105 – فتح رب البرية بينابيع الحكمة من أقوال الأئمة
جمع طلاب علم
وتنسيق أحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
(3753): قال ابن تيمية -رحمه الله-:
وَأَمَّا فِي «بَابِ فَهْمِ الْقُرْآنِ» فَهُوَ دَائِمُ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّدَبُّرِ لِأَلْفَاظِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَإِذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَعُلُومِهِمْ عَرَضَهُ عَلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ قَبِلَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِقَبُولِ وَلَا رَدٍّ وَقَفَهُ وَهِمَّتُهُ عَاكِفَةٌ عَلَى مُرَادِ رَبِّهِ مِنْ كَلَامِهِ. وَلَا يَجْعَلُ هِمَّتَهُ فِيمَا حُجِبَ بِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ الْعُلُومِ عَنْ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ إمَّا بِالْوَسْوَسَةِ فِي خُرُوجِ حُرُوفِهِ وَتَرْقِيقِهَا وَتَفْخِيمِهَا وَإِمَالَتِهَا وَالنُّطْقِ بِالْمَدِّ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا حَائِلٌ لِلْقُلُوبِ قَاطِعٌ لَهَا عَنْ فَهْمِ مُرَادِ الرَّبِّ مِنْ كَلَامِهِ..
مجموع الفتاوى ١٦/٥٠
______
(3754): قال ابن باديس -رحمه الله-:
إستدلال واستنتاج:
في سورة الإسراء ثمان عشرة آية، جمعت أصول الهداية، من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]. الى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقد جمعت تلك الآيات كل ما ذكرنا من العقائد الحقة، والحقائق العلمية، والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة، والأخلاق الكريمة.
وسمى الله ذلك كله حكمة فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقال النبي ﷺ: «إن من الشعر حكمة» وذلك لأن من الشعر ما فيه بيان عن عقيدة حق، أو خلق كريم، أو عمل صالح، أو علم وتجربة: كشعر أمية بن أبي الصلت، الذي قال فيه النبي- صلى الله عليه وسلم «كاد أن يسلم» .
وككلمة لبيد رضي الله عنه: ألا كل شيء ما خلا الله باطل * التي قال فيها ﷺ: «أصدق كلمة قالها الشاعر» .
فالحكمة التي أمر الله نبيه- صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى سبيل ربه بها، هي البيان الجامع الواضح للعقائد بأدلتها، والحقائق ببراهينها، والأخلاق الكريمة بمحاسنها، ومقابح أضدادها، والأعمال الصالحة: من أعمال القلب واللسان والجوارح بمنافعها ومضارّ خلافها.
تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ١/٣٢٠-٣٢١ — ابن باديس، عبد الحميد (ت ١٣٥٩)
______
(3755): وكُلّما قَوِيَ طمَعُ العبدِ في فضلِ الله ورحمتهِ ورجائهِ لِقَضاءِ حاجتهِ ودفعِ ضرورَتهِ؛ قويَت عُبودِيَّتُهُ لهُ وحُرّيَّتهُ مِمّا سِواه.
ابن تيمية
مجموع الفتاوى [جـ١٠صـ١٨٤].
______
(3756): قال الشّيخ ابن عثيمين – رحمه اللّٰه تعالى – :
الشحناء تمنع بركة ليلة القدر ، وأنّه لا يغفر لاثنين بينهما شحناء وعداوة ، في هذه اللّيلة العظيمة .
[ سلسلة لقاءات الباب المفتوح (١٨) ] .
وَلۡیَعۡفُوا۟ وَلۡیَصۡفَحُوۤا۟ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ
فإن الجزاء من جنس العمل؛ فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح عنك.
[ابن كثير:٣/٢٦٧]
______
(3757): عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: اجلسوا، خالفوهم)].
أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (كان الرسول ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد) أي: وليس حتى توضع في الأرض، ومعنى ذلك: أن من تبعها يبقى قائمًا حتى توضع في اللحد.
قوله: (فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل) أي: أنهم يقومون حتى توضع في اللحد.
قوله: (فقال: اجلسوا خالفوهم) أي: أنهم جلسا بعد ذلك، وقد مر في الحديث الصحيح: (حتى توضع في الأرض) وليس في اللحد، وجاء أيضًا في حديث البراء بن عازب: (أنه كان في جنازة وكان يُلحد لها فجلس وجلسوا معه)، وذكر الحديث الطويل في قصة السؤال في القبر،
فالحاصل: أنه قد جاءت أحاديث في جواز الجلوس قبل أن يحصل الدفن، وأن الأمر لا يتقيد بوضعها في اللحد، بل يجوز بوضعها في الأرض.
شرح سنن أبي داود للعباد ٣٦٧/٤٥ — عبد المحسن العباد
______
(3758): قال سفيان الثّوري – رحمه اللّٰه تعالى – :
الدّعاء في تلك اللّيلة ” أي : ليلة القدر ” أحبّ إليّ من الصّلاة .
|[ لطائف المعارف صـ ٢٠٤ ]| .
______
(3759): رسالة ودية من فضيلة الشيخ عبدالله القصير- رحمه الله- لأحد طلبته .
الحمدلله؛ وبعد: فيا أخي المحب:
عبد الرحمن بارك الله فيك
فغالب الظن أن الليلة هي ليلة القدر وذلك لأمور منها:
١- أنها ليلة ثلاث وعشرين أولى الليالي التي أمر النبي ﷺ أن تلتمس فيها بقوله: (في سابعة تبقى).
٢- وهي التي رؤي النبي ﷺ صبيحتها وفي وجهه أثر الماء والطين.
٣- و هي كذلك الليلة التي رجَّح أئمة منهم الشافعي وغيره -رحمنا الله وإياهم- أن ليلة ثلاث وعشرين أحرى أن تكون ليلة القدر.
٤- أنها ليلة بلجة مضيئة طلقة فقبل صلاة المغرب ليس للحمرة (الشفق) أي: أثر وليس للريح أي مظهر.
٥- أنها هادية مطمئنة ففيها وفي جماعة المسجد سكون غير معتاد.
فوصيتي لنفسي وأهلي ولك ولمن نحب مزيد العناية بتلك الليلة.
فإن صارت هي فغبطة لا تعدلها غبطة وإن لم تكن هي فالأجر على قدر الحسبة فللمرء على ربه مااحتسب والله تعالى عند ظن عبده به.
محبك:
عبدالله بن صالح القصير
٢٢ رمضان ١٤٤٢هـ
______
(3760): قال ابن القيم -رحمه الله-:
والله سبحانه كُلَّما سألته كنت أقربَ إليه وأحبَّ إليه، وكلما ألْحَحْتَ عليه في الدعاء أحبَّك.
جلاء الأفهام – ط عطاءات العلم ١/٣٤٤ — ابن القيم (ت ٧٥١)
______
(3761): [تنبيه]: ذكر في «الفتح» عن ابن أبي حاتم رحمه الله أنه قال في «كتاب الرَّدِّ على الجهمية»: وجدت في كتاب أبي عمر نُعيم بن حماد، قال: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق. انتهى.
وأشار بذلك إلى الرَّدِّ على من زعم أن الله يخلُق كلامًا، فيسمعه من شاء بأن الوقت الّذي يقول فيه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ لا يبقى حينئذ مخلوق حيًّا، فيجيب نفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فثبت أنه يتكلم بذلك، وكلامه صفة من صفات ذاته *فهو غير* مخلوق.
مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه ٤/١٢٥ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢)
______
(3762): قال الشيخ العثيمين رحمه الله:
إذا كان التجار لا ينامون حتى يراجعوا دفاتر تجارتهم ماذا صرفوا وماذا أنفقوا وماذا كسبوا فإن تجار الآخرة ينبغي أن يكونوا أشد اهتماما لأن تجارتهم أعظم من تجارة أهل الدنيا.
[لقاء الباب المفتوح 79/5]
______
(3763): قال ابن مفلح رحمه الله:
فإذا أوقعَ اللهُ سُبحانهُ الوحشَة بينكَ وبينَ الخَلق؛ فإنما يَصرِفُكَ إليه، ويندبُكَ إلى التعَلقِ به؛ فاحمَد إساءتَهُم إليك، فإنَّهم لو أحسَنوا معكَ الصَّنِيعَ لقطَعوكَ عنه؛ لأنَّك ابنُ لُقمَةٍ وابنُ كلمةٍ طَيِّبةٍ، أدنى شيءٍ يقتَطِعُكَ إليهم.
الآداب الشرعية [٣/ ٥٥٦]
______
(3764): كم من ورد أضعناه بلا ندم !
قال أبوداود- رحمه الله-:
«دخلت على كرز الحارثي فوجدته يبكي، فقلت مايبكيك؟
قال: لم أقرأ البارحة حزبي من القرآن
وما أظنه إلا بذنب فعلته.»
[ الحلية | ٥ – ٧٩ ]
______
(3765): يَقُولُ الْفُضَيْلَ: «حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو وَلَا أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو وَلَا يَسْهُوُ مَعَ مَنْ يَسْهُو وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَى الْخَلْقِ حَاجَةٌ لَا إِلَى الْخُلَفَاءِ، فَمَنْ دُونَهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَوَايِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ»
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء – ط السعادة ٨/٩٢ — أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠)
______
(3766): قَالَ حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ: مَا أَصْبَحْتُ وَلَيْسَ بِبَابِي صَاحِبُ حَاجَةٍ، إِلاَّ عَلِمْتُ أَنَّهَا مِنَ المَصَائِبِ الَّتِي أَسْأَلُ اللهَ الأَجْرَ عَلَيْهَا
سير أعلام النبلاء – ط الرسالة ٣/٥١ — شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨)
______
(3768): يقول ابن القيم: فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدين من الفلسفة؟! وأين كلام رب العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين؟! وأين المعقولات المؤيدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سيناء وأتباع هؤلاء ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟! وأين العلم المأخوذ عن الوحي النازل من عند رب العالمين من الشبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين؟! فإن أدلوا بالعقل فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء وإن أدلوا برؤسائهم وأئمتهم كفرعون ونمرود وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم فلم يزل أعداء الرسل يعارضونهم فهؤلاء وأمثالهم يقدمون عقولهم على ما جاءوا به. ويالله العجب كيف يعرض قول الرسول بقول الفيلسوف، وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل أن تتبع الفيلسوف، فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه، والوحي حاكم والعقل محكوم عليه، ولو كان العقل يكتفي به لم يكن للوحي فائدة… انتهى .
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة – ط العاصمة ٣/٨١٦-٨١٧
______
(3769): عن الحسن البصري رحمه الله قال: «إِنْ كَانَ الرَّجُلَ لَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ جَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ فَقِهَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصَلِّي الصَّلاَةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ الزُّوَّرُ وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ ، وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدُرُونَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي سِرٍّ فَيَكُونَ عَلاَنِيَةً أَبَدًا ، وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ ، إِنْ كَانَ إِلاَّ هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»
الزهد لابن المبارك (140).
______
(3770): قَالَ ابنُ حَزم رَحِمهُ الله:
«لَم أجِدَ سَبِيلًا لِـطَردِ الهَمَّ عَن نَفسِي إلا فِي التَّوجُهِ إلى اللهِ عَزَّ وَجَل بِالعَمَلِ للآخِرة».
[«الأخلاقُ والسِّير»(٨٨)]]
______
(3771): قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى(١٦/٥٢٩):
لو خالف العبدُ جميع الخلق واتَّبَعَ الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد.
______
(3772): قال عطاء بن أبي رباح رحمهُ الله: «لا يسمع سُورة يوسف محزونٌ إلا استرَاح إليها» | تفسير البغوي
______
(3773): سَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَسُبُّ الْحَجَّاجَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَهْ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّكَ لَوْ قَدْ وَافَيْتَ الْآخِرَةَ كَانَ أَصْغَرُ ذَنْبٍ عَمِلْتَهُ قَطُّ أَعْظَمَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ عَمَلَهُ الْحَجَّاجُ وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ إِنْ أَخَذَ مِنَ الْحَجَّاجِ لِمَنْ ظَلَمَهُ فَسَوْفَ يَأْخُذُ لِلْحَجَّاجِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ فَلَا تَشْغِلَنَّ نَفْسَكَ بِسَبِّ أَحَدٍ»
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء – ط السعادة ٢/٢٧٠ — أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠)
______
(3774): قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
” قوله (إنه حديث عهد بربه) يعني: قريب عهد بالله عز وجل لماذا؟ لأنه خلق الآن فهو حديث عهد بربه، ولاحظ أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- …، وهذه العلة لازمة وليست متعدية، بمعنى: أنه لا يشرع أن كل شيء يخلقه الله من جديد نمسه بأبشارنا؛ يعني: لو أن الإنسان يقول: إذا نبت الزرع أول ما ينبت هل يسن لي أن أحسر عن ثوبي وأمس هذا الزرع الأخضر مثلًا؟ لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله، فتكون هذه العلة قاصرة على معلولها لا نتعدى لغيره، ودليل ذلك التتبع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل هذا” انتهى باختصار يسير من “فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام” (2/ 458).
______
(3775): قال الله تعالى:-
﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ [البقرة ٢٠٦].
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:-
من فوائد الآية الكريمة : التحذير من رد الناصحين ، لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين ، فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين ، والواجب على المرء إذا قيل له اتق الله ، أن يقول: سمعنا وأطعنا ، مهما كان الذي أمره بتقوى الله؛ يقول :سمعنا وأطعنا، ما هو لهذا الرجل ، ولكنه تعظيماً لتقوى الله عز وجل ..
تفسير سورة البقرة ٤٩/ب..
______
(3776): ٨٧- س: – قول من قال: تجب الثقة بالنفس؟
ج: لا تجب ولا تجوز الثقة بالنفس. في الحديث: «وَلاَ تَكِلْني إلى نَفْسِيْ طرْفَةَ عَيْن»، من يقوله؟! أَخشى أَن هذه غلطة منك؟! لا أَظن أَن انسانًا له عقل يقول ذلك، فضلًا عن العلم. … (تقرير الحموية) .
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ١/١٧٠ — محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت ١٣٨٩)
______
(3777): قال ابن القيم -رحمه الله-:
منصب الخُلَّة منْصبٌ *لا* يقبل المزاحمَة بغير المحبوب، وأخْذُ الولد شعبةٌ من شعاب القلب. غار الحبيبُ على خليله أن يُسْكِنَ غيرَهُ في شُعْبة من شِعَاب قلبه فأمره في بذبحه، فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة، وخَلَصتِ المحبَّةُ لأهلها، فجاءته البشرى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.
ليس المراد أن يُعَذَّب، ولكن يُبْتلى ليُهَذَّبَ.
بدائع الفوائد – ط الكتاب العربي ٣/٢٢٣
______
(3778): والمشروع للمسلم إذا سمع الفائدة أن يبلغها غيره، وهكذا المسلمة تبلغ غيرها ما سمعت من العلم لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: « بلغوا عني ولو آية »، وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب الناس يقول: « ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ».
الإمام ابن باز/مجموع الفتاوى٤/ ٥٤.
______
(3779): قال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
إبراهيم عليه السلام كما في هذه الآية خاف الشرك، وخاف عبادة الأصنام، فدعا الله بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ – رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ – ٣٦]
قال إبراهيم التيمي رحمه الله وهو من سادات التابعين لما تلا هذه الآية قال: [ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!!]
الدر المنثور (٥ / ٤٦)
وهو الذي حقق التوحيد، وهو الذي وُصِفَ بما وُصِفَ به، وهو الذي كسَّر الأصنام بيده يخاف من الفتنة بها فمن يأمن البلاء بعده؟!
التمهيد لشرح كتاب التوحيد ١/٥٠
______
(3780): قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«ومن العجيب أن الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة [أي في الصلاة بدلا من النظر إلى موضع السجود] علل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، فمن أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ لأن إثبات أي عبادة لا أصل لها من الشرع فهو بدعة»
انتهى من «الشرح الممتع» (٣/٤١) .
______
(3781): *علامات ليلة القدر*
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
ﻭﻗﺪ ﺭﻭﻱ ﻓﻲ ﻋﻼﻣﺎﺗﻬﺎ *:«ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺑﻠﺠﺔ ﻣﻨﻴﺮﺓ»* ﻭﻫﻲ ﺳﺎﻛﻨﺔ ﻻ ﻗﻮﻳﺔ اﻟﺤﺮ ، ﻭﻻ ﻗﻮﻳﺔ اﻟﺒﺮﺩ ، ﻭﻗﺪ ﻳﻜﺸﻔﻬﺎ اﻟﻠﻪ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺎﻡ ، ﺃﻭ اﻟﻴﻘﻈﺔ . ﻓﻴﺮﻯ ﺃﻧﻮاﺭﻫﺎ ، ﺃﻭ ﻳﺮﻯ ﻣﻦ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻪ ﻫﺬﻩ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﻘﺪﺭ ، ﻭﻗﺪ ﻳﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ ﻣﺎ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﺑﻪ اﻷﻣﺮ .
الفتاوى الكبرى (٤٧٦/٢)
______
(3782): *وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الصَّلَاة الَّتِي تقر بهَا الْعين ويستريح بهَا الْقلب هِيَ الَّتِي تجمع سِتَّة مشَاهد*
المشهد الأول الْإِخْلَاص وَهُوَ أَن يكون الْحَامِل عَلَيْهَا والداعي إِلَيْهَا رَغْبَة العَبْد فِي الله ومحبته لَهُ وَطلب مرضاته والقرب مِنْهُ والتودد إِلَيْهِ وامتثال أمره بِحَيْثُ لَا يكون الْبَاعِث لَهُ عَلَيْهَا حظا من حظوظ الدُّنْيَا أَلْبَتَّة بل يَأْتِي بهَا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى محبَّة لَهُ وخوفا من عَذَابه ورجاء لمغفرته وثوابه
المشهد الثَّانِي مشْهد الصدْق والنصح وَهُوَ أَن يفرغ قلبه لله فِيهَا ويستفرغ جهده فِي إقباله فِيهَا على الله وَجمع قلبه عَلَيْهَا وإيقاعها على أحسن الْوُجُوه وأكملها ظَاهرا وَبَاطنا فَإِن الصَّلَاة لَهَا ظَاهر وباطن
٣٤
فظاهرها الْأَفْعَال الْمُشَاهدَة والأقوال المسموعة وباطنها الْخُشُوع والمراقبة وتفريغ الْقلب لله والإقبال بكليته على الله فِيهَا بِحَيْثُ لَا يلْتَفت قلبه عَنهُ إِلَى غَيره فَهَذَا بِمَنْزِلَة الرّوح لَهَا وَالْأَفْعَال بِمَنْزِلَة الْبدن فَإِذا خلت من الرّوح كَانَت كبدن لَا روح فِيهِ أَفلا يستحي العَبْد أَن يواجه سَيّده بِمثل ذَلِك وَلِهَذَا تلف كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق وَيضْرب بهَا وَجه صَاحبهَا وَتقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني
وَالصَّلَاة الَّتِي كمل ظَاهرهَا وباطنها تصعد وَلها نور وبرهان كنور الشَّمْس حَتَّى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها وَتقول حفظك الله كَمَا حفظتني
٣٥
فصل
المشهد الثَّالِث مشْهد الْمُتَابَعَة والاقتداء وَهُوَ أَن يحرص كل الْحِرْص على الِاقْتِدَاء فِي صلَاته بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيُصلي كَمَا كَانَ يُصَلِّي ويعرض عَمَّا أحدث النَّاس فِي الصَّلَاة من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والأوضاع الَّتِي لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ شَيْء مِنْهَا وَلَا عَن أحد من أصحابة وَلَا يقف عِنْد أَقْوَال المرخصين الَّذين يقفون مَعَ أقل مَا يَعْتَقِدُونَ وُجُوبه وَيكون غَيرهم قد نازعهم فِي ذَلِك وَأوجب مَا أسقطوه وَلَعَلَّ الْأَحَادِيث الثَّابِتَة وَالسّنة النَّبَوِيَّة من جَانِبه وَلَا يلتفتون إِلَى ذَلِك وَيَقُولُونَ نَحن مقلدون لمَذْهَب فلَان وَهَذَا لَا يخلص عِنْد الله وَلَا يكون عذرا لمن تخلف عَمَّا علمه من السّنة عِنْده فَإِن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمر بِطَاعَة رَسُوله واتباعه وَحده وَلم يَأْمر بِاتِّبَاع غَيره وَإِنَّمَا يطاع غَيره إِذا أَمر بِمَا أَمر بِهِ الرَّسُول وكل أحد سوى الرَّسُول ﷺ فمأخوذ من قَوْله ومتروك
وَقد أقسم الله سُبْحَانَهُ بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة أَنا لَا نؤمن حَتَّى نحكم الرَّسُول فِيمَا شجر بَيْننَا وننقاد لحكمه ونسلم
٣٦
تَسْلِيمًا فَلَا ينفعنا تحكيم غَيره والانقياد لَهُ وَلَا ينجينا من عَذَاب الله وَلَا يقبل منا هَذَا الْجَواب إِذا سمعنَا نداءه سُبْحَانَهُ يَوْم الْقِيَامَة ﴿مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يسألنا عَن ذَلِك ويطالبنا بِالْجَوَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم ولنسألن الْمُرْسلين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ بِي تفتنون وعني تسْأَلُون يَعْنِي الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر فَمن
٣٧
انْتَهَت إِلَيْهِ سنة رَسُول الله ﷺ وَتركهَا لقَوْل أحد من النَّاس فسيرد يَوْم الْقِيَامَة وَيعلم
فصل
المشهد الرَّابِع مشْهد الْإِحْسَان وَهُوَ مشْهد المراقبة وَهُوَ أَن يعبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ وَهَذَا المشهد إِنَّمَا ينشأ من كَمَال الْإِيمَان بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته حَتَّى كَأَنَّهُ يرى الله سُبْحَانَهُ فَوق سمواته مستويا على عَرْشه يتَكَلَّم بأَمْره وَنَهْيه وَيُدبر أَمر الخليقة فَينزل الْأَمر من عِنْده ويصعد إِلَيْهِ وَتعرض أَعمال الْعباد وأرواحهم عِنْد الموافاة عَلَيْهِ فَيشْهد ذَلِك كُله بِقَلْبِه وَيشْهد أسماءه وَصِفَاته وَيشْهد قيوما حَيا سميعا بَصيرًا عَزِيزًا حكيما آمرا ناهيا يحب وَيبغض ويرضى ويغضب وَيفْعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَهُوَ فَوق عَرْشه لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أَعمال الْعباد وَلَا أَقْوَالهم وَلَا بواطنهم بل يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور
ومشهد الْإِحْسَان أصل أَعمال الْقُلُوب كلهَا فَإِنَّهُ يُوجب الْحيَاء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سُبْحَانَهُ والذل لَهُ
٣٨
وَيقطع الوسواس وَحَدِيث … النَّفس وَيجمع الْقلب والهم على الله
فحظ العَبْد من الْقرب من الله على قدر حَظه من مقَام الْإِحْسَان وبحسبه تَتَفَاوَت الصَّلَاة حَتَّى يكون بَين صَلَاة الرجلَيْن من الْفضل كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وقيامهما وركوعهما وسجودهما وَاحِد
فصل
المشهد الْخَامِس مشْهد الْمِنَّة وَهُوَ أَن يشْهد أَن الْمِنَّة لله سُبْحَانَهُ كَونه أَقَامَهُ فِي هَذَا الْمقَام وَأَهله لَهُ ووفقه لقِيَام قلبه وبدنه فِي خدمته فلولا الله سُبْحَانَهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك كَمَا كَانَ الصَّحَابَة يحدون بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَيَقُولُونَ
٣٩
(وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا … وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا)
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جعل الْمُسلم مُسلما وَالْمُصَلي مُصَليا كَمَا قَالَ الْخَلِيل ﷺ ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾
فالمنة لله وَحده فِي أَن جعل عَبده قَائِما بِطَاعَتِهِ وَكَانَ هَذَا من أعظم نعمه عَلَيْهِ
٤٠
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وَقَالَ ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾
وَهَذَا المشهد من أعظم الْمشَاهد وأنفعها للْعَبد وَكلما كَانَ العَبْد أعظم توحيدا كَانَ حَظه من هَذَا المشهد أتم
وَفِيه من الْفَوَائِد أَنه يحول بَين الْقلب وَبَين الْعجب بِالْعَمَلِ ورؤيته فَإِنَّهُ إِذا شهد أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ المان بِهِ الْمُوفق لَهُ الْهَادِي إِلَيْهِ شغله شُهُود ذَلِك عَن رُؤْيَته والإعجاب بِهِ وَأَن يصول بِهِ على النَّاس فيرفع من قلبه فَلَا يعجب بِهِ وَمن لِسَانه فَلَا يمن بِهِ وَلَا يتكثر بِهِ وَهَذَا شَأْن الْعَمَل الْمَرْفُوع
٤١
وَمن فَوَائده أَنه يضيف الْحَمد إِلَى وليه ومستحقه فَلَا يشْهد لنَفسِهِ حمدا بل يشهده كُله لله كَمَا يشْهد النِّعْمَة كلهَا مِنْهُ وَالْفضل كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَهَذَا من تَمام التَّوْحِيد فَلَا يسْتَقرّ قدمه فِي مقَام التَّوْحِيد إِلَّا بِعلم ذَلِك وشهوده فَإِذا علمه ورسخ فِيهِ صَار لَهُ مشهدا وَإِذا صَار لِقَلْبِهِ مشهدا أثمر لَهُ من الْمحبَّة والأنس بِاللَّه والشوق إِلَى لِقَائِه والتنعم بِذكرِهِ وطاعته مَا لَا نِسْبَة بَينه وَبَين أَعلَى نعيم الدُّنْيَا أَلْبَتَّة
وَمَا للمرء خير فِي حَيَاته إِذا كَانَ قلبه عَن هَذَا مصدودا وَطَرِيق الْوُصُول إِلَيْهِ عَنهُ مسدودا بل هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ﴾
فصل
المشهد السَّادِس مشْهد التَّقْصِير وَأَن العَبْد لَو اجْتهد فِي الْقيام بِالْأَمر غَايَة الِاجْتِهَاد وبذل وَسعه
٤٢
فَهُوَ مقصر وَحقّ الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ أعظم وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَن يُقَابل بِهِ من الطَّاعَة والعبودية والخدمة فَوق ذَلِك بِكَثِير وَأَن عَظمته وجلاله سُبْحَانَهُ يَقْتَضِي من الْعُبُودِيَّة مَا يَلِيق بهَا
وَإِذا كَانَ خدم الْمُلُوك وعبيدهم يعاملونهم فِي خدمتهم بالإجلال لَهُم والتعظيم والاحترام والتوقير وَالْحيَاء والمهابة والخشية والنصح بِحَيْثُ يفرغون قُلُوبهم وجوارحهم لَهُم فمالك الْمُلُوك وَرب السَّمَوَات وَالْأَرْض أولى أَن يُعَامل بذلك بل بأضعاف ذَلِك
وَإِذا شهد العَبْد من نَفسه أَنه لم يوف ربه فِي عبوديته حَقه وَلَا قَرِيبا من حَقه علم تَقْصِيره وَلم يَسعهُ مَعَ ذَلِك غير الاسْتِغْفَار والاعتذار من تَقْصِيره وتفريطه وَعدم الْقيام بِمَا يَنْبَغِي لَهُ من حَقه وَأَنه إِلَى أَن يغْفر لَهُ الْعُبُودِيَّة وَيَعْفُو عَنهُ فِيهَا أحْوج مِنْهُ إِلَى أَن يطْلب مِنْهُ عَلَيْهَا ثَوابًا وَهُوَ لَو وفاها حَقّهَا كَمَا يَنْبَغِي لكَانَتْ مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بِمُقْتَضى الْعُبُودِيَّة فَإِن عمل العَبْد وخدمته لسَيِّده مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده ومملوكه فَلَو طلب مِنْهُ الْأُجْرَة على عمله وخدمته لعده النَّاس
٤٣
أَحمَق وأخرق هَذَا وَلَيْسَ … هُوَ عَبده وَلَا مَمْلُوكه على الْحَقِيقَة وَهُوَ عبد الله ومملوكه على الْحَقِيقَة من كل وَجه لله سُبْحَانَهُ
فعمله وخدمته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده فَإِذا أثابه عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك مُجَرّد فضل ومنة وإحسان إِلَيْهِ لَا يسْتَحقّهُ العَبْد عَلَيْهِ
وَمن هَهُنَا يفهم معنى قَول النَّبِي ﷺ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل
وَقَالَ أنس بن مَالك رضي الله عنه يخرج للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دواوين ديوَان فِيهِ حَسَنَاته وديوان فِيهِ سيئاته وديوان النعم الَّتِي أنعم الله عَلَيْهِ بهَا فَيَقُول الرب تَعَالَى لنعمه خذي حَقك من حَسَنَات عَبدِي فَيقوم أصغرها فتستنفذ حَسَنَاته ثمَّ تَقول وَعزَّتك مَا استوفيت حَقي
٤٤
بعد فَإِذا أَرَادَ الله أَن يرحم عَبده وهبه نعمه عَلَيْهِ وَغفر لَهُ سيئاته وضاعف لَهُ حَسَنَاته وَهَذَا ثَابت عَن أنس وَهُوَ أدل شَيْء على كَمَال علم الصَّحَابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَمَا أَنهم أعلم الْأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته وَدينه فَإِن فِي هَذَا الْأَثر من الْعلم والمعرفة مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا أولو البصائر العارفون بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَحقه وَمن هُنَا يفهم قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْإِمَام أَحْمد من حَدِيث زيد بن ثَابت وَحُذَيْفَة وَغَيرهمَا إِن الله لَو عذب
٤٥
أهل سمواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم
رسالة ابن القيم لأحد إخوانه ص34-46
______
(3783): *الحذر من التفريط في جماعة صلاة الظهر في رمضان بسبب التراويح والقيام*
عن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علي بيتي *عمر بن الخطاب* فوجد عندي رجلين نائمين، فقال: وما شأن هذين ما شهدا معنا الصلاة؟ قلت: يا أمير المؤمنين، *صليا مع الناس – وكان ذلك في رمضان – فلم يزالا يصليان حتى أصبحا* وصليا الصبح، وناما،
فقال عمر: *لأن أصلي الصبح في جماعة أحب إلي من أن أصلي ليلة حتى أصبح.*
رواه الحافظ عبد الرزاق في مصنفه برقم (2077)
______
(3784): ﴿ادعوا رَبَّكُم تَضَرُّعًا وَخُفيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعتَدينَ﴾ [الأعراف: 55]
الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة، فأمر بدعائه ﴿تضرعًا﴾؛ أي: إلحاحًا في المسألة ودؤوبًا في العبادة، ﴿وخُفية﴾؛ أي: لا جهرًا وعلانيةً يُخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصًا لله تعالى. ﴿إنه لا يحبُّ المعتدين﴾؛ أي: المتجاوزين للحدِّ في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء؛ فكلُّ هذا داخل في الاعتداء المنهيِّ عنه.
– تفسير السعدي
______
(3785): ﴿وَخُذ بِيَدِكَ ضِغثًا فَاضرِب بِهِ وَلا تَحنَث إِنّا وَجَدناهُ صابِرًا نِعمَ العَبدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ [ص: 44]
قال السعدي:
﴿إنا وجَدْناه﴾؛ أي: أيوب ﴿صابرًا﴾؛ أي: ابتليناه بالضُّرِّ العظيم فصبر لوجه الله تعالى. ﴿نعم العبدُ﴾: الذي كَمَّلَ مراتبَ العبوديَّة في حال السرَّاءِ والضرَّاءِ والشدَّة والرَّخاء، ﴿إنَّه أوابٌ﴾؛ أي: كثير الرجوع إلى الله في مطالبه الدينيَّة والدنيويَّة، كثير الذِّكْرِ لربِّه والدعاء والمحبة والتألُّه.