680 ، 681 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي
وأسامة الحميري وعدنان البلوشي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ المَسْأَلَةِ
680 – حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» وَفِي البَابِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَوْبَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، وَأَنَسٍ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، وَسَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ»
681 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
——
مقدمات :
سبق في بحوث سابقة ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّن قَدْرَ الغِنَى الذي يَحْرُمُ به السُّؤال؛ فعن سهل بن الحَنْظَلِيَّةَ: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَنْ سأل وعنده ما يُغْنِيه؛ فإنما يستكثِر من نار جهنم)). قالوا: يا رسول الله، وما يُغْنِيه؟ قال: ((ما يغديه أو يعشيه))[13].
مسند الإمام أحمد (4/180).
وأخبر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: أن العمل وإن كان شاقًّا، والمال الذي يأتي منه قليلٌ – فهو خيرٌ للمرء من السُّؤال.فعن الزُّبير بن العوَّام – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((لأَنْ يأخُذَ أحدُكم حَبْلَهُ، فيأتي بحِزْمَةِ الحَطَب على ظهره، فيبيعها، فيَكْفِ الله بها وجهَه – خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطَوْهُ أو منعوه))
صحيح البخاري برقم (1471).
وبَيَّنَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: أنَّ السَّائل من غير ضرورةٍ ولا حاجةٍ مُلِحَّةٍ، إنما يفتح على نفسه باب الفقر.فعن أبي كَبْشَةَ الأَنْماري – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ثلاثةٌ أُقْسِمُ عليهنَّ… ))، وذكر منها: ((ولا فتح عبدٌ بابَ مسألةٍ؛ إلا فتح الله عليه بابَ فقرٍ))[15].
سنن الترمذي برقم (2325).
بل إنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَخَذَ البَيْعَةَ من بعض أصحابه ألاَّ يسألوا الناس شيئًا؛ فعن عوف بن مالك – رضي الله عنه – قال: “كنَّا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً، فقال: ((ألا تُبايعونَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم؟))، وكنَّا حديثي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ؛ فقلنا: قد بايعناكَ يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تُبايعونَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم؟))، فقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ الله، ثم قال: ((ألا تبايعونَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم؟))، قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناكَ يا رسول الله، فعلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: ((على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا – وأَسَرَّ كلمةً خفيَّةً – ولا تسألوا الناس شيئًا)). فلقد رأيتُ بعض أولئك النَّفَر يَسْقُطُ سوطُ أحدهم، فما يسألُ أحدًا يناوله إيَّاه”[16].
صحيح مسلم برقم (1043).
وعن ثَوْبان – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَنْ يَتَقَبَّل لي بواحدةً، أَتَقَبَّل له بالجنة))، قال: قلتُ: أنا يا رسول الله، قال: ((لا تسأل الناس شيئًا))، قال: فربما سقط سوطُ ثَوْبان وهو على بعيره، فما يسأل أحدًا أن يناوله، حتى ينزل إليه فيأخذه[17].
مسند الإمام أحمد (5/281).
وكان الصحابة – رضي الله عنهم – يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم، فلا يسألون الناس شيئًا من متاع الدنيا.فعن حَكيم بن حِزَام – رضي الله عنه – قال: سألتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال: ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَنْ أَخَذَهُ بسَخاوَة نَفْسٍ، بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخَذَهُ بإشراف نَفْسٍ، لم يُبارَك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى))، قال حكيم: فقلتُ: يا رسول الله، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لا أرْزَأُ أحدًا بعدك شيئًا حتى أُفارِقَ الدُّنيا، فكان أبو بكر – رضي الله عنه – يدعو حكيمًا إلى العطاء، فيأبى أن يَقْبَلَ منه، ثم إن عمر – رضي الله عنه – دعاه ليعطيه، فأبى أن يَقْبَلَ منه شيئًا، فقال عمر: إني أُشْهِدُكم يا معشرَ المسلمين: أنِّي أعرض عليه حقَّه من هذا الفَيْء، فيأبى أن يأخذه؛ فلم يَرْزَأْ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى توفيَ – رضي الله عنه[18].
صحيح البخاري برقم (1472)، وصحيح مسلم رقم (1035).
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ – رضي الله عنه -: أنَّ أُناسًا سألوا النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: ((ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفّه الله، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومَنْ يَتَصَبَّر يُصَبِّره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر))[19].
صحيح البخاري وصحيح مسلم
برقم (1053).
قال ابن القيم :
والمسألة في الأصل حرام، وإنما أبيحت للحاجة والضرورة، لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسئول، وظلم في حق السائل.
أما الأول: فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه، وفقره إلى الله، وتوكله عليه ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كله يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوته.
وأما ظلمه للمسئول: فلأنه سأله ما ليس عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقا لم يكن له عليه، وعرضه لمشقة البذل، أو لوم المنع، فإن أعطاه، أعطاه على كراهة، وإن منعه، منعه على استحياء وإغماض، هذا إذا سأله ما ليس عليه، وأما إذا سأله حقا هو له عنده: فلم يدخل في ذلك، ولم يظلمه بسؤاله.
وأما ظلمه لنفسه: فإنه أراق ماء وجهه، وذل لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزة تعففه، وراحة قناعته، وباع صبره ورضاه وتوكله، وقناعته بما قسم له، واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزها، وصغرها وحقرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول، ويده تحت يده، ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم”، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر”.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، فيتصدق به على الناس، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله، أعطاه أو منعه”.
وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني به عن الناس: خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول”، زاد الإمام أحمد “ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه: خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه”.
وفي صحيح البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه: خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه”.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم، …”.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة-: “اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا: هي المنفقة، واليد السفلى: هي السائلة” رواه البخاري ومسلم.
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: “يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه…” متفق على صحته.
وروي عن الشعبي قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة: قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله كره لكم ثلاثا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال” رواه البخاري ومسلم.
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا، فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته”.
وفي لفظ “إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع” رواه مسلم.
وعن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه قال: حدثني الحبيب الأمين – أما هو: فحبيب إلي، وأما هو عندي: فأمين، عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة – أو ثمانية، أو سبعة – فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ – وكنا حديثي عهد ببيعته – فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله … رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو في أمر لا بد منه” رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي مسند الإمام أحمد عن زيد بن عقبة الفزاري، قال: دخلت على الحجاج بن يوسف الثقفي، فقلت: أصلح الله الأمير، ألا أحدثك حديثا سمعته من سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: سمعته يقول: “المسائل كد يكد بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل رجل ذا سلطان، أو يسأل في أمر لا بد منه”.
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يتقبل لي بواحدة وأتقبل له بالجنة؟ …” رواه الإمام أحمد وأهل السن.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصابته فاقة، فأنزلها بالناس: لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله: أوشك الله له بالغنى: إما بموت عاجل، أو غنى عاجل” رواه أبو داود الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن سهل بن الحنظلية قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا، فأما الأقرع: فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة: فأخذ كتابه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه، فقال: يا محمد، أراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه، كصحيفة المتلمس، فأخبر معاوية بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار”، وفي لفظ: “من جمر جهنم” قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ – وفي لفظ: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ – قال: “قدر ما يغديه وما يعشيه” ، وفي لفظ: “أن يكون له شبع يوم وليلة” رواه أبو داود والإمام أحمد.
وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أسأل يا رسول الله؟ قال: “لا، وإن كنت سائلا لا بد فسل الصالحين” رواه النسائي.
وعن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله: فقال: “أقم حتى تأتينا الصدقة، فآمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش – أو قال: سدادا من عيش – ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش – أو قال: سدادا من عيش – فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا” رواه مسلم.
وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فسأله، فأعطاه، فلما وضع رجله على أسكفة الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا” رواه النسائي.
وعن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الأيدي ثلاثة، فيد الله: العليا، ويد المعطي: التي تليها، ويد السائل: السفلى، فأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك” رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: “من سأل مسألة – وهو عنها غني – كانت شينا في وجهه يوم القيامة” رواه الإمام أحمد.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: “ثلاث، والذي نفس محمد بيده، إن كنت لحالفا عليهن: لا ينقص مال من صدقة، فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا رفعه الله بها، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر” رواه الإمام أحمد.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني، فقال: “من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية، فقد ألحف، فقلت: ناقتي هي خير من أوقية، ولم أسأله” رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن خالد بن عدي الجهني رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من جاءه من أخيه معروف، من غير إشراف ولا مسألة، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه” رواه الإمام أحمد.
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 222- 228)
——
شرح الأحاديث
قال الشوكاني:
قوله: (كد) هذا لفظ الترمذي وابن حبان في صحيحه، ولفظ أبي داود ” كدح ” وهي آثار الخموش قوله: (إلا أن يسأل الرجل سلطانا) فيه دليل على جواز سؤال السلطان من الزكاة أو الخمس أو بيت المال أو نحو ذلك، يخص به عموم أدلة تحريم السؤال
قوله: (أو في أمر لا بد منه) فيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة، والحاجة التي لا بد عندها من السؤال نسأل الله السلامة.
قوله: (وعن أبي هريرة. . . إلخ) فيه الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، وما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل
وأما قوله: ” خير ” فليست بمعنى أفعل التفضيل، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام. قوله: (تكثرا) فيه دليل على أن سؤال التكثر محرم، وهو السؤال لقصد الجمع من غير حاجة قوله: (فإنما يسأل جمرا. . . إلخ)
قال القاضي عياض: معناه: أنه يعاقب بالنار. قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة.
حديث خالد بن عدي أخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الكبير. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح قوله: (ولا إشراف نفس) الإشراف بالمعجمة: التعرض للشيء والحرص عليه من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل: للمكان المرتفع مشرف لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا
وقال الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك
قوله: (يعطيني) سيأتي ما يدل على أن عطية النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بسبب العمالة كما في حديث ابن السعدي، ولهذا قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو الأموال، وليست هي من جهة الفقر، ولكن شيء من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر. قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب ” خذه فتموله ” فدل على أنه ليس من الصدقات
واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب حكاه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعد إجماعهم على أنه مندوب. قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان – يعني الجائر – فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القلب مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره
وحديث خالد بن عدي يرده. قال الحافظ: ويؤيده حديث سمرة في السنن إلا أن يسأل ذا سلطان. قال: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع. ومن أباحه أخذ بالأصل انتهى. قال ابن المنذر: واحتج من رخص بأن الله تعالى قال في اليهود: {سماعون للكذب أكالون للسحت} [المائدة: 42] وقد رهن الشارع صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي مع علمه بذلك. وكذا أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة. قال الحافظ: وفي حديث الباب أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] . قوله: (من هو أفقر إليه مني) ظاهره أن عمر لم يكن غنيا لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال، ولكن ظاهر أمره صلى الله عليه وسلم له بالأخذ إذا لم يكن مستشرفا ولا سائلا له لا فرق بين كونه غنيا أو فقيرا، وهكذا في قبول المال من غير السلطان لا فرق فيه بين الغني والفقير على ظاهر حديث خالد بن عدي، وسيكرر المصنف حديث خالد بن عدي هذا في كتاب الهبة، ونذكر بقية الكلام عليه هنالك إن شاء الله تعالى
[نيل الأوطار 4/ 193]
قال الصَّنعانيُّ: “وأما سؤاله السُّلطان فإنه لا مَذَمَّةَ فيه؛ لأنه إنما يسأل ممَّا هو حقٌّ له في بيت المال، ولا مِنَّةَ للسُّلطان على السائل؛ لأنه وَكيلٌ، فهو كسؤال الإنسان وَكيلَه أن يعطيَه من حقِّه الذي لديه”.
وقال أيضًا: “والظاهر من الأحاديث: تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين في حديث قَبِيصَةَ، أو أن يكون السُّلطان”. اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فالعبد لابد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه، وإن طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه، ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة. انتهى
«الفتاوى» (١٠/ ١٨٢).
وقال النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة.
فتح الباري بشرح البخاري – ط السلفية ١٠/٤٠٨
قال في تحفة الأحوذي:
(لأن يغدو أحدكم) بفتح اللام والغدو السير في أول النهار
وغالب الحطابين يخرجون كذلك ويطلق على مطلق السير إطلاقا شائعا فيمكن حمله على الحقيقة وعلى المجاز الشائع (فيحتطب) بالنصب عطف على يغدو أي يجمع الحطب (على ظهره) متعلق بمقدر هو حال مقدرة أي حاملا على ظهره (فيتصدق منه ويستغني به) عطف على الفعل السابق وأن مع مدخولاتها مبتدأ خبره
قوله (خير) أي ما يلحقه مشقة الغدو والاحتطاب وتصدق والاستغناء به خير من ذل السؤال قاله أبو الطيب السندي
(فإن اليد العليا خير من اليد السفلى) اليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة ففي الصحيحين عن بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة وذكر الحافظ في الفتح أحاديث في هذا ثم قال فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة معطية وأن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور (وابدأ بمن تعول) خطاب للمنفق أي ابدأ في الاتفاق بمن تمون ويلزمك نفقته من عيالك فإن فضل شيء فلغيرهم…
قال الخطابي أي ولو مع الغناء فسأله حقه من بيت المال لأن السؤال مع الحاجة دخل في قوله( أو في أمر لا بد منه) انتهى (أو في أمر لا بد منه) كما في الحمالة والجائحة والفاقة
[تحفة الأحوذي 3/ 288]
قال الإتيوبي:
(بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى الله) أي حتى يموت، فيلقى الله عز وجل (وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ”) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و”الْمُزْعَةُ”- بضم الميم، وسكون الزاي، وبالعين المهملة-: القطعة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدثين الضمّ، وقال ابن فارس: بكسر الميم، واقتصر عليه القَزّاز في “جامعه”، وذكر ابن سِيدَهْ الضم فقط، وكذا الجوهريّ، قال: وبالكسر من الرِّيش، والقطن، يقال: مَزَعْتُ اللحمَ: قطعتُهُ قطعة قطعةً، ويقال: أطعمه مُزْعَةً من لحم: أي قطعةً منه.
قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: “مُزْعُة لحم”: أي قطعة لحم، ومنه مَزَعَت المرأةُ الصوفَ: إذا قطّعته لتهيّئه للغزل، وتمزعّ أنفه: أي تشقّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: “المسائل كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ، يَخدُشُ بها الرجل وجهه يوم القيامة”.
وهذا محمولٌ على كلّ من سأل سؤالًا لا يجوز له. وخصّ الوجه بهذا النوع؛ لأنّ الجناية به وقعت؛ إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرّف به في غير ما سُوّغ له. انتهى.
وقال القاضي عياض رحمه الله: قيل: معناه يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، فيُحْشَر ووجهه عظم لا لحم عليه؛ عقوبةً له، وعلامة له بذنبه حين طلب، وسأل بوجهه، كما جاءت الأحاديث الأُخَر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالًا منهيًّا عنه، وأكثر منه، كما في الرواية الأخرى: “من سأل تكثرًا”، والله أعلم. انتهى.
وقال الخطابيّ رحمه الله يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا، لا قَدْرَ له، ولا جاه، أو يُعَذَّب في وجهه حتى يسقط لحمه؛ لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء؛ لكونه أذلَّ وجهَهُ بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عَظْمٌ كله، فيكون ذلك شعاره الذي يُعْرَف به. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: والأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيده ما أخرجه الطبرانيّ والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا: لا يزال العبد يسأل، وهو غنيّ حتى يَخْلُق وجهه، فلا يكون له عند الله وجهٌ”.
وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء؛ لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم. انتهى.
ومال المهلَّب رحمه الله إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السرّ فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره، قال: والمراد به من سأل تكثرًا، وهو غنيّ لا تحل له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرّ فذلك مباح له، فلا يعاقب عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الحديث على ظاهره -كما رأى المهلّب رحمه الله هو الأولى، ولا ينافيه حديث الطبرانيّ والبزّار المذكور؛ لأن المعنى: أنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه، ومع ذلك لا يكون له وجهٌ؛ أي شرحث عند الله تعالى، وقد أورد البخاريّ رحمه الله مؤيّدًا حمل الحديث على ظاهره بعد أن أورد حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في الشفاعة، فقال: وقال: “إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينا هم كذلك، استغاثوا باَدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر: “فيشفع ليُقضَى بين الخلق، فيمشي، حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم”. انتهى.
ووجه ذلك أن الشمس إذا دنت يكون مَن لا لحم على وجهه أشدّ تأذّيًا بها من غيره.
والحاصل أن ظاهر الحديث هو المقصود، وبقيّة المعاني لا تنافيه، فيبعث لا لحم على وجهه، ويكون لا قدر له عند الله تعالى، ويعذّب بتساقط لحمه.
وهذا كلّه فيمن سأل تكثّرًا، وهو غنيّ، لا تحلّ له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرٌّ، فذلك مباحٌ له، فلا يناله الوعيد المذكور؛ للأدلّة الأخرى التي تدلّ على عدم دخوله فيه، كما أشرت إليه سابقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
اشكال وجوابه
قال ابن عثيمين رحمه الله
يسن أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه أي: كفاية من تلزمه مؤونته.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول».
فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية من يعولهم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» أي: عن فاضل غنى.
فإن قال قائل: فالجواب عن قول النبي ﷺ حين سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل» (^٣)؟
فالجواب: أنه لا منافاة، فإن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته وكفاية من يمونه، وهو خلاف الغني.
فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم، وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟
فالأول أفضل؛ لأن هذا جهده.
فإذا تأملت الحديثين لم تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته، ولكنه ليس ذا غنى واسع.
[الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/٢٦٩و٢٧٠]
الفتاوى :
السؤال الأول من الفتوى رقم (٨١٣٠)
س١: ما حكم شحذ الناس، أرجو التفصيل، متى يجوز ومتى لا يجوز؟
ج١: تحرم المسألة إلا من سلطان أو في أمر لا بد منه؛ كإصابة المسلم بحاجة ، تحمله حمالة ونحو ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه (١)» وقال صلى الله عليه وسلم لقبيصة: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا حاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، -أو قال- سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكله صاحبه سحتا (١)» رواه مسلم.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
— فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى – اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٠ / ٧٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان ذمّ مسألة الناس تكثّرًا، دون ضرورة.
2 – (ومنها): بيان عقوبة مَنْ أكثر من سؤال الناس، وهو أنه يأتي يوم القيامة، وليس على وجهه قطعة لحم.
3 – (ومنها): أن يوم القيامة هو يوم وقوع الجزاء الأوفى، من ثواب، أو عقاب.
4 – (ومنها): ما نَقَل ابن بطال عن المهلَّب، قال: فَهِم البخاريّ أن الذي يأتي يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه للسائل تكثُّراً لغير ضرورة إلى السؤال، ومن سأل تكثرًا فهو غنيّ، لا تحل له الصدقة، وإذا جاء يوم القيامة لا لحم على وجهه، فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: “الشمس تدنو حتى يبلغ الْعَرَق نصف الأذن … “، فَحَذَّر من الإلحاف في المسألة لغير حاجة إليها، وأما من سال مضطرًّا فمباح له ذلك، إذا لم يجد عنها بُدًّا، ورَضِي بما قُسِم له، وُيرْجَى أن يؤجر عليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 19/ 636]