628 -فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع عبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
628 – قال الإمام النسائي رحمه الله (ج 4 ص 138): أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ هُوَ أَبُو يزَيْدٍ الْجَرْمِيُّ بَصْرِيٌّ عَنْ بَهْزٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا».
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَلَمَةُ سَمِعْتُ أَبَا الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا».
هذا حديث حسنٌ. وأبو الحكم هو عمران بن الحارث السلمي.
…………………………………
حكم الألباني: صحيح الإسناد صحيح سنن النسائي 2/ 460
بوب عليه مقبل في الجامع:
33 – الإيمان بالملائكة
5 – الشهر تسعة وعشرون يوما وثلاثون يوما
في هذا الحديث أنَّ الشهر لا يأتي كاملاً دائماً وأن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا وجاء الشهر تسعاً وعشرين يوماً يخرج عن يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يوماً لم يلزمه أكثر من ذلك، وإذا قال: لله علي صوم شهر من غير تعيين كان عليه إكمال ثلاثين يوماً.
قال في “الفتح”: في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، أو أن اللام في قوله: “الشهر” للعهد من الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون الشهور كلها كذلك، وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة أن الشهر تسع وعشرون، فأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، رفعه: “الشهر تسع وعشرون”، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، إنما قال: “الشهر قد يكون تسعًا وعشرين”. وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عمر بهذا اللفظ الأخير الذي جزمت به عائشة. انتهى .
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-:
[إن قلت]: ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثين.
[قلت]: عنه أجوبة: (أحدها): أن المعنى كما تقدّم أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وحينئذ فلا إشكال في ذلك. (ثانيها): أن الألف واللام للعهد، والمراد أن هذا الشهر الذي أقسم على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يومًا. (ثالثها): أنه بنى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأنّ مجيء الشهر تسعًا وعشرين في زمنه – صلى اللَّه عليه وسلم -كان أكثر من ثلاثين. وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، عن ابن مسعود – رضي اللَّه عنه -، قال: “ما صمت مع النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين”. وكذا في سنن ابن ماجه، عن أبي هريرة – رضي اللَّه عنه – (رابعها): قال القاضي أبو بكر بن العربيّ معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان، أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقلّه، وقد يكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقلّ تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله انتهى (ذخيرة العقبى)
وفي حديث ابن عمر في الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ، فَقَالَ: “الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا”، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ: “فَصُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثينَ “).
وقال النوويّ رحمه اللهُ: حاصله أن الاعتبار بالهلال، فقد يكون تامًّا ثلاثين، وقد يكون ناقصًا تسعًا وعشرين، وقد لا يُرى الهلال، فيجب إكمال العدد ثلاثين، قالوا: وقد يقع النقص متواليًا في شهرين، وثلاثة، وأربعة، ولا يقع في أكثر من أربعة. ( انظر: البحر المحيط الثجاج )
قال الطحاوي:
بَابٌ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا شَهْرًا ، كَمْ عَدَدُ ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنَ الْأَيَّامِ؟
مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «الشَّهْرُ هَكَذَا ، وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ أُصْبُعًا»
وعَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى الشَّهْرَ فَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، وَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثُونَ
قَالَ أَبُو الضُّحَى حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْكِينَ ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا. فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ، فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ فَدَعَاهُ بِلَالٌ ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: أَطَلَّقَتْ نِسَاءُكَ؟ قَالَ: لَا ، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ”
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ ، فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا أَيْضًا آثَارًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا
وعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: ” آلَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ نَزَلَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ، آلَيْتَ شَهْرًا ، فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ”
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رحمه الله: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا شَهْرًا ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ حَلَفَ مَعَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَإِنْ كَانَ حَلَفَ فِي بَعْضِ شَهْرٍ فَيَمِينُهُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا» . أَفَلَا تَرَاهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ – إِذَا غُمَّ – ثَلَاثِينَ ، وَجَعَلَهُ عَلَى الْكَمَالِ حَتَّى يَرَوُا الْهِلَالَ ذَلِكَ؟ وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَيْضًا فِي شَعْبَانَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَمَا يُرَى هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يَصُومُوا ، وَكَانَ شَعْبَانُ عَلَى الثَّلَاثِينَ إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ ، غَيْرُ مَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ
عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: ” حَلَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لَيَهْجُرُنَا شَهْرًا ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تُكَلِّمَنَا شَهْرًا ، وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ لَا يَتِمُّ ” فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ، لِنُقْصَانِ الشَّهْرِ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلَفَ عَلَيْهِنَّ مَعَ غُرَّةِ الْهِلَالِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا مَا هُوَ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» لَا وَاللهِ مَا كَذَلِكَ قَالَ ، أَنَا – وَاللهِ – أَعْلَمُ بِمَا قَالَ فِي ذَلِكَ ، إِنَّمَا قَالَ حِينَ هَجَرَنَا لَأَهْجُرَكُنَّ شَهْرًا. فَجَاءَ حَتَّى ذَهَبَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ شَهْرًا ، وَإِنَّمَا غِبْتَ عَنَّا تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. فَقَالَ: «إِنَّ شَهْرَنَا هَذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً»
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْ هَذَا شَيْءٌ
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»
فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ.
فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ ، لِمَا كَشَفَتْ عَمَّا ذَكَرْنَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ
وعَنِ الْحَسَنِ ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا. قَالَ: إِنِ ابْتَدَأَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ صَامَ لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطَرَ لِرُؤْيَتِهِ ، وَإِنِ ابْتَدَأَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ ، صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[شرح معاني الآثار – ط مصر 3/ 122]
قال ابن تيمية:
فصل:
ما ذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه. لكن الطريق إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية؛ لا غيرها: بالسمع والعقل. أما السمع: فقد أخبرنا غير واحد منهم شيخنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد المقدسي وأبو الغنائم المسلم بن عثمان القيسي وغيرهما قالوا: أنبأنا حنبل بن عبد الله المؤذن أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن الحصين أنبأنا أبو علي بن المذهب أنبأنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل أنبأنا أبي حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس سمعت سعيد بن عمر بن سعيد يحدث أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة. والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين} . وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وإسحاق يعني الأزرق أنبأنا سفيان عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني ذكر تسعا وعشرين قال إسحاق: وطبق بيديه ثلاث مرات وخنس إبهامه في الثالثة} أخرجه البخاري عن آدم عن شعبة ولفظه: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين} . وكذلك رواه أبو داود عن سليمان بن حرب عن شعبة ولفظه: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس سليمان أصبعه في الثالثة يعني تسعة وعشرين وثلاثين} . رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان. كما ذكرناه. ومن طريق غندر عن شعبة أيضا كما سقناه وقال في آخره تمام الثلاثين. ولم يقل: يعني. فروايته من جهة المسند كما سقناه أجل الطرق وأرفعها قدرا؛ إذ غندر أرفع من كل من رواه عن شعبة وأضبط لحديثه والإمام أحمد أجل من رواه عن غندر عن شعبة وهذه الرواية المسندة التي رواها البخاري وأبو داود والنسائي من حديث شعبة تفسر رواية الثوري وسائر الروايات عن ابن عمر مما فيه إجمال يوهم بسببه على ابن عمر مثل ما رويناه بالطريق المذكورة أن أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: حدثنا شعبة عن جبلة يقول لنا ابن سحيم: قال بهز: أخبرني جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وطبق بأصابعه مرتين وكسر في الثالثة الإبهام.} قال محمد بن جعفر في حديثه يعني قوله: ” تسعا وعشرين “. هكذا رواه البخاري والنسائي من حديث شعبة ولفظه: {الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة} . ومثل ما روى نافع عن ابن عمر كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له}
قال نافع وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رئي فذاك فإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما.
ورويناه. في سنن أبي داود من حديث حماد بن زيد قال: أنبأنا أيوب هكذا سواء. ولفظه: {الشهر تسع وعشرون} قال في آخره: فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له فإن رئي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا فإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما قال فكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب وروى له باللفظ الأول عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الشهر تسع وعشرون} وبه عن ابن عمر أنه إذا كان سحاب أصبح صائما. وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا. قال: وأنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه مثله وهكذا رواه عبيد الله بن عمر عن نافع كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر: إذا كان ليلة تسع وعشرين. وكان في السماء سحاب أو قتر أصبح صائما. رواه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى. ولفظه: {لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له}…
فرواية أحمد أكمل وأحسن سياقا تقدم فإن الرواية المفسرة تبين أن سائر روايات ابن عمر التي فيها الشهر تسع وعشرون عني بها أحد شيئين: أما أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين ردا على من يتهم أن الشهر المطلق هو ثلاثون كما توهم من توهم من المتقدمين وتبعهم على ذلك بعض الفقهاء في الشهر العددي فيجعلونه ثلاثين يوما بكل حال وعارضهم قوم فقالوا: الشهر تسعة وعشرون واليوم الآخر زيادة. وهذا المعنى هو الذي صرح به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {الشهر هكذا وهكذا وهكذا والشهر هكذا وهكذا} يعني: مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين فمن جزم بكونه ثلاثين أو تسعة وعشرين فقد أخطأ. والمعنى الثاني أن يكون أراد أن عدد الشهر اللازم الدائم هو تسعة وعشرون فأما الزائد فأمر جائز يكون في بعض الشهور ولا يكون في بعضها. والمقصود أن التسعة والعشرين يجب عددها واعتبارها بكل حال في كل وقت فلا يشرع الصوم بحال حتى يمضي تسعة وعشرون من شعبان ولا بد أن يصام في رمضان تسعة وعشرون؛ لا يصام أقل منها بحال وهذا المعنى هو الذي يفسر به رواية أيوب عن نافع: {إنما الشهر تسع وعشرون. فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه} أي إنما الشهر اللازم الدائم الواجب تسعة وعشرون. ولا يمكن أن يفسر هذا اللفظ بالمعنى الأول؛ لما فيه من الحصر. وقد قيل إن ذلك قد يكون إشارة إلى شهر بعينه لا إلى جنس الشهر: أي إنما ذلك الشهر تسعة وعشرون كأنه الشهر الذي آلى فيه من أزواجه لكن هذا يدفعه قوله عقبه: {فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فأقدروا له} فهذا يبين أنه ذكر هذا لبيان الشرع العام المتعلق بجنس الشهر لا لشهر معين فإنه قد بين أنه ذكر هذا لأجل الصوم. فلو أراد شهرا بعينه قد علم أنه تسعة وعشرون لكان إذا علم أن ذلك الشهر تسع وعشرون لم يفترق الحال بين الغم وعدمه ولم يقل: {فلا تصوموا حتى تروه} ولأنه لا يعلم ذلك إلا وقد رئي هلال الصوم وحينئذ فلا يقال: {فإن غم عليكم} .
ولذلك حمل الأئمة كالإمام أحمد قوله المطلق على أنه لجنس الشهر لا لشهر معين. وبنوا عليه أحكام الشريعة. قال حنبل بن إسحاق: حدثني أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال أبو عبد الله: قلت ليحيى: الذين يقولون الملائي قال: نعم عن الوليد بن عقبة قال: صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمان وعشرين فأمرنا علي أن نتمها يوما. أبو عبد الله رحمة الله عليه يقول: العمل على هذا الشهر؛ لأن هكذا وهكذا وهكذا تسعة وعشرون فمن صام هذا الصوم قضى يوما ولا كفارة عليه. وبما ذكرناه يتبين الجواب عما روي عن عائشة في هذا قالت. يرحم الله أبا عبد الرحمن {وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فنزل لتسع وعشرين. فقيل له فقال: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين} فعائشة رضي الله عنها ردت ما أفهموها عن ابن عمر أو ما فهمته هي من أن الشهر لا يكون إلا تسعا وعشرين. وابن عمر لم يرد هذا بل قد ذكرنا عنه الروايات الصحيحة. بأن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. فثبت بذلك أن ابن عمر روى أن الشهر يكون تارة كذلك وتارة كذلك. وما رواه إما أن يكون موافقا لما روته عائشة أيضا: من أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وإما أن يكون معناه أن الشهر اللازم الدائم الواجب هو تسعة وعشرون ومن كلام العرب وغيرهم أنهم ينفون الشيء في صيغ الحصر أو غيرها تارة لانتفاء ذاته. وتارة لانتفاء فائدته ومقصوده. ويحصرون الشيء في غيره: تارة لانحصار جميع الجنس منه. وتارة لانحصار المفيد أو الكامل فيه. ثم إنهم تارة يعيدون النفي إلى المسمى. وتارة يعيدون النفي إلى الاسم. وإن كان ثابتا في اللغة؛ إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيا عنه ثابتا لغيره…
فكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {إنما الشهر تسع وعشرون} وقوله: {الشهر تسع وعشرون} حيث قصد به الحصر في النوع لما كان الله تعالى قد علق بالشهر أحكاما كقوله: {شهر رمضان} وقوله: {الحج أشهر معلومات} وقوله: {شهرين متتابعين} ونحو ذلك. وكان من الأفهام ما يسبق إلى أن مطلق الشهر ثلاثون يوما. ولعل بعض من لم يعد أيام الشهر يتوهم أن السنة ثلاثمائة وستون يوما. وأن كل شهر ثلاثون يوما فقال صلى الله عليه وسلم الشهر الثابت اللازم الذي لا بد منه تسع وعشرون. وزيادة اليوم قد تدخل فيه وقد تخرج منه كما يقول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فهذا هو الذي لا بد منه وما زاد على ذلك فقد يجب على الإنسان وقد يموت قبل الكلام فلا يكون الإسلام في حقه إلا ما تكلم به….
وقد استفاضت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يوافق التفسير الأول في حديث ابن عمر. مثل ما رواه البخاري من حديث ابن جريج. عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن عكرمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم {آلى من نسائه شهرا فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح فقيل له إنك حلفت أن لا تدخل شهرا. فقال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما} فيه ما يدل على أن الشهر يكمل بحسبه مطلقا. إلا أن يكون الإيلاء كان في أول الشهر وهو خلاف الظاهر. فمتى كان الإيلاء. في أثنائه فهو نص في مسألة النزاع….
ورواه من طريق غندر عنه ولفظه: {الشهر تسع وعشرون} فهذه الرواية تبين أن إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم كان فيما بين الهلالين. فلما مضى تسع وعشرون أخبره جبريل أن الشهر تم لتسع وعشرين لأن الشهر الذي آلى فيه كان تسعا وعشرين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أن عليه إكمال العدة ثلاثين. فأخبره جبرائيل بأنه تم شهر إيلائه لتسع وعشرين. ولو كان الإيلاء في أول الهلال لم يحتج إلى أن يخبره جبرائيل بذلك؛ لأنه إذا رئي لتمام تسع وعشرين يعلم أنه قد تم فإن هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه حتى يخبره به جبرائيل. وأيضا فلو كان الإيلاء بين الهلالين لكان الصحابة يعلمون أن ذلك شهر فإن هذا أمر لم يكن يشكون فيه هم ولا أحد أن الشهر ما بين الهلالين والاعتبار بالعدد؛ ولكن لما وقع الإيلاء في أثناء الشهر توهموا أنه يجب تكميل العدة ثلاثين فأخبره جبريل بأنه قد تم شهر إيلائه لتسع وعشرين وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {إن الشهر تسع وعشرون} أي شهر الإيلاء {وأن الشهر يكون تسعة وعشرين} . وأيضا فقول عائشة رضي الله عنها أعدهن. ولو كان في أول الهلال لم تحتج إلى أن تعدهن كما لم يعد رمضان إذا صاموا بالرؤية؛ بل روى عنه ما ظاهره الحصر سعد بن أبي وقاص بالإسناد المتقدم إلى أحمد…
فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور. أحدها أن قوله: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب} هو خبر تضمن نهيا. فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب. فمن كتب أو حسب أو لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها والخروج عنها محرم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنهما. وهذا كقوله: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} أي هذه صفة المسلم فمن خرج عنها خرج عن الإسلام ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض وكذلك قوله {: المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم} . فإن قيل: فهلا قيل إن لفظه خبر ومعناه الطلب؟ . كقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} {والوالدات يرضعن} ونحو ذلك. فيكون المعنى أن من كان من هذه الأمة فلا ينبغي له أن يكتب ولا يحسب. نهاه عن ذلك؛ لئلا يكون خبرا قد خالف مخبره. فإن منهم من كتب أو حسب. قيل: هذا معنى صحيح في نفسه لكن ليس هو ظاهر اللفظ. فإن ظاهره خبر والصرف عن الظاهر إنما يكون لدليل يحوج إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك كما بيناه.
وأيضا فقوله: {إنا أمة أمية} ليس هو طلبا فإنهم أميون قبل الشريعة كما قال الله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها. نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقا….
[مجموع الفتاوى 25/ 146]
الانتقال الى العدد إذا كان الحلف بين الهلالين :
قال في الشرح الكبير :
٣٥٣٤ – مسألة: (وإن قَال: إذَا مضتْ سَنةٌ فَأنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ إذَا مضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الذي حَلَفَ في أثْنائِهِ بِالعَدَدِ) إلى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١). فإنْ حَلَفَ في أوَّلِ شَهْرٍ، فإذا مَضَى اثْنا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ (٢) وَقَعَ طلاقُه. وإن حَلَفَ في أثناءِ شَهرٍ، عَدَدْتَ ما بَقِيَ منه، ثم حَسَبْتَ بَعدُ بالأهِلَّةِ، فإذا مَضَتْ أحَدَ عَشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ نَظَرْتَ ما بَقِيَ مِن الشَّهْرِ الأوَّلِ، فكَمَّلْتَ ثلاثينَ يومًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسمٌ لِما بينَ هِلالينِ، فإن تَفَرَّقَ كان ثلاثينَ يومًا. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه تُعْتَبَرُ الشُّهورُ كلُّها بالعَدَدِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن نَذَر صِيامَ شهْرَينِ مُتَتابِعَينِ، فاعترضَ الأَيَّام (٣)، قال: يَصومُ سِتِّينَ يومًا، وإنِ
ابْتدَأَ مِن شهر، فصامَ شَهْرَينِ، فَكانا ثمانيةً وخمسينَ يومًا، أجْزَأه؛ وذلك أنَّه لمَّا صامَ نِصْفَ شهرٍ، وجَبَ تَكْمِيلُه مِنَ الذي يَلِيه، فكان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْفِه أيضًا، فَوجَبَ أنْ يُكَمِّلَه بالعَدَدِ .