2362 ‘ 2363 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود
جمع أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي وعبدالله الديني وأبوالربيع
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابُ الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
2362 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، وَقَالَ أَحْمَدُ: «فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ»
2363 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ ”
———
قال الخطابي:
قوله لا يرفث يريد لا يفحش والرفث الخنا والفحش. وقوله فليقل إني صائم يتأول على وجهين أحدهما فليقل ذلك لصاحبه نطقا باللسان يرده بذلك عن نفسه. والوجه الآخر أن يقول ذلك في نفسه أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتمه لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله.
[معالم السنن 2/ 108]
قال ابن قدامة:
فصل: ويَجِبُ على الصَّائِمِ أنْ يُنَزَّهَ صَوْمَهُ عن الكَذِبِ والغِيبَةِ والشَّتْمِ. قال أحمدُ: يَنْبَغِى لِلصَّائِمِ أنْ يَتَعاهَدَ صَوْمَه من لِسانِه، ولا يُمَارِى، ويَصُونَ صَوْمَه، كانوا إذا صامُوا قَعدُوا فى المَساجِدِ، وقالوا: نَحْفَظُ صَوْمَنا. ولا يَغْتابُ أحَدًا، ولا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ به صَوْمَه. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لمْ يَدَعْ قَؤلَ الزُّورِ، والعَمَلَ به، فلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فى أن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ”. وقال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيَامَ، فَإنَّهُ لِى، وَأَنا أَجْزِى بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلَا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّه أحَدٌ أو قَاتَلَه، فَلْيَقُلْ: إنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عند اللهِ من رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَان يَفْرَحُهُما، إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه”. مُتَّفَقٌ عليهما (5).
[المغني لابن قدامة 4/ 446]
قال النووي رحمه الله كما في “المجموع” (6 /398):
“… فلو اغتاب في صومه عصى، ولم يبطل صومه عندنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي…، ثم قال: وأجاب أصحابنا عن الأحاديث السابقة بأن المراد أن كمال الصيام وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به”. اهـ بتصرف واختصار.
حتَّى نَقَل ابنُ قدامةَ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على صحَّةِ صومه فقال: «الغِيبةُ لا تفطِّر الصائمَ إجماعًا، فلا يصحُّ حملُ الحديثِ على ما يخالِفُ الإجماعَ»(٦-[«المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٤).]).
وقد نُقِلَ عن طائفةٍ من السَّلَفِ: أن الغِيبةَ والنميمةَ ونحوَها تُفطِّرُ الصائمَ، وذُكِر وجهًا في مذهَبِ أحمدَ.
وتحقيقُ الأمرِ في ذلك: أن اللهَ أمَر بالصيامِ لأجلِ التقوى، وقال ﷺ: «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به؛ فليسَ لله (١) حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه» (٢)، فإذا لم تحصُلْ له التقوى؛ لم يحصُلْ مقصودُ الصومِ، فينقُصُ أجر الصومِ.
والأعمالُ الصالحةُ لها مقصودانِ: حصولُ الثوابِ، واندفاعُ العقابِ، فإذا فعَلَها معَ المنهياتِ من أكلِ الحرامِ وغيرِه؛ فاته الثوابُ.
فقولُ الأئمَّةِ: لا يُفطِرُ؛ أي: لا يُعاقَبُ على الترك.
ومَن قال: إنه يُفطِرُ؛ بمعنى: أنه لم يحصُلْ له مقصودُ الصومِ، أو قد تذهبُ بأجرِ الصومِ؛ فقولُه موافقٌ للأئمَّةِ.
ومَن قال: يُفطِرُ؛ بمعنى: أنه يُعاقَبُ على التركِ؛ فهو مخالفٌ لأقوالِهم.
مختصر الفتاوى المصرية – ط ركائز ١/٤٤٠ — بدر الدين البعلي (ت ٧٧٨)
وقال في شرح عمدة الفقه :
الغيبة تُكره للصائم، فلا يَغتاب أحدًا، ولا يعمل عملًا يجرح به صومَه، ولا تُفطِّر الغيبةُ الصائم .
ولذلك قال في رواية …
ونقل عنه حربٌ التوقفَ في الفِطْر بالغيبة، فقال: قلت لأحمد بن حنبل: الرجلُ يغتاب وهو صائم يعيدُ الصومَ؟ قال: لا أدري كيف هذا، وأمسك عنها، وقال: ما أدري.
وذَكَر أن عبد الرحمن بن مهدي كان يأمر بالوضوء من الغيبة.
وقال إسحاق بن راهويه: قال رسول الله – ﷺ -: «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ في صيامه ، فليس له من صيامه شيء» .
وقال عِدّةٌ من أهل العلم من التابعين: إن الكذبَ يفطِّر الصائمَ، والغيبةَ كذلك؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
— شرح عمدة الفقه – ابن تيمية – ط عطاءات العلم – ابن تيمية (٣ / ٤٤٨)
وفي صحيح البخاري :
٨ – بَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
١٩٠٣ – حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
[الحديث ١٩٠٣ – طرفه في: ٦٠٥٧]
وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَيْسَتْ قَوْلَ الزُّورِ، وَلَا الْعَمَلَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهُ بِمَا يَكْرَهُ، وَقَوْلُ الزُّورِ هُوَ الْكَذِبُ، وَقَدْ وَافَقَ التِّرْمِذِيَّ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ فَتَرْجَمُوا بِالْغِيبَةِ، وَذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ الْأَمْرَ بِحِفْظِ النُّطْقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْعَمَلَ بِهِ فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ: وَالْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
— فتح الباري بشرح البخاري – ط السلفية – ابن حجر العسقلاني (٤ / ١٢٩)
قال ابن الملقن في شرح البخاري :
ذكر فيه حديث أبي هريرة فقال: حَدَّثَنَا ادمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ”.
هذا الحديث من أفراده، ولما ذكره في الأدب قَالَ: أفهمني رجل إسناده. وقال أبو داود: قَالَ أحمد بن يونس: فهمت إسناده عن ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أُراه ابن أخيه. وفي رواية للجُوزي: والجهل.
قَالَ الدارقطني في “علله”: رواه يزيد بن هارون وأبو نباتة يونس بن يحيى (ت)، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، لم يذكر أباه، وأغرب أبو قتادة بسند آخر عن ابن أبي ذئب فقال: عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، عن أبي هريرة.
قلت: ورواه من غير ذكر أبيه حماد بن خالد، ساقه الإسماعيلي.
قَالَ: ابن أبي ذئب، عن المقبري عن أبي هريرة.
وفي “مستدرك الحاكم” عَلَى شرط مسلم من حديث عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم”.
وفي لفظ: “رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع، ورب قائم حظه من قيامه السهر”. ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط البخاري.
وروى أبو السري هناد بن السري في “زهده” عن أنس مرفوعًا: “ما صام من ظل يأكل لحوم الناس”. وله عن أنس أنه قَالَ: “إذا اغتاب الصائم أفطر”.
أما فقه الباب فهو أن حكم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذَلِكَ فقد نقص صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: “من باع الخمر فليشقص الخنازير”
يريد: أي: يذبحها. ولم يأمره بشقصها ولكنه عَلَى التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه.
وفي كتاب “الرقاق” لابن المبارك عن ابن جريج قَالَ: قَالَ سليمان بن موسى عن جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الخادم، وليِكُ عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك وفطرك سواء.
وفي “علل الدارقطني” من حديث أبي هريرة مرفوعًا: “خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر بشهوة، واليمين الكاذبة”.
قَالَ أبو حاتم في “علله”: هذا حديث كذب.
ولابن حزم -مصححًا- عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عَلَى امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: “قيئا” فقاءتا قيحًا ودمًا ولحمًا عبيطًا، فقال صلى الله عليه وسلم: “إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا عَلَى الحرام”.
وعن علي من حديث مجالد عن الشعبي عنه.
ومجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر قَالَ: ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، لكنه من الكذب والباطل واللغو. وعن أنس قَالَ: إذا اغتاب الصائم أفطر. وقال أبو ذر: إذا كان يوم صومك فتحفظ ما استطعت.
قَالَ ابن حزم: فهؤلاء من الصحابة عمر وعلي وأنس وأبو ذر وأبو هريرة وجابر، يرون بطلان الصوم بالمعاصي؛ لأنهم خصوا الصوم باجتنابها، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ومن التابعين مجاهد وحفصة بنت سيرين وميمون بن مهران والنخعي، وفي هذا رد عَلَى قول ابن التين لما نقل عن الأوزاعي أنه يفطر من اغتاب مسلمًا. وعند كافة الفقهاء أن ذَلِكَ نقص من حظه من الصيام لا في الإجزاء. واحتج الأوزاعي بالحديث السالف، وهذا عندنا عَلَى وجه التغليظ والمجاز، ومعناه: سقوط الثواب.
قلت: قد علمت ضعفه وأن الأوزاعي لم ينفرد به، وكذا قَالَ ابن بطال: اتفق جمهور الفقهاء عَلَى أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ القبيح، ثم نقل عن الأوزاعي أنه يفطره السب والغيبة، واحتج بما روي أن الغيبة تفطر الصائم، وكذا قَالَ القرطبي.
قَالَ: وبه قَالَ الحسن فيما أحسب. وقال ابن القصار: معناه: أنه يصير في معنى المفطر في سقوط الأجر لا أنه أفطر في الحقيقة لقوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] فلم يكن آكلًا في الحقيقة، وإنما يصير في معناه، ويجوز أن يكون في معنى التغليظ كما قَالَ: “الكذب مجانب الإيمان”. وقال أبو العالية: الصائم في ثوابٍ ما لم يغتب وإن كان نائمًا عَلَى فراشه.
وقال مجاهد: من أحب أن يسلم له صومه (فليجتنب) الغيبة والكذب. وقال النخعي: كان يقال: الكذب يفطر الصائم.
وقوله: (“فليس لله حاجة”) معناه: فليس لله إرادة في صيامه، والله لا يحتاج إلى شيء فوضع الحاجة موضع الإرادة.
[التوضيح لشرح الجامع الصحيح 13/ 77]
حديثِ: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالكَذِبُ وَالقُبْلَةُ وَاليَمِينُ الفَاجِرَةُ»، والحديثُ ـ مِنْ حيث سندُه ـ لا يقوى على الحجِّيَّة مع أنه قابلٌ للتأويل، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «حديثٌ باطلٌ لا يُحْتَجُّ به، وأجاب عنه الماورديُّ والمتولِّي وغيرُهما بأنَّ المرادَ بطلانُ الثوابِ لا نَفْسِ الصوم .
قال الزيلعيُّ في «نصب الراية» (٢/ ٤٨٣): «رواه ابنُ الجوزيِّ في «الموضوعات» مِنْ حديث عَنْبَسة.. وقال: هذا حديثٌ موضوعٌ، وقال ابنُ مَعينٍ: سعيدٌ كذَّابٌ، ومِنْ سعيدٍ إلى أنسٍ كُلُّهم مطعونٌ فيهم، انتهى. وقال ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ «العِلَل»: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه بقيَّةُ عن محمَّد بنِ الحجَّاج عن مَيْسَرةَ بنِ عبدِ ربِّه عن جابان عن أنسٍ أنَّ النبيَّ عليه السلام قال: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ..» فذَكَره، فقال أبي: إنَّ هذا كذبٌ، ومَيْسرةُ كان يفتعل الحديثَ».
قال ابن القيم في “الوابل الصيب” (ص 37):
“وأما حديث: خمس يفطِّرن الصائم… فهو حديث باطل لا أصل له.
قال الشوكاني في “الفوائد المجموعة” (ص 60)
“حديث باطل.
أما حديث “إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا عَلَى الحرام”. هو في مسند أحمد
٢٣٦٥٣ – حدثنا يزيد، أخبرنا سليمان، وابن أبي عدي، عن سليمان المعنى، عن رجل، حدثهم في مجلس أبي عثمان النهدي، قال ابن أبي عدي، عن شيخ في مجلس أبي عثمان، عن عبيد مولى رسول الله ﷺ: أن امرأتين صامتا ….
قال البخاري: عبيد مولى النبي ﷺ حديثه مرسل.
قال شهاب: حدثنا حماد بن سلمة، عن التيمي، عن عبيد مولى النبي ﷺ؛ في الصوم. «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٤٠.
المسند المصنف المعلل ٢٠/٤٢
والحديث في النافلة في الأحاديث الضعيفة
فَقَالَ البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١/٤٤٠): «عبيد مولى النبي – ﷺ -، حديثه مرسل» فَكأًنهُ بهذا القول لم يعتمد صحبته. وَقَالَ كذلكَ أبو حاتم، وتبع في ذلكَ البخاري كعادته [كَمَا يقول الحافظ في «الإصابة» (٤/ ٤٣١) . وصرح ابن السكن بأنه لم تثبت لهُ صحبة. قالَ الحافظ في «الإصابة»: ولعل هَذهِ الطريق – يعني التي رواها حماد بن سلمة، عن سليمان عن عبيد هِيَ التي أشار إليها البخاري بِقَولِهِ: مرسل، فظن ابن السكن إن الإرسال بَينَ عبيد، والنبي – ﷺ -. فَقَالَ لأجل ذلكَ: لا تثبت صحبته / وَكَانَ البخاري يسمى السند الذي فيهِ راو منهم مرسلًا، كَمَا قالَ جماعة من المحدثين» أ. هـ. … قلت: وهذا القول حسن رائق، من الحافظ ﵀ ومما يدل على صحة تفهم الحافظ أن البخاري أشار إلى الحدثين اللذين رواهما عبيد
وذكر في سند الطيالسي أنه سند واه قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٩٠): «إسناده ضعيف، ومتن غريب» . امتهى من النافلة
وقال العراقي: رواه أحمد من حديث عبيد مولى رسول الله – ﷺ – بسند فيه مجهول.
قال ابن عساكر :
كذا قال وسليمان لم يسمعه من عبيد بينهما رجل غير مسمى كذلك رواه محمد بن أبي عدي ويزيد بن هارون فأما حديث ابن أبي عدي فأخبرنا أبو القاسم بن الحصين أنا أبو علي بن المذهب أنا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد (٣) حدثني أبي نا يزيد ثنا سليمان وابن أبي عدي عن سليمان المعني عن رجل حدثهم في مجلس أبي عثمان النهدي قال ابن أبي عدي عن شيخ من أصحاب أبي عثمان عن عبيد مولى رسول الله (ﷺ) أن امرأتين صامتا…
وضعفه الألباني كما الضعيفة 519
بسبب الرجل المجهول
وله سند آخر عند الطيالسي وفيه الربيع ابن صبيح ضعيف ويزيد الرقاشي متروك
قال محققو المسند:
إسناده ضعيف وذكروا العلل السابقة
مسند أحمد – ط الرسالة ٣٩/٦٠
قال ابن رسلان:
(قول الزور) يعني: الكذب والميل عن الحق والانحراف عنه إلى الباطل. وقول الزور وإن كان منهيًّا عنه في غير الصيام فهو في الصوم اولى
قال المتولي من أصحابنا: يجب على الصائم أن يصوم بعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل له، وبسمعه فلا يسمع ما لا يحل له، وبلسانه فلا ينطق بفحش ولا يشتم ولا يكذب ولا يغتب، وهذِه الأشياء وإن حرمت مطلقًا فهي في رمضان أشد تحريمًا.
وقال الحليمي: ينبغي أن يصوم بجميع جوارحه: ببشرته، وبعينه، وبقلبه، وبلسانه، فلا يغتب، ولا يسب (3)، ولا ينظر، ولا يخاصم، ولا يكذب، ولا يفني زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسمار والمضحكات، والثناء على من لا يستحقه، والمدح والذم بغير حق، ونحو ذلك، وبيده فلا يمدها إلى باطل، وبرجله فلا يمشي بها إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يستعملها في باطل. انتهى.
وروي مرفوعًا بسند ضعيف: “خمس يفطرن الصائم: الغيبة، والنميمة، والكذب، والقبلة، واليمين الفاجرة” (4)، وربما قال بعض العلماء بمقتضاه.
وبوب البخاري على هذا الحديث في كتاب الأدب باب قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (1)، ولفظه: “من لم يدع قول الزور [والعمل به والجهل” (2). فزاد الجهل،…
والمراد بالجهل السفه على الناس بلسانه.
(فليس لله حاجة) بالرفع، ولا مفهوم لهذا؛ فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه: فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة فنفي السبب وإرادة المسبب كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لو رد عليه طلبه منه فلم يعطه أو أعطاه ما لا يعجبه: لا حاجة لي به. فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول الصيام السالم منه، وليس المراد منه (أن يدع) نفس (طعامه وشرابه) فقط، بل يترك مع ذلك ما تدعو إليه النفس من الشهوات، ويترك الكذب والخيانة والسفه وغير ذلك مما تقدم.
قال ابن العربي: معناه: إن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه (2).
وفي الحديث: “ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، [إنما] (3) الصيام من اللغو والرفث”. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (4).
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 372]
قال العباد:
أورد أبو داود باباً في الغيبة، يعني: كونها تحصل من الصائم، وهل تؤثر على صومه؟ الغيبة محرمة في جميع الأوقات، ولكن عندما يكون الإنسان متلبساً بعبادة يكون الأمر أشد وأعظم، وإلا فإن الغيبة محرمة دائماً وأبداً إلا ما استثني منها فيما يتعلق بنصيحة ومشورة وجرح الرواة والشهود، وما إلى ذلك من الأمور التي هي سائغة، وإلا فإن الأصل هو تحريمها دائماً وأبداً، ولكن إيرادها والتنصيص عليها في الصيام يدل على خطورتها أكثر وأشد؛ كون الأمور المحرمة تحصل في بعض الأزمنة والأمكنة الفاضلة لا شك أنها أخطر وأشد من فعلها في أزمنة وأمكنة أخرى
أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه …
الله عز وجل ليس بحاجة إلى العباد وإلى طاعاتهم، لا تنفعه طاعات المطيعين، ولا تضره معاصي العاصين، بل هو النافع الضار، وإنما تنفع الطاعة أصحابها، وتضر المعاصي أصحابها، فالضرر يعود عليهم، والله تعالى ليس له حاجة في أعمالهم، ولا تضره معاصيهم، وإنما هو النافع الضار سبحانه وتعالى.
قوله: [(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)].
وهذا فيه بيان خطورة المعاصي، وأنها تنقص الأجر وتضعفه، وقد تكون سبباً في حرمان الأجر، ولكن لا يعني ذلك أن من حصل منه غيبة أنه يعتبر قد أفطر، وفسد صومه، وأن عليه أن يقضي يوماً آخر؛ وإنما عليه أن يستغفر الله عز وجل ويتوب مما حصل منه من الغيبة.
[شرح سنن أبي داود للعباد 273/ 8 بترقيم الشاملة آليا]
وفي فتاوى اللجنة الدائمة :
“لا يبطل ذلك صومه، ولكنه ينقص أجره، فعلى المسلم أن يضبط نفسه، ويحفظ لسانه من السبب والشتم والغيبة والنميمة، ونحو ذلك، مما حرم الله في الصيام وغيره، وفي الصيام أشد وآكد محافظة على كمال صيامه، وبعداً عما يؤذي الناس، ويكون سبباً في الفتنة والبغضاء والفرقة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ، ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم متفق عليه. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.” انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز… الشيخ عبد الرزاق عفيفي… الشيخ عبد الله بن غديان… الشيخ عبد الله بن قعود. “فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” (10/332-333).
الثالث: إذا كان النهي عامًّا فإن القاعدة أنه لا يبطل العبادة إذا كان النهيُ عامًّا في العبادة وغيرها فإنه لا يبطلها.
الغيبة للصائم؛ إذا اغتاب الصائم، فالغيبة حرام، لكن لا تُبْطِل الصيام، لماذا؟ لأن التحريم عامٌّ فلا يبطل الصوم.
صلى في أرض مغصوبة، حكم الصلاة؟
على القاعدة صلاته صحيحة؛ لأنه لم يَرِد النهي عن الصلاة، لو قال: لا تُصَلُّوا في أرض مغصوبة فصلى، قلنا: لا تصح؟ لأنه نُهِيَ عن الصلاة بذاتها بعينها.
الشرح الصوتي لزاد المستقنع – ابن عثيمين ١/٣٥٩١
آثار وعمل السلف :
جاء في كتاب “الزهد” لهناد عن أبي العالية قال:
“الصائم في عبادة ما لم يغتب، وإن كان نائمًا على فراشه”.
وجاء في كتاب “الزهد” لهناد (رقم: 1203) عن مجاهد رحمه الله قال:
“مَن أحبَّ أن يسلم له صومه، فليجتنب الغِيبة والكذب”.
فالسلف الصالح كانوا يعلمون أن الغِيبة وغيرها من المعاصي تؤثر على عبادة الصيام؛ فقد أخرج الإمام أحمد في “الزهد”، وابن أبي شيبة في “مصنفه” عن أبي المتوكل الناجي قال: “كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا، جلسوا في المسجد، قالوا: نطهر صيامنا”.
وذكر ابن حزم في “المحلى” (6 /179) عن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر رضي الله عنه:
“إذا صمت فتحفَّظ ما استطعت”، فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج إلا إلى الصلاة.
وقال بعضهم:
إذا لم يكن في السمع مني تصوُّنٌ
وفي بصري غض، وفي منطقي صَمْتُ
فحظي إذًا من صوميَ الجوعُ والظَّمَا
وإن قلت إني صمت
—–
أما حديث : إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ رواه البخاري (1894) ومسلم (1151).
قال الحافظ:
قَوْله: فَلا يَرْفُث الْمُرَاد بِالرَّفَثِ هُنَا الْكَلام الْفَاحِش.
قَوْله: وَلا يَجْهَل أَيْ لا يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال أَهْل الْجَهْل كَالصِّيَاحِ وَالسَّفَه وَنَحْو ذَلِكَ.
والْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ لا يُعَامِلهُ بِمِثْلِ عَمَله بَلْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله: “إِنِّي صَائِم” اهـ
فإذا كان الصائم مأمور بعدم الرد على من شتمه، فكيف يليق به أن يعتدي على الناس ويبتدئ الشتم هو ؟!
وقال النووي:
اعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنْ الرَّفَث وَالْجَهْل وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَة لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ، بَلْ كُلّ أَحَد مِثْله فِي أَصْل النَّهْي عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ اهـ.
——
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وقال كثير من العلماء: إنَّ المراد به (الرفث) في هذا الحديث: الفُحش، رديء الكلام وقبِيحُه، ويُحتمل: أنَّ يكون أعم من ذلك كله.
منة المنعم (2/ 186)
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا يُفهم من هذا الشرط: أنَّ غير يوم الصوم يُباح فيه الرَّفَث والسَّخَبُ، فإنهما ممنوعان على الإطلاق، وإنما تأكد منعهما بالنسبة إلى الصوم.
المفهم (3/ 214)
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّه يقوله بلسانه مطلقًا؛ لإطلاق النصِّ، فإنه لم يفرِّق بين فرض وتطوُّع -والله تعالى أعلم-.
البحر المحيط الثجاج (21/ 347)
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهل يقولها (يعني: إني صائم) سرًّا، أو جهرًا؟ قال بعض العلماء: يقولها سرًّا، وقال بعض العلماء: جهرًا، وفصَّل بعض العلماء بين الفرض والنفل، فقال: في الفرض يقولها جهرًا لبُعده عن الرياء، وفي النفل يقولها سرًّا خوفًا من الرياء.
والصحيح: أنه يقولها جهرًا في صوم النافلة والفريضة؛ وذلك لأن فيه فائدتين:
الفائدة الأولى: بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم، إلا لكونه صائمًا لا لعجزه عن المقابلة؛ لأنه لو تركه عجزًا عن المقابلة لاستهان به الآخر، وصار في ذلك ذُل له، فإذا قال: إني صائم كأنه يقول: أنا لا أعجز عن مقابلتك، وأن أبين من عيوبك أكثر مما بينت من عيوبي، لكني امرؤ صائم.
الفائدة الثانية: تذكير هذا الرجل بأن الصائم لا يشاتم أحدًا، وربما يكون هذا الشاتم صائمًا كما لو كان ذلك في رمضان، وكلاهما في الحضر، سواء حتى يكون قوله هذا متضمنًا لنهيه عن الشتم، وتوبيخه عليه.
وينبغي للإنسان أن يبعد عن نفسه مسألة الرياء في العبادات؛ لأن مسألة الرياء إذا انفتحت للإنسان لعب به الشيطان.
الشرح الممتع (6/ 432)
قال ابن القيم -رحمه الله-:
فأَرْشَد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب، وأنَّ الصائم ينبغي له أنْ يحتمي من إفسادهما لصومه، فهذه تفسد صومه، وهذه تُحبط أجْرَه.
عدة الصابرين (ص: 112)
بعد أنْ نُهِيَ الصائم عن الاعتداء على الناس في المخاطبات والمعاملات بالقول والفعل بما رمز إليه بقوله: «فلا يرفث ولا يجهل»، نُهي أيضًا عن أنْ يجازي اعتداء غيره عليه بمثله، فَلِأَنَّ المجازاة على الشر بمثله مرخَّص فيها، ولكن الصائم لمَّا ارتقى إلى درجة الملَكِيَّة حقيقًا بالإمساك عن التلبُّس بسِمات الحيوانية، فلقوله: «فلْيقل: إنِّي صائم، إنِّي صائم» معناه: فليقتصر على هذا القول، وليس المراد فليقُل ذلك وهو يباشر الانتقام؛ لظهور أنه لا معنى له، وإنَّما لم يُؤمَر بالإمساك مطلقًا، وأُمِرَ بأن يقول لمن اعتدى عليه: إنِّي صائم، مع أنَّ ذلك لا يدفع عنه أذى المعتدين، ترخيصًا للمعتدى عليه في شيء مما يزيل عنه حرج الصبر على الاعتداء؛ لما في النفوس من إباء الضَّيْم، فرخَّص له في هذا القول، وإنْ كان فيه شيء من الرياء لمصلحة أعظمَ، وهي إمساك النفس عن الاندفاع إلى الانتقام؛ ليعلم بذلك لمن اعتدى عليه وللناس أنَّ إمساكه عن الانتقام والمجازاة ليس لعَجْز وضُعف، بل للحفاظ على كمال الصوم من أنْ يَنْثَلم بالدخول في آثار الغضب الذي هو من القوى الحيوانية.
والمقصود من قوله: «إنِّي صائم» مرتين مجرَّد التكرير، أي يُكَرِّرُ ذلك تكريرًا يَعِيْهِ مَن يسمعه، ويرتدع به مَن يَقرعه.
كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ (ص:172- 173)