تتمة شرح الصحيح المسند رقم627 :
(المطلب الخامس): أَدِلَّةُ ثُبُوتِ النَّسَبِ:
أ – الْفِرَاشُ:
– الْفِرَاشُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَطْءِ وَهُوَ مَا افْتُرِشَ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لأَنَّ الرَّجُل يَفْتَرِشُهَا [مَتْن اللُّغَة، وَالْمَغْرِبِ للمطرزي، وَالنِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالأَثَرِ]، وَمِنْهُ حَدِيثُ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ؛ أَيْ: لِمَالِكِ الْفِرَاشِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُسْتَعْمَل كَلِمَةُ الْفِرَاشِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ، كَمَا تُسْتَعْمَل بِمَعْنَى كَوْنِ الْمَرْأَةِ مُتَعَيِّنَةً لِلْوِلاَدَةِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، يَقُول الزَّيْلَعِيُّ: مَعْنَى الْفِرَاشِ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْمَرْأَةُ لِلْوِلاَدَةِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ [تَبْيِين الْحَقَائِقِ شُرِحَ كَنْز الدَّقَائِق ٣ / ٤٣، وَالتَّعْرِيفَات للجرجاني]، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْكَرْخِيُّ بِأَنَّهُ الْعَقْدُ [حَاشِيَة الشلبي بِهَامِش الزيلعي ٣ / ٣٩]،
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي الْفِرَاشِ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَال: قَال رَسُول اللَّهِ – ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ [حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ: «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتَحَ الْبَارِي ١٢ / ١٢٧)، وَمُسْلِم (٢ / ١٠٨١ – ط الْحَلَبِيّ)]، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَال سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُول اللَّهِ: ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَال عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُول اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَنَظَرَ رَسُول اللَّهِ – ﷺ – إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَال: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ [حَدِيث: «اخْتَصَمَ سَعْد بْن أَبَى وَقَّاص. . .» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٤ / ٤١١ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٢ / ١٠٨٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة – رضي الله عنها.]
وَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَال: «مَا بَال رِجَالٍ يَطَئُونَ وَئْدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ، لاَ تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلاَّ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ اتْرُكُوا»[أَثَر عُمَر – رضي الله عنه: «مَا بَال رِجَالٍ يَطَئُونَ وئدهم ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ. . .» أَخْرَجَهُ الإِمَامُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (٢ / ٧٤٢ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَعَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (٧ / ١٣٢ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) وَاللَّفْظ لِمَالِك]،
فَهَذَا الْحُكْمُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ، وَفِي أَنَّ الشَّبَهَ إِذَا عَارَضَ الْفِرَاشَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْفِرَاشُ [زَاد الْمَعَاد لاِبْن الْقَيِّمِ ٥ / ٤١٠ ط مُؤَسَّسَة الرِّسَالَة ١٩٨٧ م]،
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَكُونُ فِرَاشًا بِعَقْدِ الزَّوَاجِ مَعَ إِمْكَانِ الدُّخُول الْحَقِيقِيِّ بِهَا أَيِ الْوَطْءِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ نَكَحَ الْمَغْرِبِيُّ الْمَشْرِقِيَّةَ مَثَلًا وَلَمْ يُفَارِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَطَنَهُ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ [الشَّرْح الصَّغِير ٣ / ٥٤٠، ٥٤١، والقليوبي وَعَمِيرَة ٤ / ١٠٧، وَالْمُغْنِي ٣ / ٤٢٩، وَصَحِيح مُسْلِم بِشَرْحِ النَّوَوِيّ ١٠ / ٣٨، وَفَتْحِ الْبَارِي ١٢ / ٣٤، وَزَادَ الْمَعَاد ٥ / ٤١٠].
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفِرَاشَ فِي الزَّوْجَةِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِمْكَانُ الدُّخُول مَادَامَ الدُّخُول مُتَصَوَّرًا عَقْلًا. وَيَقُولُونَ: إِنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَاءِ مَادَامَ التَّصَوُّرُ الْعَقْلِيُّ حَاصِلًا، فَمَتَى أَتَتِ الزَّوْجَةُ بِوَلَدٍ لأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْل مِنْ حِينِ الْعَقْدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الزَّوْجِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِمَغْرِبِيَّةٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الدُّخُول حَقِيقَةً، لِقَوْلِهِ – ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ أَيْ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اشْتِرَاطَ الْوَطْءِ وَلاَ ذَكَرَهُ، وَلأَنَّ الْعَقْدَ فِي الزَّوْجَةِ كَالْوَطْءِ [بَدَائِع الصَّنَائِع ٣ / ١٥٤٦، ١٥٤٧، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٦٣٠، وَفَتْح الْقَدِير ٣ / ٣٠١، وَالْبِنَايَة ٤ / ٨١٨]
ب – الْقِيَافَةُ:
– اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ إِلَى رَأْيَيْنِ: الأَوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ، وَأَجَازُوا الاِعْتِمَادَ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَعَدَمِ تَوَفُّرِ الدَّلِيل الأَقْوَى مِنْهَا، أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ الأَْقْوَى مِنْهَا. الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْل الْقَائِفِ.
ب – الدِّعْوَةُ
[والدِّعْوَة – بِكَسْرِ الدَّال – ادِّعَاء الْوَلَدِ الدَّعِيّ غَيْر أَبِيهِ (لِسَان الْعَرَبِ وَالْمَغْرِبِ)]:
– لَمْ يَأْخُذْ بِدِعْوَةِ النَّسَبِ دَلِيلًا فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ الْمُتَعَلِّقِ بِأُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَدَّعِيَ السَّيِّدُ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ مِنْهُ، فَلِكَيْ تَصِيرَ الْمُسْتَوْلَدَةُ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا لاَ بُدَّ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدَهَا وَلاَ يَكْفِي أَنْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَمَةَ تَصِيرُ فِرَاشًا بِالإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِذَلِكَ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى الاِدِّعَاءِ [الْبَدَائِع ٤ / ١٢٥، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ٢ / ٩٨١، والقليوبي ٤ / ٦٢، وَالْمُغْنِي ٩ / ٥٢٨، ٥٨٤].
د – الْحَمْل:
– يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْحَبَل الظَّاهِرِ [ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٥٣٤]، وَذَلِكَ إِذَا وُلِدَ الْحَمْل خِلاَل مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَهَا حَدٌّ أَدْنَى وَحَدٌّ أَقْصَى، أَمَّا الْحَدُّ الأَدْنَى لِمُدَّةِ الْحَمْل فَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ [الْهِدَايَة ٢ / ٣٦، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٢٣، وَالاِخْتِيَار ٣ / ١٧٩، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٣ / ٢١١، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣٥٢، وَجَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣١٢، ٣١٣، والقليوبي ٤ / ٤٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٧٣، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٧٧، ٤٠٨].
أَمَّا أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْل فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا:
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل أَرْبَعُ سِنِينَ [بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣٧٢، وَجَوَاهِر الإِكْلِيل ١ / ٣٨٠، وَالْخَرَشِيّ ١ / ١٤٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٢ / ١٤١، ١٤٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٧٣، ٣٨٠، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٧٧، ٤٨٣]
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل سَنَتَانِ [الْهِدَايَة ٢ / ٣٦، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٢٣، وَالاِخْتِيَار ٣ / ١٧٩، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٤٧ – ٤٨٠]،
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل خَمْسُ سِنِينَ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنَّ أَقْصَى الْحَمْل تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمُعْتَادَةُ [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣١٢، ٣١٣، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٢٥٢، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٦٠].
هـ – الْبَيِّنَةُ:
– اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ، وَلاَ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣٠٤، وَالْجُمَل ٥ / ٣٩٤، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣٦٠]، وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣٠٤، وَالْجُمَل ٥ / ٣٩٤، وَنِيل الْمَآرِب ٢ / ٤٨٣، ٤٨٤]، لأَنَّ النَّسَبَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَال وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال، فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَتِهِ مَدْخَلٌ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ [فَتْح الْقَدِير ٦ / ٧].
وَ- الإِقْرَارُ:
– الإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ وَاجِبٌ عَلَى الصَّادِقِ، حَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ بِالإِقْرَارِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِقْرَارُ الرَّجُل بِوَارِثٍ.
وَالثَّانِي: إِقْرَارُ الْوَارِثِ بِوَارِثِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَانِ: حُكْمُ النَّسَبِ، وَحُكْمُ الْمِيرَاثِ…. [المغني ١٢ / ٢٣ وما بعدها].
ط – حُكْمُ الْقَاضِي:
– يُعَدُّ حُكْمُ الْقَاضِي بِالنَّسَبِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا؛ لأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ لاَ يُذْكَرُ فِيهِ مُسْتَنَدُ الْحُكْمِ، وَالأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ فِي حُكْمِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَصْلُهُ قَوْل سُحْنُونٍ: يُقْبَل قَوْل الْقَاضِي فِيمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ مَجْلِسُ حُكْمِهِ، وَلأَنَّ مُسْتَنَدَهُ قَدْ يَكُونُ مُخْتَلِفًا فِي اعْتِبَارِهِ مُسْتَنَدًا، فَإِذَا حَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ ارْتَفَعَ الْخِلاَفُ فِيهِ، وَكَانَ الْحُكْمُ طَرِيقَ الثُّبُوتِ.
وَفِي الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ يَكْثُرُ التَّنْبِيهُ فِي نَوَازِل النَّسَبِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بِالإِرْثِ لِمُدَّعِي النَّسَبِ فِي الأَحْوَال الْمُخْتَلَفِ فِيهَا يُمْضَى، فَإِذَا وَقَعَ الاِسْتِظْهَارُ بِحُكْمِ قَاضٍ بِثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدٍ غَيْرِهِ مَذْكُورٍ فِيهِ مُسْتَنَدُ الْحَاكِمِ لَمْ يَسَعِ الْقَاضِي – الْمُسْتَظْهَرُ لَدَيْهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ – إِلاَّ أَنْ يَقُول: ثَبَتَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَاضِي فُلاَنٍ.
قَال الْجَزِيرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا انْصَرَمَتِ الآْجَال وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُل شَيْءٍ يُدْعَى فِيهِ إِلاَّ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ: الدِّمَاءَ، وَالأَحْبَاسَ، وَالْعِتْقَ، وَالطَّلاَقَ، وَالنَّسَبَ، وَبِهِ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ. [التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦ / ١٣٢، ١٣٣ ط دار الفكر]
ي – ثُبُوتُ النَّسَبِ بِدَعْوَى الْحِسْبَةِ:
– اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِدَعْوَى الْحِسْبَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّسَبِ لاَ تُقْبَل مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ، وَحَقُّهُ لاَ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ [بدائع الصنائع ٤ / ١١١، وشرح المحلي على المنهاج ٤ / ٣٢٢، ٣٢٣، وأسنى المطالب ٤ / ٣٦٧، وحاشية الجمل ٥ / ٣٨٦، والمغني ٩ / ٢١٥، ٢٣٨]،
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ لاَ تُقْبَل مَا لَمْ يُنَصِّبِ الْقَاضِي خَصْمًا عَنِ الصَّغِيرِ لِيَدَّعِيَ النَّسَبَ لَهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ شَرْعًا؛ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ إِحْيَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْقَاضِي نُصِبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ شَهَادَةً عَلَى خَصْمٍ [بدائع الصنائع ٤ / ١١١]
أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى نَسَبِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ مِنْ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الرَّجُل، فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْ غَيْرِ دَعْوَى [بدائع الصنائع ٤ / ١١٠]
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهَا النَّسَبُ؛ لأَنَّ فِي وَصْلِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. [القليوبي على المحلي ٤ / ٣٢٢، ٣٢٣، وأسنى المطالب ٤ / ٣٦٧، وحاشية الجمل ٥ / ٣٨٦].
(المطلب السادسة): التَّحْكِيمُ فِي النَّسَبِ:
– ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي نَسَبٍ لأَبٍ؛ لِخَطَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ بِهَا وَهُوَ الآْدَمِيُّ، لَكِنَّهُ إِنْ حَكَمَ فِي نَسَبٍ مَضَى حُكْمُهُ إِنْ كَانَ صَوَابًا، فَلاَ يَنْقُضُهُ الإِمَامُ وَلاَ الْقَاضِي [جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٣]،
قَال أَصْبَغُ: وَلاَ يَنْبَغِي التَّحْكِيمُ فِي النَّسَبِ لأَنَّهُ لِلإِمَامِ، زَادَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَصْبَغَ: فَإِنْ حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ. [مواهب الجليل ٦ / ١١٢ ط دار الفكر].
(المطلب السابع): التَّحْلِيفُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ:
– يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّهُ لاَ تَحْلِيفَ فِي نَسَبٍ، بِأَنِ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّهُ ابْنُهُ وَبِالْعَكْسِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقِيل: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يُحَلِّفُهُ وَيَأْخُذُهُ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا لاَ يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْلِهِ. [الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢٥، وتكملة فتح القدير ٨ / ١٨١، ومواهب الجليل ٦ / ١٣٣، والإنصاف ١٢ / ١١١].
(المطلب السابع): آثَارُ النَّسَبِ:
تَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ آثَارٌ مِنْهَا:
أ – النَّفَقَةُ:
– ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
ب – سُقُوطُ الْقِصَاصِ:
– ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل وَالِدٌ بِوَلَدِهِ مُطْلَقًا.
ج – ثُبُوتُ الْوِلاَيَةِ:
– ثُبُوتُ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْوِلاَيَةِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
د – الْمِيرَاثُ:
– اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الإِرْثِ فِي الْجُمْلَةِ.
هـ – تَحْرِيمُ النِّكَاحِ:
– اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ فِي الْجُمْلَةِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ.
(المطلب الثامن): اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ:
– اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى اعْتِبَارِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ.
(المطلب التاسع): انْتِفَاءُ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ:
– ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَكَانَ الْقَذْفُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَفْيُ نَسَبِ الْوَلَدِ عَنِ الزَّوْجِ وَأُلْحِقَ بِأُمِّهِ.
(المطلب السابع): عَدَمُ قَبُول النَّسَبِ لِلإِسْقَاطِ:
– النَّسَبُ حَقُّ الصَّغِيرِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ لَحِقَ بِهِ إِسْقَاطُ هَذَا الْحَقِّ، فَمَنْ أَقَرَّ بِابْنٍ، أَوْ هُنِّئَ بِهِ فَسَكَتَ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ، أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِ النَّفْيِ فَقَدِ الْتَحَقَ بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ لَهُ إِسْقَاطُهُ بَعْدَ ذَلِكَ [حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٤٦، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٦١٦، ونهاية المحتاج ٧ / ١١٦، والمغني ٧ / ٤٢٤، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢١١]، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ صَبِيًّا فِي يَدِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْهَا وَجَحَدَ الرَّجُل فَصَالَحَتْ عَنِ النَّسَبِ عَلَى شَيْءٍ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ النَّسَبَ حَقُّ الصَّبِيِّ لاَ حَقُّهَا. [بدائع الصنائع ٦ / ٤٩].
(المطلب العاشر): التَّصَادُقُ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ:
– قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا نَفَى نَسَبَ وَلَدِ حُرَّةٍ فَصَدَّقَتْهُ لاَ يَنْقَطِعُ نَسَبُهُ؛ لِتَعَذُّرِ اللِّعَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ؛ حَيْثُ تَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَقَدْ قَالَتْ إِنَّهُ صَادِقٌ، وَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُ النَّسَبِ لأَنَّهُ حُكْمُهُ وَيَكُونُ ابْنَهُمَا لاَ يُصَدَّقَانِ عَلَى نَفْيِهِ؛ لأَنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ وَالنَّسَبُ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ لاَ يَنْقَطِعُ إِلاَّ بِاللِّعَانِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلاَ يُعْتَبَرُ تَصَادُقُهُمَا عَلَى النَّفْيِ؛ لأَنَّ النَّسَبَ يُثْبِتُ حَقًّا لِلْوَلَدِ، وَفِي تَصَادُقِهِمَا عَلَى النَّفْيِ إِبْطَال حَقِّ الْوَلَدِ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ. [بدائع الصنائع ٣ / ٢٤٦].
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: لَوْ تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ قَبْل الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدُ فَلاَ بُدَّ مِنْ لِعَانٍ مِنَ الزَّوْجِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يُلاَعِنْ لَحِقَ بِهِ وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ قَذَفَ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَتُحَدُّ هِيَ عَلَى كُل حَالٍ، إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ بِالْوَلَدِ لأَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَنْتَفِيَ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ لِعَانٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْتَفِي مِنْهُ. وَنَقَل صَاحِبُ التَّاجِ وَالإِكْلِيل عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى نَفْيِ الْحَمْل نُفِيَ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَحُدَّتِ الزَّوْجَةُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَقَال أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: لاَ يُنْفَى إِلاَّ بِلِعَانٍ، وَقَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا. [الشرح الكبير ٢ / ٤٦٠، والشرح الصغير ٢ / ٦٦٠، والتاج والإكليل ٤ / ١٣٣]. [الموسوعة الفقهية الكويتية ، (40/ 231 – 256)].
اشكال وجوابه :
السؤال
كيف نجمع بين قوله ﷺ: (من أراد أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) وبين قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]؟
الجواب
لا منافاة بين النصوص، ففي قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، بيان أن الأجل مكتوب، وأما حديث النبي ﷺ: (من أحب أن يؤخر له في أجله، وينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه؛ فليصل رحمه) فمعناه: أن الله تعالى جعل صلة الرحم سببًا في طول العمر، والسبب والمسبب مكتوبان، فالله تعالى قدر الأسباب والمسببات، وقدر أن هذا يطول عمره بصلة الرحم، وهذا يقصر عمره بقطيعتها.
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث – الراجحي ١٣/٢٦
الجزاء من جنس العمل في حجيث من أحب أن ينسأ له في أجله … :
هذا الحديث فيه: الحث على صلة الرحم، وبيان أنها كما أنها موجبة لرضى الله وثوابه في الآخرة، فإنها موجبة للثواب العاجل، بحصول أحب الأمور للعبد، وأنها سبب لبسط الرزق وتوسيعه، وسبب لطول العمر. وذلك حق على حقيقته ; فإنه تعالى هو الخالق للأسباب ومسبباتها.
وقد جعل الله لكل مطلوب سببا وطريقا ينال به، وهذا جار على الأصل الكبير، وأنه من حكمته وحمده جعل الجزاء من جنس العمل، فكما وصل رحمه بالبر والإحسان المتنوع، وأدخل على قلوبهم السرور، وصل الله عمره، ووصل رزقه، وفتح له من أبواب الرزق وبركاته، ما لا يحصل له بدون هذا السبب الجليل.
وكما أن الصحة وطيب الهواء وطيب الغذاء، واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب، من أسباب طول العمر، فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببا ربانيا.
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة ١/١٧٢ — عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦)
فتاوى :
يجوز تعلم النسب من أجل زيادة الروابط والصلة بين الأسر ، والقبيلة ، فهذا مقصود شرعي حثت عليه الشريعة المطهرة ، كما أن عكسه محرَّم ، وهو نفي النسب عن الآخرين من أجل تقطيع الرحِم ، فهذه نية آثمة يضاف إثمها إلى إثم الطعن في النسب .
– الناس مؤتمنون على أنسابهم , فلا يحل لأحدٍ أن ينفي نسب أحدٍ دون بينة شرعية ،
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
أُثر عن الإمام مالك رحمه الله قول : “الناسُ مُؤْتَمَنُونَ على أنسابهم” ، فهل هذا يعني عدم تكذيب من نَسَبَ نفسه إلى قبيلة معينة ؛ لأنه هو المَعْنِيُّ بذلك وحده ؟ .
فأجاب :
إذا اشتهر أن هذا الرجل ينتسب إلى القبيلة الفلانية : فلا حاجة إلى إقامة بيِّنة خاصة ؛ لأن الاشتهار في هذا يكفي ، فهو من الأمور التي يُشهَد عليها بالاستفاضة .
نقلها الشيخ خالد الجريسي في كتابه “العصبية القبلية من المنظور الإسلامي” (132) .
من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
اختلف العلماء في حدّ الرحم التي يجب وصلها إلى ثلاثة أقوال:
* القول الأول: أن حد الرحم هو: الرحِم المَحرَم.
* والقول الثاني: أنهم الرحم من ذوي الميراث.
* والقول الثالث: أنهم الأقارب من النسب سواء كانوا يرثون أم لا.
والصحيح من أقوال أهل العلم هو القول الثالث، وهو: أن الرحم هم الأقارب من النسب – لا من الرضاع – من جهة الأب والأم.
أما أقارب الزوجة فليسوا أرحاماً للزوج، وأقارب الزوج ليسوا أرحاماً للزوجة.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: من هم الأرحام وذوو القربى حيث يقول البعض إن أقارب الزوجة ليسوا من الأرحام؟
فأجاب:
” الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال والأحزاب: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأنفال/75، والأحزاب/6.
وأقربهم: الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سأله سائل قائلاً: من أبر يا رسول الله ؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال:أباك، ثم الأقرب فالأقرب خرجه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في ذلك كثيرة.
أما أقارب الزوجة: فليسوا أرحاماً لزوجها إذا لم يكونوا من قرابته، ولكنهم أرحام لأولاده منها، وبالله التوفيق ” انتهى. ” فتاوى إسلامية ” (4 / 195).
فأقارب كل واحد من الزوجين ليسوا أرحاماً للأخر، ومع ذلك فينبغي الإحسان إليهم، لأن ذلك من حسن العشرة بين الزوجين، ومن أسباب زيادة الألفة والمحبة.
كيف تكون صلة الرحم؟
وصلة الرحم تكون بأمور متعددة، منها: الزيارة، والصدقة، والإحسان إليهم، وعيادة المرضى، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وغير ذلك.
قال النووي رحمه الله:
“صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة تكون بالزيارة، والسلام، وغير ذلك ” انتهى. ” شرح مسلم” (2 / 201).
وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله:
” وصلة الأقارب بما جرى به العرف واتّبعه الناس؛ لأنه لم يبيّن في الكتاب ولا السنة نوعها ولا جنسها ولا مقدارها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيده بشيء معين… بل أطلق؛ ولذلك يرجع فيها للعرف، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة ” انتهى. ” شرح رياض الصالحين” (5 / 215).
——
معالم ضرورية لطالب علم النسب
لكل علم قواعده التي تضبطه، ومصطلحاته الخاصة به، إلا أن علم النسب مع كثرة الكتابة فيه مؤخراً لم يكن له حظ كافٍ في التأليف في قواعده ومصطلحاته ليكون سبباً في كبح جماح المتعجلين، والتنبيهات التي لا بد له من مراعاتها فمن ذلك:
- أن المشتغل في النسب قد يدَّعي نسباً بلا حجة أو ينفي نسب أحد بلا برهان، والدافع إلى ذلك إما أن يكون الهوى أو العجلة وعدم التثبت
- الإيغال في الأنساب القديمة وقد روى خليفة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا أنتسب إلا إلى معدّ وما بعده لا أدري ما هو. وروى عن عكرمة قال: أضلت نزار نسبها من عدنان وأضلت اليمن نسبها من قحطان. وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتهى في النسب إلى معد بن عدنان أمسك ثم قال: كذب النسابون، قال تعالى: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا ﴾.
- أنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنسب أو بشرف الآباء، ولو تفكر العبد لوجد أن الناس كلهم ولد آدم
- أن معرفة المرء لعلو نسبه قد يؤدي به إلى ترك اكتساب الآداب والفضائل اتكالا على حسبه
والنسب مع الجهل لا يجدي شيئا كما قال الشاعر:
العلم ينهض بالخسيس إلى العلا *** والجهل يقعد بالفتى المنسوب
وما أحسن أن يجمع المرء بين شرف النسب وشرف العلم والأدب ويكون كعبدالله بن معاوية حين قال:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ولما قرئت هذه الأبيات على الملك عبدالعزيز رحمه الله قال: فوق ما فعلوا فوق ما فعلوا.
- أن علم النسب قد يستخدم للسب وانتقاص الآخرين، ولذا نجد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إياكم وتعلم الأنساب، والطعن فيها. وقد روى ابن عبدالبر بإسناده إلى يحيى بن طلحة قال: جئت سعيد بن المسيب فسلمت عليه فرد عليَّ، فقلت: علمني النسب، فقال: أنت تريد أن تسابَّ الناس، ثم قال لي: من أنت ؟ فقلت: أنا يحي بن طلحة , فضمني إليه وقال: ائت محمدًا ابني فإن عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وبطون وعمائر وأفخاذ وفصائل. فإذا كان المرء يعلم من نفسه نزوعا إلى انتقاص الآخرين فليصلحه وليبتعد عن كل ما يزيد هذا الخلق الدنيء من القراءة في أخبار القبائل وأنسابها. وقد أحسن علماء الإسلام في طي مثالب القبائل ومن وجدوه ألف في المثالب فإن كتابه يطوى ولا يروى لعظيم ضرره.
- أن علم النسب قد يشغل عما هو أنفع منه، وهذا كثير مشاهد، فكم رأينا ممن يشار إليهم بالبنان من طلبة العلم اتجهوا إلى علم الأنساب وتركوا ما هو أنفع للأمة منه، ولذا نجد الإمام أحمد يصرف طلابه إلى العلم الأكثر نفعا، فقد سأله رجل يقال له عامر فقال: يا أبا عبدالله بلغني أنك رجل من العرب فمن أي العرب أنت؟ قال لي: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين، وما تصنع بهذا ؟ فكان ربما جاءني أريده على أن يخبرني فيعيد عليَّ مثل ذلك الكلام ولا يخبرني بشيء.
- من كمال العقل حسن اختيار ما نسب إلى السابقين الأخيار ونقل ما جاء فيها من أخبار، قال ابن الجوزي رحمه الله:” وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نقل ولا أنقل كل ما نقل إذ لكل شيء صناعته وصناعة العقل حسن الاختيار”، فما كان فيها مما يحسن تركه فليترك.
- لا بد من معرفة رأي العلماء في المصنفات التي يرجع إليها الباحث
- من أهم مبادئ علم النسب معرفة طبقات النسب عند العرب، قال ابن حجر: الشعوب النسب البعيد والقبائل دون ذلك هو قول مجاهد أخرجه الطبري عنه وذكر أبو عبيدة مثال الشعب مضر وربيعة ومثال القبيلة من دون ذلك وأنشد لعمرو بن أحمر:
من شعب همدان أو سعد العشيرة *** أو خولان أو مذحج هاجوا له طربا.
وقال ابن الكَلْبيّ: الشَّعب أكبرُ من القَبيلة ثم العِمَارة ثم البَطْن ثم الفَخِذ ثم العَشِيرة ثم الفَصِيلة. وقال غيرُه: الشّعوبُ العَجَم والقبائل العرب، وإنما قيل للقَبيلة قبيلة لتقابُلها، وتناظرُها، وأن بعضَها يُكافئ بعضاً. وقيل للشَّعْب شَعْب لأنه انشَعب منه أكثر مما آنشعب من القَبيلة، وقيل لها عَمائر، من الاعتمار والاجتماع، وقيل لها بُطون، لأنها دون القبائل، وقيل لها أفخاذ، لأنها دون البُطون، ثم العَشيرة، وهي رَهط الرجل، ثم الفَصيلة، وهي أهلُ بيت الرجل خاصة. قال تعالى: ﴿ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾ [المعارج: 13]. وقال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الأقْرَبِينَ ﴾.
- معرفة المصطلحات الشائعة في كتب النسب ومشجرات العوائل أمر في غاية الأهمية، وقد أفرد محمد سعيد كمال رسالة في مجموعة الرسائل الكمالية في مصطلحات النسابة، وهي جيدة في بابها.
- التثبت في ما يرد من قصص وأخبار فيما هو مخالف للشرع أمر لازم وواجب على المؤرخ والمتحدث في النسب أن يحرص عليه، وخصوصا إذا كان الحديث عمن عرف بالخير، وتطبيق المنهج الحديثي في سند الرواية؛ امتثالا لقوله سبحانه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].
- ينبغي لمن يتصدى لتأريخ الأعلام أن يتجنب الألفاظ الجارحة، قال المزني: سمعني الشافعي يوما وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: أحسِنها، لا تقل كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء. ونحوه عن البخاري وأيوب رحم الله الجميع. وذلك حتى لا يتعود لسانه على هذه الألفاظ الجارحة.
والرابع: فوائد الحديث:
1- (منها): أن معرفة الأنساب يعين على صلة الأرحام.
2- (ومنها): الحث على تتبع القرابات ومعرفتهم.
3- (ومنها): الحث على الاعتناء بعلم النسب؛ لما فيه من بركات في المال والعمر وسبب للمودة.
4- (ومنها): تعلم النسب مندوب.
5- (ومنها): دلالة على أن الصلة تتعلق بذوي الأرحام كلها لا بالوالدين فقط.
وَالصِّلَةُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهُ تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْكَلاَمِ وَلَوْ بِالسَّلاَمِ. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ: فَمِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا فَقِيل: هِيَ كُل رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالآْخَرُ أُنْثَى حُرِّمَتْ مُنَاكَحَتُهُمَا، وَعَلَى هَذَا لاَ يَدْخُل أَوْلاَدُ الأَْعْمَامِ وَلاَ أَوْلاَدُ الأَْخْوَال. وَقِيل: الرَّحِمُ عَامٌّ فِي كُلٍّ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ فِي الْمِيرَاثِ يَسْتَوِي الْمَحْرَمُ وَغَيْرُهُ. (٣)
قَال النَّوَوِيُّ: وَالْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَمِمَّا يَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ: إِنَّ أَبَرَّالْبِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْل وُدِّ أَبِيهِ.
— الموسوعة الفقهية الكويتية – مجموعة من المؤلفين (٢٧ / ٣٥٩)