذكرت مثله.
وإسناده حسن من أجل والد يوسف وهو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم فإنه «صدوق».
وأمّا اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ فانظر أبواب العرش.
وأمّا ما رُوي عن ابن عمر أنه قال: «كان خاتم النّبوة في ظهر رسول اللَّه -ﷺ- مثل البندقة من لحم مكتوب: محمد رسول اللَّه». فهو ضعيف.
رواه ابن حبان في صحيحه (٦٣٠٢) من طريق رجاء بن مُرجي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدّثنا ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عمر، فذكره.
وإسحاق بن إبراهيم هو أبو علي السّمرقنديّ القاضي، ذكره ابنُ حبان في «ثقاته» (٨/ ١٠٩)، وذكر أن اثنين رويا عنه أحدهما: رجاء ولم أقف على توثيق أحد من غيره، فهو مقبول على اصطلاح ابن حجر إلّا أنه لم يتابع فيكون «لين الحديث».
وأمّا قوله: «مكتوب عليه: محمد رسول اللَّه». فهو منكر، لم يثبت ذلك في حديث صحيح.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٥٦٣): «أما ما ورد من أنّها كانت كأثر محجم، أو كالشّامة السّوداء، أو الخضراء، أو مكتوب عليها (محمد رسول اللَّه)، أو (سر فأنت منصور)، أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء».
ثم قال: «ولا تغتر بما وقع منها في صحيح ابن حبان فإنّه غفل حيث صحح ذلك، واللَّه أعلم».
وقال الحافظ الهيثمي في «موارد الظّمآن» (٢٠٩٧): «اختلط على بعض الرّواة خاتم النّبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب».
ونقل مُحقّقه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة فقال: بهامش الأصل من خطّ شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله: «البعض هو إسحاق نهو ضعيف».
بقية أحاديث هذا الباب انظرها في فضائل النبيّ -ﷺ- وسيرته العطرة. [الجامع الكامل في الحديث الصحيح للأعظمي، (1/ 554 – 558)].
وتمام قول الحافظ في «الفتح»: وقد وردت في صفة خاتم النبوة أحاديث مقاربة لِمَا ذُكر هنا:
منها عند مسلم عن جابر بن سمرة -رضي الله عنهما-: «كأنه بيضة حمامة»، ووقع في رواية ابن حبان من طريق سماك بن حرب: «كبيضة نعامة»، ونبَّه على أنها غلط، وعن عبد الله بن سَرْجِس: «نظرت خاتم النبوة جُمْعًا عليه خِيلان»، وعند ابن حبان من حديث ابن عمر: «مثل البندقة من اللحم»، وعند الترمذيّ: «كبضعة ناشزة من اللحم»، وعند قاسم بن ثابت من حديث قُرّة بن إياس: «مثل السَّلْعة».
وأما ما ورد من أنها كانت كأثر مِحْجم، أو كالشامة السوداء، أو الخضراء، أو مكتوب عليها: «محمد رسول الله»، أو: «سِرْ، فأنت المنصور»، أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء، وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في «شرح السيرة»، وتبعه مغلطاي في «الزهر الباسم»، ولم يبيِّن شيئًا من حالها، والحقّ ما ذكرته، ولا تغترّ بما وقع منها في «صحيح ابن حبان»، فإنه غفل حيث صحح ذلك، والله أعلم. [البحر المحيط الثجاج (37 / 647)].
[تنبيه] وانظر: «الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ»: أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- خَاتَمُ الرُّسُلِ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَكِتَابُهُ خَاتَمُ الْكُتُبِ فَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ، فَهُوَ مُحْكَمٌ أَبَدًا. من معارج القبول بشرح سلم الوصول للحكمي رحمه الله تعالى. [3/ 1114]، وانظر: ٩ – ما جاء في خاتم النبوة، في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (3/ 450وما بعدها).
(المطلب الثالث):
قال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنها شاخص في جسده، قَدْر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الْحَجَلَة، وزِرّ الْحَجَلة،
وأما رواية جُمْع الكفّ، وناشزٌ، فظاهرها المخالفة، فتؤوّل على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناها: على هيئة جُمْع الكفّ، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة. انتهى [«شرح النوويّ» ١٥/ ٩٨ – ٩٩].
(المسألة الثالثة): قُدُومُ الشَّجَرِ إلَيْه ﷺ:
(المطلب الأول): النصوص الواردة في ذلك.
١ – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: «إِنْ دَعَوْتُ هَذَا العِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَعَادَ»، فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ»، (ت) ٣٦٢٨ [قال الألباني]: صحيح، المشكاة ٥٩٢٦ / التحقيق الثاني.
– [حديث الباب]
– أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّهُ يُدَاوِي وَيُعَالِجُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَقُولُ أَشْيَاءً، هَلْ لَكَ أَنْ أُدَاوِيَكَ؟ قَالَ: فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ لَكَ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً» وَعِنْدَهُ نَخْلٌ وَشَجَرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِذْقًا مِنْهَا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ﷺ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ»، فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: وَاللَّهِ، لَا أُكَذِّبُكَ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ: يَا آلَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَاللَّهِ لَا أُكَذِّبُهُ بِشَيْءٍ، قَالَ: وَالْعِذْقُ: النَّخْلَةُ. (رقم طبعة با وزير: ٦٤٨٩)، (حب) ٦٥٢٣ [قال الألباني]: صحيح – «المشكاة» (٥٩٢٦ / التحقيق الثاني).
سيأتي تخريج مطول للألباني . فيه تفصيل
٢ – أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟»، قَالَ: إِلَى أَهْلِي، قَالَ: «هَلْ لَكَ إِلَى خَيْرٍ؟»، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: «تَشَهَّدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: هَلْ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ ﷺ: «هَذِهِ السَّمُرَةُ»، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ خَدًّا حَتَّى كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا، وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ، وَإِلَّا رَجَعْتُ إِلَيْكَ فَكُنْتُ مَعَكَ. (رقم طبعة با وزير: ٦٤٧١)، (حب) ٦٥٠٥ [قال الألباني]: صحيح – «تخريج المشكاة» (٢٩٢٥).
٣ – حَدَّثَنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ – وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ – قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه – رضي الله عنهما – قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لَأَمَ بَيْنَهُمَا – يَعْنِي جَمَعَهُمَا – فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَالْتَأَمَتَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ – وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ – فَيَتَبَعَّدَ فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا – وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا – ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ، فَانْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ»، [(م) (٣٠١٢)].
قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا جَابِرُ نَادِ بِوَضُوءٍ» فَقُلْتُ: أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ، عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ لِيَ: «انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟» قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهِ» فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ بِجَفْنَةٍ» فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا، فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ، وَقَالَ: «خُذْ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ» فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفُوَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ فَارَتْ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ» قَالَ فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى. [(م) (٣٠١٣)].
وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُوعَ، فَقَالَ: «عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ» فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً، فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ، حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَه. [(م) (٣٠١٤)].
– أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، فِي كِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا لِيَسْتَتِرَ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ النِّصْفُ جَمَعَهُمَا، فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَالْتَأَمَتَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَتَبَاعَدَ، فَجَلَسْتُ، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلٌ، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا يَمِينًا وَيَسَارًا، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ، قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ، فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي أَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكِ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكِ» قَالَ جَابِرٌ: فَأَخَذْتُ حَجَرًا، فَكَسَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي، وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَمَّ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ» فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا جَابِرُ نَادِ بِوَضُوءٍ»، فَقُلْتُ: أَلَا وَضُوءَ أَلَا وَضُوءَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُبْرِدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْجَابٍ لَهُ، فَقَالَ: «انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟»، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ مَا كَانَتْ شَرْبَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: «اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهِ»، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ﷺ وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ نَادِ بِ جَفْنَةٍ»، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي وَسَطِ الْجَفْنَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ: «خُذْ يَا جَابِرُ، وَصُبَّ عَلَيَّ، وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ»، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى امْتَلَأَتْ، قَالَ: «يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ» قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى. [(رقم طبعة با وزير: ٦٤٩٠)، (حب) ٦٥٢٤ [قال الألباني]: صحيح: م (٨/ ٢٣٤ – ٢٣٥)].
—–
في سنن ابن ماجه
– حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَقَالَ لِي: «ائْتِ تِلْكَ الْأَشَاءَتَيْنِ» – قَالَ: وَكِيعٌ: يَعْنِي: النَّخْلَ الصِّغَارَ – «فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا». فَاجْتَمَعَتَا. فَاسْتَتَرَ بِهِمَا. فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي«ائْتِهِمَا، فَقُلْ لَهُمَا: لِتَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا إِلَى مَكَانِهَا» فَقُلْتُ لَهُمَا. فَرَجَعَتَا، (جة) ٣٣٩ [قال الألباني]: صحيح.
وفي مسند أحمد
١٧٥٦٧ – حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَعْلَى، قَالَ: مَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ رَأَى مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا دُونَ مَا رَأَيْتُ…
قال الأرنؤوط :
إسناده ضعيف لانقطاعه. المنهال بن عمرو لم يسمع من يعلى بن مرة.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ (٦٨٠)، والبيهقي في «الدلائل» ٦/٢٠-٢١ و٢١-٢٢ من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، بهذا الإسناد.
إلا أن البيهقي زاد: عن أبيه.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ (٦٧٩) من طريق ابن يعلى، عن أبيه يعلى بن مرة.
وانظر ما سلف برقم (١٧٥٤٨) .
قوله: سنأته، أي: اتخذته للسقاية عمره. قال السندي: الصواب لغةً: سنوته، فإنه ناقص واوي لا مهموز.
١٧٥٤٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، مَا رَآهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يَرَاهَا أَحَدٌ بَعْدِي، لَقَدْ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي سَفَرٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرَرْنَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ، مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا صَبِيٌّ، أَصَابَهُ بَلَاءٌ، وَأَصَابَنَا مِنْهُ بَلَاءٌ، يُؤْخَذُ فِي الْيَوْمِ، مَا أَدْرِي كَمْ مَرَّةً، قَالَ: «نَاوِلِينِيهِ» فَرَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَجَعَلتْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، ثُمَّ فَغَرَ فَاهُ، فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ» ثُمَّ نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ: «الْقَيْنَا فِي الرَّجْعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَأَخْبِرِينَا مَا فَعَلَ» قَالَ: فَذَهَبْنَا وَرَجَعْنَا، فَوَجَدْنَاهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، مَعَهَا شِيَاهٌ ثَلَاثٌ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ صَبِيُّكِ؟» فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا حَسَسْنَا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى السَّاعَةِ، فَاجْتَرِرْ هَذِهِ الْغَنَمَ. قَالَ: «انْزِلْ فَخُذْ مِنْهَا وَاحِدَةً، وَرُدَّ الْبَقِيَّةَ» قَالَ: وَخَرَجْنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْجَبَّانَةِ، حَتَّى إِذَا بَرَزْنَا قَالَ: «انْظُرْ وَيْحَكَ، هَلْ تَرَى مِنْ شَيْءٍ يُوَارِينِي؟» قُلْتُ: مَا أَرَى شَيْئًا يُوَارِيكَ إِلَّا شَجَرَةً مَا أُرَاهَا تُوَارِيكَ. قَالَ: «فَمَا قُرْبُهَا؟» قُلْتُ: شَجَرَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا. قَالَ: «فَاذْهَبْ إِلَيْهِمَا، فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا بِإِذْنِ اللَّهِ» قَالَ: فَاجْتَمَعَتَا، فَبَرَزَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَيْهِمَا، فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا إِلَى مَكَانِهَا» قَالَ: وَكُنْتُ مَعَهُ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ جَاءَ جَمَلٌ يُخَبِّبُ، حَتَّى ضَرَبَ بِجِرَانِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، انْظُرْ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ، إِنَّ لَهُ لَشَأْنًا» قَالَ: فَخَرَجْتُ أَلْتَمِسُ صَاحِبَهُ، فَوَجَدْتُهُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُ جَمَلِكَ هَذَا؟» فَقَالَ: وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ مَا شَأْنُهُ، عَمِلْنَا عَلَيْهِ، وَنَضَحْنَا عَلَيْهِ، حَتَّى عَجَزَ عَنِ السِّقَايَةِ، فَأْتَمَرْنَا الْبَارِحَةَ أَنْ نَنْحَرَهُ، وَنُقَسِّمَ لَحْمَهُ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ، هَبْهُ لِي، أَوْ بِعْنِيهِ» فَقَالَ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَوَسَمَهُ بِسِمَةِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ بَعَثَ بِه. (حم) ١٧٥٤٨، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط:
– إسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن عبد العزيز
وفي باب قصة الشجرتين عن جابر بن عبد الله عند مسلم (٣٠١٢) .
وعن أسامة بن زيد عند أبي نعيم في «الدلائل» (٢٩٨) .
وعن غيلان بن سلمة، عند أبي نعيم في «الدلائل» (٢٩٥) .
وعن ابن مسعود عند البيهقي في «الدلائل» ٦/٢٠ وجمع إلى قصة
الشجرتين قصة الجمل.
وانظر ما سيأتي بالأرقام (١٧٥٤٩) و(١٧٥٥٩) و(١٧٥٦٣) و(١٧٥٦٤) و(١٧٥٦٥) و(١٧٥٦٧) . انتهى من تحقيق المسند
وأكثر هذه الطرق تدور على المنهال أما التي لا تدور عليه ففي مسند أحمد
١٧٥٦٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ وَوَضَعَ جِرَانَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟» فَجَاءَ، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ» فَقَالَ: لَا، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ. فَقَالَ: «لَا، بِعْنِيهِ» قَالَ: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ، وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ. قَالَ: «أَمَا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ، وَقِلَّةَ الْعَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ» قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ، حَتَّى غَشِيَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرْتُ لَهُ. فَقَالَ: «هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَذِنَ لَهَا» قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْخَرِهِ، فَقَالَ: «اخْرُجْ، إِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ». قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ سَفَرِنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ، فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ بِجُزُرٍ وَلَبَنٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرُدَّ الْجُزُرَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَشَرِبُوا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَك. (حم) ١٧٥٦٥، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط:
إسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن حفص، وعطاء بن السائب كان قد اختلط.
وأخرج قصة البعير منه أبو نعيم في «الدلائل» (٢٨٣) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، بهذا الإسناد.
وأخرج قصة الشجرة منه أبو نعيم (٢٩٣) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه، به.
وأخرجه بطوله عبد بن حميد في «المنتخب» (٤٠٥)، والبيهقي في «الدلائل» ٦/٢٣-٢٤ من طريق عبد الرزاق، به. ووقع في إسناد البيهقي زيادة مقحمة، وهي: «عن عبد الله بن السائب» بين عطاء بن السائب وبين عبد الله ابن حفص، وهو خطأ.
وانظر ما سلف برقم (١٧٥٤٨) .
قوله: يُسنى عليه: من السانية، وهي الإبل التي يُستقى عليها.
_________
– حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي جُبَيْرَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ سِيَابَةَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةً، فَأَمَرَ وَدِيَّتَيْنِ، فَانْضَمَّتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَرَجَعَتَا إِلَى مَنَابِتِهِمَا» وَجَاءَ بَعِيرٌ فَضَرَبَ بِجِرَانِهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ جَرْجَرَ حَتَّى ابْتَلَّ مَا حَوْلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ الْبَعِيرُ؟ إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يُرِيدُ نَحْرَهُ» فَبَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَوَاهِبُهُ أَنْتَ لِي؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي مَالٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ. قَالَ: «اسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا» فَقَالَ: لَا جَرَمَ، لَا أُكْرِمُ مَالًا لِي كَرَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّه. وَأَتَى عَلَى قَبْرٍ يُعَذَّبُ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ يُعَذَّبُ فِي غَيْرِ كَبِيرٍ» فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ، فَوُضِعَتْ عَلَى قَبْرِهِ، فَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ مَا دَامَتْ رَطْبَةً» (حم) ١٧٥٥٩، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط:
إسناده ضعيف لجهالة حبيب بن أبي جبيرة. أبو سلمة الخزاعي: هو منصور بن سلمة، ويعلى ابن سيابة: هو يعلى بن مرة، وسيابة اسم أمه.
وأخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» ٣/٢٢١، والطبراني في «الكبير» ٢٢/٧٠٥ من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد، ولم يذكر ابن قانع قصة البعير.
وأخرج قصة القبر فقط البيهقي في «الدلائل» ٧/٤٢ من طريق عمر بن
عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه.
وانظر ما بعده، وما سلف برقم (١٧٥٤٨) .
وفي باب قصة القبر عن ابن عباس، وعن أبي هريرة سلفا برقم (١٩٨٠) و(٩٦٨٦) .
وعن أبي بكرة، سيأتي ٥/٣٥-٣٦.
وعن أبي أمامة، سيأتي ٥/٢٦٦.
وعن أنس بن مالك، عند البيهقي في «إثبات عذاب القبر» (١٢٧) .
قوله: «وديتين» قال السندي: هما نخلتان صغيرتان.
وقوله: جرجر: قال: أي: ردد صوت البكاء في الحلق.
[تنبيه]
انظر: بَابُ انْقِيَادِ الشَّجَرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى (8/ 673 وما بعدها).
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): “إثبات خاتم النبوّة له ﷺ، وهو الذي كان بين كتفي النبيّ ﷺ، وكان من علامات نبوّته التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها.
قال في «الفتح»: وادعى القاضي عياض أن الخاتم هو أثر شقّ الملَكين لِمَا بين كتفيه.
وتعقبه النوويّ، فقال: هذا باطل؛ لأن الشقّ إنما كان في صدره وبطنه، وكذا قال القرطبيّ، وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلي مراقّ بطنه، كما في «الصحيحين». قال: ولم يثبت قط أنه بلغ بالشقّ حتى نَفَذ من وراء ظهره، ولو ثبت للزم عليه أن يكون مستطيلًا من بين كتفيه إلى قطنته؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من سرته إلى مراقّ بطنه، قال: فهذه غفلة من هذا الإمام، ولعل ذلك وقع من بعض نسّاخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، كذا قال.
قال الحافظ: وقد وقفت على مستند القاضي، وهو حديث عتبة بن عبد السُّلَميّ الجيم، بعدها سين مهملة- المزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة (م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٠/ ١٦٥١. [بواسطة البحر المحيط الثجاج].
2 – (ومنها): “إن تحرك الشجرة من مكانها وذهابها ومجيئها لهوَ آية معجزة وبرهان دامغ على صدقه ونبوته – صلى الله عليه وسلم”.
3 – (ومنها): جعل الله تبارك وتعالى لكل نبي دليلا في نفسه على نبوته، يأنس به ويطمئن به قلبه، خاصة أول البعثة بل ومن قبلها، وهذا من بالغ عنايته تبارك وتعالى بأنبيائه.
4 – (ومنها): أقام الله تبارك وتعالى الحجة على كل العباد – خاصة من عاصر الأنبياء على صدق أنبيائه، بشيء مادي ملازم للأنبياء، يسهل على كل أحد أن يراه، ولا يختلف اثنان أن مثل هذا الخاتم لا يمكن أن يصنعه بشر، بل هو خلقي لا يقدر على صنعه إلا الله تبارك وتعالى.
5 – (ومنها): مكان خاتم النبوة من جسد النبي ﷺ هو أعلى الكتف من الجهة اليسرى قدر قبضة الكف على هيئة حبيبات بارزة عن سطح الجسد، لما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت النّبيّ ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال: ثريدا قال: فقلت له: أستغفر لك النّبيّ ﷺ قال: نعم ولك، ثمّ تلا هذه الآية {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ} [محمد: ١٩] قال: ثمّ درت خلفه فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثّاليل [رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته، برقم (٢٣٤٦)].
6 – (ومنها): اشتهار أمر خاتم النبوة عند الصحابة ومعرفة اسمه ومكانه، لما ورد عند مسلم من حديث عبد الله بن سرجس: فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه.
7 – (ومنها): حرص الصحابة رضي الله عنهم على التبرك بآثار النبي ﷺ ومنها فضلة وضوئه ﷺ.
[تنبيه]: قال الإمام ابن حجر رحمه الله-: وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو سر فأنت المنصور، أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء. انتهى [انظر فتح الباري (٦/ ٥٦٣)]. [شمائل الرسول صل الله عليه وسلم].
8 – (ومنها): إظهار إعجاب العامري الشديد وقوة تأثير المعجزة، حتى وصفها بالسحر، وهو ما يشير إلى قوة الأمر الإلهي الذي نفذه النبي صلى الله عليه وسلم.
9 – (ومنها): في بعض الروايات، أضاف العامري: “والله لا أكذبك بشيء تقوله أبداً” إقراراً منه بصحة كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
[تنبيه]: سبق في التعليق على الصحيح المسند وغيره الإشارة إلى مسألة الباب.
تخريج الألباني لحديث الأعرابي الذي شاهد الشجرة تشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة :
الصحيحة:
٣٣١٥- (هل لك أن أريك آية؟ وعنده نخل وشجرة، فدعا رسول
الله – ﷺ – عِذقًا منها، فأقبل إليه، وهو يسجد ويرفعُ رأسه، حتى انتهى إليه، فقام بين يديه، فقال له رسول الله – ﷺ -: «ارجع إلى مكانك»، فرجع إلى مكانه) .
أخرجه أبو إسحاق الحربي في «غريب الحديث» (٥/٨٤/ ١)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤/٢٣٦- ٢٣٧)، وابن حبان (٢١١١- موارد)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢ ١/ ١٠٠/١٢٥٩٥) – والسياق له-، وأبو نعيم في «الدلائل» (٣٣٥)، وكذا البيهقي (٦/١٦- ١٧) من طرق عن عبد الواحد بن زياد: ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال:
جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله – ﷺ — وكان يداوي ويعالج-، فقال: يا محمد! إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك؟ قال: فدعاه رسول الله – ﷺ – إلى الله عز وجل، ثم قال: … فذكر الحديث. قال العامري: والله! لا أكذبك بقول أبدًا. ثم قال: يا آل بني صعصعة! والله! لا أكذبه بشيء يقوله أبدًا.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
وللأعمش فيه شيخ آخر، فقال: عن أبي ظبيان عن ابن عباس به نحوه، لكنه قال في آخره:
فقال العامري: يا آل بني عامر! ما رأيت كاليوم رجلًا أسحر!
أخرجه الدارمي (١/١٣)، وأحمد (١/٢٢٣)، والبيهقي أيضًا (٦/١٥- ١٦) . قلت: وإسناده صحيح أيضًا.
وتابعه سماك عن أبي ظبيان به إلا أنه قال: فأسلم الأعرابي.
أخرجه البخاري في «التاريخ» (٢/ ١/٣)، وعنه الترمذي (٣٦٣٢)، وابن سعد (١/١٨٢)، والحاكم (٢/٦٢٠)، ومن طريقه: البيهقي أيضًا (٦/١٥)، والطبراني في «الكبير» (١٢/١١٠/١٢٦٢٢) من رواية شريك عنه. وقال الترمذي:
«حديث حسن صحيح»!
وقال الحاكم:
«صحيح على شرط مسلم»! ووافقه الذهبي!
كذا قالا! وشريك- وهو ابن عبد الله القاضي- لم يخرج له مسلم إلا متابعة؛ على ضعف فيه. وقد تنبه لهذا المعلق على «مسند أبي يعلى»؛ ولكنه غفل عن
شيء آخر، فقال عقبه:
«نقول: نعم، شريك ضعيف، لكن تابعه عليه الأعمش؛ كما تقدم».
قلت: تلك متابعة قاصرة؛ إذ ليس في حديث الأعمش عن شيخه الأول أن الأعرابي أسلم، بل في روايته عن شيخه الثاني ما ينافيه، وهو اتهامه للنبي – ﷺ – بالسحر! ولا يعارضه قول شيخه الأول: والله! لا أكذبه في شيء أبدًا؛ لأن هذا لا يستلزم الإسلام، بل هو على حد قوله تعالى في اليهود: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، ومع ذلك فقد عاندوا ولم يسلموا. ولذلك قال ابن كثير في «التاريخ» (٦/١٢٤) عقب هذا القول:
«وهذا يقتضي أنه سالم الأمر، ولم يجب من كل وجه».
وخالف البيهقي؛ فقال (٦/١٧):
«في هذه الرواية تصديق الرجل إياه؛ كما هو في رواية سماك- يعني: برواية شريك عنه-، ويحتمل أنه توهمه سحرًا، ثم علم أنه ليس بساحر، فآمن وصدق. والله أعلم».
فأقول: لا شك في تَوَهُّمِهِ المعجزة سِحْرًا، وإنما الشك في إيمانه بعد ذلك، وهذا ما تفرد به شريك، وهو ضعيف عند التفرد، فكيف إذا خالف؟!
نعم؛ قد روي إسلام الرجل في قصة تشبه هذه، لكنها لا تصح؛ لأنها من رواية حِبَّان بن علي: ثنا صالح بن حَيَّان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
جاء رجل إلى النبي – ﷺ – فقال: أَرِنِي آية، قال: «اذهب إلى تلك الشجرة، فادعها»……. الحديث نحوه وفيه:
فقام الرجل، فقبّل رأسه ويديه ورجليه، وأسلم.
أخرجه البزار في «مسنده» (٣/١٣٢- ١٣٣- كشف الأستار)، وكذا ابن الأعرابي في «كتاب القُبَلِ» (ص ٦)، وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (ص ٣٣٢- ٣٣٣) . وقال البزار:
«لا نعلم من رواه عن صالح إلا حبان، ولا نعلم يروى في تقبيل الرأس إلا هذا».
قلت: وإسناده ضعيف؛ لأن كلًا من صالح وحبان ضعيف؛ كما في «التقريب» وغيره.
وفي الباب قصة أخرى نحو حديث الترجمة من رواية ابن عمررضي الله عنهما- بسند صحيح عند البزار وغيره، صححه ابن حبان وغيره، وهو مخرج في «المشكاة» برقم (٥٩٢٥) .
وقد خلط الشيخ حبيب الأعظمي- عفا الله عنا وعنه- في تعليقه عليه في «كشف الأستار» (٣/١٣٣) بينه وبين حديث عمررضي الله عنه-؛ يرويه من طريق علي بن زيد عن أبي رافع عنه، فقال في التعليق عليه:
«قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى أيضًا، والبزار (٨/٢٩٢) . قلت (الأعظمي): وفي إسناده علي بن زيد، وهو حسن الحديث عند الهيثمي والبزار»!
قلت: ومحل الخلط أنه زعم أن في حديث ابن عمر عند البزار علي بن زيد-
وهو ابن جدعان-! وهو وهم محض، وإنما هو في إسناد حديث عمر كما رأيت. وقد ذكره الهيثمي في مكان آخر، وقال فيه (٩/ ١٠):
«رواه البزار وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى حسن»!
قلت: وتخصيصه أبا يعلى بالذكر خطأ، وكذلك تحسينه لإسناده؛ فإنه عنده
– كالبزار- من طريق علي بن زيد، وهو ضعيف.
وكذلك تخصيصه الطبراني بالذكر دون البزار، ولو أنه عكس لأصاب؛ لأن الطبراني رواه من طريق شيخه (الفضل بن أبي روح البصري)، ولم يوثقه أحد، بل إن الشيخ حماد الأنصاري – رحمه الله – لم يعرفه، فلم يذكره في كتابه الفريد: «بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني»، وقد روى له في «معاجمه» الثلاثة نحو خمسة أحاديث هذا أحدها، ولكني أيضًا لم أجد له ترجمة، بينما البزار- مع كونه أعلى طبقة منه- قد رواه عن شيخه (علي بن المنذر)، وهو ثقة كما قال الذهبي، ومن رجال «التهذيب»؛ فكان الواجب ذكره دون الطبراني، كما لا يخفى على أهل العلم. *