(39)فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد ومحمد بن ديرية
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٦) – (بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإسْلَامِ فِيه، وَأَيُّ أُمُورِهِ أفضَلُ؟)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٨] (٣٩) – (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ …، (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ – ﷺ -: أَيُّ الاسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»).
[١٦٩] (٤٠) – (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِي الْخَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ – ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»).
[١٧٠] (٤١) – (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَنْبَانا أَبُو عَاصِمٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْر، يَقُولُ: سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ – ﷺ – يَقُولُ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»).
[١٧١] (٤٢) – (وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثنا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الاسْلَامِ أفضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ يسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»).
[١٧٢] (…) – (وحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ الله، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ … فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٦) – (بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإسْلَامِ فِيه، وَأَيُّ أُمُورِهِ أفضَلُ؟)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٨] (٣٩) الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) – رضي الله عنهما -، (أَنَّ رَجُلًا) قال في «الفتح»: لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذرّ – رضي الله عنه -، وفي رواية ابن حبّان أن هانئ بن يزيد، والد شُريح سأل عن معنى ذلك، فأُجيب بنحو ذلك. انتهى [«الفتح» ١/ ٧٢].
(سَأَل رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -) ولفظ البخاريّ: سأل النبيّ – صلى الله عليه وسلم – (أَي الاسْلَام خَيْرٌ؟) مبتدأ وخبره، أي: أيّ خصال الإسلام خير؟ بدليل جوابه بقوله: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام … إلخ»، وأنه – صلى الله عليه وسلم – فَهِمَ من هذا السائل أنه يسأل عن أفضل خصال الإسلام المتعدّية النفع إلى الغير، فأجابه بأعمّ ذلك، وأنفعه في حقّه، فإنه – صلى الله عليه وسلم – كان يُجيب كلّ سائل على حسب ما يَفْهَمُ منه، وبما هو الأهمّ في حقّه، والأنفع له، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ٢٢٢].
وقال في «الفتح»: التقدير: أي خصال الإسلام؟ قال: وإنما لم أَخْتَرْ تقدير «خصال» في الأول – يعني حديث «أي المسلمين أفضل؟» -؛ فرارًا من كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير، يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى واحد، والجواب مختلف؟، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ.
ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلامُ لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب.
ويحتمل أن يكون الجواب اختَلَفَ لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لُوحظ بين لفظ “أفضل”، ولفظ “خير” فرق.
وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلّة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشرّ، فالأول من الكميّة، والثاني من الكيفيّة، فافترقا.
واعتُرِض بأن الفرق لا يتمّ، إلا إذا اختَصّ كلّ منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يُعقَل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بَنَى على أن لفظ »خير« اسم، لا أفعلُ تفضيل،
وعلى تقدير اتّحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل على اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول، تحذيرُ من خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فأَرشد إلى الكفّ، وفي الثاني ترغيبُ مَن رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأَرشد إلى ذلك، وخَصّ هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الْجَهْد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه – صلى الله عليه وسلم – حَثّ عليهما أوّل ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره، مُصَحّحًا من حديث عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – [يعني ما أهرحه الترمذي : «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، “. انتهى].
(وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) أي: لا تَخُصَّ به أحدًا تكبّرًا، أو تصنّعًا، بل تعظيمًا لشِعَار الإسلام، ومراعاة لأُخُوّة المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج من عموم ذلك من لا يجوز ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء، قاله ابن رجب رحمه الله تعالى [انظر: »شرح البخاري” للحافظ ابن رجب ١/ ٤٤].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في شرحه: معنى: (تقرأ السلام على مَن عَرَفت ومن لم تعرف)، أي: تُسَلِّم على كل مَن لَقِيته عرفته لكن لا يُسَلَّم ابتداءً على كافر. انتهى [«شرح مسلم» ٢/ ١٠].باختصار
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: جَمَعَ له النبيّ – صلى الله عليه وسلم – بين الإطعام وإفشاء السلام؛ لاجتماعهما في استلزام المحبّة الدينيّة، والأُلفة الإسلاميّة، كما قال – صلى الله عليه وسلم -: «ألا أدلّكم على شيء إذا فَعَلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم»، رواه مسلم وفيه دليلٌ على أن السلام لا يُقْصَرُ على من يُعرف، بل على المسلمين كافّةً … وردّ السلام أوكد من ابتدائه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ٢٢٢ – ٢٢٣].
وقال أيضًا: جَعَلَ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وفي «المسند» ٤/ ٣٨٥ عن عمرو بن عَبَسَة – رضي الله عنه – أنه سأل النبيّ – صلى الله عليه وسلم -: ما الإسلام؟ قال: «لِينُ الكلام، وإطعام الطعام»،
ومراده الإسلام التامّ الكامل، وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، وإنما هي إحسان، وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت من غير حقّ، فإن كانت السلامة من حقّ كان أيضًا فضلًا.
وقد جمع الله تعالى بين الأَفْضَال بالنَّدَى [ وهو العطاء، وعليه يدلّ آخر كلامه. والله أعلم”. انتهى.]،
وترك الأذى في وصف المتّقين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان وفضل، وهو بذل النَّدَى، واحتمال الأذى.
وجمع في الحديث بين إطعام الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته،
فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس، كان خيرًا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضًا، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة، فهو خير من غيره مطلقًا. انتهى كلام ابن رجب [«شرح البخاري» ١/ ٤٢ – ٤٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وسيأتي توضيح الحديث والجواب على الأسئلة المتعلقة بالحديث في المسائل إن شاء الله تعالى.
وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٩] (٤٠) – الحديث
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى فوائد هذا السند والسند الماضي فليراجع
شرح الحديث:
(يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا) تقدّم أنه لم يُعرف اسمه، ويقال: إنه أبو ذرّ – رضي الله عنه -، (سَأَل رَسُولَ اللهِ – ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنما وقع اختلاف الجواب في خيرِ المسلمين، لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهمّ؛ لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء المسلمين. انتهى [«شرح مسلم» ١/ ١٠].
“قوله: «أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ»، أي: أكملهم إسلامًا، وهو من سلم المسلمون من لسانه بالسب، أو بالغيبة والنميمة، وسلموا- أيضًا- من يده بالاعتداء، أو بأخذ المال بغير حق أو غير ذلك، ومن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فهو ناقص الإسلام والإيمان.”. [توفيق الرب المنعم، (1/ 114)].
(قَالَ) – صلى الله عليه وسلم – «(مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ») «من»: موصولة، خبرٌ لمحذوف، أي: هو من سلم … إلخ، قال النوويّ: قال العلماء: معناه: مَن لم يؤذ مسلمًا بقول، ولا فعل، وخَصَّ اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال إليها؛ لما ذكرناه.
وقالوا أيضًا: إن المراد بالمسلم هو المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن مَن لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نَفَعَ، أو العالم زيد، أي الكامل، أو المحبوب، وكما يقال: الناس العرب، والمال الإبل، فكلُّه على التفضيل، لا للحصر. انتهى [«فتح الباري» ١/ ٥٣].
وقال في «الفتح»: قوله: «المسلم» قيل: الألف واللام فيه للكمال.
قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين مَن جَمَع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين. انتهى.
وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يُبَيِّن علامة المسلم التي يُسْتَدَلُّ بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكِر مثله في علامة المنافق.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يُحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى [«فتح» ١/ ٦٩]..
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ عن عبد الله بن عمرو من قوله: «والمهاجر من هاجر من نهى الله عنه»..
وهذه الهجرة ضربان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالباطنة تركُ ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفِرَار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يَتَّكِلوا على مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لَمّا فُتحت مكة؛ تطييبًا لقلوب مَن لم يُدرِك ذلك، بل حقيقة الهجرة تَحصُل من هجر ما نهى الله عنه.
فاشتملت هاتان الجملتان على جوامعَ من معاني الحكم والأحكام.
وزاد ابنُ حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» من حديث أنس – رضي الله عنه -: «والمؤمن من أَمِنَهُ الناس».
وأخرج ابن حبان في «صحيحه» من طريق الشعبيّ أيضًا، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، ورب هذه الْبَنِيَّة – يعني الكعبة – يقول: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: «المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» [راجع: «صحيح ابن حبان» ١/ ٤٢٤ – ٤٢٥ رقم (١٩٦)].
وأخرجه ابن منده من طريق الشعبي أيضًا قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله – ﷺ – يقول: «المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ الناس من لسانه ويده» [راجع: «الإيمان» لابن منده ١/ ٤٥١ رقم (٣١٣)].
قال في «الفتح»: والمراد بالناس هنا المسلمون، فهم الناس حقيقةً عند الإطلاق؛ لأن الإطلاق يُحْمَل على الكامل، ولا كمال في غير المسلمين، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط، وهو إلا بحق .
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
[١٧٠] (٤١) -الحديث
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
[١٧١] (٤٢) – الحديث
شرح الحديث:
[تنبيه]: وقع التعبير في حديث أبي موسى الأشعريّ – رضي الله عنه – هنا بلفظ: «أفضل»، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل حديث بلفظ: «خير».
فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والذي ظهر لي في الفرق بين «أفضل»، و«خير» أن لفظة «أفضل» إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختصّ به، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل، واختصّ عنه بفضل زائد، فهو ذاك. وأما لفظة «خير» فتستعمل في شيئين، في كلّ منهما نوع من الخير، أرجح مما في الآخر، سواء كان لزيادة عليه في ذاته، أو في نفعه، أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهما، فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة «خير»، فيقال مثلًا: النفع المتعدّي خير من النفع القاصر، وإن كان جنسهما مختلفًا، ويقال: زيد أفضل من عمرو، إذا اشتركا في علم، أو دين، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة. وإن استُعمل في النوع الأول لفظة «أفضل»، مع اختلاف الجنسين، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر، وأزيد منه، فقد وقع الاشتراك في الثواب، وامتاز أحدهما بزيادة منه.
وحينئذٍ فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره، ممن ليس كذلك؛ لاشتراكهما في الإتيان بحقوف الله تعالى في الإسلام من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين، فصار هذا الإسلام أفضل من ذلك.
وأما المسلم: فيقال: هذا أفضل من ذاك؛ لأن إسلامه أفضل من إسلامه، ويقال: هو خير من ذاك؛ لترجح خيره على خير غيره، وزيادته عليه. انتهى كلام ابن رجب [«شرح البخاريّ» لابن رجب رحمه الله تعالى ١/ ٤٠ – ٤١].
. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
——
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في الأسئلة والأجوبة التي ذكروها في هذا الحديث:
فـ (منها): ما قيل: لم قال: «تطعم الطعام»، ولم يقل: تؤكل، ونحوه من الألفاظ الدالة عليه؟.
[أجيب]: بأن لفظ الإطعام عامّ يتناول الأكل، والشرب، والذوق
(ومنها): ما قيل: إن باب أطعم يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام، فما هو المفعول الثاني هنا، ولم حذف.
[أجيب]: بأن المفعول الثاني مقدّر: أي تطعم الخلق الطعام، وإنما حُذف للإشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختصّ بأحد، سواء كان المطعَم مسلمًا، أو كافرًا، أو حيوانًا آخر، وسواء كان الإطعام، فرضًا، أو سنةً، أو مستحبًّا.
(ومنها): ما قيل: لم قال: «وتقرأ السلام»، ولم يقل: وتسلّم؟.
[وأجيب]: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمّن للسلام.
وفيه إشارة أيضًا إلى أن تحيّة المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة القراءة تنبيهًا على تخصيص هذه اللفظة في التحيّات، مخالفة لتحايا أهل الجاهليّة بألفاظ وضعوها لذلك.
(ومنها): ما قيل: اللفظ عام، فيدخل الكافر، والمنافق، والفاسق.
[وأجيب]: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهي متأخّر، وكان هذا عامًا لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص.
(ومنها): ما قيل: لم خصّ هاتين الخصلتين في هذا الحديث؟.
[وأجيب]: بأن المكارم لها نوعان:
[أحدهما]: ماليّة، أشار إليها بقوله: «تُطعم الطعام».
[والآخر]: بدنيّةٌ، أشار إليها بقوله: «وتقرأ السلام».
ويقال: وجه تخصيص هاتين الخصلتين هو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف
(ومنها): ما قيل: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي بعده أنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فما وجه التوفيق بينهما؟.
[وأجيب]: بأن الجوابين كانا في وقتين، فأجاب في كلّ وقت بما هو الأفضل في حقّ السامع، أو أهل المجلس.
آثار في السلام والبشاشة :
قال أبو حاتم البستي: الواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على العام؛ لأن من سلَّم على عشرة كان له عتق رقبة، والسلام مما يذهب ما في الخَلَد من البغضاء، ويقطع الهجران، ويصافي الإخوان، والبادي بالسلام بين حسنتين: إحداهما تفضيل الله عز وجل إياه على المسلَّم عليهم بفضل درجة؛ لتذكيره إياهم بالسلام، وبين رد الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد.
وقال زبيد اليامي: إن أجود الناس من أعطى مالاً لا يريد جزاءه، وإن أحسن الناس عفواً من عفا بعد قدرة، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام.
وعن عمار بن ياسر قال: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم.
قال أبو حاتم البستي: الواجب على المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يسلم عليه، متبسماً إليه، فإن من فعل ذلك تحات عنهما خطاياهما كما تحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وقد استحق المحبة من أعطاهم بشر وجهه.
قال: ولقد أُخبرت عن سعيد بن الخمس قال: قيل له: ما أبشك؟ قال: إنه يقوم على برخيص.
وأنشد الأبرش:
أخو البشر محبوب على حسن بشره *** ولن يعدم البغضاء من كان عابسا
ويسرع بخل المرء في هتك عرضه *** ولم أر مثل الجود للمرء حارسا
قال أبو حاتم: البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء؛ لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغين، ومنجاة من الساعي، ومن بش للناس وجهاً لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرت أنه مكتوب في الحكمة: يا بُني: ليكن وجهك بسطاً، ولتكن كلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من أن تعطيهم العطاء.
القَ بالبشر من لقيت من النـ *** ـاس جميعاً ولا قِهِمْ بالطلاقةْ
تجْنِ منهمُ جني ثمار فخذهـا *** طيباً طَـعمُه لذيذَ المذاقــة
تنبيه : حديث
(أفضل المؤمنين إسلاما … ) في الصحيحة
١٤٩١ – «أفضل المؤمنين إسلاما من سلم المسلمون من لسانه ويده وأفضل الجهاد من جاهد
نفسه في ذات الله وأفضل المهاجرين من جاهد لنفسه وهواه في ذات الله».
أخرجه ابن نصر في «الصلاة» (١٤٢ / ٢) بسند صحيح عن سويد ابن حجير عن العلاء
ابن زياد قال: «سأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: أي المؤمنين
أفضل إسلاما؟ قال …» فذكره وفي آخره: «قال: أنت قلته يا عبد الله بن
عمرو أو رسول الله ﷺ؟ قال: قال: بل رسول الله صلى الله
عليه وسلم قاله».
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
رابعًا: فوائد الحديث:
1- (منها): “بيان تفاضل الإسلام في خصاله.
2- (ومنها): بيان خير خصال الإسلام.
3- (ومنها): أن فيه حثًّا على إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين، واستجلاب قلوب الناس به، وببذل السلام؛ لأنه ليس شيء أجلب للمحبة، وأثبت للمودّة منهما، وقد مَدَحَ الله – عز وجل – المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]، ثم ذكر الله تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١]، ووصف – سبحانه وتعالى – من لم يُطعم بقوله في وصف أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ الآية [المدّثّر: ٤٢ – ٤٤]، وعاب من أراد أن يَحْرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ وإلى ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ – يعني المقطوع – فأذهب الله تعالى ثمارهم، وحَرَمَهُم إياها، حين قصدوا الاستئثار بها دون المساكين، أفاده ابن بطال [راجع: «شرح البخاريّ لابن بطال» ١/ ٦٤].
4 – (ومنها): أن فيه الحثّ على إفشاء السلام الذي هو دليل على خفض الجناح للمسلمين، والتواضع، والحثّ على تألّف قلوبهم، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، ومحبّتهم.
5 – (ومنها): الإشارة إلى تعميم السلام، وهو أن لا يخصّ به أحدًا دون أحد، كما يفعله الجبابرة؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة، وهم متساوون في رعاية الأخوة.
ثم إن هذا التعميم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلّم ابتداء على كافر؛ لقوله – ﷺ -: «لا تبدءوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتموهم في الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه»، رواه البخاريّ،
وكذلك خُصّ منه الفاسق بدليل آخر، وأما من شُكّ فيه، فالأصل فيه البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص.
ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف، ثم وَرَدَ النهي [راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٥٦ – ١٥٧].
وقال النوويّ في «شرحه»: وفي هذه الأحاديث جُمَلٌ من العلم، ففيها الحثّ على إطعام الطعام، والجود، والاعتناء بنفع المسلمين، والكفّ عما يؤذيهم بقول، أو فعل بمباشرة أو سبب، والإمساك عن احتقارهم، وفيها الحثّ على تألُّف قلوب المسلمين، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، واستجلاب ما يُحَصّل ذلك، قال القاضي رحمه الله تعالى: والأُلْفَة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظَام شَمْلِ الإسلام، قال: وفيه بذل السلام من عَرَفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة، ولا مَلَقًا، وفيه مع ذلك استعمال خُلُق التواضع، وإفشاء شعار هذه الأمة. انتهى”. [البحر المحيط الثجاج].
6 – (ومنها): ” أن خصال الإسلام تتفاوت، فهو كالإيمان في تفاوت خصاله.
فإن الإسلام تتفاوت أعماله، وأن الإسلام له خصال، وأن من خير خصاله: إطعامَ الطعام، وإفشاءَ السلام.
فإذا كنت في بلاد الإسلام، فألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف، فالأصل أنه مسلم، إلا إذا كان الأكثرُ غيرَ مسلمين، فنعمل بالأغلب، ولكن في بلاد الإسلام الأصل أنه مسلم، فلا تنتقل عن هذا الأصل إلا بيقين، وإذا أيقنت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام.
وأما المصافحة فشيء زيادة على السلام، وهي من أسباب حط الذنوب والخطايا.
6 – (ومنها): أنه إذا أطلق الإسلام فقد دخل فيه الإيمان، كما أن الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، لكن إذا اجتمعا اختص الإسلام بالأعمال الظاهرة، واختص الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل الطويل [أخرجه مسلم (٨)].
والدليل على هذا ما تقدم: أن النبي ﷺ فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالأعمال الظاهرة، فقال: أمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الخُمُسَ» [أخرجه البخاري (٥٣)]، ففسره بخصال الإسلام، فالإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، والإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فخصال الإسلام هي خصال الإيمان، وخصال الإيمان هي خصال الإسلام.
وما ذكر في الحديث من إطعام الطعام وإفشاء السلام هو من الأسباب الجالبة للمحبة، وفي الحديث الصحيح: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [أخرجه مسلم (٥٤)]. [توفيق الرب المنعم (1/ 112 – 114)، بتصر ف يسير].
7 – (ومنها): “حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الخير ومعرفة الحق.
8 – (ومنها): الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
9 – (ومنها): البحث عن الفاضل من خصال الخير لإيلائه مزيد العناية.
10 – (ومنها): إخلاص العمل لله رجاء مثوبته.
11 – (ومنها): استعمال التواضع والإرشاد إليه.
12 – (ومنها): فيه دلالة على إكرام الضيف.
13 – (ومنها): بذل السلام للمعرفة وغير المعرفة.
14 – (ومنها): أنه لو ترك السلام على من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه.
15 – (ومنها): الإرشاد إلى أسباب تآلف القلوب واستجلاب ما يؤكد ذلك بين المؤمنين بالقول والفعل من التهادى وإطعام الطعام وإفشاء السلام وغير ذلك. [عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها – عبد المحسن العباد، ص (147)].
16 – في الحديث الدعوة إلى إخلاص العمل لله تعالى لا مصانعة ولا تملقاً، ويدل على ذلك بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف.