(43 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٧) – (بَابُ: بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ).
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٣] (٤٣) – (حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيه، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْر، بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»).
[١٧٤] (…) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجعَ في الْكُفْر، بَعْدَ أَنْ أنقَذَهُ اللهُ مِنْهُ»).
[١٧٥] (…) – (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ أَنْ يَرْجعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٧) – (بَابُ: بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٣] (٤٣) الحديث
شرح الحديث:
(بِهِنَّ حَلَاوَةَ الايمَانِ) قيل [علق الإتيوبي في حاشية البحر المحيط الثجاج: “إنما عبّرت بـ «قيل» إشارة إلى ضعف هذا التفسير للحلاوة؛ إذ الصحيح أن هذا من ثمرات الحلاوة، وليس هو عينها؛ إذ هي شيء يجده المؤمن في قلبه، ويُحسّ به، كما يُحسّ بحلاوة الطعام والشراب، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه، والله تعالى أعلم”. انتهى.]: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات، في رضى الله عز وجل ورسوله، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا؛ رغبةً في نعيم الآخرة الذي لا يبيد ولا يفنى.
وروي عن عُتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذّذت بها باقي عمري.
ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى التزام طاعته، وترك مخالفته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك محبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هي التزام شريعته، واتّباع طاعته، ولَمّا لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول – صلى الله عليه وسلم – كانت محبّته من الإيمان.
وقد سئل بعضهم عن المحبّة ما هي؟
فقال: مواطأة القلب لمراد الربّ، أن توافق الله عز وجل، فتُحبّ ما أحبّ، وتكره ما كره، ولبعضهم في هذا المعنى شعرًا [من الكامل]:
تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
وقال القاضي رحمه الله تعالى: هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – رسولًا»، وذلك أنه لا تصح المحبة لله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم – حقيقةً، وحبُّ الآدمي في الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، وكراهةُ الرجوع إلى الكفر إلا لمن قَوِيَ بالإيمان يقينه، واطمأنّت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وَجَدَ حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يُرْضِي الربّ سبحانه وتعالى، فيحبّ ما أحبّ، ويَكْرَه ما كَرِهَ، واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ.
وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضارّ والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبيّ – صلى الله عليه وسلم – لِمَا جَمَعَ من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النِّعَم، والإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصوَّر في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه سبحانه وتعالى، قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال في «الفتح»: فيه استعارة تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن في الإيمان، بشيء حُلْوٍ، وأَثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكُلَّما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ على الزيادة والنقص، أي على زيادة الإيمان ونقصه. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب «الفتح» من دعوى الاستعارة في الحلاوة، فيه نظرٌ، لأنه إخراج للفظ الحديث إلى معنى مجازيّ من غير حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة على معناها الحقيقيّ، كما قال بعض المحقّقين رحمه الله تعالى:
اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنويّةٌ؟
فحملها قوم على المعنى، وحملها قوم على المحسوس، وأَبْقَوُا اللفظ على ظاهره، من غير أن يتأولوه، قال: والصواب معهم في ذلك – والله أعلم -؛ لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره، من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل، ما لم يُعارِض لظاهر اللفظ معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة – رضي الله عنهم -، والسلف الصالح، وأهل المعاملات؛ لأنه قد حُكِي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة،
فمن جملة ما حُكي في ذلك:
حديث بلال – رضي الله عنه – حين صُنِعَ به ما صُنِع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزَجَ مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا عند موته أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه.
غَدًا أَلْقَى الأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ
فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان.
ومنها: حديث الصحابيّ الذي سُرِق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يَقْطَع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما كنت فيه أكبر من ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي وجَدَها محسوسة في وقته ذلك.
ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ – ﷺ – في بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا الجاسوس من قبل العدوّ، وقد أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى الصحابيّ، فأصابه، فبقي على صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خِفتُ على المسلمين ما قطعت صلاتي، وما ذاك إلا لشدّة ما وَجَدَ فيها من الحلاوة، حتى أذهبت عنه ما يجده من ألم السهام. انتهى.
وقال أيضًا ما حاصله: إنما عَبَّرَ بالحلاوة؛ لأن الله شبَّهَ الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين، وبها قِوَامه، فكلمةُ الإخلاص في الإيمان، كأصل الشجرة لا بدّ منه أوّلًا، وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، من اتّباع الأمر، واجتناب النهي، والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر، وما ينبت في الشجرة من الثمرة هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمرة في تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى [راجع: «بهجة النفوس» للشيخ ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى ١/ ٢٦ – ٢٧].
وسيأتي نقل كلام لابن تيمية يفيد أن حلاوة الإيمان محسوسة
تنبيه : أثر بلال وقوله غدا نلقي الأحبة
إسناده منقطع؛ فإن سعيد بن عبد العزيز ثقة إمام اختلط في آخر أمره، لكنه من الطبقة السابعة، التقريب (٢٣٧١)، المحتضرين (٢٠٧ – ٢٠٨) رقم (٢٩٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٧٥)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٥٩).
الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا ٢/٧٧٠ —
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز إضافة المحبّة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه صحيحٌ، مُحِبًّا، ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، … ثم تؤول المحبة في حق الله
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لا يختلف النظّار من أهل السنة … إلخ أراد به المتكلّمين، فليس هذا مذهب أهل السنة من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، بل يثبتونها كما أثبتها على ظاهرها، على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى،
(مِمَّا سِوَاهُمَا) لم يقل: «ممن» لكون «ما» أعمّ (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنصب على المفعوليّة (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ) جملة حاليّةٌ تحتمل أن تكون من الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معًا، أفاده الكرمانيّ [«شرح البخاريّ» ١/ ١٠٠].
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالمرء هنا: المسلم المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبّته، وأن يُتقرَّب لله تعالى باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف بالأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقد أفاد هذا الحديث أن محبّة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأعراض، أو عُدمت.
ولَمّا كانت المحبّة للأعراض هي الغالبة قَلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيّما في هذه الأزمان التي قد امّحَى فيها أكثر رسوم الإيمان.
وعلى الجملة فمحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النيّات. انتهى [«المفهم» ١/ ٢١٤ – ٢١٥].
وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبّ في الله أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء، ذكره في «الفتح» [«فتح» ١/ ٨٩].
(وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي أن يرجع (فِي الْكُفْرِ) أي
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحِيَةٌ لما انكشف للمؤمن من حسن الإسلام، ولمَا دخل قلبه من نور الإيمان، ولمَا خلّصه من الله تعالى من رذائل الجهالات، وقُبْح الكفران، والحمد لله. انتهى.
وحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
——
——
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): بماذا ينال الإنسان محبة الله عز وجل؟
هذه هي التي يطلبها كل إنسان، والمحبة عبارة عن أمر فطري يكون في الإنسان ولا يملكه، ولهذا يروى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في العدل بين زوجاته: «هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» [رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، وأبو داود (٢١٣٤)، وابن ماجة (١٩٧١)، والنسائي (٧/ ٦٤)، والترمذي (١١٤٠)، وابن حبان (١٠/ ٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧)؛ وصححه ووافقه الذهبي. واختلف في وصله وإرساله. وانظر «ارواء الغليل» (٢٠١٨)]؟
فالجواب:
أن المحبة لها أسباب كثيرة:
منها: أن ينظر الإنسان: من الذي خلقه؟
ومن الذي أمده بالنعم منذ كان في بطن أمه؟
ومن الذي أجرى إليك الدم في عروقك قبل أن تنزل إلى الأرض إلا الله عز وجل؟
من الذي دفع عنك النقم التي انعقدت أسبابها، وكثيرًا ما تشاهد بعينك آفات ونقمًا تهلكك، فيرفعها الله عنك؟
وهذا لا شك أنه يجلب المحبة، وتذكر أيضًا أن الله فضلك على كثير من عباده المؤمنين، إن كان الله من عليك بالعلم، فقد فضلك بالعلم، أو بالعبادة، فقد فضلك بالعبادة، أو بالمال: فقد فضلك بالمال، أو بالأهل، فقد فضلك بالأهل، أو بالقوت فقد فضلك بالقوت، وما من نعمة إلا وتحتها ما هو دونها، فأنت إذا رأيت هذه النعمة العظيمة، شكرت الله وأحببته.
ومنها: محبة ما يحبه الله من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، تحب الذي يحبه الله، فهذا يجعلك تحب الله، لأن الله يجازيك على هذا أن يضع محبته في قلبك،
فتحب الله إذا قمت بما يحب، وكذلك تحب من يحب.
ومنها: كثرة ذكر الله، بحيث يكون دائمًا على بالك، حتى تكون كلما شاهدت شيئًا، استدللت به عليه عز وجل، حتى يكون قلبك دائمًا مشغولًا بالله، معرضًا عما سواه، فهذا يجلب لك محبة الله عز وجل.
وهذه الأسباب الثلاثة هي عندي من أقوى أسباب محبة الله عز وجل. [شرح العقيدة الواسطية – العثيمين، (1/ 241 – 243)].
وقد تنوعت الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى والموجبة لها، وهي في الجملة ترجع لعشرة أسباب ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى:
“فصل
في الأسباب الجالبة للمحبّة والموجبة لها، وهي عشرةٌ:
أحدها: قراءة القرآن بالتّدبُّر والتّفهُّم لمعانيه وما أُريد به، كتدبُّر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهَّم مراد صاحبه منه.
الثّاني: التّقرُّب إلى الله بالنّوافل بعد الفرائض، فإنّها تُوصِله إلى درجة المحبوبيّة بعد المحبّة.
الثّالث: دوام ذكره على كلِّ حالٍ: باللِّسان والقلب، والعمل والحال. فنصيبُه من المحبّة على قدر نصيبه من هذا الذِّكر.
الرّابع: إيثار مَحابِّه على مَحابِّك عند غلبات الهوى، والتّسنُّم إلى مَحابِّه وإن صعُبَ المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلُّبه في رياض هذه المعرفة وميادينها. فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالةَ. ولهذا كانت المعطِّلة والفرعونيّة والجهميّة قُطّاعَ الطّريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
السّادس: مشاهدة بِرِّه وإحسانه وآلائه ونِعَمِه الباطنة والظّاهرة، فإنّها داعيةٌ إلى محبّته.
السّابع: وهو من أعجبها، انكسار القلب بكلِّيّته بين يديه، وليس في التّعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.
الثّامن: الخلوة به وقتَ النُّزول الإلهيِّ، لمناجاتِه وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتّأدُّب بين يديه. ثمّ خَتْم ذلك بالاستغفار والتّوبة.
التّاسع: مجالسة المحبِّين الصّادقين، والتقاط أطايبِ ثمراتِ كلماتهم كما تنتقي أطايبَ الثّمر، ولا تتكلَّم إلّا إذا ترجّحتْ مصلحة الكلام، وعلمتَ أنّ فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك.
العاشر: مباعدة كلِّ سببٍ يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
فمن هذه الأسباب العشرة وصَلَ المحبُّون إلى منازل المحبّة، ودخلوا على الحبيب.
ومِلاكُ ذلك كلِّه أمران: استعداد الرُّوح لهذا الشّأن، وانفتاح عين البصيرة. وبالله التّوفيق.
[مدارج السالكين لابن القيم (ت ٧٥١)، (3/ 381 – 382)].
(المسألة الثانية): الخصال الثلاثة:
سبق بيانها
(المسألة الثالثة): حلاوة الإيمان وأركانها الثلاثة: محبةٌ تُكَمَّل، وتُفَرَّع، ويُدْفَعُ ضدُّها:
ذكر عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أمورًا ثلاثة: أصل، وفرع، ودفع مضاد، وهذه الثلاثة هي التي يجد بها المرء حلاوة الإيمان.
قال ابن تيمية رحمه الله: «فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان؛ تَتَّبَعُ كمال محبة العبد لله، وذلك
بثلاثة أمور؛ تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها:
فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما – كما تقدم -.
وتفريعها: أن يُحِبُّ المرء لا يُحِبُّهُ إِلَّا الله.
ودفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار» [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٠٦/١٠)].
(المسألة الرابعة): ما هي الآثار المسلكية التي يستلزمها ما ذكر؟
والجواب:
أولًا: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]: يقتضي أن نحسن، وأن نحرص على الإحسان، لأن الله يحبه، وكل شيء يحبه الله، فإننا نحرص عليه.
ثانيًا: قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]: يقتضي أن نعدل ونحرص على العدل.
ثالثًا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]: يقتضي أن نتقي الله عزوجل، لا نتقي المخلوقين بحيث إذا كان عندنا من نستحي منه من الناس، تركنا المعاصي، وإذا لم يكن، عصينا، فالتقوى أن نتقي الله عز وجل، ولا يهمك الناس.
أصلح ما بينك وبين الله، يصلحا لله ما بينك وبين الناس..
رابعًا: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذه تستوجب أن أكثر التوبة إلى الله عز وجل، أكثر أن أرجع إلى الله بقلبي وقالبي، ومجرد قول الإنسان: أتوب إلى الله. هذا قد لا ينفع، لكن تستحضر وأنت تقول: أتوب إلى الله: أن بين يديك معاصي، ترجع إلى الله منها وتتوب، حتى تنال بذلك محبة الله.
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: إذا غسلت ثوبك من النجاسة، تحس بأن الله أحبك، لأن الله يحب المتطهرين. إذا توضأت، تحس بأن الله أحبك، لأنك تطهرت. إذا اغتسلت، تحس أن الله أحبك، لأن الله يحب المتطهرين ….
خامسا : قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، نحذر به من الردة عن الإسلام
سادسا: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
فصار في هذه الآيات ثلاثة مباحث:
١ – إثبات المحبة بالأدلة السمعية.
٢ – أسبابها.
٣ – الآثار المسلكية في الإيمان بها.
أما أهل البدع الذين أنكروها، فليس عندهم إلا حجة واهية، يقولون:
أولًا: إن العقل لا يدل عليها.
ثانيًا: إن المحبة إنما تكون بين اثنين متجانسين، لا تكون بين رب ومخلوق أبدًا، ولا بأس أن تكون بين المخلوقات.
ونحن نرد عليهم فنقول:
نجيبكم عن الأول – وهو أن العقل لا يدل عليها – بجوابين: أحدهما: بالتسليم، والثاني: بالمنع.
التسليم: نقول: سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، والله عز وجل يقول في القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإذا كان تبيانًا، فهو دليل قائم بنفسه، «وانتفاء الدليل المعين، لا يلزم منه انتفاء المدلول»، لأن المدلول قد يكون له أدلة متعددة، سواء الحسيات أو المعنويات:
فالحسيات: مثل بلد له عدة طرق توصل إليه، فإذا انسد طريق، ذهبنا مع الطريق الثاني.
أما المعنويات، فكم من حكم واحد يكون له عدة أدلة وجوب الطهارة للصلاة مثلًا فيه أدلة متعددة.
فإذًا، إذا قلتم: إن العقل لا يدل على إثبات المحبة بين الخالق والمخلوق، فإن السمع دل عليه بأجلى دليل وأوضح بيان.
الجواب الثاني:
المنع: أن نمنع دعوى أن العقل لا يدل عليها، ونقول: بل العقل دل على إثبات المحبة بين الخالق والمخلوق، كما سبق.
وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فيكفي أن نقول: لا قبول لدعواكم، لأن المنع كاف في رد الحجة، إذ أن الأصل عدم الثبوت، فنقول: دعواكم أنها لا تكون إلا بين متجانسين ممنوع، بل هي تكون بين غير المتجانسين، فالإنسان عنده ساعة قديمة ما أتعبته بالصيانة وما فسدت عليه قط فتجده يحبها، وعنده ساعة تأخذ نصف وقته في التصليح فتجده يبغضها. وأيضًا نجد أن البهائم تحب وتحب.
فنحن – ولله الحمد – نثبت لله المحبة بينه وبين عباده.
[شرح العقيدة الواسطية – العثيمين، (1/ 243 – 248)].
(المسألة الخامسة): من ثمراته أن توحيد الله موجب لنيل حلاوة الإيمان:
– قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) رحمه الله: “وفي الصحيح عنه ﷺ «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا. وبمحمد ﷺ رسولا» فأخبر: أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب.
وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان، والإحسان، وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود الحلاوة تارة، كما قال «ذاق طعم الإيمان» وقال «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
والمقصود: أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان، أمر يجده القلب. تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس. كما قال النبي ﷺ «حتى تذوقي عسيلته. ويذوق عسيلتك» فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد.
ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال. فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته». [بغية الملتمس ص: ٥١٣].
– قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) رحمه الله: «عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)]. وقد خرجه مسلم وعنده في رواية: «فقد وجد طعم الإيمان» [أخرجه مسلم ٤٣/ ٦٨]، وجاء في رواية: «وجد طعم الإيمان وحلاوته».
فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي» [فتح الباري لابن رجب ١/ ٥٠].
– قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) رحمه الله: «وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..»، وذكر منهم: «رجل قلبه معلق في المساجد» [أخرجه: البخاري رقم (٦٦٠)، ومسلم رقم (١٠٣١)]، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجا عنه» [فتح الباري، ١/ ١٤٥].
– قال عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت ١٠٣١ هـ) رحمه الله «المؤمن الكامل قد وضع الله في قلبه حلاوة التوحيد بحلاوته، فإذا جاءت الشهوة ضرب بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة» [فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤/ ٥٢٥]. [لماذا التوحيد أولا].
قال ابن القيم:
فوَجْدُ حلاوةِ الشّيء المَذُوق أخصُّ من مجرّد ذوقه. ولمّا كانت الحلاوة أخصَّ من الطّعم قرنَ بها الوجْدَ الذي هو أخصُّ من الذّوق، فقرنَ الأخصّ بالأخصِّ والأعمّ بالأعمِّ.
وليس المراد بوجْد حلاوة الإيمان الوجْد الذي هو لهيب القلب، فإنّ ذلك مصدر وَجَدَ بالشّيء وَجْدًا، وإنّما هو من الوجود الذي هو الثُّبوت. فمصدر هذا الفعل: الوُجود والوِجدان، فوجَدَ الشّيء يجده وِجدانًا: إذا حصل له وثبت، كما يجدُ الفاقدُ الشّيءَ الذي فُقِد منه. ومنه قوله تعالى: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ [النور: ٣٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ – ٨]، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. فهذا كلُّه من الوجود والثُّبوت، وكذلك قوله: «وجد بهنّ حلاوة الإيمان».
فوجدان الشّيء: ثبوته واستقراره. ولا ريبَ أنّ ذوق طعم الإيمان وجدانٌ له، إذ يمتنع حصول هذا الذّوق من غير وجدانٍ، ولكنّ اصطلاح كثيرٍمن القوم على أنّ الذّائق أخصُّ من الواجد، فكأنّه شاركَ الواجدَ في الحصول وامتاز عنه بالذّوق، فإنّه قد يجدُ الشّيء ولا يذوقُه الذّوقَ التّامّ.
وهذا ليس كما قالوه، بل وجود هذه الحقائق للقلب ذوقٌ لها وزيادةُ ثبوتٍ واستقرارٍ. والله أعلم.
مدارج السالكين(٣ / ٤٨٨)
وهذا نقل عن ابن تيمية يفيد ان حلاوة الإيمان محسوسة :
وسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة – رحمه الله -:
عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ وَ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ وَ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ فَمَا مَعْنَى كُلِّ مَقَامٍ مِنْهَا؟ وَأَيُّ مَقَامٍ أَعْلَى؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَقَالَاتٌ مَعْرُوفَةٌ. (مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مَا عَلِمَهُ بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ وَ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مَا شَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ بِالْبَصَرِ وَ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ مَا بَاشَرَهُ وَوَجَدَهُ وَذَاقَهُ وَعَرَفَهُ بِالِاعْتِبَارِ.» فَالْأُولَى «مِثْلُ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّ هُنَاكَ عَسَلًا وَصَدَّقَ الْمُخْبِرَ. أَوْ رَأَى آثَارَ الْعَسَلِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِهِ. وَ» الثَّانِي ” مِثْلُ مَنْ رَأَى الْعَسَلَ وَشَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ وَهَذَا أَعْلَى كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَيْسَ الْمُخْبِرُ كَالْمُعَايِنِ﴾ .
وَ الثَّالِثُ «مِثْلُ مَنْ ذَاقَ الْعَسَلَ وَوَجَدَ طَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا يُشِيرُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ وَقَالَ ﷺ ﴿ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ رَسُولًا﴾ فَالنَّاسُ فِيمَا يَجِدُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَيَذُوقُونَهُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَطَعْمُهُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:»الْأُولَى «مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِهِ شَيْخٌ لَهُ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُبَلِّغُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْعَارِفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ يَجِدُ مِنْ آثَارِ أَحْوَالِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَ» الثَّانِيَةُ «مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ وَعَايَنَهُ مِثْلُ أَنْ يُعَايِنَ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَوَاجِيدَهُمْ وَأَذْوَاقَهُمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُشَاهِدْ مَا ذَاقُوهُ وَوَجَدُوهُ وَلَكِنْ شَاهَدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَكِنْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْمُخْبِرِ وَالْمُسْتَدِلِّ بِآثَارِهِمْ. وَ» الثَّالِثَةُ ” أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ فِي نَفْسِهِ مَا كَانَ سَمِعَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَقَدْ كُنْت فِي حَالٍ أَقُولُ فِيهَا إنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ. وَقَالَ آخَرُ: إنَّهُ لَيَمُرُّ عَلَى الْقَلْبِ أَوْقَاتٌ يَرْقُصُ مِنْهَا طَرَبًا. وَقَالَ الْآخَرُ: لَأَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَلَذُّ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ. وَالنَّاسُ فِيمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
إحْدَاهَا الْعِلْمُ بِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَتْهُمْ الرُّسُلُ وَمَا قَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ.» الثَّانِيَةُ «: إذَا عَايَنُوا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَ» الثَّالِثَةُ ” إذَا بَاشَرُوا ذَلِكَ؛ فَدَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ؛ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ وَدَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَالنَّاسُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ وَفِيمَا يُوجَدُ خَارِجَ الْقُلُوبِ عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَاتِ الثَّلَاثِ. وَكَذَلِكَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا: فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِالْعِشْقِ أَوْ النِّكَاحِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَذُقْهُ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ فَإِنْ شَاهَدَهُ وَلَمْ يَذُقْهُ كَانَ لَهُ مُعَايَنَةٌ لَهُ فَإِنْ ذَاقَهُ بِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ ذَوْقٌ وَخِبْرَةٌ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَذُقْ الشَّيْءَ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ فَإِنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا تُفِيدُ التَّمْثِيلَ وَالتَّقْرِيبَ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْحَقِيقَةِ فَلَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعِبَارَةِ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ قَدْ ذَاقَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ وَعَرَفَهُ وَخَبَرَهُ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِالْخِبْرَةِ وَالذَّوْقِ مَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ بِالْخَبَرِ وَالنَّظَرِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سخطة لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقَلْبَ لَا يُسْخِطُهُ أَحَدٌ﴾ . فَالْإِيمَانُ إذَا بَاشَرَ الْقَلْبَ وَخَالَطَتْهُ بَشَاشَتُهُ لَا يُسْخِطُهُ الْقَلْبُ بَلْ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ فِي الْقَلْبِ وَاللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالْبَهْجَةِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ لِمَنْ لَمْ يَذُقْهُ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَوْقِهِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ لَهُ مِنْ الْبَشَاشَةِ مَا هُوَ بِحَسَبِهِ وَإِذَا خَالَطَتْ الْقَلْبَ لَمْ يُسْخِطْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بِمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِبْشَارُ هُوَ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَجِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْحَلَاوَةِ وَاللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَ» اللَّذَّةُ ” أَبَدًا تَتْبَعُ الْمَحَبَّةَ فَمَنْ أَحَبّ شَيْئًا وَنَالَ مَا أَحَبَّهُ وَجَدَ اللَّذَّةَ بِهِ؛ فَالذَّوْقُ هُوَ إدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ اللَّذَّةَ الظَّاهِرَةَ كَالْأَكْلِ مَثَلًا: حَالُ الْإِنْسَانِ فِيهَا أَنَّهُ يَشْتَهِي الطَّعَامَ وَيُحِبُّهُ ثُمَّ يَذُوقُهُ وَيَتَنَاوَلُهُ فَيَجِدُ حِينَئِذٍ لَذَّتَهُ وَحَلَاوَتَهُ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مَحَبَّةٌ أَعْظَمُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَتَمُّ مِنْ مَحَبَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ لِذَاتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَكُلُّ مَا يُحِبُّ سِوَاهُ فَمَحَبَّتُهُ تَبَعٌ لِحُبِّهِ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ إنَّمَا يُحِبُّ لِأَجْلِ اللَّهِ وَيُطَاعُ لِأَجْلِ اللَّهِ وَيُتَّبَعُ لِأَجْلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إلَيْهِ مَنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ . وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ ﴿مَنْ أَحَبّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ كُلِّ مُحِبٍّ لِمَحْبُوبِهِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَ» الْمَقْصُودُ هُنَا «أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَجِدُونَ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ مَا يُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ وَلِهَذَا عَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا يَجِدُونَهُ بِالْمَحَبَّةِ فَقَالَ: ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ﴾ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَجِدُونَهُ مِنْ ثَمَرَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ. وَالتَّوَكُّلُ وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
» مِنْهُمْ «مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ سَمَاعًا وَاسْتِدْلَالًا.
» وَمِنْهُمْ «مَنْ شَاهَدَ وَعَايَنَ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ.
وَ» مِنْهُمْ ” مَنْ وَجَدَ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ الِالْتِجَاءَ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَقَطَعَ التَّعَلُّقَ بِمَا سِوَاهُ وَجَرَّبَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَخْلُوقِينَ وَرَجَاهُمْ وَطَمِعَ فِيهِمْ أَنْ يَجْلِبُوا لَهُ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعُوا عَنْهُ مَضَرَّةً فَإِنَّهُ يُخْذَلُ مِنْ جِهَتِهِمْ؛ وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ بَلْ قَدْ يَبْذُلُ لَهُمْ مِنْ الْخِدْمَةِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَرْجُو أَنْ يَنْفَعُوهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ إلَيْهِمْ فَلَا يَنْفَعُونَهُ: إمَّا لِعَجْزِهِمْ وَإِمَّا لِانْصِرَافِ قُلُوبِهِمْ عَنْهُ وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى اللَّهِ بِصِدْقِ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَاسْتَغَاثَ بِهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ أَجَابَ دُعَاءَهُ؛ وَأَزَالَ ضَرَرَهُ وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ ذَاقَ مِنْ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ لِلَّهِ مَا لَمْ يَذُقْ غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ؛ يَجِدُ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالنَّتَائِجِ وَالْفَوَائِدِ مَا لَا يَجِدُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. بَلْ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ فِي مِثْلِ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ؛ وَتَعَلُّقِهِ بِالصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ أَوْ جَمْعِهِ لِلْمَالِ يَجِدُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنْ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْآلَامِ وَضِيقِ الصَّدْرِ مَا لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ. وَرُبَّمَا لَا يُطَاوِعُهُ قَلْبُهُ عَلَى تَرْكِ الْهَوَى وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَسُرُّهُ؛ بَلْ هُوَ فِي خَوْفٍ وَحُزْنٍ دَائِمًا: إنْ كَانَ طَالِبًا لِمَا يَهْوَاهُ فَهُوَ قَبْلَ إدْرَاكِهِ حَزِينٌ مُتَأَلِّمٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ. فَإِذَا أَدْرَكَهُ كَانَ خَائِفًا مِنْ زَوَالِهِ وَفِرَاقِهِ. وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؛ فَإِذَا ذَاقَ هَذَا أَوْ غَيْرُهُ حَلَاوَةَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ. وَالْعِبَادَةُ لَهُ. وَحَلَاوَةُ ذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ. وَفَهِمَ كِتَابَهُ. وَأَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمَلُهُ صَالِحًا. وَيَكُونُ لِوَجْهِ اللَّهِ خَالِصًا؛ فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ السُّرُورِ وَاللَّذَّةِ وَالْفَرَحِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا يَجِدُهُ الدَّاعِي الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي نَالَ بِدُعَائِهِ وَتَوَكُّلِهِ مَا يَنْفَعُهُ مِنْ الدُّنْيَا. أَوْ انْدَفَعَ عَنْهُ مَا يَضُرُّهُ؛ فَإِنَّ حَلَاوَةَ ذَلِكَ هِيَ بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ انْدَفَعَ عَنْهُ مِنْ الْمَضَرَّةِ وَلَا أَنْفَع لِلْقَلْبِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَلَا أَضَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِشْرَاكِ. فَإِذَا وَجَدَ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَعَ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كَانَ هَذَا فَوْقَ مَا يَجِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ لَمْ يَجِدْ مِثْلَ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مجموع الفتاوى، لابن تيمية (ت ٧٢٨) رحمه الله تعالى، (1/ 645 – 654)].
—
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وص وره وغذائه وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في فتح المجيد: أخبر النبي ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما.
عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها ١/١٧٤
——
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مَحَبَّةُ مَا أَحَبّ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ وَجْدَ الْحَلَاوَةِ بِالشَّيْءِ يَتْبَعُ الْمَحَبَّةَ لَهُ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَوْ اشْتَهَاهُ إذَا حَصَلَ لَهُ مُرَادُهُ فَإِنَّهُ يَجِدُ الْحَلَاوَةَ وَاللَّذَّةَ وَالسُّرُورَ بِذَلِكَ وَاللَّذَّةُ أَمْرٌ يَحْصُلُ عَقِيبَ إدْرَاكِ الْمُلَائِمِ الَّذِي هُوَ الْمَحْبُوبُ أَوْ الْمُشْتَهَى. وَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّذَّةَ إدْرَاكُ الملائم كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ غَلَطًا بَيِّنًا؛ فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَاللَّذَّةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَثَلًا يَشْتَهِي الطَّعَامَ فَإِذَا أَكَلَهُ حَصَلَ لَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ اللَّذَّةُ فَاللَّذَّةُ تَتْبَعُ النَّظَرَ إلَى الشَّيْءِ فَإِذَا نَظَرَ إلَيْهِ الْتَذَّ فَاللَّذَّةُ تَتْبَعُ النَّظَرَ لَيْسَتْ نَفْسَ النَّظَرِ وَلَيْسَتْ هِيَ رُؤْيَةَ الشَّيْءِ؛ بَلْ تَحْصُلُ عَقِيبَ رُؤْيَتِهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ وَهَكَذَا جَمِيعُ مَا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنْ اللَّذَّاتِ وَالْآلَامِ مِنْ فَرَحٍ وَحُزْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالشُّعُورِ بِالْمَحْبُوبِ أَوْ الشُّعُورِ بِالْمَكْرُوهِ وَلَيْسَ نَفْسُ الشُّعُورِ هُوَ الْفَرَحَ وَلَا الْحُزْنَ. فَحَلَاوَةُ الْإِيمَانِ الْمُتَضَمَّنَةُ مِنْ اللَّذَّةِ بِهِ وَالْفَرَحِ مَا يَجِدُهُ الْمُؤْمِنُ الْوَاجِدُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ تَتْبَعُ كَمَالَ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ. تَكْمِيلُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ وَتَفْرِيعُهَا وَدَفْعُ ضِدِّهَا.» فَتَكْمِيلُهَا «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا؛ فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِأَصْلِ الْحُبِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ. و»تَفْرِيعُهَا «أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ. و»دَفْعُ ضِدِّهَا «أَنْ يَكْرَهَ ضِدَّ الْإِيمَانِ أَعْظَمَ مِنْ كَرَاهَتِهِ الْإِلْقَاءَ فِي النَّارِ فَإِذَا كَانَتْ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ النَّاسِ مَحَبَّةً لِلَّهِ وَأَحَقُّهُمْ بِأَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضَ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ و»الْخُلَّةُ «لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهَا نَصِيبٌ بَلْ قَالَ: ﴿لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا﴾ عُلِمَ مَزِيدُ مَرْتَبَةِ الْخُلَّةِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَحَبَّةِ. و(الْمَقْصُودُ) هُوَ أَنَّ» الْخُلَّةَ «وَ» الْمَحَبَّةَ لِلَّهِ ” تَحْقِيقُ عُبُودِيَّتِهِ؛ وَإِنَّمَا يَغْلَطُ مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذِهِ مِنْ حَيْثُ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ مُجَرَّدُ ذُلٍّ
وَخُضُوعٍ فَقَطْ لَا مَحَبَّةَ مَعَهُ أَوْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ فِيهَا انْبِسَاطٌ فِي الْأَهْوَاءِ أَوْ إذْلَالٌ لَا تَحْتَمِلُهُ الرُّبُوبِيَّةُ وَلِهَذَا يُذْكَرُ عَنْ «ذِي النُّونِ» أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عِنْدَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَحَبَّةِ. فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا تَسْمَعْهَا النُّفُوسُ فَتَدَّعِيَهَا. وَكَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ مُجَالَسَةَ أَقْوَامٍ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ فِي الْمَحَبَّةِ بِلَا خَشْيَةٍ؛ وَقَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ حروري وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.
مجموع الفتاوى ١٠/٢٠٥-٢٠٧
—
المسألة السادسة : أنواع المحبة الدينية :
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
محبة دينية، وهذه على نوعين:
النوع الأول: محبة الله سبحانه وتعالى، وهي أعظم أنواع العبادة، يقول ابن القيم:
وعبادة الرحمن غاية حبه *** مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر *** ما دار حتى قامت القطبان
عبادة الرحمن غاية حبه، أي: منتهى حبه، وتدور عليها أمور العبادات كلها، فهي نوع عظيم من أنواع العبادة، لا يجوز أن يُحب أحد مع الله (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله) [البقرة: ١٦٥] هذا شرك في المحبة، التي هي أعظم أنواع العبادة، ولذلك قال: (والذين آمنوا أشد حبًا لله) [البقرة: ١٦٥] فالمؤمنون لا يحبون إلا الله، ومحبتهم أشد من محبة أهل الأصنام لأصنامهم؛ لأن محبة الله لا تنقطع في الدنيا ولا في الآخرة، أما محبة غيره من المعبودين فتنقطع في الآخرة، وتحصل العداوة بين من عبد من دون الله ومن عبده (وإذا حُشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين) [الأحقاف: ٦]، (إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا مودة بينكم في الحياة والدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النار) [العنكبوت: ٢٥] .
النوع الثاني: المحبة في الله ولأجل الله، وذلك بأن تحب ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، وتحب أهل الإيمان والتقوى، (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: ٢٢٢]، (إن الله يحب المحسنين) [البقر: ١٩٥]، فأنت تحبهم؛ لأن الله يحبهم، وفي مقدمة هؤلاء: الملائكة، والأنبياء والرسل، والأولياء والصالحون، وجميع المؤمنين.
وهذه تسمى المحبة في الله، وهي أوثق عرى الإيمان، كما جاء في الحديث: “أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله” (١)، وقال عليه الصلاة والسلام: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان” ذكر منها: “أن يحب المرء لا يحبه إلا لله” (٢) .
فتحب أولياء الله لأن الله يحبهم، وتبغض أعداء الله لأن الله يبغضهم، فيكون الحب والبغض من أجل الله، وليس طمعًا في الدنيا، فلا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي ويعادي الله.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا”.
وهذه المحبة تبقى في الدنيا والآخرة، وأما محبة الدنيا فتنقطع، وتكون عداوة في الآخرة (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) [الزخرف: ٦٧] .
وتبغض الشخص من أجل الله، وليس من أجل أنه أساء إليك؛ بل تبغضه؛ لأنه عدو لله، وهذه ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الحب والبغض في الله، (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) [الممتحنة: ٤] .
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله “رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه” (١) فالحب في الله والبغض في الله أمره عظيم؛ لأنه فرقان بين الحق والباطل (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا) [الأنفال: ٢٩]، فالمؤمن يكون عنده فرقان، يفرق بين هذا وهذا.
[تعليقات مختصرة على العقيدة الطحاوية ١٧٨-١٨٠]
المسألة السابعة :
الْكُرْهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَكُرْهِ الْكُفْرِ وَكُرْهِ الْمَعْصِيَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ فَضْل اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.
وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ: ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِْيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ .
وَقَدْ يَكُونُ الْكُرْهُ حَرَامًا كَكُرْهِ الإِْسْلاَمِ أَوِ الرَّسُول ﷺ أَوِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَوِ الصَّالِحِينَ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ كَرَاهَةُ النِّعْمَةِ عِنْدَ الْغَيْرِ وَحُبُّ زَوَالِهَا عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ يَكُونُ الْكُرْهُ مُبَاحًا كَكَرَاهَةِ الْمَقْضِيِّ بِهِ إِنْ كَانَ مَعْصِيَةً؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ مُطَالَبٌ بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مُطْلَقًا، أَمَّا الْمَقْضِيُّ بِهِ فَإِنْ كَانَ طَاعَةً فَالْوَاجِبُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ بِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ بِهِ مَعْصِيَةً فَلْيَرْضَ بِالْقَضَاءِ وَلاَ يَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ بِهِ بَل يَكْرَهُهُ .
يَقُول الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ السَّخَطَ بِالْقَضَاءِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا بِخِلاَفِ الْمَقْضِيِّ بِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا ابْتُلِيَ الإِْنْسَانُ بِمَرَضٍ فَتَأَلَّمَ مِنَ الْمَرَضِ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَدَمَ رِضَا بِالْقَضَاءِ بَل عَدَمَ رِضَا بِالْمَقْضِيِّ وَنَحْنُ لَمْ نُؤْمَرْ بِأَنْ تَطِيبَ لَنَا الْبَلاَيَا وَالرَّزَايَا وَمُؤْلِمَاتُ الْحَوَادِثِ، وَلَمْ تَرِدَ الشَّرِيعَةُ بِتَكْلِيفِ أَحَدٍ بِمَا لَيْسَ فِي طَبْعِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرَ الأَْرْمَدُ بِاسْتِطَابَةِ الرَّمَدِ الْمُؤْلِمِ وَلاَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَرَضِ، بَل ذَمَّ اللَّهُ قَوْمًا لاَ يَتَأَلَّمُونَ وَلاَ يَجِدُونَ لِلْبَأْسَاءِ وَقْعًا فَذَمَّهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَكِنْ وَلَمْ يَذِل لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُظْهِرُ الْجَزَعَ مِنْهَا وَيَسْأَل رَبَّهُ إِقَالَةَ الْعَثْرَةِ مِنْهَا فَهُوَ جَبَّارٌ عَنِيدٌ بَعِيدٌ عَنْ طُرُقِ الْخَيْرِ، فَالْمَقْضِيُّ وَالْمَقْدُورُ أَثَرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَطْ، أَمَّا الْمَقْضِيُّ فَقَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ وَاجِبًا كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاجِبَاتُ إِذَا قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلإِْنْسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَحَرَامًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَمُبَاحًا فِي الْمُبَاحَاتِ، وَأَمَّا الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَى الإِْطْلاَقِ، وَقَدْ حَزِنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِمَوْتِ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَرَمْيِ السَّيِّدَةِ عَائِشَة بِمَا رُمِيَتْ بِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنَ الْمَقْضِيِّ، وَالأَْنْبِيَاءُ عليهم السلام طِبَاعُهُمْ تَتَأَلَّمُ وَتَتَوَجَّعُ مِنَ الْمُؤْلِمَاتِ وَتُسَرُّ بِالْمَسَرَّاتِ، وَإِذَا كَانَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ بِهِ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي طَبَائِعِ الأَْنْبِيَاءِ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى .
وَمِنَ الْكُرْهِ الْمُبَاحِ مَا يَنْقُصُ الإِْنْسَانَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، يَقُول الْغَزَالِيُّ: لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ تَخَلُّفَ نَفْسِهِ وَنُقْصَانَهَا فِي الْمُبَاحَاتِ .
أَثَرُ الْكُرْهِ فِي الْعَقِيدَةِ:
– مَنْ كَرِهَ الإِْسْلاَمَ، أَوْ كَرِهَ الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَافِرًا وَيُقْتَل مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتُبْ.
أَمَّا بُغْضُ الأَْنْصَارِ وَالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ كُرْهُهُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِعْزَازُهُمُ الدِّينَ وَبَذْلُهُمُ النَّفْسَ وَالْمَال فِي نُصْرَةِ الإِْسْلاَمِ وَنُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ كَرِهَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ، أَمَّا مَنْ كَرِهَهُمْ لِذَوَاتِهِمْ فَهُوَ عَاصٍ (٤) .
الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٤/٢٢٩-٢٣١
——
(المسألة الثامنة ): الفتاوى:
[1] من أسباب ذوق حلاوة الإيمان:
س: يقول هذا السائل عن نفسه سماحة الشيخ أنا مؤمن والحمد لله وقد أديت مناسك الحج والعمرة ومع ذلك لا أشعر بحلاوة الإيمان، فبماذا تنصحونني؟
ج: ننصحك باستعمال ما شرع الله جل وعلا من الحرص على الطاعات، وقراءة القرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله عز وجل، فإن هذا من أسباب ذوق المحبة، ذوق حلاوة الإيمان، يقول النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار»[أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦]، فالصدق في محبة الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، ومحبة إخوانك في الله، وكراهة الكفر بالله، من أسباب ذوق طعم الإيمان، ويقول ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا»[أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، فهو مؤمن، وإن ارتكب المعاصي الكبائر، برقم ٣٤]، ويقول من حديث ابن عباس رضي الله عنه: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، وجد حلاوة الإيمان»[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ج٩، برقم ٩٠٨٣]، أو قال: «ذاق طعم الإيمان». المقصود أن الإكثار من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وأن تحب إخوانك في الله، وأن تكره الكفر وسائر المعاصي، كل هذا من أسباب ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوة الإيمان في قلبك، وأنسك بطاعة الله ورسوله، وتلذذك بذلك، بسبب صدقك في طاعة الله، ومحبة الله سبحانه وتعالى.
[السؤال الحادي والعشرون من الشريط رقم ٣٠٨، فتاوى نور على الدرب لابن باز – بعناية الشويعر (4/ 213 – 214)].
وللشيخ إبراهيم المزروعي رسالة حلاوة الطاعة