السيرة في نضرة النعيم:المقاطعة ودخول المسلمين شعب أبي طالب:
ذكر البخاري في صحيحه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد حدد خيف بني كنانه للموضع الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر، وتحالفت على مقاطعة بني هاشم «2» غير أنه لم تثبت رواية في تفاصيل حادثة مقاطعة قريش للمسلمين، وفي تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب، على الرغم من أن أصل الحادث ثابت «3» ، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تاريخيّا «4» ، ولقد وردت الأخبار عن المقاطعة ودخول المسلمين الشعب في مراسيل عروة بن الزبير وتلاميذه الزهري وأبي الأسود «5» . أما عن تاريخ بداية الحصار، فإنه وقع بعد فشل قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كثروا وعزّوا بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهما-، وأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع المسلمين وأمّنهم، وأن الإسلام بدأ يفشو في القبائل؛ أهاجها الأمر واشتد بلاؤهم على المسلمين في مكة، وعزمت قريش على قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شعبهم وأن يحموه، فدخلوا الشعب جميعا مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ عن ذلك إلّا أبو لهب بن عبد المطلب فقد انحاز إلى كفار قريش وظاهرهم.
أجمع مشركو قريش أمرهم، وائتمروا بينهم على أن لا يجالسوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يخالطوهم ولا يبيعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للقتل، وكتبوا في ذلك صحيفة «6» علقوها في جوف الكعبة المشرفة في هلال المحرم سنة سبع من المبعث، وجزم موسى بن عقبة «7» بأن المقاطعة استمرت ثلاث سنين، صمد خلالها المسلمون ومن شايعهم من بني هاشم والمطلب، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، ولم يكن يأتيهم من الأقوات إلّا خفية «8» . وكان ممن يصلهم حكيم بن حزام، وهشام بن عمرو العامري، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، وأبو البحتري بن هشام بن الحارث، وكانت تربطهم ببني هاشم والمطلب صلات الأرحام. فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من قريش على ما حدث، وأجمعوا على نقض الصحيفة، وقد أعلمهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأنه لم يبق فيها سوى كلمات الشرك والظلم «1» . وهكذا انتهت المقاطعة، وكان خروج المسلمين من الشعب السنة العاشرة من المبعث «2» .
وعلى الرغم من المقاطعة، وما أصاب المسلمين من جرّائها من معاناة فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يتوقف عن الدعوة، فقد كان يخرج في الموسم يتلقى من يقدم إلى مكة للحج ويعرض عليهم الإسلام، كما كان يعرض ذلك على كل من يتصل به من مشركي قريش «3» .اهـ
قال ابن سعد:
ذكر حصر قريش رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبني هاشم في الشِّعْب
أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي عن ابن عبّاس. وحدّثني مُعاذ بن محمّد الأنصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: وحدّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطعم عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: لمّا بلغ قريشًا فعْلُ النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأجمعوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا كتابًا على بني هاشم ألّا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عِكْرِمَة العَبْدَري، فشَلّت يده، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أمّ الجُلاس بنت مُخَرِّبَة الحنظليّة خالة أبي جَهل، وحَصَروا بني هاشم في شِعْب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين تنبّى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وانحاز بنو المطّلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شِعبه مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظَاهَرهم على بني هاشم وبني المطّلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلّا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشِّعب، فمن قريش مَن سَرَّه ذلك ومنهم مَن ساءه وقال: انظروا ما أصاب منصور بن عِكْرِمة، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين، ثمّ أَطْلَع الله رسوله على أمرِ صحيفتهم وأن الأرَضَةَ قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظُلم وبقى ما كان فيها من ذِكر الله عز وجل.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض عن عِكرمة قال: كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتابًا وخَتَموا عليه ثلاثة خواتيم، فأرسل الله، عز وجل، على الصحيفة دابة فأكلت كلّ شيء إلّا اسم الله عز وجل.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن عليّ وعِكْرِمة قالا: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة إلّا باسمك اللّهم.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال: حدّثني شيخٌ من قريش من أهل مكّة، وكانت الصحيفة عند جَدّه، قال: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللّهم.
رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر الأوّل، قال: فذكر ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد، فقال أبو طالب لكفّار قريش: إن ابن أخي قد أخبرَني ولم يكذبني قطّ أنّ الله قد سلّط على صحيفتكم الأرَضة فلَحَست كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظُلم أو قَطيعة رَحِم وبقي فيها كلّ ما ذُكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سُوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسُقط في أيديهم ونُكسوا على رءوسهم، فقال أبو طالب: علامَ نُحبس ونُحصر وقد بانَ الأمر؟ ثمّ دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللّهم انصرنا ممّن ظَلَمنا وقَطَع أرحامنا، واستحلّ ما يحرم عليه منّا، ثمّ انصرفوا إلى الشِّعب، وتَلَاوَمَ رجالٌ من قريش على ما صنَعوا ببني هاشم، فيهم: مُطعم بن عَديّ، وعدي بن قيس، وزمعة بن الأسود، وأبو البَخْتَري بن هاشم، وزُهير بن أبي أُميّة، ولبسوا السلاح ثمّ خرجوا إلى بني هاشم وبني المطّلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، فلمّا رأت قريش ذلك سُقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، وكان خروجهم من الشّعب في السنة العاشرة.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن علي قال: مكث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأهله في الشّعب سنتين، وقال الحكم: مكثوا سنين.
[الطبقات الكبير 1/ 177 ط الخانجي]
قال الطبري:
خبر الصحيفة ومقاطعة المسلمين وحصارهم في شعب أبي طالب
35 – اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه؛ على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدًا بذلك الأمر على أنفسهم، فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شِعْبِهِ، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العُزّى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرَهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثًا؛ حتى جهِدُوا ألّا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرًّا مستخفيًا به مَن أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل لقيَ حكيم بنَ حزام بن خُويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحًا يريد به عَمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطّعام إلى بني هاشم! والله لا تبرحُ أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة! فجاء أبو البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختريّ: طعامٌ لعمَّته عنده بَعَثتْ إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيَها بطعامها! خلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْتريّ لَحْيَ بعير، فضربه فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلُغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمَتوا بهمْ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كلّ ذلك يدعو قومَه سرًّا وجهرًا، آناء الليل وآناء النهار؛ والوحي عليه من الله متتابعٌ بأمره ونهيه، ووعيد مَنْ ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى مَنْ خالفه (1).اهـ
قال المحقق: (1) لقد أورد أصحاب المغازي والسير تفاصيل كثيرة عن حصار المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعب أبي طالب. كبعض التفاصيل التي ذكرها الطبري هنا بلا إسناد ولكن أصل التحالف ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثابتة في السنة وسنذكر طرفًا منها:
1 – أخرج البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نزول النبي مكة (ح 1589). وفي مناقب الأنصار باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم. (ح 3882).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى: (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر). وذلك أن قريشًا وبني كنانة تحالفت علي بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني بذلك المحصب. وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما في كتاب الفرائض (ح 6764) وأخرجه مسلم في كتاب الفرائض (ح 1614) وغيرهما.
وبوّب له البخاري في كتاب مناقب الأنصار فقال: باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن حجر في شرحه للباب: ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي في ذلك كالشرح لقوله في الحديث: (تقاسموا على الكفر) الفتح (7/ 193).
وقال الحافظ ابن حجر: وقيل: كان ابتداء حصارهم في المحرم سنة سبع من المبعث.
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلّا خفية حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحارث العامري … إلخ.
وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة فمزقوها وأبطلوا حكمها (الفتح 7/ 192).
أما تفاصيل القصة فقد رواها ابن إسحاق بلاغًا (سيرة ابن هشام 1/ 430 – 434) وأخرجه البيهقي مرسلًا عن الزهري وأبي الأسود (الدلائل 2/ 311 – 314) وقال الأستاذ العمري في صحيح السيرة (1/ 181): وإذا لم تثبت تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب فإن أصل الحادث ثابت، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تأريخيًا فإن عروة رائد مدرسة المغازي وهو يروي عن الصحابة في الغالب. اهـ.
[صحيح وضعيف تاريخ الطبري 2/ 36]