[1ج/ رقم (633)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وطارق أبوشديد وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (633)]:
٦٣٣ – قال الإمام البزار رحمه الله كما في «كشف الأستار» (ج ١ ص ١١١): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ الْمُعَايَنُ كَالْمُخْبَرِ أَخْبَرَ اللَّهُ تبارك وتعالى مُوسَى أَنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا فَلَمْ يَلْقِ الأَلْوَاحَ فَلَمَّا رَآهُمْ أَلْقَاهَا».
هذا حديث صحيحٌ.
وأخرجه ابن حبان (١٤/برقم ٦٢١٤) من طريق أبي داود، والحاكم (ج ٢ ص ٣٨٠) من طريق عفان، والطبراني في «الكبير» (١٢/برقم ١٢٤٥١) من طريق محمد بن أبي نعيم الواسطي، وابن عدي (ج ٧ ص ٢٥٩٦) من طريق يحيى بن حماد، كلهم عن أبي عوانة، به.
===================
قال أصحاب المسند المعلل:
– فوائد:
– قال التِّرمِذي: سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع هُشيم حديث أبي بشر: «ليس الخبر كالمعاينة». «ترتيب علل التِّرمِذي» (٤٣) من آخر الكتاب.
– وأخرجه ابن عَدي في «الكامل» ٨/ ٤٥٣، في غرائب هُشيم، وقال: حدثنا محمد بن جعفر بن حفص، قال: حدثنا مُؤَمَّل بن إهاب، قال: سمعت يحيى بن حسان يقول: هُشيم لم يسمع حديث أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ «ليس الخبر كالمعاينة»، إنما دلسه.
وراجع أحاديث معلة ظاهرها الصحة 230
قال ابن حبان :
ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ تَفَرَّدَ بِهِ هُشَيْمٌ.
٣٠٦٩ – أَخبَرنا حُبَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النِّيلِيُّ، بِوَاسِطَ، حَدثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ، حَدثنا أَبُو دَاوُدَ، حَدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ الْمُعَايِنُ كَالْمُخْبَرِ، أَخْبَرَ اللهُ مُوسَى أَنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَلْقَى الأَلْوَاحَ». [٦٢١٤]
صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع ٤/٧٨
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧) رحمه الله، كشف الأستار عن زوائد البزار، كتاب العلم، بَابُ الْخَبرِ وَالْمُعَايَنَةِ، (٢٠٠).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
1- كتاب العلم، ٩٠ – التعليم بالفعل أبلغ من القول، (١٣٧).
٢٩ – كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ٢١ – على الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر أن يتثبت من صحة الأخبار حتى لا يظلم أحدا، (٣٤٤٥).
٣٣ – كتاب التفسير، ١٦٩ – قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٥٠]، (٤٠٨١).
والثاني: شرح وبيان الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ الْمُعَايَنُ كَالْمُخْبَرِ، أَخْبَرَ اللَّهُ تبارك وتعالى مُوسَى أَنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا، فَلَمْ يَلْقِ الأَلْوَاحَ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَلْقَاهَا»).
علَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه الحِكَمَ الواقعيَّةَ في الحياةِ، وأنَّ الإنسانَ قد يَصدُرُ منه عندَ رُؤيةِ الحدثِ والفِعلِ ما لم يكُنْ يتصوَّرُه إذا حُكِيَ له نفْسُ الحدَثِ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ليس الخبرُ كالمُعايَنة))، أي: المشاهدة، أي: الشَّأنُ في رُؤيةِ الحدثِ بالعينِ ليس مِثْلَ السَّماعِ عنه في اليقينِ والتَّثبُّتِ.
((أَخْبَرَ اللَّهُ تبارك وتعالى مُوسَى أَنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا)) إنَّ اللهَ تعالى أخبَرَ مُوسى بما صنَعَ قومُه في العِجلِ مِن عِبادتِهم له بعدَ أنْ أغْواهم السَّامريُّ، كما قال تعالى: {إِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 58]،
((فَلَمْ يَلْقِ الأَلْوَاحَ))، وهي ألواحٌ مِن الحجارةِ مكتوبٌ فيها التَّوراةُ،
((فَلَمَّا رَآهُمْ)) أي: فلمَّا عايَنَ ما صَنَعوا، أي: رأى بعَيْنِه فِعلَ قومِه وما أخبَرَه به اللهُ عزَّ وجلَّ،
((أَلْقَاهَا»). ألْقى الألواحَ، أي: غضِبَ ورَماها مِن يَدِه،
وفي رواية كما ستأتي: (فانكسَرَت)، كما حكى ذلك الحقُّ في قولِه: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150] ؛ وكان ذلك لِعِظَمِ ما هاله ممَّا أتَوه مِن المعصيةِ،
فدلَّ على أنَّ المُعايَنةَ أعظَمُ مِن الخبرِ، مع أنَّه أخبَرهُ المحيطُ بكلِّ شيءٍ عِلْمًا، فلم يقَعْ منه الخبرُ كما وقعَتْ منه المعاينةُ،
وفيه أنَّه يَحتمِلُ أنَّ المُرادَ: ليس أثَرُ الخبرِ عندَ المُخبَرِ كأثَرِ المعاينةِ وإنْ كانَا سواءً في قوَّةِ التَّصديقِ، لكنْ يَصدُرُ عن المعاينةِ ما لا يَصدُرُ عن الخبرِ. [الدرر].
وهذا الاحتمال أليق بالاستدلال بقصة الكليم. قاله الصنعاني رحمه الله تعالى. [التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (ت ١١٨٢) رحمه الله تعالى، (9/ 227 – رقم الحديث: ٧٥٥٧)].
وقد يكون كقوله تعالى
{ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِی كَیۡفَ تُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّیَطۡمَىِٕنَّ قَلۡبِیۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةࣰ مِّنَ ٱلطَّیۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَیۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلࣲ مِّنۡهُنَّ جُزۡءࣰا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ یَأۡتِینَكَ سَعۡیࣰاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٦٠]
وفي البخاري
٣٣٧٢ – عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» (٢).
قال الحافظ: … قال ابن عباس: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية … قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان فرضي الله عن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – بأن قال: بلى.
سماه شكًا لأنه مرتبة بين علم اليقين وعين اليقين، والعلوم ثلاثة ما تقدم مع حق اليقين، فأراد إبراهيم المعرفة بطريق عين اليقين واراد هذه المرتبة؛ ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فقد حصل له علم اليقين وأراد عين اليقين.
سألته عن هذا التقرير من ابن عباس فقال: هذا له وجاهة عند الوسوسة.
الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري ٣/٧٣
وقال ابن باز : وليس ذلك لشك موسى لكن المخبر وإن جزم بخبر المخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ انتهى
فالآية لا تدلُّ على أنَّ إبراهيم شكَّ، بل تفيد أنَّه أراد رؤية معجزةِ الإحياء الكبرى بعَيني رأسه، ليقوى إيمانه المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين
قال ابن عثيمين :
فإحياءُ الموتى عند إبراهيم قبل أن يشاهِدَه بِعَيْنِه من باب عِلْمِ اليَقينِ، فإذا شاهدهم صار من بابِ عَيْن اليقينِ.
وقد ذكر العلماءُ أنَّ لليقينِ ثلاثَ درجاتٍ: (علمًا) و(عينًا) و(حقًّا)، وكل ذلك مذكور في القرآنِ؛ قال : ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، وقوله : ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ فهذا عَيْنٌ وعِلْمٌ في سورة واحدة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ هذا حقُّ اليقين، هذه مراتِبُ اليقينِ الثَّلاثُ.
والفرق بينها: أنَّنا نحن نعلم عِلْمَ اليَقينِ أنَّ في الجَنَّة نَخْلًا ورمَّانًا وفاكِهَةً، – إذا رأيناها بأعْيُنِنا صار ذلك عَيْنَ اليقينِ، فإذا أكلناها صار حَقَّ اليقينِ.
تفسير ابن عثيمين
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): باب: ما جاء في أنّ موسى عليه السلام ألقى الألواح فانكسرت
1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ». [رواه الإمام أحمد (١٨٤٢)
وقال محققو المسند: “حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو بشر: هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية.
وأخرجه ابن عدي في «الكامل» ٧/٢٥٩٦ من طريق أحمد بن سنان، عن يحيى بن حماد ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، بهذا الإسناد.
وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن هشيم، عن أبي بشر، به.
ثم قال: ويقال: إن هذا لم يسمعه هشيم من أبي بشر إنما سمعه من أبي عوانة، عن أبي بشر فدلسَه. وسيأتي بأطول مما هنا (٢٤٤٧) ويُخرج هناك.”. انتهى. ].
2) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللهَ عز وجل أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا، أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ)). [رواه أحمد في المسند (٢٤٤٧)، وقال محققو المسند: “حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سُريج بن النعمان، فمن رجال البخاري، وهشيم مدلس وقد رواه بالعنعنة، وقال ابن عدي: يقال: إن هذا لم يسمعه هشيم من أبي بشر، إنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر، فدلسه. أبو بشر: هو جعفر بن أبي وحشية.
ولقوله: ((ليس الخبر كالمعاينة))، شاهد من حديث أنس عند الخطيب البغدادي في “تاريخه” ٣/٢٠٠، والضياء في “المختارة” (١٨٢٧) و(١٨٢٨).
ومن حديث أبي هريرة عند الخطيب البغدادي ٨/٢٨”. انتهى مختصرا .]. وصححه الألباني
3 ) عن مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا بَعَثْتَنِي أَكُونُ كَالسِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ؟ قَالَ: «الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ» [رواه الإمام أحمد في مسنده (٦٢٨)، وقال محققو المسند: “حسن لغيره، رجاله ثقات لكن محمد بن عمر- وهو ابن علي بن أبي طالب- لم يدرك جده.
وأخرجه البخاري في «تاريخه» ١/١٧٧ عن يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري أيضًا، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/٩٢ من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، به.
وأخرجه البخاري ١/١٧٧ عن عبيد، والبزار (٦٣٤)، وأبو نعيم ٧/٩٣، وأبو الشيخ في «الأمثال» (١٥٦) من طريق أبي كريب كلاهما عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن إبراهيم بن محمد بن علي عن أبيه عن جده بأطول مما هنا. وهذا إسناد حسن متصل وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند البخاري.
وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٨٥) من طريق سليمان بن أحمد الحافظ حدثنا بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وعقيل عن الزهري عن أنس رفعه. وهذا سند حسن في الشواهد.
وأخرجه أبو الشيخ (١٥٥) من طريق محمد بن عبد اللهُ بن أسيد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا سعيد بن سليمان، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه. محمد بن عبد اللُه بن أسيد له ترجمة في «أخبارأصبهان» ٢/٢٧٣، وباقي رجاله ثقات، فهو حسن في الشواهد.
وفي الباب عن ابن عباس أيضًا بلفظ: «ليس الخبر كالمعاينة» وسيأتي في «المسند» ١/٢١٥، وصححه ابن حبان (٦٢١٣) .
السِّكة- بالكسر-: حديدة منقوشة تُضرب عليها الدراهم. قال السندي: وهي لا تتصرف في النقش، بل هي دائما تنقش النقش الذي فيها، يريد: أنه هل يكون مثلها في عدم التجاوز عن ما أمر به، وإن رأى المصلحة في خلافه؟ أو له النظر والرأي فيما يَظهر له بسبب الحضور؟ فأجاز له النظر، لأنه قد يخفى على الغائب ما يظهر للشاهد”. انتهى.].
(المطلب الثاني):
“أفاد الحديث أنه ليس حال الإنسان عند معاينة الشيء كحاله عند الخبر عنه في السكون والحركة وقوة التأثر، قال ابن القيم رحمه الله: “فلما قدم موسى عليه السلام ورأى ما أصاب قومه من الفتنة اشتد غضبه وألقى الألواح عن رأسه وفيها كلام الله الذي كتبه له، وأخذ برأس أخيه ولحيته، ولم يعتب الله عليه في ذلك؛ لأنه حمله عليه الغضب لله، وكان الله عز وجل قد أعلمه بفتنة قومه، ولكن لما رأى الحال مشاهدة حدث له غضب آخر فإنه ليس الخبر كالمعاينة”. [إغاثة اللهفان ( جزء 2 – صفحة 305)].
وقال الكلاباذي: الخبر خبران صادق لا يجوز عليه الخطأ، وهو خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ومحتمل وهو ما عداه فإن حمل الخبر على الأول فمعناه ليس المعاينة كالخبر في القوة، أي الخبر أقوى وآكد وأبعد عن الشكوك، إذا كان خبراً لصادق والمعاينة قد تخطئ فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه، كما في قصة موسى والسحرة، وإن حمل على الثاني فمعناه ليس المعاينة كالخبر بل هي أقوى وأكد؛ لأن المخبر لا يطمئن قلبه وتزول عنه الشكوك في خبر من يجوز السهو عليه والغلط. [فيض القدير (جزء 5 – صفحة 357)]. [الأمثال في السنة النبوية].
(المطلب الثالث): الفتاوى
[1]:سئل فضيلة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: السؤال هو عن قوله تعالى عن سيدنا موسى عليه السلام: ((وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه)) هنا نريد أن نعرف ما معنى الإلقاء حيث أن الله عز وجل في الآية الأخرى (( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ)) فهذه الألواح من عند الله عز جل ثم هنا جاءت بمعنى الإلقاء من سيدنا موسى عليه السلام فنريد أن نعرف يعني معنى ولو بإيجاز لهذه الآية؟
فأجاب الشيخ: معنى ماذا بالضبط؟ الإلقاء.
وسأل السائل: فألقى التي هي من عند الله عز وجل وكيف يكون هذا منه … ؟
وأجاب الشيخ: الإلقاء هو عمل ما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام, انتبه ما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام من الإلقاء للألواح التي فيها التوراة هو عمل صدر منه باللاشعور حيث ألقاها أرضا وكذلك أخذه أيضا برأس أخيه وفي الآية الأخرى بلحيته قال (( يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي )) كلّ هذا وذاك إنما كان من موسى عليه الصلاة والسلام بباعث البشرية والغضب … من هنا كان من حكمة الشارع الحكيم في دين الإسلام الذي هو خاتمة الأديان أن المسلم لا يؤاخذ بما قد يصدر منه في حالة الغضب مؤاخذة أخروية لا يؤاخذ مؤاخذة أخروية أوّلا وقد لا يؤاخذ مؤاخذة دنيوية عاجلا، … قال عليه الصلاة والسلام (لا طلاق في إغلاق)؛ أي: لا يقع طلاق المطلق لزوجته إذا طلقها في حالة إغلاق حل به، ما هو الإغلاق ؟ فسره العلماء بتفسيرين اثنين لا ثالث لهما:
الأول: الإغلاق هو الإكراه وزنا ومعنى، إغلاق إكراه وزنا لغة ومعنى لغة، هذا هو المعنى الأول.
والمعنى الآخر: هو الغضب، الإغلاق هو الغضب الذي يغلق على صاحبه طريق التفكير السليم، من أجل هذا الحديث ذهب كثير من علماءنا السلف رضي الله تعالى عنهم أن طلاق الغضبان لا يقع، ومن ذلك تلك الرسالة التي ألفها ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تبارك وتعالى والتي أسماها ” إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان”، هناك يبين أن طلاق الغضبان لا يقع، وله دليل آخر لكن هذا الدليل الآخر اقتباس استنباط واجتهاد من حديث صحيح، أما حديثنا السابق فهو نص في الموضوع (لا طلاق في إغلاق)، أما الحديث الآخر الذي يشد من دلالة الحديث الأول هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) يترتب من وراء هذا الحديث حكم شرعي أن القاضي الذي يحكم بين الناس بما أنزل الله لا يجوز له أن يحكم في حكومة ما بين اثنين وهو في حالة الغضب، لا يجوز له ذلك،
ولئن قدّر أن فعل ذلك فقضاؤه غير نافذ؛ لأن الرسول عليه السلام يقول: (لا طلاق في إغلاق) فلو حكم بين اثنين لأحدهما درهم على الآخر لا ينفذ هذا الحكم، فضلا عما إذا حكم بدنانير، بعشرات، بمئات هذا هو جواب السؤال السابق.
خلاصته أن موسى عليه الصلاة والسلام ألقى ألواح التوراة على الأرض لثورة غضبية أصيب بها حينما قيل له بأن قومه عادوا إلى عبادة العجل. [سلسلة الهدى والنور – شريط : 965 توقيت الفهرسة : 00:12:37].
[2] وسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة – رحمه الله -:
عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ وَ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ وَ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ فَمَا مَعْنَى كُلِّ مَقَامٍ مِنْهَا؟ وَأَيُّ مَقَامٍ أَعْلَى؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَقَالَاتٌ مَعْرُوفَةٌ. (مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مَا عَلِمَهُ بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ وَ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مَا شَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ بِالْبَصَرِ وَ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ مَا بَاشَرَهُ وَوَجَدَهُ وَذَاقَهُ وَعَرَفَهُ بِالِاعْتِبَارِ.» فَالْأُولَى «مِثْلُ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّ هُنَاكَ عَسَلًا وَصَدَّقَ الْمُخْبِرَ. أَوْ رَأَى آثَارَ الْعَسَلِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِهِ. وَ» الثَّانِي ” مِثْلُ مَنْ رَأَى الْعَسَلَ وَشَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ وَهَذَا أَعْلَى كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَيْسَ الْمُخْبِرُ كَالْمُعَايِنِ﴾ .
وَ الثَّالِثُ «مِثْلُ مَنْ ذَاقَ الْعَسَلَ وَوَجَدَ طَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا يُشِيرُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ وَقَالَ ﷺ ﴿ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ رَسُولًا﴾ فَالنَّاسُ فِيمَا يَجِدُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَيَذُوقُونَهُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَطَعْمُهُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:»الْأُولَى «مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِهِ شَيْخٌ لَهُ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُبَلِّغُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْعَارِفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ يَجِدُ مِنْ آثَارِ أَحْوَالِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَ» الثَّانِيَةُ «مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ وَعَايَنَهُ مِثْلُ أَنْ يُعَايِنَ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَوَاجِيدَهُمْ وَأَذْوَاقَهُمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُشَاهِدْ مَا ذَاقُوهُ وَوَجَدُوهُ وَلَكِنْ شَاهَدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَكِنْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْمُخْبِرِ وَالْمُسْتَدِلِّ بِآثَارِهِمْ. وَ» الثَّالِثَةُ ” أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ فِي نَفْسِهِ مَا كَانَ سَمِعَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَقَدْ كُنْت فِي حَالٍ أَقُولُ فِيهَا إنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ. وَقَالَ آخَرُ: إنَّهُ لَيَمُرُّ عَلَى الْقَلْبِ أَوْقَاتٌ يَرْقُصُ مِنْهَا طَرَبًا. وَقَالَ الْآخَرُ: لَأَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَلَذُّ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ. وَالنَّاسُ فِيمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
إحْدَاهَا الْعِلْمُ بِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَتْهُمْ الرُّسُلُ وَمَا قَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ.» الثَّانِيَةُ «: إذَا عَايَنُوا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَ» الثَّالِثَةُ ” إذَا بَاشَرُوا ذَلِكَ؛ فَدَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ؛ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ وَدَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَذَاقُوا مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَالنَّاسُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ وَفِيمَا يُوجَدُ خَارِجَ الْقُلُوبِ عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَاتِ الثَّلَاثِ. وَكَذَلِكَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا: فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِالْعِشْقِ أَوْ النِّكَاحِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَذُقْهُ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ فَإِنْ شَاهَدَهُ وَلَمْ يَذُقْهُ كَانَ لَهُ مُعَايَنَةٌ لَهُ فَإِنْ ذَاقَهُ بِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ ذَوْقٌ وَخِبْرَةٌ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَذُقْ الشَّيْءَ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ فَإِنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا تُفِيدُ التَّمْثِيلَ وَالتَّقْرِيبَ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْحَقِيقَةِ فَلَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعِبَارَةِ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ قَدْ ذَاقَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ وَعَرَفَهُ وَخَبَرَهُ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِالْخِبْرَةِ وَالذَّوْقِ مَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ بِالْخَبَرِ وَالنَّظَرِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سخطة لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقَلْبَ لَا يُسْخِطُهُ أَحَدٌ﴾ . فَالْإِيمَانُ إذَا بَاشَرَ الْقَلْبَ وَخَالَطَتْهُ بَشَاشَتُهُ لَا يُسْخِطُهُ الْقَلْبُ بَلْ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ فِي الْقَلْبِ وَاللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالْبَهْجَةِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ لِمَنْ لَمْ يَذُقْهُ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَوْقِهِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ لَهُ مِنْ الْبَشَاشَةِ مَا هُوَ بِحَسَبِهِ وَإِذَا خَالَطَتْ الْقَلْبَ لَمْ يُسْخِطْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بِمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِبْشَارُ هُوَ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَجِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْحَلَاوَةِ وَاللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَ» اللَّذَّةُ ” أَبَدًا تَتْبَعُ الْمَحَبَّةَ فَمَنْ أَحَبّ شَيْئًا وَنَالَ مَا أَحَبَّهُ وَجَدَ اللَّذَّةَ بِهِ؛ فَالذَّوْقُ هُوَ إدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ اللَّذَّةَ الظَّاهِرَةَ كَالْأَكْلِ مَثَلًا: حَالُ الْإِنْسَانِ فِيهَا أَنَّهُ يَشْتَهِي الطَّعَامَ وَيُحِبُّهُ ثُمَّ يَذُوقُهُ وَيَتَنَاوَلُهُ فَيَجِدُ حِينَئِذٍ لَذَّتَهُ وَحَلَاوَتَهُ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مَحَبَّةٌ أَعْظَمُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَتَمُّ مِنْ مَحَبَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ لِذَاتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَكُلُّ مَا يُحِبُّ سِوَاهُ فَمَحَبَّتُهُ تَبَعٌ لِحُبِّهِ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ إنَّمَا يُحِبُّ لِأَجْلِ اللَّهِ وَيُطَاعُ لِأَجْلِ اللَّهِ وَيُتَّبَعُ لِأَجْلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إلَيْهِ مَنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ . وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ ﴿مَنْ أَحَبّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ كُلِّ مُحِبٍّ لِمَحْبُوبِهِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَ» الْمَقْصُودُ هُنَا «أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَجِدُونَ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ مَا يُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ وَلِهَذَا عَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا يَجِدُونَهُ بِالْمَحَبَّةِ فَقَالَ: ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ﴾ . وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَجِدُونَهُ مِنْ ثَمَرَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ. وَالتَّوَكُّلُ وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
» مِنْهُمْ «مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ سَمَاعًا وَاسْتِدْلَالًا.
» وَمِنْهُمْ «مَنْ شَاهَدَ وَعَايَنَ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ.
وَ» مِنْهُمْ ” مَنْ وَجَدَ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ الِالْتِجَاءَ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَقَطَعَ التَّعَلُّقَ بِمَا سِوَاهُ وَجَرَّبَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَخْلُوقِينَ وَرَجَاهُمْ وَطَمِعَ فِيهِمْ أَنْ يَجْلِبُوا لَهُ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعُوا عَنْهُ مَضَرَّةً فَإِنَّهُ يُخْذَلُ مِنْ جِهَتِهِمْ؛ وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ بَلْ قَدْ يَبْذُلُ لَهُمْ مِنْ الْخِدْمَةِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَرْجُو أَنْ يَنْفَعُوهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ إلَيْهِمْ فَلَا يَنْفَعُونَهُ: إمَّا لِعَجْزِهِمْ وَإِمَّا لِانْصِرَافِ قُلُوبِهِمْ عَنْهُ وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى اللَّهِ بِصِدْقِ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَاسْتَغَاثَ بِهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ أَجَابَ دُعَاءَهُ؛ وَأَزَالَ ضَرَرَهُ وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ ذَاقَ مِنْ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ لِلَّهِ مَا لَمْ يَذُقْ غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ؛ يَجِدُ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالنَّتَائِجِ وَالْفَوَائِدِ مَا لَا يَجِدُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. بَلْ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ فِي مِثْلِ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ؛ وَتَعَلُّقِهِ بِالصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ أَوْ جَمْعِهِ لِلْمَالِ يَجِدُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنْ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْآلَامِ وَضِيقِ الصَّدْرِ مَا لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ. وَرُبَّمَا لَا يُطَاوِعُهُ قَلْبُهُ عَلَى تَرْكِ الْهَوَى وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَسُرُّهُ؛ بَلْ هُوَ فِي خَوْفٍ وَحُزْنٍ دَائِمًا: إنْ كَانَ طَالِبًا لِمَا يَهْوَاهُ فَهُوَ قَبْلَ إدْرَاكِهِ حَزِينٌ مُتَأَلِّمٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ. فَإِذَا أَدْرَكَهُ كَانَ خَائِفًا مِنْ زَوَالِهِ وَفِرَاقِهِ. وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؛ فَإِذَا ذَاقَ هَذَا أَوْ غَيْرُهُ حَلَاوَةَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ. وَالْعِبَادَةُ لَهُ. وَحَلَاوَةُ ذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ. وَفَهِمَ كِتَابَهُ. وَأَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمَلُهُ صَالِحًا. وَيَكُونُ لِوَجْهِ اللَّهِ خَالِصًا؛ فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ السُّرُورِ وَاللَّذَّةِ وَالْفَرَحِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا يَجِدُهُ الدَّاعِي الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي نَالَ بِدُعَائِهِ وَتَوَكُّلِهِ مَا يَنْفَعُهُ مِنْ الدُّنْيَا. أَوْ انْدَفَعَ عَنْهُ مَا يَضُرُّهُ؛ فَإِنَّ حَلَاوَةَ ذَلِكَ هِيَ بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ انْدَفَعَ عَنْهُ مِنْ الْمَضَرَّةِ وَلَا أَنْفَع لِلْقَلْبِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَلَا أَضَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِشْرَاكِ. فَإِذَا وَجَدَ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَعَ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كَانَ هَذَا فَوْقَ مَا يَجِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ لَمْ يَجِدْ مِثْلَ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مجموع الفتاوى، لابن تيمية (ت ٧٢٨) رحمه الله تعالى، (1/ 645 – 654)].
(المسألة الثانية): تفسير قال الله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [(سورة الأعراف: 150)].
(المطلب الأول): غريب الكلمات:
{أَسِفًا}: أي: حزينًا، وقيل: شديدَ الغَضَبِ، يُقالُ: آسَفَني فأَسِفْتُ، أي: أغضبَني فغَضِبْتُ، والأَسَفُ: حزنٌ مَعَ غضَبٍ، وأَصْلُ (أسف): يدُلُّ على الفَوتِ والتَّلَهُّفِ [انظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 59)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/103)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 119)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 114)].
{فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}: أي: فلا تَسُرَّهم بما أَكْرَهُ؛ فالشَّماتَةُ: السُّرورُ بمكارِه الأَعداءِ، والفَرَحُ بِبَلِيَّةِ مَنْ تُعادِيه ويُعاديكَ [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/460)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 162)، ((المفردات)) للراغب (ص: 463)]
(المطلب الثاني): تفسير الآيات:
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)}
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا}
أي: ولَمَّا رجَعَ موسى من مُناجاةِ اللهِ إلى قومِه بني إسرائيلَ، وهو شديدُ الغضَبِ حزينًا، بعْدَ أنْ أعلَمَه اللهُ بعبادةِ قومِه العِجْلَ، عَقِبَ انصِرافِه عنهم [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/449)، ((تفسير ابن عطية)) (2/456)، ((تفسير ابن كثير)) (3/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/113). قال الواحديُّ: (اختلَفوا في معنى الأَسِفِ؛ فقيل: الأَسِفُ: الشَّديدُ الغضَبُ، وهو قول أبي الدرداء، و…ابن عباس، واختيار الزجاج، واحتجُّوا بقوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] ، أي: أغضبونا، واختاره ابن قُتَيْبَةَ…، وقال ابنُ عباس والسُّدِّيُّ والحسن: الآسِفُ: الحزينُ… والقولان مُتقارِبان؛ لأن الغضبَ من الحزن، والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تَكرَه ممَّن هو دونَك غضِبتَ، وإذا جاءك ممَّن هو فوقك حزِنتَ، يُسمَّى أحدُهما: حزنًا، والآخرُ: غضبًا، وأصْلُهما أنْ يُصيبَك ما تكرَه). [((البسيط)) (9/365- 366). ويُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/378)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/156)].
كما قال تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 83-86].
{قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي}
أي: بِئْسَ الحالُ والفِعْلُ الَّذي قُمْتُمُوه مَقامي بعِبادتِكم العجلَ بعْدَ انصِرافي عنكم! وقدْ كنْتُ آمُرُكم بتوحيدِ اللهِ، وأُحَذِّرُكم من الشِّرْكِ. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/450)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/156)، ((تفسير أبي حيان)) (5/180)، ((تفسير ابن كثير)) (3/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)].
كما قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 138-140].
وقال سُبحانَه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 6- 8].
{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}
أي: هل استعجلتُم مَجيئي إليكم من مُناجاةِ اللهِ قبْلَ الوقتِ الَّذي قدَّرَه اللهُ تعالى لِتَمامِ هذا الموعِدِ، ولم تَنتظِروني، فعبَدْتُم العِجلَ، ولم تُحافظوا على ما وصَّيْتُكم به من عِبادةِ اللهِ حتَّى أرجِعَ إليكم بالخيرِ الَّذي أتَيْتُكم به مِن عِندِ اللهِ تعالى ؟! [نظر: ((تفسير السمرقندي)) (1/552)، ((تفسير الزمخشري)) (2/161)، ((تفسير ابن عطية)) (2/457)، ((تفسير ابن جزي)) (1/302)، ((تفسير ابن كثير)) (3/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/115)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/179- 180)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/41)].
كما قال تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} [طه: 86] .
{وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} أي: ورَمى موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الألواحَ في الأرضِ؛ غَضَبًا على قومِه حينَ رآهم يَعبُدونَ العِجلَ [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/451، 454)، ((تفسير ابن كثير)) (3/477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/115). قال الرازيُّ: (ليس في القرآن إلَّا أنَّه أَلْقى الألواحَ، فأمَّا أنَّه ألْقاها بحيثُ تَكسَّرَتْ فهذا ليس في القُرآن). ((تفسير الرازي)) (15/372). وقال ابنُ عاشور: (وقَعَ في التَّوراةِ أنَّ الألواحَ تكسَّرَتْ حين ألقاها، وليس في القرآنِ ما يدُلُّ على ذلك سِوى أنَّ التعبيرَ بالإلقاء الذي هو الرَّمْيُ، وما رُوِيَ من أنَّ الألواح كانت من حَجَرٍ، يقتضي أنها اعتراها انكسارٌ، ولكنَّ ذلك الانكسارَ لا يُذهب ما احتوتْ عليه من الكتابة، وأمَّا ما رُوِيَ أنها لمَّا تكسَّرت ذهب سِتَّةُ أسباعِها، أو ذهب تفصيلُها وبَقِيَتْ موعظتُها، فهو مِن وَضْعِ القصَّاصين، والله تعالى يقول: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/115- 116). وقال الشنقيطيُّ: (وكثيرٌ من المفسِّرين يقولون: إنَّه ألقاها إلقاءً قويًّا حتى تكسَّرت، وأنه رُفِعَ شيءٌ منها مع المكسَّرِ منها. وكلُّ هذا لا دليلَ عليه، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ صحيحٌ لا في كتاب ولا من سُنَّةٍ، وظاهرُ القرآنِ أنَّها لم تتكسَّرْ، ولم يَضِعْ منها شيء؛ لأنه قال: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ} [الأعراف: آية 154]، و(أل) هنا عَهْدِيَّةٌ، وهي الألواح المعهودةُ التي ألقاها). ((العذب النمير)) (4/181- 182)].
{وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}
أي: وأَمْسَكَ موسى بشَعْرِ رأسِ أخيه هارونَ، وجعَلَ يَسحَبُه بشِدَّةٍ؛ غَضَبًا عليه. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/457)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/410)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/65). قيل: غضِبَ موسى من هارونَ؛ لتَرْكِه اللَّحاقَ به إلى الطُّور، وإقامتِه مع بني إسرائيلَ بعد عبادتِهم العِجلَ. وهذا قول ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/457). وقيل: خَشْيَةَ أن يكونَ قد قَصَّرَ في نَهْيِهم. وهذا قولُ ابنِ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/477). وقيل: هذا تأنيبٌ لهارونَ على عدمِ أخْذِه بالشِّدَّةِ على عَبَدَةِ العِجلِ، واقتصارِه على تغييرِ ذلك عليهم بالقول. وهو قولُ ابنِ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/65)].
كما قال تعالى: {قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92-93].
{قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي}
أي: قال هارونُ مُستعطِفًا موسى عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا ابنَ أُمِّي، إنَّ الَّذينَ عبَدوا العِجلَ اعتقدوا أنِّي ضَعيفٌ واحتقَروني؛ فَلَمْ يُطيعوني عندما نَهَيْتُهم عن عِبادتِه. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/460)، ((تفسير ابن عطية)) (2/457)، ((تفسير السعدي)) (ص: 304)].
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا اعْتَذَرَ هارون إلى موسى عليهما السلام، وتَحَقَّقَ مُوسَى عليه السَّلامُ براءَةَ ساحَتِه، وتبيَّنَ له عُذْرُه، وعَلِمَ أنَّه لم يُفرِّطْ في الواجبِ الَّذي كان عليه- دعا [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/462)، ((تفسير ابن كثير)) (3/477)]، فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي؛ لِيُرْضيَ أخاه، ويُظهِرَ لأهلِ الشَّماتَةِ رِضاه عنه؛ فلا يَتِمَّ لهم شَماتتُهم، واستغفَرَ لنفسِه ممَّا فَرَطَ منه إلى أخيه، ولِأخيه أنْ عسَى فَرَّطَ في حِين الخِلافةِ، وطَلَبَ ألَّا يتفرَّقا عن رحمتِه، ولا تَزالَ مُتضمِّنَةً لهما في الدُّنيا والآخرةِ [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/184)].
(المطلب الثالث ): الفوائد التربوية من الآية:
قولُ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، فيه دليلٌ على أنَّ السَّيِّئاتِ بِأَسْرِها- صغيرِها وكبيرِها- مشتركةٌ في التَّوبةِ، وأنَّ اللهَ تعالى يَغفِرُها جميعًا بفَضْلِه ورحمتِه، وهذا مِن أعظَمِ ما يُفيدُ البِشارةَ والفَرَحَ للمُذنِبينَ التَّائبينَ [نظر: ((تفسير الشربيني)) (1/520)].
الإيمانُ هو الأساسُ الَّذي لا يُقْبَلُ عمَلٌ لم يُبْنَ عليه، يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/92)].
(المطلب الرابع ): الفوائد العلمية واللطائف من الآية:
قولُ اللهِ تعالى: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} فيه مِن اللَّطائفِ: أنَّه عبر هنا بالعجلةِ، ولم يُعبِّر بالسرعةِ؛ لأنَّه أنسبُ لفِعلِهم؛ فالعَجلةُ: التقدُّمُ بالشيءِ قبلَ وقْتِه، والسُّرعةُ: عملُه في أقلِّ أوقاتِه [انظر: ((تفسير الماوردي)) (2/263)].
قولُ اللهِ تعالى: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}، موسى صلواتُ اللهِ عليه لم يكُنْ ليُلْقيَ ألواحًا كتَبَها اللهُ تعالى، فيها كلامُه مِن على رأسِه إلى الأرضِ اختيارًا منه لذلك، ولا كان فيه مَصلحةٌ لبني إسرائيلَ، وكذلك جَرُّهُ هارونَ بلحيتِه ورأسِه وهو أخوه، وإنَّما حَمَلَه على ذلك الغَضَبُ؛ فعَذَرَه اللهُ سُبحانَه به، ولم يَعْتِبْ عليه بما فَعَلَ؛ إذ كان مصدرُه الغضَبَ الخارجَ عن قُدْرةِ العبْدِ واختيارِه؛ فالمُتَوَلِّدُ عنه غيرُ منسوبٍ إلى اختيارِه ورِضاه به. [انظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (ص: 34)].
كلُّ مُفتَرٍ على اللهِ، كاذبٍ على شَرْعِه، مُتَقَوِّلٍ عليه ما لم يَقُلْ؛ له نَصيبٌ من الغَضَبِ من اللهِ، والذُّلِّ في الحياةِ الدُّنيا، يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [انظر: ((تفسير السعدي)) (ص:303)].
قولُ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ}، جَمَعَ {السَّيِّئَاتِ}؛ إعلامًا بأنَّه لا يَتَعاظَمُه ذَنْبٌ، وإنْ عَظُمَ وكَثُرَ. [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/92)].
(المطلب الخامس ): بلاغة الآيات:
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي}
قوله: {أَسِفًا} بدون مدٍّ صِيغةُ مبالغةٍ للآسِفِ (بالمدِّ)، الذي هو اسمُ فاعلٍ للذي حلَّ به الأسفُ [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/114)].
وزِيادةُ {مِنْ بَعْدِي} عَقِب {خَلَفْتُمُونِي}؛ للتذكيرِ بالبَون الشاسعِ بينَ حال الخَلف وحال المخلوفِ عنه، تصويرًا لفظاعةِ ما خَلَفوه [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/114)].
قوله: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}
قوله: {ابْنَ أُمَّ} مُنادًى بحذْفِ حرْف النِّداء، والنداء بهذا الوصفِ للتَّرقيقِ والاستشفاعِ، ولم يقُلْ: يا ابنَ أَبي، وهما لأبٍ واحدٍ وأُمٍّ واحدةٍ؛ استِعطافًا له على نفسِه بِرَحِمِ الأُمِّ، وحُذِفَ حرفُ النِّداءِ؛ لإظهارِ ما صاحَبَ هارونَ مِن الرُّعبِ والاضطرابِ، أو لأنَّ كلامَه هذا وقَع بعدَ كلامٍ سبَقَه فيه حرفُ النِّداء. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/460)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/116)].
وقوله: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} فيه تأكيدُ الخبرِ بـ(إنَّ)؛ لتحقيقِه لدَى موسى، لأنَّه بحيثُ يُتردَّدُ فيه قَبْلَ إخبارِ المُخبِر به، والتأكيدُ يَستدعيه قَبولُ الخَبرِ للتردُّدِ مِن قِبَلِ إخبارِ المخبِر به، وإنْ كان المخبِرُ لا يُظَنُّ به الكذبُ، أو لئلَّا يُظنَّ به أنَّه توهَّم ذلك مِن حالِ قومِه، وكانتْ حالُهم دونَ ذلك [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/117)]. [التفسير].
والرابع: فوائد الحديث:
١ – (منها): تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ، وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.
٢ – (ومنها): “أن الله جعل لعباده أذاناً واعية وأبصاراً ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوة والتأثير كالنظر بالعيان، بل المشاهدة أقوى في تحصيل العلم القطعي، وقد سأل إبراهيم الخليل عليه السلام ربه أن يريه إحياء الموتى عياناً بعد علمه بقدرة الرب على ذلك؛ ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيباً شهادة.
3 – (ومنها): أن البيان بالفعل أثبت أحياناً – فيما فيه عمل- من القول، وأسرع إلى الفهم، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين بعض العبادات لأصحابه بالفعل كالصلاة والوضوء وغيرهما.
4 – (ومنها): طعن بعض الملحدين في حديث موسى عليه السلام هذا، فقال: لم يصدق بما أخبره به ربه، ورد بأنه ليس في هذا ما يدل على أنه لم يصدق أوشك فيما أخبره، ولكن للعيان روعة للقلب فهو أبعث لهلعه من المسموع، وموسى عليه السلام لما رجع إلى قومه وعاين حالهم حدث في نفسه من الإنكار والتغيير ما لم يحدث بالخبر، فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، والله تعالى أعلم. [الأمثال في السنة النبوية].
[تنبيه]: انظر مقال بعنوان: “بعض ضلالات سيد قطب ومنها سخريته بنبي الله موسى – عليه الصلاة والسلام –”، أعيدها مرة أخرى مع بعض الإضافات، للعلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله تعالى.
5 – (ومنها): على الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر أن يتثبت من صحة الأخبار حتى لا يظلم أحدا.