2367 إلى 2375 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابٌ فِي الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ
2367 – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ يَعْنِي الرَّحَبِيَّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، قَالَ شَيْبَانُ: أَخْبَرَنِي أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ الرَّحَبِيَّ، حَدَّثَهُ، أَنَّ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم،
2368 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَهُ
2369 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، بِإِسْنَادِ أَيُّوبَ، مِثْلَهُ
2370 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، ح وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مَكْحُولٌ، أَنَّ شَيْخًا مِنَ الْحَيِّ قَالَ عُثْمَانُ: فِي حَدِيثِهِ مُصَدَّقٌ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»
2371 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
بَابٌ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
2372 – حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
2373 – حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ»
2374 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ» فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: «إِنِّي أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، وَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»
2375 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: «مَا كُنَّا نَدَعُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ، إِلَّا كَرَاهِيَةَ الْجَهْدِ»
——-
مسألة [١]: احتجام الصائم.
- ذهب الجمهور، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة إلى أنَّ الحجامة لا تفطر الصائم، وصحَّ هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، والحسين بن علي -رضي الله عنهم-، وجاء عن ابن مسعود، وأم سلمة، وفيهما ضعفٌ.
وقال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي في «البخاري»، وهو المذكور في الكتاب.
٢) حديث أنس -رضي الله عنه- عند البخاري (١٩٤٠)، أنَّ ثابتًا البناني قال: سُئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. ولفظه عند أبي داود (٢٣٧٥): ما كُنَّا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد.
٣) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحجامة، والمواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه.
٤) ما أخرجه النسائي في «الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: أرخص النبي – ﷺ – في الحجامة للصائم. وإسناده ظاهره الصحة؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وقد رجَّح وقفه أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم.
٤) حديث أنس: «أول ما كُرهت الحجامة للصائم»، وهو المذكور في الباب، وقد تقدَّم أنه ضعيفٌ.
استدلوا بالقياس على الفصد، والرُّعاف، وقد ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج.
وهذا المذهب رجَّحه البخاري في «صحيحه»، وابن حزم في «المحلَّى»، وهو ترجيح الإمام الألباني -رحمه الله-.
- وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يفطر الحاجم، والمحجوم، وعليهما القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومن الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وقد جاء عن علي -رضي الله عنه-، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١٠)، من طريق: الحسن عنه، وهو منقطعٌ، وجاء عن عائشة -رضي الله عنها- عند ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه ضعف.
- وقد شذَّ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، ولا دليل على ذلك. واستدل هؤلاء
بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم».
وأوردوا على القول الأول ما يلي:
١) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أعلَّه الإمام أحمد وغيره كما تقدم.
١) أجاب ابن خزيمة بما حاصله: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان مُحرمًا، والمحرم يكون مسافرًا، والمسافر يجوز له أن يُفطِرَ، سواء بالأكل، أو بالشرب، أو الحجامة، فليس في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ما يمنع الإفطار.
٢) أنَّ حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مُبْقِي على الأصل، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقلٌ عن الأصل، والناقل مُقَدَّمٌ على المبْقِي.
والصحيح هو القول الأول، وهو قول الجمهور.
وأما قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم»، فقد أُجِيبَ عنه بأجوبة منها:
١) ما ذكره الشافعي في «الأم»، وتبعه عليه الخطابي، والبيهقي، وسائر الشافعية من أنَّ هذا الحديث منسوخٌ بحديث ابن عباس، وغيره مما ذكرنا.
قالوا: ويدل على النسخ أنَّ ابن عباس لم يصحب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُحرِمًا إلا في حجة الوداع، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان يوم الفتح كما جاء في بعض ألفاظه.
ويؤيده حديث أبي سعيد، وحديث أنس الَّلذان تقدم ذكرهما في أدلة المذهب الأول.
وقد اعتمد على هذا الجواب ابن حزم، ثم الشيخ الألباني رحمهما الله، مُعْتَمِدَيْنِ على حديث أبي سعيد، وحديث أنس -رضي الله عنهما-.
وَيَرِدُ على هذا الجواب: أنَّ الرَّاجح في حديث ابن عباس أنهما قضيتان (احتجم وهو محرمٌ) (احتجم وهو صائمٌ)، وجمع بينهما بعض الرُّواة كما في «البخاري»، قرر ذلك الحافظ في «التلخيص».
وحديث أبي سعيد، وأنس مُعَلَّان كما تقدم، فيبقى هذا الجواب احتمالًا، وهو أقوى الأجوبة، والله أعلم.
٢) ما أجاب به الشافعي أيضًا، وتبعه الخطابي، وبعض الشافعية من أنَّ المراد بحديث: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أنهما كانا يغتابان في صومهما، كما جاء في بعض طرق الحديث (^١)، وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم حال الخطبة: (لا جمعة لك)، أي: ليس لك أجرها، وإلا فهي صحيحة مُجزئةٌ عنه.
لكن لم يصح في الحديث أنهما كانا يغتابان، فيبقى هذا الجواب احتمالًا فقط.
٣) ما أجاب به الخطابي، والبغوي رحمة الله عليهما، أنَّ معناه: (تَعَرَّضَا للإفطار)، أما الحاجم؛ فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم؛ فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر.
وإلى هذا القول أشار الشوكاني -رحمه الله-، وسيأتي كلامه.
٤) ما ذكره الخطابي -رحمه الله- أيضًا أنه مرَّ بهما قريب المغرب، فقال: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أي: حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل، إذا دخل في وقت المساء، أو قاربه.
٥) أنه تغليظٌ ودعاءٌ عليهما؛ لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما.
٦) أنَّ حديث ابن عباس أصح، ويعضده القياس؛ فوجب تقديمه، أجاب بهذا الشافعي.
وأقوى هذه الأجوبة الأول، ثم الثالث.
وأما ما أوردوه على الجمهور، فالجواب عنه كما يلي:
١) إعلال الإمام أحمد لذكر الصيام فيه قد عارضه في ذلك الإمام البخاري، وصحح ذكر الصيام في الحديث.
وقد بيَّنَ الحافظ أنهما قضيتان:
الأولى: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو محرمٌ، وهذا الحديث متفق على صحته.
الثانية: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو صائمٌ، فجاء بعض الرواة فجمع بينهما، ومن هنا حصل الإشكال؛ لكون أكثر الرواة يروونه بلفظ: «وهو محرمٌ» فقط.
٢) قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بعد أن ذكر كلام ابن خزيمة: وتعقب بأنَّ
هذا الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة؛ فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائمٌ لم يتحلل من صومه واستمر.
وقال الخطابي -رحمه الله- في «معالم السنن»: وهذا تأويلٌ باطلٌ؛ لأنه قال: احتجم وهو صائمٌ. فأثبت له الصيام مع الحجامة ولو بطل صومه بها لقال: أفطر بالحجامة.
قال النووي -رحمه الله-: قلت: ولأنَّ السابق إلى الفهم من قول ابن عباس «احتجم وهو صائمٌ» الإخبار بأنَّ الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ
٣) أنَّ هذا الترجيح لا يُرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يُعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم.
ونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وما أحسن ما قاله الشوكاني -رحمه الله- بعد أن ذكر الخلاف: فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا، وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ، وَلَا تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعَفُ بِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» عَلَى المَجَازِ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ. اهـ. (^١)
[فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام، ط٤، ج٤، ص٣٢٦-٣٣١]
نقولات أهل العلم :
جاء في الأصل لمحمد بن الحسن:
قلت أرأيت الصائم يحتجم قال نعم لا يضره ذلك قلت أفتكره له أن يحتجم قال إن خاف أن يضعفه فأحب إلي أن لا يفعل قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يحتجم الصائم ثم أنه رخص فيه بعد ذلك واحتجم وهو صائم محرم
[الأصل لمحمد بن الحسن 2/ 238]
جاء في مسائل الإمام أحمد:
سُئِلَ عَن الصَّائِم يحتجم
677 – حَدثنَا قَالَ سَأَلت أبي عَن الصَّائِم يحتجم فِي رَمَضَان
فَقَالَ يفْطر
678 – حَدثنَا قَالَ سَمِعت أبي يَقُول فِي الْحجامَة للصَّائِم فِي السَّاق وَلَا فِي غَيره
679 – حَدثنَا قَالَ سَمِعت أبي يَقُول الصَّائِم لَا يحتجم فَإِن احْتجم أعاد يَوْمًا مَكَانَهُ فَإِن أنكره إِنْسَان يُقَال لَهُ مَا تَقول إِن تقيأ فَإِن قَالَ يُعِيد فَأمر الْحجامَة والمتقيء عَامِدًا فِي معنى وَاحِد لم يأكلا شَيْئا وإنما أخرجا
قَالَ لنا ابو عبد الرَّحْمَن وَقد احتجمت أنا وأبي فِي رَمَضَان بَعْدَمَا غَابَتْ الشَّمْس اَوْ أذن بِصَلَاة الْمغرب
680 – حَدثنَا قَالَ سَأَلت أبي عَن الْحجامَة للصَّائِم
قَالَ إذا احْتجم فِي رَمَضَان فقد أفطر يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ
قلت لأبي فَإِن صَامَ تَطَوّعا
قَالَ قد أفطر إِن قضي لم يضرّهُ وأرجوا أَن لَا يلْزمه
681 – حَدثنَا قَالَ سَأَلت أبي عَن الصَّائِم يحتجم فِي رَمَضَان
قَالَ لَا يحتجم فِي رَمَضَان
682 – حَدثنَا قَالَ سَأَلت ابي عَن الرجل يحتجم فِي رَمَضَان
قَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ إِلَّا أَن عَطاء يَقُول عَلَيْهِ كَفَّارَة
حَدثنَا قَالَ حَدثنِي أبي حَدثنَا حسن بن مُوسَى قَالَ حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى بن ابي كثير قَالَ اخبرني ابو قلَابَة الْجرْمِي انه اخبر ان شَدَّاد بن أوس بَيْنَمَا هُوَ يمشي مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي البقيع مر على رجل يحتجم بعد مَا مضى من رَمَضَان ثَمَان عشرَة لَيْلَة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم
حَدثنَا قَالَ سَمِعت أبي يَقُول هَذَا من أصح حَدِيث يرْوى عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي إفطار الحاجم والمحجوم لأن شَيبَان جمع الْحَدِيثين جَمِيعًا يَعْنِي حَدِيث ثَوْبَان وَحَدِيث شَدَّاد بن أوس قَالَ قلت لأبي إن شَيبَان لم يسند حَدِيث شَدَّاد يَعْنِي ترك من إسناده رجلا قَالَ أبي هُوَ وإن لم يسْندهُ فقد صحّح الْحَدِيثين حِين جَمعهمَا
683 – حَدثنَا قَالَ حَدثنَا خلف بن هِشَام حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن ايوب عَن نَافِع ان ابْن عمر كَانَ يحتجم وَهُوَ صَائِم قَالَ فَبَلغهُ حَدِيث أوس فَكَانَ اذا كَانَ صَائِما احْتجم بِاللَّيْلِ
حَدثنَا قَالَ حَدثنِي ابي حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن رجل عَن أبي بُرَيْدَة أنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم
[مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص181]
يقصد بحديث القيء
روى الترمذي (٧٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ – أي: غلبه- فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ) صححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال الطحاوي:
بَابُ الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ
3416 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ ، عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَحْتَجِمُ لَيْلًا فَقُلْتُ: لَوْلَا كَانَ هَذَا نَهَارًا فَقَالَ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهْرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِمٌ. وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»
… قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّهُمَا أَفْطَرَا بِمَعْنًى آخَرَ وَصَفَهُمَا بِمَا كَانَا يَفْعَلَانِهِ حِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ فَسَقَ الْقَائِمُ لَيْسَ إِنَّهُ فَسَقَ بِقِيَامِهِ وَلَكِنَّهُ فَسَقَ بِمَعْنًى غَيْرِ الْقِيَامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْمَعْنَى
3428 – حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا الْوُحَاظِيُّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ «لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ»
وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْنًى صَحِيحٌ وَلَيْسَ إِفْطَارُهُمَا ذَلِكَ كَالْإِفْطَارِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَلَكِنَّهُ حَبِطَ أَجْرُهُمَا بِاغْتِيَابِهِمَا فَصَارَا بِذَلِكَ مُفْطِرَيْنِ لَا أَنَّهُ إِفْطَارٌ يُوجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ وَهَذَا كَمَا قِيلَ: الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ لَيْسَ يُرَادُ بِهِ الْفِطْرُ الَّذِي يُوجِبُ الْقَضَاءَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حُبُوطِ الْأَجْرِ بِذَلِكَ كَمَا يُحْبَطُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَهَذَا نَظَرُ مَا حَمَلْنَاهُ نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ مَعْنًى آخَرَ
3429 – عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ” إِنَّمَا كَرِهْنَا أَوْ كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ
3430 – عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ هَلْ كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ
3431 – عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الْحِجَامَةِ ، لِلصَّائِمِ فَقَالَ: ” مَا كُنْتُ أَرَى الْحِجَامَةَ تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ إِلَّا مِنَ الْجَهْدِ
3433 – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: ” إِنَّمَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ مَخَافَةَ الضَّعْفِ
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ أَجْلِهِ الْحِجَامَةُ فِي الصِّيَامِ هُوَ الضَّعْفُ الَّذِي يُصِيبُ الصَّائِمَ فَيُفْطِرُ مِنْ أَجْلِهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ
ثم ذكر أحاديث احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم
[شرح معاني الآثار – ط مصر 2/ 98]
قال الخطابي:
اختلف الناس في تأويل هذا الحديث…. وقد تأول حديث ابن عباس من ذهب إلى أن الحجامة تفطر الصائم، فقال إنما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم صائما محرما وهو مسافر لأنا لا نعلمه كان محرما وهو مقيم وللمسافر أن يفطر على ما شاء من طعام وجماع وحجامة وغيرها.
قلت وهذا التأويل غير صحيح لأنه قد أثبته حين احتجم صائما ولو كان يفسد صومه بالحجامة لكان يقال أنه أفطر بالحجامة كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وبأكل التمر وما أشبههما ولا يقال شرب ماء صائماً ولا أكل تمراً وهو صائم.
[معالم السنن 2/ 110]
قال ابن قدامة:
الفصل الثاني، أنَّ الحِجَامَةَ يُفْطِرُ بها الحاجِمُ والمَحْجُومُ. وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، ومحمدُ [بن إسحاقَ] (6) بن خُزَيْمَةَ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وعبدِ الرحمنِ ابن مَهْدِيٍّ. وكان الحسنُ، ومَسْرُوقٌ، وابنُ سِيرِينَ، لا يَرَوْنَ لِلصَّائِم أن يَحْتَجِمَ. وكان جَماعَةٌ من الصَّحابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا في الصَّوْمِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وأنَسُ [بنُ مالك] (7)، ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وابنُ مسعودٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، …. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ” (9). رَوَاهُ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قال أحمدُ: حَدِيثُ شَدَّادِ بن أوْسٍ مِن أصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، وإسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وقال: حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبَانَ صَحِيحانِ، وعن عَلِيِّ بن الْمَدِينِيِّ، أنَّه قال: أصَحُّ شىءٍ في هذا البابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبانَ. وحَدِيثُهُم مَنْسُوخٌ بحَدِيثِنَا، بِدَلِيلِ ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالقَاحةِ (10) بقَرْنٍ ونَابٍ، وهو مُحْرِمٌ صَائِمٌ، فوَجَدَ لذلك ضَعْفًا شَدِيدًا، فنَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ. رَوَاهُ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيّ في “المُتَرْجَمِ” (11)، وعن الحَكَمِ، قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو صَائِمٌ فضَعُف، ثم كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ. وكان ابنُ عَبّاسٍ، وهو رَاوِى حَدِيثِهم، يُعِدُّ الحَجَّامَ والمَحَاجِمَ، فإذا غَابَتِ الشَّمْسُ احْتَجَمَ باللَّيْلِ. كذلك رَوَاهُ الجُوزَجَانِيّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه عَلِمَ نَسْخَ الحَدِيثِ الذى رَوَاهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فأفْطَرَ، كما رُوِىَ عنه عليه السلام أنَّه قَاءَ فأفْطَرَ (12). فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَي الحاجِمَ والمُحْتَجِمَ يغْتَابَانِ، فقالَ ذلك، قُلْنا: لم تَثْبُتْ صِحَّةُ هذه الرِّوَايَةِ، مع أنَّ اللَّفْظَ أعَمُّ من السَّبَبِ، فَيجِبُ الأخْذُ (13) بعُمُومِ اللَّفْظِ [دونَ خُصوصِ] (14) السَّبَبِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنَا الحَدِيثَ الذى فيه بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِّ عن الحِجَامَةِ، وهى الخَوْفُ من الضَّعْفِ، فيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِسِوَاهُ (15)، أو يكونُ كُلُّ واحِدٍ منهما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. على أنَّ الغِيبَةَ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا، فلا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ على ما يُخَالِفُ الإجْماعَ. قال أحمدُ: لأنْ يكونَ الحَدِيثُ كما جاء عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم: “أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ” (16) أحَبُّ إلينا من أن يكونَ من الغِيبَةِ؛ لأنَّ من أرَادَ أن يَمْتَنِعَ من الحِجامَةِ امْتَنَعَ، وهذا أشَدُّ على الناسِ، مَن يَسْلَمُ من الغِيبَةِ! فإن قيل: فإذا كانت عِلَّةُ النَّهْي ضَعْفَ الصَّائِمِ بها فلا يَقْتَضِي ذلك الفِطْرَ، وإنَّما يَقْتَضِي الكَرَاهَةَ، ومَعْنَى قوله: “أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ” أى قَرُبَا من الفِطْرِ. قُلْنا: هذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، على أنَّه لا يَصِحُّ ذلك في حَقِّ الحاجِمِ، فإنَّه لا ضَعْفَ فيه .
[المغني لابن قدامة 4/ 350]
قال العباد:
ثم أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في الصائم يحتجم أي: للصائم هل يحتجم أو لا يحتجم؟ ووردت الأحاديث في ذلك في الإفطار بها وفي فعلها، وأحاديث الإفطار بها هي الأرجح والأولى، والأخذ بها هو الأولى؛ لأن أحاديث الإفطار صريحة وواضحة في الإفطار، وأما الأحاديث الأخرى فهي محتملة.
ثم أيضاً هي باقية على الأصل وأحاديث الإفطار ناقلة عن الأصل كما قال ذلك ابن القيم رحمه الله، والناقل أولى من المبقي على الأصل.
أورد أبو داود حديث ثوبان؛ لأنه بدأ بأحاديث الإفطار كونها تفطر، فأورد حديث ثوبان وهو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) يعني: حيث حجم أو حصلت الحجامة في النهار وفي حال الصيام فإن الحاجم والمحجوم كل منهما قد أفطر، المحجوم لكونه خرج منه ذلك الدم الذي يكون سبباً في ضعفه، والحاجم: لأنهم كانوا فيما مضى يمصون المحجم بأفواههم، فقد يدخل بسبب هذا المص شيء من الدم إلى حلقه، وهو إن لم يكن متحققاً إلا أنه مظنة؛ ولهذا جاء أن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه مظنة النقض، أي: مظنة أن يخرج منه ريح وهو نائم لا يدري عنها، وكذلك المص مظنة.
أما إذا كانت الحجامة بدون مص فإنه يفطر المحجوم دون الحاجم، كما حصل اليوم فيما بعد من وجود حجامة بدون أن يمص المحاجم، ويصل إلى جوفه شيء، فليس هناك شيء يتعلق به من حيث كونه مظنة الإفطار، وإنما الذي حصلت له الحجامة هو المحجوم، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) أي: على ما كان معهوداً عندهم من أن الحاجم يمص المحاجم بفمه، وأن ذلك مظنة دخول شيء إلى جوفه من الدم الذي في المحاجم.
[شرح سنن أبي داود للعباد 274/ 3 بترقيم الشاملة آليا]
قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى :
ومن القواعد المقررة أن الفعل لا يعارض القول، فإذا تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع السليمة
وجب تقديم القول، لأن الفعل يحتمل أن يكون لسبب يعارض عموم القول لم نعلم به، لاسيما الفعل عن النبي ﷺ فإنه قد يكون خاصا به، والحجامة للصائم قد يكون جوازها وعدم الفطر بها خاصا بالنبي ﷺ، لأن علة الإفطار بها الضعف الحاصل بخروج الدم من البدن، فيحتاج البدن إلى التعويض عنه بالأكل، وهذه العلة قد تكون منتفية في حق النبي ﷺ كما انتفت في حقه علة النهي عن الوصال في الصوم، فإن استقام هذا التخصيص صارت الحجامة مفطرة في حق غير النبي ﷺ غير مفطرة في حقه وزال الإشكال.
وإن لم يستقم ذلك فجمهور العلماء على أن الحجامة لا تفطر احتجاجا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي في صحيح البخاري أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، لأنه أقوى من حديث شداد: أفطر الحاجم والمحجوم، قال الشافعي: (حديث ابن عباس أمثلهما إسنادا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطا، والقياس مع حديث ابن عباس، والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة) ذكره في مختلف الحديث، نقله عنه في فتح الباري (ص ٧٧١ ج ٤) المطبعة السلفية، وذكر في مختصر المزني (ص ٠٣٥) المطبوع في آخر كتاب الأم: والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وعامة المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة. اه وأجابوا عن حديث شداد على تقدير صحته بأن معناه: أن الحاجم والمحجوم متعرضان للفطر، لما يلحق
الحاجم من احتمال دخول الدم إلى جوفه عند مص القارورة، وما يلحق للمحجوم من احتمال الضعف الذي لا يتمكن معه من إتمام الصوم، وإما بأنه منسوخ ولكن كل ما ذكروا قد أجاب عنه ابن القيم في تهذيب السنن (ص ٣٤٢ ٨٥٢) فأجاد وأفاد، وصحح أن الحجامة تفطر الصائم الحاجم والمحجوم.
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٩/٢٤٣
—————
١٥١ – مسألة في أخذ الدم للتحاليل من الصائم
س: يسأل عن حكم الدم الذي يؤخذ من الوريد للتحاليل، وهل هناك كمية محدودة لا يجوز للصائم تجاوزها (١)؟
(١) السؤال السابع من الشريط رقم (٨٦)
قال ابن باز:
ج: لا أعلم شيئًا محددًا، وليس هذا من جنس الحجامة، الحجامة جاء بها النص فيقتصر عليه، وقد اختلف العلماء فيها، حتى قال أكثر أهل العلم: إنها لا تفطر. وقال بعضهم: إن الحديث منسوخ. والأظهر أن الحجامة تفطر، وأنها غير منسوخة؛ لقوله ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم» لكن لا يقاس عليها التحليل، التحليل شيء يسير، يؤخذ عند الحاجة فلا بأس به إن شاء الله، ولا يفطر الصائم قَلَّتِ الكمية أو كثرت؛ لأن الغالب عليها القلة.
فتاوى نور على الدرب لابن باز – بعناية الشويعر
[[ ٢٤٥/١٦-٢٤٦ ]]
—————–
قال ابن عثيمين:
«احتجم» بمعنى طلب من يحجمه، فإذا حجم غيره أو احتجم، وظهر دم فسد صومه، فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج منه شيء لم يفسد صومه.
وظاهر قول المؤلف: «وظهر دم» أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن….ظ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (١): إن إفطار الصائم بالحجامة له حكمة، أما المحجوم فالحكمة هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعف….
وأما الحكمة بالنسبة للحاجم، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الحاجم عادة يمص قارورة الحجامة، …
والذي يظهر لي – والعلم عند الله – أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى، فإذا حجم بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مص فلا معنى للقول بالفطر؛ لأن الأحكام الشرعية ينظر فيها إلى العلل الشرعية.
مسألة: هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، وما أشبه ذلك، كالتبرع بالدم؟
الفصد: قطع العرق، والشرط: شق العرق.
فإن شققته طولًا فهو شرط، وإن شققته عرضًا فهو فصد.
فالمذهب لا يلحق بالحجامة؛ لأن الأحكام التعبدية لا يقاس عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية «الأحكام التعبدية لا يقاس عليها»؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة، وإذا لم تكن معلومة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبدي، فلا يلحق به الفصد والشرط والإرعاف ونحوها فتكون هذه جائزة للصائم فرضًا ونفلًا.
أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن علة الفطر بالحجامة معلومة، فيقول: إن الفصد والشرط يفسدان الصوم، وكذلك لو أرعف نفسه حتى خرج الدم من أنفه، بأن تعمد ذلك ليخف رأسه، فإنه يفطر بذلك، وقوله رحمه الله أقرب إلى الصواب.
وأما مغالاة العامة بحيث إن الإنسان لو استاك وأدمت لثته قالوا: أفطر، ولو حك جلده حتى خرج الدم قالوا: أفطر، ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر، ولو رعف بدون اختياره قالوا: أفطر، فكل هذه مبالغة…
الشرح الممتع على زاد المستقنع
— ابن عثيمين [[ ٣٧٧/٦-٣٨٣ ]]