684 ‘ 685 ‘ 686 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي
وأسامة الحميري وأحمد بن خالد وأبي الربيع
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ
684 – حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا» وَفِي البَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِ هَذَا. «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، ” وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ ”
685 – حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
686 – حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم» وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ.: «حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، وَرَأَى أَكْثَرُهُمْ إِنْ صَامَهُ فَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ ”
———-
قال المباركفوري :
باب ما جاء لا تقدموا الشهر بصوم)
[٦٨٤] قوله (لا تقدموا) بفتح التاء وأصله لا تتقدموا بالتائين حذفت إحداهما كما في (تلظى) قال السيوطي في قوت المغتذي إنما نهي عن فعل ذلك لئلا يصوم احتياطا لاحتمال أن يكون من رمضان وهو معنى قول المصنف (لمعنى رمضان) وإنما ذكر اليومين لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغيم أو الظلمة في شهرين أو ثلاثة فلذا عقب ذكر اليوم باليومين
والحكمة في النهي أن لا يختلط صوم الفرض بصوم نقل قبله ولا بعده حذرا مما صنعت النصارى في
الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد انتهى
وقال الحافظ في فتح الباري والحكمة فيه التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بثلاثة أيام أو أربعة جاز وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر أيضا لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو بيومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء ويلحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما
قال بعض العلماء يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظن
وفي الحديث رد على من يرى بتقديم الصوم على الرؤية كالرافضة ورد على من قال بجواز صوم النفل المطلق انتهى
قوله (صوموا لرؤيته) أي لأجل رؤية الهلال فاللام للتعليل والضمير للهلال على حد (توارت بالحجاب) اكتفاء بقرينة السياق (فإن غم عليكم) أي غطي الهلال في ليلة الثلاثين
قال الجزري في النهاية يقال غم علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم أو نحوه من غممت الشيء إذا غطيته وفي غم ضمير الهلال ويجوز أن يكون غم مسندا إلى الظرف أي فإن كنتم مغموما عليكم فأكملوا العدة انتهى (فعدوا ثلاثين) بصيغة الأمر من العد
والمعنى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما
قوله (وفي الباب عن بعض أصحاب النبي ﷺ إلخ) قال الحافظ في الفتح وروى أبو داود والنسائي وبن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعا لا تقدموا الشهر متى ترووا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى ترووا الهلال أو تكملوا العدة
وقيل الصواب فيه عن ربعي عن رجل من الصحابة مبهم ولا يقدح ذلك في صحته انتهى
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح)
[٦٨٥] قوله (لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله بيوم أو يومين) إنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك وقد قطع كثير من الشافعية بأن ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان بحديث أبي هريرة مرفوعا إذا انتصف شعبان فلا تصوموا أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغيره وقال الروياني من الشافعية يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر
وقال جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه
وقال أحمد بن معين إنه منكر وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شعبان لكن إسناده ضعيف وجمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان قال الحافظ وهو جمع حسن
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة
٣ – (باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك
… ذكر الخلاف ثم قال :
واستدل المجوزون لصومه بأدلة ثم ذكرها الشوكاني وتكلم عليها وليس فيها ما يفيد مطلوبهم ثم قال قال بن عبد البر وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار وبن مسعود وحذيفة وبن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك ثم قال والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك وليس قول بعضهم بحجة على أحد والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته
قال وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال انتهى (ورأى
أكثرهم إن صامه) أي صوم يوم الشك (وكان من شهر رمضان أن يقضي يوما مكانه) لأن الذي صام يوم الشك لم يصم صوم رمضان على اليقين وإن ظهر بعد أنه كان من رمضان فلا بد له من أن يقضي يوما مكانه
تحفة الأحوذي ٣/٢٩٦ — عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣)
—
قال ابن رجب:
المجلس الثالث في صيام آخر شعبان
ثبت في الصحيحين عن عمران بن حُصين: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لرجل: “هل صُمْتَ من سَرَرِ هذا الشهرِ شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرْتَ فَصُمْ يومين”. وفي رواية للبخاري: أظنه يعني رمضانَ. وفي رواية لمسلم، وعلَّقَها البخاري: “هَلْ صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ “. وفي رواية: “فإذا أفطرْتَ مِن رمضانَ فصُمْ يومين مكانَه”. وفي روايةٍ: يومًا أو يومين، شَكَّ شعبةُ.
ورُوي “من سِرَار هذا الشهرِ”.
وقد اختُلِفَ في تفسير السّرار، والمشهور أنَّه آخِرُ الشَّهرِ؛ يقال: سِرارُ الشهرِ وسرارُه، بكسر السين وفتحها، ذكره ابنُ السكيت وغيرُه. وقيل: إن الفتح أفصَحُ، قالَه الفراء. وسُمي آخرُ الشهرِ سِرارًا لاسْتِسْرارِ القمر فيه. وممن فسَّرَ السِّرارَ بآخرِ الشهرِ أبو عبيد وغيرُه من الأئمة. وكذلك بَوَّبَ عليه البخاريُّ صيامَ آخر الشهر، وأشكلَ هذا على كثيرٍ من العلماء؛ فإنَّ في “الصحيحين” أيضًا، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “لا تَقدَّموا رمضانَ بيومٍ أو يومين، إلَّا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْهُ”.
فقال كثيرٌ من العلماء، كأبي عبيد، ومَن تابعَهُ، كالخطَّابي، وأكثرُ شُرَّاحِ الحديثِ: إن هذا الرجلَ الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلَمُ أن له عادةً بصيامِهِ، أو كان قد نذَرَهُ، فلذلك أمرَهُ بقضائِهِ. وقالت طائفة: حديثُ عِمرانَ يَدُلُّ على أنه يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ وآخِرِ شعبانَ مطلقًا، سواء وافقَ عادةً أو لم يوافق. وإنما يُنهَى عنه إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضَانيةِ احْتياطًا، وهذا مذهبُ مالك، وذَكَرَ أنَّه القولُ الذي أدرَكَ عليه أهلَ العلم…. وأحسنُ ما حُمِلَ عليه أن هذا الرَّجُلَ الذي سأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان قد علِمَ منه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يَصُومُ شعبانَ أو أكثرَهُ موافقةً لِصيام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أفطَرَ فيه بعضَه، فسأله عن صيام آخِره، فلمَّا أخبَرَهُ أنَّه لم يَصُمْ آخِرَه أَمَرَه بأن يَصُومَ بدَلَه بعدَ يومِ الفطرِ؛ لأن صيامَ أوَّلِ شوالٍ كصيامِ آخِرِ شعبانَ، وكلاهما حَريمٌ، لرمضانَ. وفيه دليل على استحباب قضاءِ ما فاتَ من التطوُّعِ بالصيامِ، وأن يكونَ في أيام مُشابهةٍ للأيَّامِ التي فات فيها الصِّيامُ في الفَضْلِ، وفيه دليلٌ على أنه يجوزُ لِمن صامَ شعبانَ أو أكثرَه أن يصلَهُ برمضانَ من غير فَصْلٍ بينهما. فصيامُ آخِر شعبانَ له ثلاثةُ أحوال:
أحدها: أنْ يَصومَه بِنيَّة الرمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ، فهذا منهيٌّ عنه، وقد فعَلَه بعضُ الصحابة، وكأنَّهم لم يبلغهم النهيُ عنه؛ وفرَّق ابنُ عمرَ بينَ يوم الغيمِ والصَّحْوِ في يوم الثلاثين من شعبانَ، وتبعه الإمامُ أحمد.
والثاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النذر أو قضاءٍ عن رمضانَ أو عن كفَّارةٍ ونحو ذلك، فجوزَه الجمهورُ. ونهى عنه مَن أمَرَ بالفصل بين شعبانَ ورمضانَ بفطر يومٍ مُطلقًا، وهم طائفةٌ من السَّلفِ. وحُكي كراهتُهُ أيضًا عن أبي حنيفة والشافعي، وفيه نظرٌ.
والثالث: أن يُصامَ بنيَّةِ التطوُّعِ المطلَقِ، فكرِهَهُ مَن أمَرَ بالفَصْلِ بين شعبانَ ورمضانَ بالفِطر؛ منهم الحسنُ، وإن وافقَ صومًا كان يصومُه، ورخَّص فيه مالكٌ ومَن وافَقَه، وفَرَّق الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وغيرُهم بينَ أن يُوافِقَ عادةً أولا، وكذلك يُفرَقُ بينَ مَن تقدَّم صيامُه بأكثَرَ مِن يومين ووَصَلَه برمضانَ، فلا يُكرَه أيضًا إلَّا عندَ من كَرهَ الابتداءَ بالتطوُّع بالصِّيامٍ بعدَ نصف شعبانَ؛ فإنَّه ينهَى عنه إلَّا أن يبتدئَ الصيامَ قبلَ النصفِ ثم يَصِلَه برمضان.
وفي الجملة فحديثُ أبي هريرةَ هو المعمولُ به في هذا الباب عندَ كثيرٍ من العلماء وأنه يُكره التقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتطوُّعِ بالصيامِ بيوم أو يومين لمن ليس له به عادةٌ، ولا سَبَقَ منه صيامٌ قبلَ ذلك في شعبانَ متصلًا بآخِرِه. ولكراهة التقدُّم ثلاثةُ معانٍ:
أحدها: أنَّه على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنهَى عن التقدُّم قبلَه؛ لئلَّا يزادَ في صيام رمضانَ ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيدِ لهذا المعَنى، حَذَرًا مِمَّا وقَعَ فيه أهَلُ الكتابِ في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأَهوائهم. وخرَّجَ الطبرانيُّ وغيرُه عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: إنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشهرَ فيصُومونَ قبلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزلَ الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. قالت عائشة: إنَّما الصومُ صَومُ النَّاسِ، والفِطْرُ فِطْرُ النَّاسِ.
ومع هذا فكان من السَّلفِ مَنْ يتقدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّةٌ عليه، ولهذا نُهي عن صيامِ يومِ الشكِّ. قال عمَّار: مَنْ صامَهُ فقد عَصَى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
ويومُ الشكِّ: هو اليومُ الذي يُشَكُّ فيه؛ هل هو مِن رمضانَ أو غيرِه؟ فكان من المتقدِّمينَ مَنْ يَصُومُه احْتِياطًا، ورخَّصَ فيه بعضُ الحنفيَّةِ للعلماءِ في أنفسِهِم خاصَّةً دون العامَّةِ، لئلَّا يعتقدوا وُجوبَه بناءً على أصلِهم في أن صومَ رمضانَ يُجزئ بنيَّةِ الصيامِ المطلقِ والنَّفلِ، ويومُ الشكِّ هو الذي تحدَّثَ برؤيته مَن لم يُقبَلْ قولُه.
فأمَّا يومُ الغيمِ: فمِنَ العُلماءِ مَنْ جعَلَه يومَ شكِّ ونهى عن صيامِه، وهو قولُ الأكثرينَ؛ ومنهم من صامه احْتياطًا، وهو قولُ ابن عمرَ، وكان الإِمامُ أحمدُ يتابعُه على ذلك؛ وعنه في صيامِهِ ثلاثُ رواياتٍ مشهوراتٍ؛ ثالثُها: لا يُصامُ الَّا مع الإمامِ وجماعةِ المسلمين؛ لئلَّا يقعَ الافتياتُ عليهم والانفرادُ عنهم. وقال اسحاقُ: لا يُصامُ يومُ الغيم، ولكن يتلوَّمُ بالأكل فيه إلى ضَحْوةِ النَّهارِ خَشيةَ أن يُشهدَ برؤيته بخلافِ حال الصَّحْو؛ فإنه يأكُلُ فيه من غدوةٍ.
والمعنى الثاني: الفَصْلُ بين صيام الفرض والنَّفْل؛ فإنَّ جنسَ الفصلِ بينَ الفرائض والنَّوافِل مشروعٌ، ولهذا حَرُمَ صِيامُ يوم العيدِ. ونَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ توصَلَ صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتى يُفصَلَ بينهما بسلام أوَ كلامٍ، .. فمنهم مَن كَرِهَ وَصْلَ صَوم شعبانَ برمضانَ مطلقًا. ورُوي عن ابن عُمَرَ، قال: لو صُمْتُ الدَّهْرَ كلَّه لأفْطَرْتُ الذَي بينهما. ورُوي فيه حديث مرفوعٌ لا يصِحُّ. والجمهورُ على جواز صيامِ ما وافَقَ عادةً؛ لأنَّ الزِّيادة إنَّما تُخشَى إذا لم يُعرفْ سَببُ الصِّيام.
والمعنى الثالث: أنَّه أمرَ بذلك؛ للتقوَّي على صِيامِ رمضانَ؛ فإنَّ مُواصلَةَ الصِّيامِ قد تُضعِفُ عن صيام الفَرْضِ، فإذا حصل الفِطرُ قبلَه بيوم أو يومين كان أقربَ إلى التقوِّي على صِيام رَمضانَ. وفي هذا التعليل نظرٌ، فإنه لا يُكرَهُ التقدُّمُ بأكثرَ من ذلك، ولا لمن صام الشهر كلَّه، وهو أبلَغُ في معنَى الضُّعف، لكنَ الفطر بنيَّةِ التقوِّي لصيامِ رمضانَ حَسَنٌ لمن أضعَفُه مُواصلَةُ الصيامِ، كما كان عبدُ الله بن عمرو بن العاص يسرُدُ الفِطرَ أحيانًا، ثم يسرُدُ الصَّوْمَ ليتقوَّى بفطرِهِ على صَوْمِه. ومنه قولُ بعضِ الصَّحابة: إنِّي أحتسِبُ نَوْمَتِي كما أحتسِبُ قَوْمتِي.
وفي الحديثِ المرفوعِ: “الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كالصَّائمِ الصَّابِرِ”. خَّرجه الترمذِيُّ وغيرُه.
ولَربَّما ظنَّ بعضُ الجهَّالِ أَنَّ الفِطْر قبلَ رمضانَ يُراد به اغتنامُ الأكلِ؛ لتأخُذَ النُّفوسُ حظَّها مِن الشهواتِ قبلَ أن تُمنَعَ مِن ذلك بالصِّيامِ، ولهذا يقولون: هي أيَّام توديعٍ للأكلِ، وتسمَّى تَنْحِيسًا، واشتقاقه من الأيام النَّحِسَاتِ. ومَنْ قال: هو تَنهيسٌ، بالهاء، فهو خطأٌ منه، ذكره ابنُ دُرُسْتَوَيْه النَّحوِيُّ، وذكَر أن أَصْلَ ذلك مُتَلقًّى مِنَ النَّصارى؛ فإنَّهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كلُّه خطأٌ وجَهْلٌ ممن ظنَّه. وربَّما لم يقتصِرْ كثيرٌ منهم على اغتنام الشهواتِ المباحةِ، بل يتعدَّى إلى المحرَّماتِ، وهذا هو الخُسرانُ المُبِينُ. وأنشَدَ بعضُهم في هذا:
إذا العشرونَ مِن شعبانَ وَلَّتْ … فواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بالنَّهارِ
ولا تشرَبْ بأقْدَاح صِغارٍ … فإن الوَقْتَ ضَاقَ على الصغارِ….. ثم ذكر ابن رجب خطر المعاصي خاصة في رمضان
[لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص269 ت السواس]
—-
هذا بحث رتب فيه الباحث الأدلة :
يمكن حصرُ مذاهبِ العلماء المختلِفةِ في مذهبين مشهورين وهُما:
١°) تحريمُ صومِ يومِ الشكِّ مِنْ رمضان ويجوز صيامُ ما سوى ذلك ، وهو ما عليه أكثرُ الصحابة وجمهورُ الفقهاء وغيرهم.
٢°) التفصيل: ووجهُه وجوبُ صومِ يومِ الشكِّ إِنْ حال دون مَنْظَره غيمٌ أو قترٌ، ويجزئ إِنْ كان مِنْ شهر رمضان، وإِنْ كانَتِ السماءُ مُصْحِيةً لم يَجُزْ صومُه، وبهذا قال الإمامُ أحمدُ ـ رحمه الله ـ في أشهرِ الروايات الثلاثِ عنه، وأكثرُ شيوخِ المذهب على هذا الرأي كالخِرَقيِّ ـ رحمه الله ـ وغيره، وهو مذهبٌ مرويٌّ عن عمر وابنِه وعمرو بنِ العاص وأبي هريرة ومعاويةَ وعائشةَ وأسماءَ ابنتَيْ أبي بكرٍ رضي الله عنهم.
الفرع الثاني: أدلَّة الفريقين:
نستعرض ـ أوَّلًا ـ أدلَّةَ الجمهورِ في الفقرة الأولى، ثمَّ نُتبِعها بأدلَّةِ جمهور الحنابلة في الفقرة الثانية، مع مناقشةِ الأدلَّةِ الواردة مِنَ الفريقين وذِكْرِ سببِ الخلاف ثمَّ الترجيح في فروعٍ لاحقةٍ.
الفقرة الأولى: أدلَّة الجمهور:
استدلَّ الجمهورُ بالأحاديث وآثارِ الصحابة الآتي ذِكْرُها على الترتيب التالي:
١ ـ بحديثِ الباب الذي تظهر دلالتُه واضحةً في تحريمِ صيامِ يومِ الشكِّ على ما تَقدَّم.
٢ ـ بحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ: الْيَوْمِ الْذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الأَضْحَى، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ»(٤٠)، والحديثُ ـ كسابقه ـ يُصرِّحُ بالنهي عن صومِ يوم الشكِّ، والنهيُ يقتضي التحريمَ أصوليًّا(٤١).
٣ ـ بالأحاديث القولية والفعلية الدالَّةِ على النهي عن استقبالِ رمضانَ بصومٍ، وأحاديثِ الأمر بالصوم لرؤيته:
- أمَّا الأحاديث القولية فمنها:
١ ـ حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»(٤٢).
٢ ـ حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»(٤٣)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ».
٣ ـ حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ»(٤٤).
٣ ـ حديثُ حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَه أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ»(٤٥).
٤ ـ بحديثِ عبد الله بنِ جرادٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أَفْطِرُوا إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَصُومُ هَذَا الْيَوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ يُتَمَارَى فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ مِنْهُ»(٤٦).
- أمَّا الأحاديث الفعلية فمنها:
ـ حديث عائشة رضي الله عنها قالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثَمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ»(٤٧).
- أمَّا آثارُ الصحابةِ:
١ ـ فبقولِ ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ»(٤٨)، وفي روايةٍ: «أنَّ ابنَ عُمَرَ أَمَرَ رَجُلًا يُفْطِرُ فِي اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ»، وهو مذهبٌ مرويٌّ ـ أيضًا ـ عن عائشة رضي الله عنها(٤٩)، وحكى ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ أنَّه مذهبُ عُمَرَ بنِ الخطَّاب وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وحذيفةَ وأنسٍ وأبي هريرة وغيرِهم رضي الله عنهم(٥٠).
٢ ـ وفي «مصنَّف ابنِ أبي شيبة» عن كُلٍّ مِنْ عمر وعليٍّ رضي الله عنهما: أنَّه كان إذا حَضَر رمضانُ يقول: «أَلَا لَا تَقَدَّمُوا الشهرَ، إذا رأيتم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتم الهلال فأفطِروا، فإِنْ أُغْمِيَ عليكم فأتِمُّوا العِدَّةَ»(٥١).
فهذه الأحاديثُ والآثارُ دالَّةٌ على منعِ صيامِ يومِ الشكِّ، وأنَّ المتقدِّمَ لرمضان بصومٍ قبل رؤية الهلال مُخالِفٌ للسنَّة الثابتة وما عليه أكثرُ الصحابة وعوامُّ أهلِ المدينة(٥٢).
الفقرة الثانية: أدلَّة جمهور الحنابلة:
استُدِلَّ للرواية المشهورة عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ بالسنَّة والآثار والقياس، وتظهر أدلَّتُهم على الوجه التالي:
أوَّلًا: أمَّا الاستدلال بالسنَّة:
١ ـ فبحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال له أو لرجلٍ آخَرَ وعِمْرانُ يسمع: «أَمَا صُمْتَ سَرَرَ شَعْبَانَ؟» قَالَ: «لَا، يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ»(٥٣).
والحديث صريحٌ في إفادةِ صِحَّةِ صومِ يومِ الشكِّ؛ لأنَّ المراد مِنْ «سَرَرِ الشهر»: الليالي مِنْ آخِرِه، وسُمِّيَتْ بذلك لاستسرار القمر فيها فلا يظهر، وهي ليلةُ ثَمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين(٥٤).
٢ ـ وبمقتضَى حديثِ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ، أي: يوم الشكِّ(٥٥).
٣ ـ وبحديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ؛ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»(٥٦).
ومعنى الحديث: ضيِّقوا عِدَّةَ شعبانَ بصومِ رمضانَ، بتقديره تحت السحاب، بحيث يكون له عددٌ يطلع في مثله، وذلك يكون لتسعٍ وعشرين، ويشهد لمعنَى التقدير: قولُه تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ﴾ [الطلاق: ٧]، وقولُه تعالى: ﴿يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦؛ الإسراء: ٣٠؛ الروم: ٣٧؛ سبأ: ٣٦؛ الزمر: ٥٢؛ الشورى: ١٢].
ثانيًا: أمَّا مِنْ آثار الصحابة فيؤكِّد هذا المعنى ما يلي:
١ ـ تفسيرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما للحديث بفعله؛ فقَدْ حكى نافعٌ ـ رحمه الله ـ عنه: «أنَّه كان إذا مضى مِنْ شعبان تسعٌ وعشرون يبعث مَنْ ينظر، فإِنْ رأى فذاك، وإِنْ لم يَرَ ولم يَحُلْ دون مَنْظَرِه سحابٌ ولا قترٌ أصبح مُفْطِرًا، وإِنْ حال دون منظره سحابٌ أو قترٌ أصبح صائمًا»(٥٧)، والرجوعُ إلى فهمِ الصحابيِّ أَوْلى لكونه أَعْلَمَ بمُراد الحديث؛ فالراوي أعلمُ بما روى؛ ولذلك رجَعْنا إلى فعلِ ابنِ عمر رضي الله عنهما في إثباتِ خيار المجلس(٥٨).
٢ ـ ما رُوِي عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قال: «لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ»(٥٩).
٣ ـ وروى البيهقيُّ عن عائشة وأسماءَ ابنتَيْ أبي بكرٍ رضي الله عنهم مِثْلَه(٦٠)، كما روى مِنْ رواية أبي مريم عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: «لَأَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ»(٦١).
ثالثًا: أمَّا القياس فيتمثَّلُ وجهُه فيما يلي:
١ ـ أنَّه إذا جاز صيامُ يومِ الشكِّ تطوُّعًا حالَ اقترانه بسببٍ فَلَأَنْ يجوز صيامُه فيما يحتمل كونُه فرضًا مِنْ بابٍ أَوْلى.
٢ ـ أنَّه يُلْحَقُ بالصلاة في أوقات الكراهة فيما إذا أَوْقَع فرضًا أو ذا سببٍ بجامعِ كونهما عبادتين طبيعتُهما متقاربةٌ، تَبْطُلان بفعلِ شيءٍ مِنْ مُبْطِلاتهما.
الفرع الثالث: مناقشة الأدلَّة السابقة:
نبتدئ بما ناقش به الحنابلةُ مذهبَ الجمهور أوَّلًا، ثمَّ نتعرَّض لمناقشة الجمهور لمذهب الحنابلة ثانيًا.
ـ أوَّلا: مناقشة أدلَّة الجمهور:
اعتذر الحنابلة عن الأخذ بحديث الباب وحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه الذي يليه في الاحتجاج به على ما يأتي:
ـ أمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ» أَحَدُهَا: «الْيَوْمُ الْذِي يُشَكُّ فِيهِ»؛ فقَدْ رواه البزَّارُ مِنْ طريقِ عبد الله بنِ سعيدٍ المَقْبُريِّ عن جدِّه عنه، ورواه البيهقيُّ مِنْ حديث الثوريِّ عن أبي عبَّادٍ عن أبيه، وأبو عبَّادٍ هذا هو عبد الله بنُ سعيدٍ المَقْبُريُّ، قال البيهقيُّ ـ رحمه الله ـ: «انفرد به عبد الله بنُ سعيدٍ، وهو غيرُ قويٍّ»، وقال عنه الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ نقلًا عن الإمام أحمد بنِ حنبلٍ ـ رحمه الله ـ أنَّه: «مُنْكَرُ الحديث»(٦٢)، وقال عنه صاحبُ «التنقيح»: «أجمعوا على ضعفِه وعدمِ الاحتجاج به»(٦٣).
وعلى فرضِ صحَّتِه فلا يُفيدُ أزيدَ مِمَّا يفيده حديثُ الباب الذي لا ينتهض حجَّةً مِنْ جهتين:
ـ الأولى: عدم التسليم بأنَّ يوم الثلاثين مِنْ شعبانَ حالَ حدوثِ غيمٍ أو ساترٍ أنَّه يومُ الشكِّ، بل هو مِنْ رمضان، أمَّا المرادُ مِنْ «يوم الشكِّ» فقَدْ فسَّره الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ بأَنْ: «يتقاعدَ الناسُ عن طلب الهلال، أو يشهدَ برؤيته مَنْ يَرُدُّ الحاكمُ شهادتَه»(٦٤)، وعليه فإِنْ حالَ دون منظرِه شيءٌ فلا يسمَّى هذا شكًّا(٦٥).
ـ الثانية: وإذا سلَّمْنا أنَّ يوم الثلاثين مِنْ شعبان يُسمَّى «يومَ الشكِّ» فإنَّ النهي عن صومه محمولٌ على حال الصحو؛ لِمَا يُعارِضُ ذلك مِنْ أدلَّةٍ(٦٦).
- والجواب عن الأحاديث القولية:
وأحاديثُ النهيِ عن استقبالِ رمضانَ بصومٍ فالجوابُ عنها على الترتيب التالي:
١) أمَّا روايةُ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» فهي مُخالِفةٌ للرواية الصحيحة المتَّفَقِ عليها، ولمذهبِ ابنِ عمر رضي الله عنهما ورأيِه(٦٧).
٢) أمَّا حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاريُّ عن آدَمَ عن شُعْبَةَ بلفظ: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»، فقَدْ رواه جماعةٌ كُلُّهم عن شُعْبَةَ لم يذكر أحَدٌ منهم هذه الزيادةَ؛ فيجوز أَنْ يكون آدَمُ قد رواهُ على التفقُّهِ مِنْ عنده للخبر ـ على ما صرَّح به الإسماعيليُّ ـ رحمه الله ـ ـ فوَقَع للبخاريِّ إدراجُ التفسير في نفس الخبر، وعلى هذا يكون المعنى: «فإن غُمَّ عليكم رمضانُ فعُدُّوه ثلاثين»(٦٨).
ومِنْ جهةٍ ثانيةٍ فإنَّ خبرَ أبي هريرة رضي الله عنه السابقَ يرويه محمَّدُ بنُ زيادٍ، وقد خالفه سعيد بنُ المسيِّب، فرواهُ عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ»، وروايتُه أحقُّ بالتقديم وأَوْلى بالترجيح لإمامته واشتهار عدالته وموافَقتِه لمذهبِ أبي هريرة رضي الله عنه ولخبرِ ابنِ عمر رضي الله عنهما ورأيِه(٦٩).
ومِنْ جهةٍ ثالثةٍ ـ فيما إذا سَلَّمْنا بصحَّةِ الزيادة وثبوتِها ـ فهي محمولةٌ على ما إذا غُمَّ هلالُ رمضانَ وهلالُ شوَّالٍ، فإنَّا نحتاج إلى إكمالِ شعبانَ ثلاثين احتياطًا للصوم؛ لأنَّه على تقديرِ صومِ يوم الثلاثين مِنْ شعبان فلا نجزم أنَّه مِنْ رمضان، وإنَّما أوقَعْنا صيامَه حكمًا(٧٠).
٣) أمَّا ما انفرد به مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ؛ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، فإنَّ المراد: «إن غُمَّ عليكم رمضانُ فعُدُّوا رمضانَ ثلاثين»، بدليلِ قرينتَيْن:
ـ الأولى: هي أنَّ الكناية ترجع إلى أقربِ المذكورين، وهو قولُه: «وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه»، والإفطارُ معنيٌّ بشهرِ شوَّالٍ؛ فيكون عَدُّ الثلاثين خاصًّا برمضان دون شعبان.
ـ الثانية: وهي أنَّ الصحابيَّ فسَّره بفعله، وهو أعلمُ بما روى.
٤) وحديثُ حذيفة رضي الله عنه ضعَّفه الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقال: «ليس ذِكْرُ حذيفة فيه بمحفوظٍ»، وقِيلَ: الصوابُ فيه: عن رِبْعِيٍّ عن رجلٍ مِنَ الصحابة مُبْهَمٍ، ثمَّ هو وحديثُ أبي هريرة في الأمر بالصوم لرؤيته يُحْمَلان على حالة الصحو؛ لعدمِ ورودِ ذِكْرِ الغيم فيهما(٧١).
٥) وحديث عبد الله بنِ جرادٍ رضي الله عنه قال عنه ابنُ الجوزي ـ رحمه الله ـ: «وهذا الحديث موضوعٌ على ابنِ جرادٍ، لا أصلَ له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا ذَكَره أحَدُ الأئمَّة الذين جمعوا السننَ وترخَّصوا في ذِكْرِ الأحاديث الضِّعاف»(٧٢)، وفي إسناده يعلى بنُ الأشدق: ضعَّفه أئمَّةُ الجرح والتعديل(٧٣).
- الجواب عن الأحاديث الفعلية:
ـ أمَّا حديث عائشة رضي الله عنها في صفة تحفُّظه صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ هلال شعبان فَرُدَّ؛ لأنَّ في إسناده معاوية بنَ صالحٍ، قال عنه أبو حاتمٍ الرازيُّ ـ رحمه الله ـ: «لا يُحتجُّ به»(٧٤)، ثمَّ هو معارَضٌ بالمحفوظ مِنْ هذا بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا»، فضلًا عن كونه قولًا، وهو مقدَّمٌ على الفعل.
- الجواب عن الآثار:
وآثار الصحابة يظهر الجوابُ عنها على النحو التالي:
١) أمَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قوله: «لو صمتُ السَّنةَ لَأفطرتُ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه» فجوابُه مِنْ أربعة أوجُهٍ:
أ. أنَّه أثرٌ لا يصحُّ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما؛ لأنَّ في إسناده عبدَ العزيز بنَ حكيمٍ: ضعَّفه أبو حاتمٍ الرازيُّ ـ رحمه الله ـ(٧٥).
ب. أنَّ المحفوظ عنه يُعارِضُه، وقد تَقدَّم ذِكْرُه في حجَّة الحنابلة.
ج. وعلى فرضِ صحَّتِه فهو محمولٌ على اليوم الذي لم يَحُلْ دون منظره سحابٌ ولا قترٌ؛ فيكون مُوافِقًا للرواية المحفوظةِ عنه.
د. وعلى غيرِ هذا التقديرِ فإنَّ المعنيَّ ﺑ «يوم الشكِّ» ما فسَّره الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ على ما تقدَّم، وعليه فإنَّ المَحَلَّ المتنازَعَ عليه ليس بيوم الشكِّ.
٢) أمَّا الآثار الأخرى فهي معارَضةٌ بمثلها أو بأحفظَ منها، أو محمولةٌ على التأويل السابق جمعًا لكافَّةِ الأدلَّةِ المتعارِضة.
ـ ثانيًا: مناقشة أدلَّة الحنابلة:
ناقش الجمهور أدلَّةَ الحنابلةِ في الرواية المشهورة عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ مِنْ جهة السنَّةِ والآثار والقياس على الوجه التالي:
- مِنْ جهةِ السنَّة:
١) نُوقِش حديثُ عمران بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه بأنَّه غيرُ معارِضٍ لأدلَّةِ الجمهور؛ حيث يمكن الجمعُ بين الحديثين بحَمْلِ النهي على أنَّ الرجل كان قد أَوْجَبَ صومَه على نفسه بنذرٍ فأَمَره بالوفاء به(٧٦)، وإلَّا يُجْمَعُ بينهما بتغاير الأحوال، وذلك بصرف النهي إلى مَنْ ليسَتْ له عادةٌ بذلك، وحَمْلِ الأمر على مَنْ له عادةٌ؛ فأَمَره النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقضائها لتستمرَّ محافَظتُه على تلك العبادة، ولتدوم ملازَمتُه للخير حتَّى لا ينقطع، ويؤيِّدُ ذلك ما وَقَع في بعض الروايات بلفظِ: «فَصُمْ مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَيْنِ»، فإنَّه يُفيدُ اعتيادَ الرجلِ صيامَ آخِرِ الشهر(٧٧). وهذا كُلُّه إذا ما حُمِل لفظُ «السَّرَر» على آخِرِ الشهر، أمَّا إذا حُمِل على وَسَطه على ما حكاه أبو داود(٧٨) ورجَّحه بعضُهم على أنَّ معنَى «السَّرَر» جمعُ «سُرَّةٍ»، وسُرَّةُ الشيءِ وَسَطُه، على أنَّ الشرع نَدَب صيامَ أيَّامِ البِيضِ وهي وسطُ الشهر، وأنَّه لم يَرِدْ في صيامِ آخِرِ الشهر نَدْبٌ، بل وَرَد فيه نهيٌ خاصٌّ وهو آخِرُ شعبانَ لمَنْ صامه لأجل رمضان(٧٩)، فلم يَبْقَ مُتمسَّكٌ بالحديث السابق إذا حُمِل على وسط الشهر أو على أوَّله، أي: مستهَلِّه على ما جاء في «اللسان»(٨٠).
٢) أمَّا حديثُ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها فإنَّ مرادَها: أنَّه كان يصوم شعبان كُلَّه لِمَا رواهُ الخمسةُ مِنْ حديثها قالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُ بِهِ»(٨١)، وفي لفظِ ابنِ ماجه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ»(٨٢).
والاحتجاج بما سَبَق خارجٌ عن مَحَلِّ النِّزاع؛ لأنَّه يجوز صومُه عند الجمهور القائلين بالنهي عن صومِ يوم الشكِّ إذا ما وَافَقَ عادةً؛ لِمَا تقدَّم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ»(٨٣).
وعلى تقديرِ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صام يومَ الشكِّ فإنَّ الجواب بأنَّه لا تعارُضَ بين فعلِه وقولِه؛ ذلك لأنَّ النهي عامٌّ له ولسائر المخاطَبِين، غير أنَّ فعلَه مخصِّصٌ له مِنَ العموم(٨٤)، وإذا حُمِل على وقوع التعارض فَيُرَجَّحُ النهيُ والحظرُ على الجواز ـ مِنْ جهةٍ ـ(٨٥)، والقولُ على الفعل ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ(٨٦)، على ما تَقرَّر في باب الترجيحات مِنَ القواعد الأصولية.
٣) وأجاب الجمهورُ عن حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ …» أنَّ ظاهِرَه وإِنْ كان يقتضي الحصرَ إلَّا أنَّه محمولٌ على الأكثر والأغلب؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «مَا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ»(٨٧)، ومثلُه عن عائشة وعمر وابنِ عبَّاسٍ وأبي بَكْرَةَ رضي الله عنهم(٨٨).
ويُؤيِّدُ ذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ(٨٩) لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، يعني: مَرَّةً تسعةً وعشرين ومَرَّةً ثلاثين(٩٠).
ويحتمل جوابًا آخَرَ وهو أنَّ «اللام» للعهد، والمعنى المرادُ: شهرٌ بِعَيْنِه يكون تسعةً وعشرين(٩١).
وإذا حُمِل على ظاهِرِه مِنْ إفادة الحصر فإنَّ معناه: حَصْرُه مِنْ جهةِ أحَدِ طرفَيْه كما ذَكَره ابنُ العربيِّ ـ رحمه الله ـ؛ حيث قال: «أي: أنَّه قد يكون تسعًا وعشرين ـ وهو أقلُّه ـ وقد يكون ثلاثين ـ وهو أكثرُه ـ فلا تأخذوا أَنْفُسَكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقلِّ تخفيفًا، ولكِنِ اربطوا عبادتَكم برؤيته واجعلوا عبادتَكم مرتبطةً ـ ابتداءً وانتهاءً ـ باستهلاله»(٩٢).
والمراد بقوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» لغةً ـ عند الجمهور ـ: مِنَ التقدير، فيقال: «قَدَرْتُ الشيءَ أَقْدُِرُه ـ بكسر الدال وضمِّها ـ وقَدَّرْتُه وأَقْدَرْتُه» كُلُّها بمعنًى واحدٍ، أي: انْظُروا أوَّلَ الشهرِ واحْسُبُوا تَمامَ الثلاثين(٩٣)، قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «ومنه قولُه تعالى: ﴿فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣﴾ [المرسلات]»(٩٤).
ولفظُ: «فَاقْدُرُوا لَهُ» لم يَرْوِه سوى ابنِ عمر رضي الله عنهما وَحْدَه على ما ذَكَره العراقيُّ ـ رحمه الله ـ عن ابنِ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ(٩٥)، وهذا اللفظُ وإِنِ اتَّفق الرُّواةُ عن مالكٍ عن نافعٍ فيه، إلَّا أنَّه جاء فيما رواهُ الشافعيُّ مِنْ طريقِ سالمٍ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما بتعيين الثلاثين، وقد رواه ابنُ خزيمة مِنْ طريقِ عاصم بنِ محمَّد بنِ زيدٍ عن أبيه عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَكَمِّلُوا الثَّلَاثِينَ»، وله شواهدُ أخرى مِنْ حديثِ أبي هريرة وابنِ عبَّاسٍ وغيرهما رضي الله عنهم(٩٦).
وإذا كان تفسير «التقدير» في الحديث على المعنى المتقدِّم ـ لغةً وشرعًا ـ على ما ذَهَب إليه جمهورُ السلف والخلف فلم يَبْقَ مجالٌ لِحَمْلِه على معنى التضييق.
- مِنْ جهةِ الآثار:
وقد أجاب الجمهورُ عن الآثار المرويَّة عن الصحابة بما يلي:
١) أمَّا تفسيرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما للحديث بفعله فقَدْ أجاب عنه الجمهورُ مِنَ المناحي التالية:
أ. أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما كان يفعل هذا الصنيعَ في شهر شعبان، وكان يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحسابِ في شهر رمضان؛ فدلَّ ذلك على أنَّ صيامَه لشهرِ شعبانَ إنَّما كان على وجه الاحتياط؛ لأنَّه لو لم يُحْمَلْ فعلُه على ذلك لَلَزِم منه النقضُ في كونه يرى باقتضاءِ حمل «التقدير» على التضييق وتقديرِه تحت السحاب في إحدى الصورتين دون الأخرى، مع أنَّ الأصل عدمُ اختلافِ حكمِ كُلٍّ مِنْ شعبان ورمضان في أمر التقدير، ولو اختلف حكمُهما لَبيَّنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفَصَل بينهما؛ إذ إنّ «تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ»، كيف وقد نبَّه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكِّ(٩٧)؟
ب. قد رُوِي عنه رضي الله عنه مِنْ قوله ما يُخالِفُ فِعْلَه، و«القَوْلُ أَقْوَى مِنَ الفِعْلِ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ».
ج. أنَّ فِعْلَه رضي الله عنه مُعارَضٌ بروايته؛ لأنَّ فِعْلَه عملٌ مبنيٌّ على اجتهاده، وقد يظهر له ما هو أرجحُ في نظره مِمَّا رواه، وإِنْ لم يكن راجحًا في نفس الأمر؛ ﻓ «الحُجَّةُ إِذَنْ فِيمَا رَوَاهُ لَا فِيمَا رَآهُ».
د. أنَّ الحديث رواهُ غيرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما كابنِ عبَّاسٍ وأبي هريرة وحذيفة وأبي بَكْرَةَ وطلق بنِ عليٍّ وغيرهم رضي الله عنهم، وهم أكثرُ عددًا وروايةً وعملًا.
٢) أمَّا ما أخرجه الشافعيُّ عن عليٍّ رضي الله عنه فهو أثرٌ منقطعٌ؛ ذلك لأنَّ فاطمة بنتَ الحسين لم تُدْرِكْ عليًّا رضي الله عنه، فروايتُها منقطعةٌ، ولو سُلِّم الاتِّصالُ فلا يُفيدُ في محلِّ النِّزاع؛ لكونه وَرَد مختصَرًا مُخِلًّا بالمعنى؛ ذلك لأنَّ لفظ الرواية: أنَّ رجلًا شَهِد عند عليٍّ رضي الله عنه على رؤية الهلال؛ فصام وأَمَر الناسَ أَنْ يصوموا، ثمَّ قال: «لَأَن أصوم يومًا مِنْ شعبانَ أحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يومًا مِنْ رمضان»؛ فالصومُ لم يكن ليوم الشكِّ بمجرَّده، وإنَّما عند قيام شهادةِ واحدٍ عنده على رؤية الهلال لا في الغيم(٩٨)، وقد وَرَد هذا البيانُ في «سنن(٩٩) الدارقطنيِّ»، ثمَّ إنَّه ـ مِنْ ناحيةٍ ثالثةٍ ـ لو سُلِّم أنَّه استحبَّ صومَ يومٍ مِنْ غيرِ نظرٍ إلى شهادة الشاهد فلا يكون قولُه حجَّةً إلَّا على مَنْ يرى أنَّ قولَ عليٍّ حجَّةٌ(١٠٠)، على أنَّ ابنَ أبي شيبة روى عنه في «مصنَّفه» خلافَ ذلك(١٠١).
٣) والمعروف عن أبي هريرة رضي الله عنه خلافُ ما نُقِل عنه، وقد رُوِي عنه النهيُ عن تَقدُّمِ رمضانَ بصيامٍ، وهو أصحُّ عنه، ومع ذلك لا يُوجِبُ ذلك اضطرابًا؛ لأنَّ كلامه محمولٌ على الاستثناء الوارد في الرواية المرفوعة: «إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ».
٤) أمَّا ما رُوِي عن عائشة وأسماءَ ابنتَيْ أبي بكرٍ رضي الله عنهم ـ إِنْ صحَّ عنهما ـ فلا حجَّةَ فيه، وقد نُقِل عن أكثر الصحابة وعامَّةِ أهل العلم خلافُه، فضلًا عن مخالفته للروايات والآثار الصحيحة على ما تقدَّم.
- مِنْ جهة القياس:
أمَّا القياس ففاسدُ الاعتبار؛ لمقابَلتِه للنصوص الآمرة بإكمال العِدَّةِ ثلاثين يومًا ـ مِنْ جهةٍ ـ وغيرُ منتهضٍ مِنْ ناحيةِ أنَّ صوم يومِ الشكِّ لمَنْ وافق عادةً إنَّما هو مِنْ شعبان ـ حتمًا ـ وليس مِنْ رمضان اعتقادًا مِنْ غيرِ احتمالٍ، وقد وَرَد بجوازه النصُّ، أمَّا المحتمل المشكوكُ فيه فلا يُصارُ إليه خشيةَ الوقوع في المحظور المنهيِّ عنه بحديث الباب، فافترقا.
الفرع الرابع: سبب الخلاف:
يُرَدُّ مبنى الخلاف ـ في هذه المسألةِ ـ إلى جملةٍ مِنَ الأسباب تتمثَّل:
١) في فهمِ معنى «التقدير» في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، هل يقتضي التفرقةَ بين الصحو والغيم؛ فيكونُ التعليق على الرؤية متعلِّقًا بالصحو، وأمَّا الغيمُ فله حكمٌ آخَرُ، وهو حملُه على معنى التضييق؟ وبه قال أكثرُ الحنابلة، أو أنَّه لا يقتضي التفرقةَ بينهما ويكون الثاني مؤكِّدًا للأوَّل؟ وبه قال الجمهورُ.
٢) في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»: هل هذه الكنايةُ ترجع إلى أقربِ الجملتين أو إلى الجملتين معًا؟
٣) في تعيينِ يَومِ الشكِّ: أهو آخِرُ يومٍ مِنْ شعبان ـ أي: يوم الثلاثين ـ؟ وبه قال الجمهور، أو هو أوَّلُ يومٍ مِنْ رمضان؟ وبه قال أكثرُ الحنابلة.
٤) في تعارُضِ آثار الصحابة، ومدى الاحتجاج بعمل الراوي بخلافِ ما روى (أي: هل العبرةُ بما رواهُ الصحابيُّ أو بما رآه؟).
الفرع الخامس: الرأي المختار:
فإنَّ مذهب الجمهور ـ في هذه المسألة ـ لائحٌ مِنْ عِدَّةِ وجوهٍ، وهي:
١ ـ أنَّ الإجمال الحاصل في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَاقْدُرُوا لَهُ» محمولٌ على الروايات الأُخَرِ المفسِّرةِ والمصرِّحةِ بالمراد، فلا تكون روايةُ مَنْ روى: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» مخالِفةً لِمَنْ روى: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، بل هي مبيِّنةٌ لها، ويؤيِّد ذلك حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا»(١٠٢)، وغيرُه مِنَ الأحاديث التي تقدَّمَتْ، وهو ما فسَّر به مالكٌ ـ رحمه الله ـ اللفظَ المحتمل(١٠٣)، و«حَمْلُ الْمُجْمَلِ عَلَى الْمُفَسَّرِ طَرِيقَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ»، لأنه لا تعارُضَ بينهما أصلًا(١٠٤).
٢ ـ ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ»، وهو ظاهرٌ في النهي عن ابتداءِ صومِ رمضانَ قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورةُ الغيمِ وغيرُها، ولفظُ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» الذي أَوْقَعَ للمُخالِف شبهةً فهي مَدْفوعةٌ بالقواعد التي تقضي بأنَّ أيَّ شهرٍ غُمَّ أُكْمِل الثلاثين، سواءٌ في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما؛ إذ لم يَخُصَّ شهرًا دون شهرٍ بالإكمال، فلو كان شهرُ شعبانَ غيرَ مرادٍ لَبيَّنه؛ لذلك يرجع قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَاقْدُرُوا لَهُ» أو: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» إلى الجملتين السابقتين، وهما: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، أي: إذا غُمَّ عليكم في صومكم أو فِطْرِكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين، وهو اختيارُ شمس الدين ابنِ عبد الهادي الحنبليِّ في «تنقيح التحقيق»(١٠٥).
٣ ـ وبناءً على ما تقدَّم فلا يَلْزَمُ اضطرابٌ ولا تعارضٌ في الخبر الذي رواه البخاريُّ مِنْ حديثِ شُعْبَةَ عن محمَّدِ بنِ زيادٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»، وما رواه مسلمٌ مِنْ حديثِ سعيد بنِ المسيِّب عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا»، لأنَّ الأمرَ عائدٌ على صورتَيِ الصوم والإفطار في حالةِ الغمِّ علينا، فذَكَر الراوي في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الروايةِ الأخرى الصورةَ الأخرى، وجاءَتْ عبارةُ بعضِ الرواياتِ مُتناوِلةً لهما، ففي روايةِ مسلمٍ: «فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، وفي روايةٍ له ـ أيضًا ـ: «فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ»، وعليه يتحقَّقُ الجمعُ والتوفيقُ وينتفي التعارُضُ؛ فلا يُصارُ إلى الترجيح؛ لِمَا فيه مِنْ إهمالٍ للرواية الأخرى وإهدارٍ لها.
أمَّا ما ذَكَره الإسماعيليُّ ـ رحمه الله ـ فغيرُ قادحٍ في صحَّةِ الحديث؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إمَّا أَنْ يكون قد قال اللفظين، وهذا ما يُفيدُه ظاهرُ الرواية، وإمَّا أَنْ يكون قال أَحَدَهما وذَكَر الراوي اللفظَ الآخَرَ بالمعنى لرجوع الأمر في قوله: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» للشهرَيْن المتمثِّلَيْن في شعبان عند قوله في الجملة الأولى: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وإلى رمضان في الجملة الثانية: «وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، هذا مقتضى القواعد الذي دلَّتْ عليه أحاديثُ هذه المسألةِ(١٠٦).
٤ ـ ولأنَّ المقرَّرَ في الأصول: «أنَّ الصحابة إذا اختلفوا فليس بعضُهم حجَّةً على بعضهم الآخَرِ ولا على مَنْ بعدهم، وعليه فلا يجوز العملُ بأحَدِ القولين إلَّا بترجيحٍ»، ويترجَّحُ قولُ مَنْ معه الحجَّةُ، والحجَّةُ فيما رواهُ الصحابيُّ ونَقَلَه لا فيما رآه واجتهد فيه، وعلى تقديرِ العكس، فإنَّه قد روى الحديثَ غيرُ ابنِ عمر رضي الله عنهم وهم أكثرُ عددًا وروايةً وعملًا، وقد جاء في باب الترجيح مِنْ علم الأصول: «أَنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ مِنَ المُرَجِّحَاتِ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ»(١٠٧)، وكذلك كثرة الأدلَّة ـ على التحقيق ـ وهو مذهب الجمهور.
٥ ـ ولأنَّ الرواياتِ الصحيحةَ التي اسْتُدِلَّ بها تشهد على صحَّةِ مذهبهم مِنْ ناحيةِ تضمُّنِها الاحتياطَ(١٠٨)، وما كان كذلك فهو أَوْلى بالتقديم على غيره؛ لكونه أقربَ إلى تحصيل المصلحة ودفعِ المفسدة.
هذا، والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
—-
من رجح هذا القول من أهل العلم :
لا يجوز صوم يوم الشك خوفًا أن يكون من رمضان أو احتياطًا، وذهب إلى التحريم المالكية ، والشافعية ، واختاره ابن المنذر ، وابن حزم ، والصنعاني .
قال ابن المنذر: (ثبت أن رسول الله ﷺ نهى أن يتعجل شهر رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فيأتي ذلك على صومه) «الإشراف» (٣/ ١١١).
قال ابن حزم: (ولا يجوز صوم يوم الشك الذي من آخر شعبان، ولا صيام اليوم الذي قبل يوم الشك المذكور إلا من صادف يومًا كان يصومه فيصومهما حينئذ للوجه الذي كان يصومهما له لا لأنه يوم شك، ولا خوفًا من أن يكون من رمضان) «المحلى» (٧/ ٢٣).
قال الصنعاني: (يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلة بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان، والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه، وإليه ذهب الشافعي واختلف الصحابة في ذلك منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه وعده عصيانا لأبي القاسم، والأدلة مع المحرمين) «سبل السلام» (٢/ ١٥١).
—
تبويبات الأئمة :
بوب ابن حبان:
ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يشك فيه أمن شعبان هو أم من رَمَضَانَ كَانَ آثِمًا عَاصِيًا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِنَهْيِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَنْهُ
٣٥٩٥ – أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ السِّنْجِيُّ، قال: حدثناذكر الْبَيَانِ بِأَنَّ مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ أَمِنْ شَعْبَانَ هُوَ أُمْ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ آثِمًا عَاصِيًا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِنَهْيِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَنْهُ
[٣٥٩٥] أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ السِّنْجِيُّ، قَالَ: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: من صام اليوم الذي يشك فيه فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ .
[الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/٣٦٠و٣٦١]
—-
الفتاوى :
قال علماء اللجنة الدائمة عن يوم الشك : “دلت السنة على تحريم صومه.” فتاوى اللجنة 10/117
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله بعد ذكر الخلاف في حكم صوم يوم الشك: “وأصح هذه الأقوال هو التحريم، ولكن إذا ثبت عند الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأمر الناس بصومه فإنه لا ينابذ وتحصل عدم منابذته بألا يُظهر الإنسان فطره، وإنما يُفطر سراً.” الشرح الممتع 6/318.
—–
سئل الشيخ ابن باز:
١٦٤ – مدى صحة حديث «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم»
س: نود أن نستفسر يا سماحة الشيخ عن صحة حديث عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم »؟ .
ج: حديث صحيح، وهو في حكم المرفوع يقول : «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم » . رواه أحمد وأهل السنن، وإسناده صحيح، وهو مؤيد لما ذكرنا سابقا، وهو ما قاله المحققون من العلماء أنه لا يصام يوم الشك. والله ولي التوفيق.
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة – ابن باز ١٥/٤١٠
الحكمة من النهي :
قال السيوطي -رحمه الله-:
«لا تَقدَّموا الشَّهر بيوم ولا بيومين» إنما نُهي عن فعل ذلك احتياطًا؛ لاحتمال أنْ يكون من رمضان…، وإنما ذكر اليومين؛ لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغَيْمِ، أو الظُّلْمَةِ في شهرين أو ثلاثة، فلذلك عقَّب ذِكْر اليوم باليومين.
والحكمة في النَّهي: أنْ لا يختلط صوم الفرض بصوم نَفْلٍ قبله، ولا بعده؛ حذرًا ممَّا صنعت النصارى في الزيادة على ما افتُرض عليهم برأيهم الفاسد.
قوت المغتذي على جامع الترمذي (1/ 256)
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «بصومِ يومٍ أو يومين» أي: بنية الرمضانية احتياطًا؛ ولكراهة التقدُّم معان:
أحدها: خوفًا من أنْ يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهي عن صيام يوم العيد لذلك؛ حذرًا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وخرَّج الطبراني عن عائشة: أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشهر، فيصومون قبل النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-، فأنزل الله تعالى: {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1؛ ولهذا نُهي عن صوم يوم الشك.
والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل، فإنَّ جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع؛ ولذا حرم صيام يوم العيد، ونهى رسول الله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أنْ تُوصَلَ صلاةٌ مفروضة بصلاة، حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، خصوصًا سُنَّة الفجر، وفي المسند أنه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- فَعَلَهُ، وهذا فيه نظر؛ لأنه يجوز لمن له عادة.
والمعنى الثالث: أنه للتقوِّي على صيام رمضان؛ فإنَّ مُواصَلَة الصيام تُضْعِف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوِّي على صيام رمضان، وفيه نظر؛ لأن معنى الحديث أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيام فصاعدًا جاز.
المعنى الرابع: أنَّ الحُكْم عُلِّق بالرؤية، فمن تقدَّمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحُكْم.
إرشاد الساري (3/ 360)
قال ابن رجب -رحمه الله-:
وفي هذا التعليل (أَمْرُهُ بذلك للتقوِّي على صيام رمضان) نظر؛ فإنه لا يُكْرَهُ التقدُّم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كله، وهو أبلغ في معنى الضَّعف، لكن الفطر بنية التقوِّي لصيام رمضان حَسَنٌ لِمَنْ أضْعَفَهُ مُوَاصَلَةُ الصيام، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يَسْرُدُ الفطر أحيانًا، ثم يَسْرُدُ الصوم؛ ليَتَقَوَّى بِفِطْرِهِ على صومه، ومنه قول بعض الصحابة: «إني أَحْتَسِبُ نَوْمَتِي، كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي».
وفي الحديث المرفوع: «الطَّاعِمُ الشاكر، كالصائم الصابر» خرَّجه الترمذي وغيره.
ولربما ظنَّ بعض الجهال أنَّ الفطر قبل رمضان يُراد به اغتنام الأكل؛ لتأخذ النفوس حَظَّها من الشهوات قبل أنْ تُمنع من ذلك بالصيام؛ ولهذا يقولون: هي أيام توديع للأكل، وتُسمَّى تَنْحِيْسًا؛ واشتقاقه من الأيام النَّحِسَات، ومن قال: هو تَنْهِيْسٌ بالهاء فهو خطأ منه، ذكَرَه ابن دَرَسْتَوِيْه النحوي، وذكر أنَّ أصل ذلك مُتَلَقًى من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قُرب صيامهم، وهذا كله خطأ، وجَهْلٌ ممن ظَنَّهُ، وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة، بل يتعدَّى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين.
لطائف المعارف (ص: 145- 146)
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إشارة إلى النهي عما فعله النصارى في صومهم؛ فإنهم زادوا فيه.
وفيه: إفراد الفرض عن غيره؛ لئلا يُشَبِّه التطوع بالفرض.
وفيه: الوقوف على حدود الشرع؛ لئلا يقع العمل بالرأي.
وفيه: ردٌّ على المتنطعين بسوء تدبيرهم إلى الزيادة على الفرائض.
الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 214)