السيرة في نضرة النعيم:وفاة أبي طالب وخديجة- رضي الله عنها-:
قال ابن إسحاق:
وفاة أبي طالب وما جاء فيه
نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق قال: فقال أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والعاصي بن سعيد، وأمية بن خلف: يا معشر قريش أن هذا الأمر يزداد وإن أبا طالب ذو رأي وشرف وسن، وهو على دينكم، وهو اليوم مدنف، فامشوا إليه فأعطوه السواء يأخذ لكم وعليكم في ابن أخيه، فإنكم إن خلوتم بعمر بن الخطاب وبحمزة بن عبد المطلب وقد خالفا دينكم تكون الحرب بينكم وبين قومكم، فأقبلوا يمشون إلى أبي طالب حتى جاءوه فقالوا:
أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا، وقد رأيت الذي فعل هؤلاء السفهاء مع ابن أخيك، من تركهم آلهتنا وطعنهم في ديننا، وقد فرق بيننا محمد وأكفر آلهتنا وسب آباءنا، فأرسل إلى ابن أخيك، فأنت بيننا عدل.
قال: فأرسل أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه، فقال: هؤلاء قومك وذووا أسنانهم وأهل الشرف منهم، وهم يعطونك السواء، فلا تمل عليهم كل الميل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا أسمع قولكم، فقال أبو جهل بن هشام:
ترفضنا من ذكرك، ولا تلزمنا ولا من آلهتنا، في شيء فندعك وربك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتكم ما سألتم، أمعطى أنتم كلمة واحدة لكم فيها خير، تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال أبو جهل، وهو مستهزىء نعم لله أبوك كلمة نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فنفروا من كلامه وخرجوا مفارقينه «1» وقالوا: «امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ» «1» . وكان ممشاهم إلى أبي طالب لما لقوا من عمر، وسمعوا منه. [117] .
نا أحمد: نا يونس عن محمد بن إسحق قال فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكذيبهم بالحق قال: لقد دعوت قومي إلى أمر ما اشتططت في القول، فقال عمه: أجل لم تشتط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك- وأعجبه قول عمه-: يا عم بك علي كرامة ويدك عندي حسنة، ولست أجد اليوم ما أجزيك به، غير أني أسألك كلمة واحدة تحل لي بها الشفاعة عند ربي، أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تصيب بها الكرامة عند الممات، فقد حيل بينك وبين الدنيا، وتنزل بكلمتك هذه الشرف الأعلى في الآخرة، فقال له عمه: والله يا ابن أخي لولا رهبة أن ترى قريش إنما ذعرني «2» الجزع، وتعهدك بعدي سبة تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة لفعلت الذي تقول، وأقررت بها عينك، لما أرى من شدة وجدك ونصحك لي.
ثم إن أبا طالب دعا بني عبد المطلب فقال: إنكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمد واتبعتم أمره، فاتبعوه وصدقوه ترشدوا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: تأمرهم بالنصيحة وتدعها لنفسك؟! فقال له عمه: أجل لو سألتني هذه الكلمة وأنا صحيح لها لا تبعتك على الذي تقول، ولكني أكره الجزع عند الموت وترى قريش أني أخذتها عند الموت، وتركتها وأنا صحيح، فأنزل الله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» . «3»
[سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي ص236]
وقال ابن إسحاق:
وفاة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
أنا الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد بن «1» النقور البزاز قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: قرىء على أبي الحسين رضوان بن أحمد وأنا أسمع قال: نا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: نا يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، كان يسكن «2» إليها.
نا يونس عن فايد بن عبد الرحمن العبدي عن عبد الله بن أوفى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني آت من الله عز وجل يبشر «3» خديجة ببيت في الجنة من قصب «4» لا صخب فيه ولا نصب.
نا يونس عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة مما كنت أسمع من ذكره لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين، ولقد أمر ربه أن يبشرها «1» ببيت في الجنة من قصب لا نصب ولا صخب.
نا يونس عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال: نا أبو نجيح أبو عبد الله بن أبي نجيح قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جزوراً ولحم، فأخذ عظماً منها فناوله الرسول بيده فقال له: اذهب بهذا إلى فلانة، فقالت له عائشة: لم عمرت يدك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خديجة أوصتني بها، فغارت عائشة، وقالت:
لكأنه ليس في الأرض امراة إلا خديجة! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، فلبث ما شاء الله، ثم رجع فإذا أم رومان «2» فقالت: يا رسول الله ما لك ولعائشة إنها حدث وأنت أحق من تجاوز عنها، فأخذ بشدق عائشة وقال: ألست القائلة كأنه ليس على الأرض امراة إلا خديجة؟! والله لقد آمنت بي إذ كفر قومك، ورزقت مني الولد وحرمتموه.
نا يونس عن الحسن بن دينار عن الحسن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حسبك من نساء العالمين أربع مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم.
[سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي ص243]