1515 ‘ 1516 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
أحمد بن علي وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د سيف بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
4 – بَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَسَوْمِهِ عَلَى سَوْمِهِ. وَتَحْرِيمِ النَّجْشِ وَتَحْرِيمِ التَّصْرِيَةِ.
7 – (1412) حدثنا يحيى بن يحيى. قال قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يبع بعضكم على بيع بعض).
8 – (1412) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ) قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عمر،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ).
9 – (1515) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرة؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يسم المسلم على سوم أخيه).
11 – (1515) حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك بن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة؛
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ (لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ. وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلَا تَنَاجَشُوا. وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ. فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا. وَإِنْ سخطها ردها وصاعا من تمر).
12 – (1515) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ. وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا. وَعَنِ النَّجْشِ. وَالتَّصْرِيَةِ. وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أخيه.
13 – (1516) حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛
أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن النجش.
——-
سيأتي
بَابُ تَحْرِيمِ تَلَقِّي الْجَلَبِ
و بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي
وبَابُ حُكْمِ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ
قال ابن رجب:
[قوله صلى الله عليه وسلم: “ولا تناجشوا”]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: “ولا تناجشوا” فسره كثيرون من العلماء بالنجش في البيع وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع بزيادة الثمن له أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه.
* * *
- وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه نهى عن النَّجْش.
- وقال ابن أبي أوفى: الناجِشُ آكلُ ربًا خائن.
ذكره البخاري.
[آراء العلماء في هذه الصفقة أو في هذا النوع]:
- قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعلَهُ عاصٍ لله تعالى إذا كانَ بالنهى عالمًا.
واختلفوا في البيع:
- فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه.
- ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النَّجْش فَسد؛ لأنّ النهي هنا يعودُ إلى العاقد نفسه.
وإن لم يكن كذلك لم يفسد لأنه يعود إلى أجنبي.
- وكذا حكي عن الشافعي أنه علَّلَ صحة البيع بأن البائع غيرُ الناجش.
وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقًا.
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، ومالكٍ رحمه الله، والشافعي رحمه الله، وأحمدَ رحمه الله في رواية عنه.
إلا أن مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار – إذا لم يعلم بالحال، وغُبِنَ غَبْنًا فاحشًا يخرج عن العادة.
وقدَّرَهُ مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك.
وإن أراد الإمساكَ فإنه يحطُّ ما غُبِن به من الثمن.
ذكره أصحابنا.
* * *
[احتمال آخر لتفسير التناجش]:
ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك؛ فإن أصل النَّجْش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة ومنه سُمِّىَ الناجشُ في البيع ناجِشًا، ويسمى الصائد في اللغة ناجِشًا؛ لأنه يثير الصيد بحيلته عليه، وخداعِه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال.
وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم إما بطريق الأَصالة وإما أجتلاب نفعه بذلك.
ويلزم منه وصولُ الضرر إليه، ودخولُه عليه وقد قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
- وفي حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار”.
- وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق المرفوع: “ملْعُونٌ من ضَارَّ مُسْلِمًا أو مَكرَ به”.
خرجه الترمذي.
* * *
[ما الذي يشمله مفهوم التناجش؟]:
فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهى عنه: جميعُ أنواع المعاملات بالغش ونحوه كتدليس العيوب وكتمانها، وغِشِّ المبيعِ الجيد بالرّدِيء، وغَبْنِ المسْتَرْسِل الذي لا يَعْرِفْ الممَاكَسَة.
وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية:
ليس دُنْيا إِلا بدينٍ وليس الد … ينُ إلا مكارِمَ الأخلاق
إنما المكرُ والخديعةُ في النا … رِ هما مِنْ خِصَال أَهل النِّفاقِ
وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهمُ الكفار والمحاربون؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “الحربُ خدْعة”.
[معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “ولا تباغضوا]:… ذكر معناه وذكر خطر النميمة ثم قال :
[ولا يبع بعضكم على بيع بعض]:
- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “ولا يبع بعضكم على بيع بعض”.
قد تكاثر النهي عن ذلك؛ فقي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا يبيعُ المؤمنُ على بيع أخيه، ولا يخطبُ على خطبة أخيه”.
- وفي رواية لمسلم: “لا يَسُمِ المسلم على سَوْم أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَتِهِ.
- وخرجا من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا يبيعُ الرَّجُلُ على بَيْع أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَة أخيه؛ إلا أَنْ يأْذَنَ لَهُ”.
- ولفظه لمسلم.
وخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “المؤمنُ أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاعَ على بَيْع أخيه، ولا يخطبَ على خِطْبَةِ أخيه حَتَّى يَذَر”.
وهذا يدل على أن هذا حق للمسلم على المسلم؛ فلا يساويه الكافر في ذلك بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطبَ على خِطبته، وهو قول الأوزاعي، وأحمد؛ كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده.
[الجمهور على العموم]:
وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عامٌّ في حق المسلم والكافر، واختلفوا: هل النهي للتحريم أو التنزيه؟
[ثم اختلفوا في نوعية النهي]:
فمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم.
- والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه؛ للتحريم.
[وفي صحة البيع والنكاح]:
- واختلفوا: هل يَصحُّ البَيْعُ على بَيْع أخيه والنكاحُ على خِطبته؟ فقال أبو حنيفة رحمه الله، والشافعي رحمه الله، وأَكْثَرُ أصحابنا: يصح.
وقال مالك؛ في النكاح: إنه إن لَم يدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما وإن دخل بها لم يفرَّقْ.
- وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح إنه باطل بكل حال وحكاه عن أحمد.
[معنى البيع على البيع وعلة تحريمه]:
ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكونَ قد باع منه شيئًا فيَبْذُلَ للمشترى سِلْعَتهُ ليشتريها ويفسخ بَيْعَ الأول.
وهل يختص ذلك بما إذا كان البَذْلُ في مدّة الخيار بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء.
- [و] قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنه عام في الحالين، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا، ومنهم من خَصَّهُ بما إذا كان في مدة الخيار وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مُشَيش، ومنصوص الشافعي.
والأول أظهر؛ لأن المشتري وإن لم يتمكَّن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار، فإنه إذا رغبَ في رَدِّ السلعة الأولى على بائعها فإنه يتسبّب في رَدِّهَا عليه بأنواع من الطرق المقتضية لضرره ولو بالإلحاح عليه في المسألة.
وما أدّى إلى ضَرَرِ المسلم كان مُحَرَّمًا والله أعلم.
* * *
[وكونوا عباد الله إخوانا]:
- وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “وكونوا عباد الله إخوانا”.
هذا ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كالتعليل لما تقدم.
وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانا.
[وسائل الأخوَّة]:
وفيه أَمْرٌ باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه أداءُ حقوق المسلم على المسلم من رَدِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وعيادَةِ المريض، وتشييعِ الجِنازة، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح بالغيب.
[جامع العلوم والحكم 3/ 972 ت الأحمدي أبي النور]
قال الإتيوبي:
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في معنى بيع الرجل على بيع أخيه، وحكمه:
قال النوويّ رحمه الله، ما حاصله: معنى “بيع الرجل على بيع أخيه”: هو أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسَخْ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله، بأرخصَ من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، ويحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع، في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أشتريه منك، بأكثر من هذا الثمن، ونحو هذا.
قال: وأجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه، فلو خالف، وعَقَد فهو عاص، وينعقد البيع، هذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة وآخرين. وقال داود: لا ينعقد، وعن مالك روايتان، كالمذهبين، وجمهورهم على إباحة البيع والشراء، فيمن يزيد، وقال الشافعيّ: كرهه بعض السلف. انتهى كلام النوويّ رحمه الله.
وقال ابن قُدامة رحمه الله: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يبع بعضكم على بيع بعض”: أن الرجلين إذا تبايعا، فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار، فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة، دون هذا الثمن….
فإن خالف، وعقد فالبيع باطل؛ لأنه منهيّ عنه، والنهي يقتضي الفساد.
قال: ويَحْتَمِل أنه صحيح؛ لأن المحرَّم هو عرض سلعته على المشتري، أو قوله الذي فَسَخَ البيع من أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصِّل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدميّ، فأشبه بيع النجش، وهذا مذهب الشافعيّ. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول ببطلان البيع؛ لأن النهي يقتضي الفساد، إلا إذا صرفه صارف إلى غيره؛ كبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، على ما سيأتي بيانه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال القاضي ابن كجّ من الشافعيّة: تحريم البيع على بيع أخيه أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مُفْرطأ، فإن كان فله أن يُعرّفه، ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة، قال النوويّ: هذا الشرط انفرد به ابن كجّ، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث، والمختار أنه ليس بشرط، والله أعلم. قال وليّ الدين رحمه الله: ووافقه ابن حزم، فقال: وأما من رأى المساوم، أو البائع لا يريد الرجوع إلى القيمة، لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه، فهذا فرض عليه نصيحة المسلم، فقد خرج عن هذا النهي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدِّين النصيحة”. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن كج، ووافقه عليه ابن حزم هو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لوضوح حجّته، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قلت سيف بن دورة : مع أن هناك طرق أخرى للنصيحة ، إلا إذا لم يصدقه في نصيحته ، وسلعته باهضة الثمن .
(المسألة الثالثة): محلّ التحريم ما لم يأذن البائع في البيع على بيعه، فإن أذن في ذلك ارتفع التحريم على الصحيح، وقد ورد التصريح في الرواية التالية عند مسلم من طريق يحيى القطّان، عن عبيد الله، عن نافع: “لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له”.
قال في “الفتح”: قوله: “إلا أن يأذن له” يَحْتَمِل أن يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعيّ، وَيحْتَمِل أن يختصّ بالأخير، ويؤيّد الثاني رواية البخاريّ في “النكاح” من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: “نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب”، ومن ثم نشأ خلافٌ للشافعيّة: هل يختصّ ذلك بالنكاح، أو يلتحق به البيع في ذلك؟ والصحيح عدم الفرق. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم الفرق هو الذي يظهر لي؛ لأن النهي كان لحقّه، فإذا أذن فقد زال المانع، ويؤيّد ذلك ما رواه النسائيّ بلفظ: “لا يبيع الرجل على بيع أخيه، حتى يبتاع، أو يَذَرَ”، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر قوله: “على بيع أخيه” اختصاص ذلك بالمسلم، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو عبيد ابن حربويه، من الشافعيّة، وقال ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذميّ في سومه، إلا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس به. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأحوط، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في معنى السَّوْم على سَوْم أخيه، وحكمه:
قال النوويّ رحمه الله، ما حاصله: معنى “سوم الرجل على سوم أخيه”، هو أن يكون، قد اتفق مالك السلعة، والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام. انتهى.
وقال في “الفتح”: قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة، في زمن الخيار: افسَخْ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه.
وأما السوم، فصورته أن يأخذ شيئًا ليشتريه، فيقول له: رُدّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استَرِدَّه لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن، وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا، فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرًا ففيه وجهان للشافعية.
ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه.
وتُعقِّب بأنه لا بد من أمر مبيِّن لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، لا يحرم اتفاقًا، كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.
وقد استثنى بعض الشافعية، من تحريم البيع والسوم على الآخر، ما إذا لم يكن المشترى مغبونًا غبنًا فاحشًا، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث: “الدينُ النصيحة”، لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم، فله أن يُعَرّفه أن قيمتها كذا، وأنك إن بعتها بكذا مغبون، من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور، مع تأثيم فاعله، وعند المالكية، والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة، وأهل الظاهر من فساد البيع هو الأرجح عندي؛ لأن النهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، إلا لصارف؛ كبيع المصرّاة على ما يأتي، ولم يوجد هنا صارف، فتبصرّ، والله تعالى أعلم.
وقال ابن قُدامة رحمه الله، ما حاصله: سوم الرجل على سوم أخيه: لا يخلو من أربعة أقسام:
[أحدها]: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع، فهذا يحرِّم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي.
[الثاني]: أن يَظهر منه ما يدل على عدم الرضا، فلا يحرم السوم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، باع فيمن يزيد، قال: وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة.
[الثالث]: أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا، ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضًا، ولا الزيادة؛ استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أن معاوية، وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح في أحدهما، أبيح في الآخر.
[الرابع]: أن يظهر منه ما يدل على الرضا، من غير تصريح، فقال القاضي: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نصّ عليه في الخِطبة، استدلالًا بحديث فاطمة، ولأن الأصل إباحة السوم، والخطبة، فَحَرُمَ منع ما وجد فيه التصريح بالرضا، وما عداه يبقى على الأصل، ولو قيل بالتحريم ههنا: لكان وجهًا حسنًا، فإن النهي عامّ، خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم، ولأنه وجد منه دليل الرضا، فأشبه ما لو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة، وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا؛ لأنها جاءت مستشيرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك دليلًا على الرضا، فكيف ترضى، وقد نهاها النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا تفوتينا بنفسك”؟ فلم تكن تفعل شيئًا قبل مراجعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه، في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إن ما قاله القاضي من أنه لا تَحْرُم المساومة في هذه الصورة هو الأقرب؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَان) …. -.
(وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي.
(وَلَا تَنَاجَشُوا)؛ أي: لا تفعلوا النَّجْشَ، وهو بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل لِيَخْدَعَ غيره، وَيغُرّه ليزيد، ويشتريها، وهذا حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مختصّ بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك أَثِمَا جميعًا، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن من البائع مواطأةٌ، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصّر في الاغترار، وسيأتي تمام البحث فيه بعد حديث – إن شاء الله تعالى -.
(وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) المراد به أن يَقْدَم غريب من البادية، أو من بلد آخر بمتاع تعُمّ الحاجة إليه؛ ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلديّ: اتركه عندي؛ لأبيعه على التدريج بأعلى، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب – إن شاء الله تعالى -.
(وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ) هو بضم التاء، وفتح الصاد، ونصب “الإبلَ”، من التصرية، وهي الجمع، يقال: صَرَّى يُصَرِّي تصريةً، وصَرّاها يُصَرِّيها تصريةً، فهي مُصَرَّاةٌ، كغَشّاها يُغَشِّيها تغشيةً، فهي مُغَشَّاةٌ، وزَكَّاها يُزَكِّيها تزكيةً، فهي مُزَكَّاةٌ.
قال القاضي عياض: ورَوَيناه في غير “صحيح مسلم” عن بعضهم: “لا تَصُرُّوا” بفتح التاء، وضم الصاد، من الصَّرِّ، قال: وعن بعضهم: “لا تُصَرُّ الإبلُ”، بضم التاء، من “تُصَرُّ”، بغير واو بعد الراء، وبرفع “الإبلُ”، على ما لم يُسَمَّ فاعله، من الصَّرِّ أيضًا، وهو ربط أخلافها، والأول هو الصواب المشهور.
ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها، عند إرادة بيعها، حتى يَعْظُم ضرعها، فيَظُنَّ المشتري أن كثرة لبنها عادةٌ لها مستمرةٌ …
[واعلم]: أن التصرية حرامٌ، سواءٌ تصرية الناقة، والبقرة، والشاة، والجارية، والفرس، والأتان، وغيرها؛ لأنه غَشّ، وخِدَاعٌ… سيأتي بإذن الله تعالى بحثها في الأبواب التالية
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان النهي عن تلقّي الركبان، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي – إن شاء الله تعالى -.
2 – (ومنها): بيان تحريم البيع على بيع أخيه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما الماضي.
3 – (ومنها): تحريم التناجش، وسيأتي تمام البحث فيه بعد حديثين – إن شاء الله تعالى -.
4 – (ومنها): بيان النهي عن بيع الحاضر للبادي، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب – إن شاء الله تعالى -.
5 – (ومنها): بيان تحريم تصرية الإبل والغنم، وأن من اشترى المصرّاة بالخيار بعد حلبها، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها مع صاع تمر، وسيأتي تمام البحث فيه بعد بابين – إن شاء الله تعالى – والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ النَّجْشِ) قال النوويّ رحمه الله: – بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة -: هو أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدَع غيره، وَيغُرَّه ليزيد، ويشتريها….
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم النَّجْش:
قال النوويّ رحمه الله: النجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك، أثما جميعًا، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن من البائع مواطأة، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصّر في الاغترار، وعن مالك رواية: أن البيع باطل، وجعل النهي عنه مقتضيًا للفساد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الإمام مالك: من بطلان البيع هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله في “صحيحه”: “باب النَّجْش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبي أوفى رضي الله عنه: “الناجش آكل ربًا، خائنٌ”، وهو خِداع باطلٌ، لا يحلّ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “الخديعة في النار”، و”من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ”، ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور هنا.
قال في “الفتح”: قوله: “ومن قال: لا يجوز ذلك البيع”: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، من طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملًا له، باع سبيًا، فقال له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدًا، فقال له عمر: هذا نجش، لا يحل، فبعث مناديًا ينادي أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع، إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة من أهل الحديث، فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كان ذلك بمواطأة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسًا على المصرّاة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول الحنفية.
وقال الرافعي: أطلق الشافعيّ في المختصر تعصية الناجش، وشَرَط في تعصية من باع على بيع أخيه، أن يكون عالمًا بالنهي، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد.
واستَشْكَل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك في عِلم تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم. انتهى.
وقد حكى البيهقيّ في “المعرفة”، و”السنن” عن الشافعي تخصيص المعصية في النجش أيضًا بمن أُعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثًا منصوص، ولفظ الشافعيّ: النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛ ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يُعْطُون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش، إن كان عالِمًا بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نَجَش عليه. انتهى.
قال: وقد اتفق أكثر العلماء، على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيّد ابن عبد البر، وابن العربيّ، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربيّ: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهي إلى قيمتها، لم يكن ناجشًا عاصيًا، بل يؤجر على ذلك بنيّته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر؛ إذ لم تتعيّن النصيحة في أن يُوهم أنه يريد الشراء، وليس من غرضه، بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء، أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك.
ويَحْتَمِل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله؛ لحديث: “دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استَنصَحَ أحدكم أخاه، فلينصحه”، رواه مسلم، والله أعلم. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وجماعة من أهل الحديث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛ إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما في بيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، ولم يوجد في نهي النجش صارف، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 633]
قال ابن العربي:
فصل في الضرر
قد ثبت تحريمه شرعًا فحيث ما وقع امتنع وقد خص النبي – ﷺ – منها نوازل واقعة كقوله: (لايبع بعضكم على بيع بعض).
فإن البيع إذا كان جائزا على الإطلاق والمزايدة مباحة بالإجماع فإن ذلك عند ركون المتبايعين واتفاقهما على تقدير العقد قبل أن ينفذاه وهي ثلاثة أحوال:
الأولى: بيع المزايدة ومنه مشي السمسار بالسلعة.
الثانية: الزيادة بعد تمام البيع وذلك لا ينفع المشتري الثاني ولا يضر الأول لأن بيعه قد انعقد أما إن فيه إدخال هم على البائع فيمتنع من هذا الوجه.
والحالة الثالثة هي حالة الركون فلا يحل للبائع بعد الركون إلى المشتري أن يرجع عنه إلى غيره لزيادة يزيدها أحد له وإن فعل لم يلزم وفسخ ذلك في الصحيح من المذهب لأنه فعل صادف نصًا منقولًا وعمومًا معقولًا تعاضد فيه الشرع والعقل فوجب أن يقضى بفسخه، وكقوله (١) (لا تلقوا الركبان) (٢) وقد اختلف في ذلك هل هو لحق الراكب أو لحق المركوب إليه بالسلعة والصحيح عندي أنه لحق المركوب إليه وعليه يدل قوة قوله (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) (٣) وهو أيضًا مثل الأول في الخلاف وعندي مثله في الفسخ ومنها النجش وهو أن يزيد في السلعة لمنفعة البائع لا لعقد الشراء وهو تغرير بالمشتري وله الخيار إذا علم والزيادة حرام على البائع وكذلك الغش حرام باتفاق وإذا وقع واطلع عليه المشتري فإنه بالخيار بين أن يتحمله أو يرد البيع والضابط لذلك أنه متى كان المنع لحق الله تعبدًا فسخ البيع إجماعًا ومتى ما كان لحق الآدمي كالعيب والغش فله الخيار ومتى ما كان لحق الله ولحق الآدمي فعند كافة العلماء أنه يفسخ. واختلف علماؤنا فيه على تفصيل طويل يرد في المسائل عمدته على الإطلاق أنه إن قوي حق الآدمي بأن يكون في نهي الشرع عنه رائحة المصلحة ففيه الخيار وإن قوي فيه حكم التعبد وجب الفسخ … وتكلم عن التصرية
القبس في شرح موطأ مالك بن أنس
— أبو بكر ابن العربي[[ ص٨٥٠- ٨٥٣ ]]
—————
قد تقدم القول في كتاب النكاح على قوله: (لا يبع بعضكم على بيع بعض).
و(قوله: نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه) أي: يشتري. ووزن (استام): استفعل؛ أي: استدعى من البائع أن يخبره بسوم السلعة؛ أي: بثمنها. وقد يكون مصدرا، فيقال: سامه بسلعة كذا، يسومه، سوما. والمرة منه: سومة. وقد يكسر ما قبل الواو فتنقلب ياء؛ فيقال: سيمة، كما قد جاء هنا. وقد بينا: أن محل النهي عن البيع وعن السوم المذكورين في هذه الأحاديث؛ إنما هو بعد التراكن.
…
— المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم – أبو العباس القرطبي (٤ / ٣٦٤)
قال الراجحي:
في هذا الحديث: تحريم بيع المسلم على بيع أخيه؛ لأنه يفضي إلى الشحناء والبغضاء، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين، وصورته: أن يبيع مسلم سلعة على شخص بمائة، ويكون بينهما الخيار ثلاثة أيام- مثلًا-، فيأتي شخص آخر إلى المشتري، ويقول له: رُدَّ هذه السلعة، وأنا أعطيك أحسن منها بثمانين، ومثله شراء المسلم على شراء أخيه؛ كأن يأتي للبائع الذي باع السلعة بمائة وهو في مدة الخيار، فيقول: استردَّ السلعةَ وأنا أزيدك، فأعطيك مائة وعشرين، وهذا حرام لا يجوز، إلا إذا أذن له، كما في هذا الحديث، وكذلك خطبة المسلم على خطبة أخيه لا تجوز إلا أن يأذنَ له، أو يُرَدَّ، وفي الحديث: ((إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ))، فإذا أذن له، أو رُدَّ الخاطب الأول وعلم بذلك الخاطب الثاني فله أن يتقدم للخطبة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ)).
[خ: 2150]
في هذا الحديث: بيان سوم المسلم على سوم أخيه، فيقول: بمائة، فيركن البائع إليه ولا يرده، كأنه رضي بسومته، فيأتي آخر ويسومها بمائة وعشرين، فليس له ذلك؛ لأن البائع قد ركن إلى الأول، أما إذا لم يركن إليه ولم يرغب في البيع، وقال: هذا لا يناسبني وأريد زيادة فلا بأس، وهذا بخلاف البيع بمزاد علني، فلو سيمت السلعة بمائة، فقيل: من يزيد؟ فقيل: بمائة وعشرين، فلا بأس بهذا؛ لأن طلب البائع للزيادة معناه: أنه لم يرضَ بعد بالسوم، ولا حرج في هذا شرعًا.
قوله: ((لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ)): …
وقوله: ((وَلَا تَنَاجَشُوا)): النَّجْشُ- لغة-: الإثارة، من: نجش ينجش نجشًا، من باب: ضرب يضرب ضربًا، والنجش- شرعًا-: الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها؛ لينفع البائع، أو ليضر المشتري، وهذا حرام، والناجش عاصٍ لله ولرسوله.
وقوله: ((وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)): …
لكن هل يفسد البيع، أو لا يفسد؟ على قولين:
:أنه يفسد البيع، وقيل: لا يفسد، والأقرب: أن النهي في الحديث للفساد.
قوله: ((وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا)): …
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 4/ 274]
قال ابن عثيمين:
. 3تحريم المناجشة ولو من جانب واحد، وسبق أن النجش في البيع: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وضربنا لهذا أمثلة.
وهل هذا يشمل ما كان بعد زمن الخيار، وما كان في زمن الخيار، أو خاص فيما إذا كان ذلك في زمن الخيار؟
الجواب: في هذا للعلماء قولان:
والصحيح أنه عام لما كان بعد زمن الخيار أو قبله، لأنه إذا كان قبل زمن الخيار فالأمر واضح بأن يفسخ البيع ويشتري من الثاني، لكن بعد زمن الخيار أيضاً لا يجوز لأنه يترتب عليه مفاسد:
أولاً: أن المشتري يكون في قلبه حقد على البائع، ويقول: هذا الرجل غلبني وخدعني.
ثانياً: أن المشتري يندم ويقول: كيف أشتري هذا بمائة وهو بتسعين، وإدخال الندم على المسلم محرم.
ثالثاً: أنه ربما يسعى المشتري إلى إحداث عيب في السلعة، أو إلى دعوى اختلال شرط من الشروط من أجل أن يفسخ البيع.
فلذلك كان القول الراجح في هذه المسألة: إن بيع المسلم على المسلم حرام، سواء كان في زمن الخيار أو بعد زمن الخيار.
وهل يقال: إن شراء الإنسان على شراء أخيه كبيعه على بيع أخيه؟
فالجواب: نعم، إذ إن المعنى واحد، ومثال الشراء على شراء أخيه، أن يبيع زيد على عمرو سلعة بمائة، فيذهب بكر إلى زيد- البائع – ويقول: أنا أشتريها منك بمائة وعشرين، فهذا حرام لما فيه من العدوان، وإحداث العداوة والبغضاء والنزاع بين الناس.
وسبق لنا: هل هذا خاص في زمن الخيار أو هو عام؟ وبينَّا أن القول الراجح إنه عام.
. …
[شرح الأربعين النووية للعثيمين ص344]
قال ابن القيم:
الوجه السادس والأربعون:
أن الشارع نَهَى أن يَخْطب الرجل على خِطْبة أخيه [أو يَسْتَام على سَوْم أخيه] أو يبيع على بيع أخيه ، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ فقياسُ هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية ولا منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه .
إعلام الموقعين عن رب العالمين – ت مشهور
— ابن القيم[[ ٣٣/٥ ]]