(38 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وعدنان البلوشي وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٥) – (بَابُ: جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ)
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٧] (٣٨) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ جَرِيرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الاسْلَامِ قَوْلًا، لَا أَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ – قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِالله، فَاسْتَقِمْ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٥) – (بَابُ: جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٧] (٣٨) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ سُفْيَانَ) بتثليث السين، والضمّ أشهر (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ) بفتحتين: نسبة إلى قبيلة ثَقِيف، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ) أي: فيما يكمُل به الإسلام، ويُراعَى به حقوقه، ويُستدلّ به على توابعه ولواحقه، وقيل: التقدير: في مبادئ الإسلام وغاياته، (قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ)، أي: قولًا جامعًا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤلك هذا قاله القاري [«المرقاة شرح المشكاة» ١/ ١٦١ – ١٦٢].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي: علّمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه، وأكتفي به، وهذا نحوٌ مما قال له الآخر: عَلِّمني شيئًا أعيش به في الناس، ولا تُكثر عليّ، فأنسى، فقال: «لا تَغْضب». [رواه مالك في «الموطأ» ٢/ ٩٠٦، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٦٢ و٤٦٦ و٥/ ٣٤ و٣٧٢ و٣٧٣، والبخاريّ في «صحيحه» (٦١١٦)، والترمذيّ في «جامعه» (٢٠٢١)، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنهم -].
(قَالَ) – صلى الله عليه وسلم – (قُلْ: آمنْتُ بِاللهِ)، أي: بجميع ما يجب الإيمان به،
وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: «قل: ربي الله، ثم استقم»، فالمراد بالإيمان هو الشرعيّ الذي هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فيكون معنى قوله: (فَاسْتَقِمْ»)،
وفي بعض النسخ: «ثم استقم»، أي: ثمّ دم على ذلك الإيمان حتى تموت عليه، وهذا هو المعنى الراجح، كما يأتي تحقيقه عن الطيبيّ.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح الأربعين: ”
“قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك” يعني: قولاً يكون حداً فاصلاً جامعاً مانعاً.
فقال له: “قُل آمَنْتُ بِاللهِ” وهذا في القلب، “ثُمَّ استَقِم” على طاعته، وهذا في الجوارح.
فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كلمتين: “آمَنْتُ بِاللهِ” محل الإيمان القلب، “ثُمَّ استَقِم” وهذا في عمل الجوارح. وهذا حديث جامع، من أجمع الأحاديث.
فقوله: “قُل آمَنْتُ” يشمل قول اللسان وقول القلب.
قال أهل العلم: قول القلب: هو إقراره واعترافه.
“آمَنْتُ بِاللهِ”؛ أي: أقررت به على حسب ما يجب علي من الإيمان بوحدانيته في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ثم بعد الإيمان “اِستَقِم”؛ أي: سر على صراط مستقيم، فلا تخرج عن الشريعة لا يميناً ولا شمالاً. هاتان الكلمتان جمعتا الدين كله.
جمعتا شرطي العبادة وهما: الإخلاص والمتابعة”. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب – رحمه الله -: الاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك: فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةَ والباطنةَ، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها. انتهى [«جامع العلوم والحكم» ١/ ٥١٠].
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ في «رسالته»: الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، بالقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولذلك قال: «استقيموا، ولن تُحصوا»، وقال الواسطيّ: الْخَصْلة التي بها كَمُلَت المحاسن، وبفقدها قَبُحَت المحاسن. ذكره النوويّ في «شرحه» [«شرح مسلم» ٢/ ٩]. واختصرته
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: تفسير القشيريّ، وكذا ابن رجب للاستقامة بما ذُكر، وإن كان صحيحًا في نفسه، إلا أن المراد هنا هو الثبات والدوام، كما حقّقه الطيبيّ رحمه الله تعالى.
قال الطيبي رحمه الله تعالى:
وأقول: اتَّفَقَ علماء البيان على أن «ثُمَّ» في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] للتراخي في الرتبة، وأن الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: «آمنتُ بالله» ومقتضياته، وذلك أن هذا القول ادّعاءٌ من القائل بأنه رضي بالله ربًّا، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعِم على الإطلاق مالكه، ومدبّر أمره يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورُسُله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وأن لا يَرُوغ رَوَغَان الثعلب أفضل وأكمل. انتهى. «الكاشف» ٢/ ٤٥٧”. انتهى].
[نقول]: إن قوله: «آمنتُ بالله» على هذا مستتبعٌ لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: «ثمّ استقم»، فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات، والاستدامة على القول ومقتضياته، فيحسُنُ موقع «ثُمّ» المستدعية للتراخي في الرتبة، لا الزمان لفساده، وينصره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، فإن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ يفسّر معنى قوله: ثم استقاموا بالثبات
وأيضًا لَمّا تَقَرَّرَ من قبلُ أن مذهب الصحابة والتابعين، والمحدّثين على أن الإيمان مشتمل على التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان وجب حملُ معنى قوله: «آمنتُ» على المجموع، وقوله: «ثم استقم» على الثبات على ذلك.
قال: ثم إني – بعد لطف الله وتوفيقه – عَثَرتُ على نقل من جانب الشيخ محيي الدين النوويّ، عن القاضي عياض أنه قال: هذا من جوامع كلمه – صلى الله عليه وسلم -، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي: وحّدوا الله تعالى، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدوا عن توحيدهم، والتزموا طاعته – سبحانه وتعالى – إلى أن تُوُفّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسّرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث. هذا كلام القاضي عياض، قال: والحمد لله على توارد الخواطر. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٥٧ – ٤٥٨]، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في هذا الحديث في المسائل – إن شاء الله تعالى – والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث سفيان بن عبد الله – رضي الله عنه – هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه البخاريّ. [البحر المحيط الثجاج (2/ 67 – 80)، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): ما يتعلق بسند الحديث:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان، وسفيان هو ابن عبد الله الثقفي الطائفيّ، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – على الطائف، وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَر بزيادات، فخرَّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذيّ من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله حَدِّثنِي بأمر أَعْتَصِم به، قال: «قل: ربي الله، ثم استقم»، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، قال: «هذا»، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وأخرجه الإمام أحمد، والنسائيّ من رواية عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، مُرْني بأمر في الإسلام، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم»، قلت: فما أَتَّقِي؟ فأومأ إلى لسانه [أخرجه أحمد ٣/ ٤١٣ و٤/ ٣٨٤ و٣٨٥، والنسائيّ في «التفسير» (١١٤٩٠)، والطبرانيّ في «الكبير» (٦٣٩٨)]. انتهى [«جامع العلوم والحكم» ١/ ٥٠٦ – ٥٠٧].
(المسألة الثانية): في استكمال ما قاله أهل العلم في تفسير هذا الحديث، وبيان فوائده التي اشتمل عليها:
سبق كلام القاضي عياض
وقال ابن عباس – رضي الله عنهما – في قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]: ما نزلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في جميع القرآن آية كانت أشدَّ، ولا أشقَّ عليه من هذه الآية
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وجوابه – صلى الله عليه وسلم – من جوامع الكلم
جَمَعَ لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلّها، فإنه أمره أن يُجدّد إيمانه متذكّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه، ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعيّ بقلبه التي تقدّم ذكرها في حديث جبريل – عليه السلام -، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتّى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، فإنها ضدّه، وكأن هذا القول مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]؛ أي: آمنوا بالله، ووحّدوه، ثم استقاموا على ذلك، وعلى طاعته إلى أن تُوُفّوا عليها، كما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: استقاموا على طاعته، ولم يَرُوغُوا رَوَغَان الثعالب، ومُلخّصه: اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقدًا وقولًا وفعلًا، وداموا على ذلك. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ٢٢١ – ٢٢٢].
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
وخرّج النسائي في «تفسيره» من رواية سُهَيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبيّ – ﷺ – قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: «قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها، فهو من أهل الاستقامة»، وخرَّجه الترمذيّ، ولفظه: فقال: «قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام»، وقال: حسنٌ غريبٌ، وسُهَيل تُكُلّم فيه من قِبَلِ حفظه.
وقال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – في تفسير: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئًا، وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على أن الله ربُّهم، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله، ورُوِي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّديُّ، وعكرمة، وغيرهم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: لم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعْلَب [رواه ابن المبارك في «الزهد» (٣٢٥)، وأحمد في «الزهد» ص ١١٥، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بين الزهريّ وبين عمر – رضي الله عنه -].
ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه، وعن أبي العالية قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل، وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
ولعَلَّ من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل، الذي يُحَرِّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى «لا إله إلا الله»، فإن الإله هو المعبود الذي يُطَاع، فلا يعصى؛ خشيةً وإجلالًا ومهابة ومحبّةً ورجاءً وتوكلًا ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله – عز وجل -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
وأما على رواية من روى: «قل: آمنت بالله»، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان تَدْخُل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومن تابعهم من أهل الحديث.
وقال الله – عز وجل -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، فأمَرَه أن يستقيم، ومن تاب معه، وأن لا يُجاوزوا ما أُمروا به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بَصِير بأعمالكم، مُطَّلِع عليها.
وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]، وقال قتادة: أُمر محمد – ﷺ – أن يستقيم على أمر الله، وقال الثوريّ: على القرآن، وعن الحسن قال: لَمّا نَزَلت هذه الآية، شَمَّرَ رسول الله – ﷺ – فَمَا رُؤي ضاحكًا. خَرَّجه ابن أبي حاتم.
وقد أَمَرَ الله تعالى بإقامة الدين عمومًا، كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأمر بإقامة الصلاة في غير موضعٍ من كتابه، كما أَمر بالاستقامة على التوحيد في تينك الآيتين.
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيِّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك: فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةِ والباطنة، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها.
وفي قوله – عز وجل -: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بُدَّ من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبيِّ – ﷺ – لمعاذ: «اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها» [حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. راجع: “صحيح الجامع”، ١/ ٨١ رقم (٩٧)].
وقد أَخبر النبي ﷺ أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حقَّ الاستقامة، كما خرّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث ثوبان – رضي الله عنه – عن النبيّ – ﷺ – قال «استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، وفي رواية الإمام أحمد – رحمه الله -: «سَدِّدُوا، وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن» [حديث صحيح].
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبيّ – ﷺ – قال: «سَدِّدُوا، وقاربوا».
فالسَّدَاد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال، والأعمال، والمقاصد، كالذي يرمي إلى غَرَضٍ، فيصيبه.
وقد أمر النبيُّ – ﷺ – عليًّا – رضي الله عنه – أن يسأل الله – عز وجل – السَّدَادَ والهدى، وقال له: «اذكر بالسَّداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق».
والمقاربةُ: أن يصيب ما قَرُبَ من الْغَرَض إذا لم يُصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مُصَمِّمًا على قصد السداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عَمْدٍ، ويدل عليه قولُ النبيّ – ﷺ – في حديث الحكم بن حَزْن الْكُلَفيّ – رضي الله عنه -: «أيها الناس إنكم لن تعملوا – أو لن تُطِيقوا – كلَّ ما أَمرتكم، ولكن سَدِّدُوا، وأبشروا» [حديث صحيحٌ، رواه أحمد ٤/ ٢١٢، وأبو داود (١٠٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٦)، والطبرانيّ في «الكبير» (٣١٦٥)].
والمعنى: اقصِدُوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سَدَّدُوا في العمل كله، لكانوا قد فَعَلُوا ما أُمروا به كله.
فأصلُ الاستقامة استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسّر أبو بكر الصديق وغيره – رضي الله عنهم – قوله – عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره.
فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلُّها على طاعته، فإن القلب هو مَلِكُ الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الْمَلِك استقامت جنوده ورَعَاياه.
وكذلك فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله، وإرادته وحده لا شريك له.
وأعظمُ ما يُرَاعَى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه تَرْجَمَانُ القلب، والْمُعَبِّر عنه، ولهذا لَمّا أَمَرَ النبيُّ – ﷺ – بالاستقامة وصّاه بعد ذلك بحفظ لسانه، ففي مسند الإمام أحمد، عن أنس – رضي الله عنه -، عن النبيّ – ﷺ – قال: «لا يستقيم إيمان عبدك حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» [أخرجه أحمد في «مسنده» بإسناد صحيح].
وفي رواية الترمذيّ عن أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان، فتقول: اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». انتهى ما كتبه ابن رجب، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا [«جامع العلوم والحكم» ١/ ٥٠٦ – ٥١٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. [البحر المحيط الثجاج (2/ 67 – 80)، بتصرف].
وقال أصحاب نضرة النعيم: “والخلاصة أنّ الاستقامة- كما يقول صاحب البصائر- كلمة آخذة بمجامع الدّين، وهي القيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصّدق والوفاء بالعهد، وهي تتعلّق بالأقوال والأفعال والنّيّات، والاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله تبارك وتعالى [بصائر ذوي التمييز (٤/ ٣١٢)].
وقوله: اسْتَقامُوا يشير إلى أساس الأعمال الصّالحة، وهو الاستقامة على الحقّ، أي أن يكون وسطا غير مائل إلى طرفي الإفراط والتّفريط …
فكمال الاعتقاد راجع إلى الاستقامة، فالاعتقاد الحقّ أن لا يتوغّل في جانب النّفي إلى حيث ينتهي إلى التّعطيل، ولا يتوغّل في جانب الإثبات إلى حيث ينتهي إلى التّشبيه والتّمثيل؛ بل يمشي على الخطّ الفاصل بين التّشبيه والتّعطيل، ويستمرّ كذلك فاصلا بين الجبريّ والقدريّ، وبين الرّجاء والقنوط، وفي الأعمال بين الغلوّ والتّفريط [التحرير والتنوير (٢٤/ ٢٨٢- ٢٨٤)].”. انتهى.
(المسألة الثالثة): الإيمان بالله يشمل الأمور الظاهرة والباطنة:
وقد أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكلمتين، فقال له: (قل آمنت بالله ثم استقم).
فأمره بأن يقول: (آمنت بالله)، والإيمان هنا جاء مطلقاً وعاماً، فيدخل فيه الأمور الباطنة والأمور الظاهرة، ومعنى ذلك: أن الإنسان يؤمن بالله عز وجل وبما جاء في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويصدق بذلك ويؤمن به، ثم بعد ذلك يستقيم على ملازمة الحق والهدى الذي هو الإيمان بالله عز وجل الذي يكون جامعاً بين الأمور الباطنة والأمور الظاهرة. [شرح الأربعين النووية – العباد].
وانظر: شرح الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الحديث وتعلقه في باب الإيمان.
(المسألة الرابعة):
المطلوب من العبد المسلم وخاصة الدعاة إلى الله: الاستقامة، وهي السداد؛ فإن لم يقدر فالمقاربة، فإن نزل عن المقاربة، فلم يبق إلا التفريط والضياع.
فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؛ قال: “ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» [مسلم، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله ٤/ ٢١٧٠].
فجمع هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة، وهي: السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال، وعلم النبي ﷺ أنهم لا يطيقون الاستقامة، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقرب الإنسان من الاستقامة بحسب طاقته، كالذي يرمي إلى الهدف، فإن لم يصبه يقاربه، ومع هذا أخبرهم ﷺ أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يعتمد أحد على عمله، ولا يعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة الله، وعفوه، وفضله، فالاستقامة كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات.
والداعية إلى الله يجب أن يكون من أعظم الناس استقامة، وبهذا- بإذن الله تعالى- لا يُخيِّب الله سعيه، ويجعل الحكمة على لسانه، وفي أفعاله، وتصرفاته، وهو تعالى ذو الفضل والإِحسان [انظر: مدارج السالكين لابن القيم٢/ ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي١٥/ ٣٥٧].
[انظر: تفسير العلامة السعدي٦/ ٥٧٥].
(المسألة الخامسة): الآثار الواردة في الاستقامة:
أولا: الآيات الواردة في (الاستقامة):
سبق ذكرها سابقا
ثانيا: الأحاديث الواردة في (الاستقامة):
١-* (عن ثوبان رضي الله عنه- أنّه قال:
قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنّ خير أعمالكم الصّلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلّا مؤمن») [ابن ماجه (٢٧٧) . وقال الألباني في صحيح الجامع: صحيح (١/ ٣٢٥) رقم (٩٥٢)].
٢-* (عن أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا، ونعمّا إن استقمتم، وخير أعمالكم الصّلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلّا مؤمن») [ابن ماجه (٢٧٩) واللفظ له، وقال في الزوائد: إسناده ضعيف. وذكره الألباني في صحيح الجامع، وقال: صحيح وعزاه للطبراني من حديث عبادة بن الصامت (١/ ٣٢٥) رقم (٩٥٣)].
٣-* (عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما- أنّه قال: إنّ معاذ بن جبل أراد سفرا فقال: يا رسول الله أوصني قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئا» قال: يا رسول الله زدني قال: «إذا أسأت فأحسن» .
قال: يا رسول الله زد. قال: «استقم ولتحسن خلقك») [الحاكم (٤/ ٢٤٤) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وذكره الشيخ ناصر في الصحيحة وعزاه لابن حبان (٣/- ٢٣) رقم (١٢٢٨)].
٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه- أنّه قال: «إذا أصبح ابن آدم فإنّ أعضاءه تكفّر [أي: تكفر: تذل له وتخضع لأمره] اللّسان تقول: اتّق الله فينا فإنّك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا») [الترمذي (٢٤٠٧) . أحمد (٣/ ٩٦) رقم (١١٩٢٧) واللفظ له. وقال محقق جامع الأصول: حديث حسن ورواه أيضا ابن خزيمة والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا (١١/ ٧٢٨)].
٥-* (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- أنّه قال: «خطّ لنا رسول الله ﷺ خطّا ثمّ قال:
هذا سبيل الله، ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: هذه سبل (متفرّقة) على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ثمّ قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) *.
واللفظ الآخر: «هذه سبيل الله مستقيما) [الحاكم (٢/ ٣١٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. أحمد (١/ ٤٣٥، ٤٦٥)، رقم (٤١٤٢، ٤٤٣٧)
٦-* (عن النّوّاس بن سمعان رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصّراط داع يقول: أيّها النّاس ادخلوا الصّراط جميعا ولا تتفرّجوا، وداع يدعو من جوف الصّراط فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنّك إن تفتحه تلجه والصّراط الإسلام والسّوران حدود الله- تعالى- والأبواب المفتّحة محارم الله- تعالى- وذلك الدّاعي على رأس الصّراط كتاب الله عز وجل- والدّاعي فوق الصّراط واعظ الله في قلب كلّ مسلم») [أحمد (٤/ ١٨٢، ١٨٣) واللفظ له، الترمذي نحوه (٢٨٥٩) وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي وذكر الشيخ ناصر: كلام الحاكم والذهبي وقال: هو كما قالا (١/ ٧٣)].
٧-* (عن سفيان بن عبد الله الثّقفيّ رضي الله عنه- أنّه قال: «قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: قل آمنت بالله فاستقم) [مسلم (٣٨) ] .
٨-* (عن عائشة رضي الله عنها- أنّها قالت: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من اللّيل افتتح صلاته: «اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السّماوات والأرض، عالم الغيب والشّهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم») [مسلم (٧٧٠)].
٩-* (عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين، وإنّما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمّة مستقيما حتّى تقوم السّاعة، أو حتّى يأتي أمر الله») [البخاري- الفتح ١٣ (٧٣١٢) واللفظ له، مسلم (١٠٣٧)].
١٠-* (عن أبي فاطمة اللّيثيّ أو الدّوسيّ واسمه أنيس وقيل عبد بن أنيس صحابيّ سكن الشّام ومصر رضي الله عنه- قال: يا رسول الله حدّثني بعمل أستقيم عليه وأعمله. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«عليك بالهجرة فإنّه لا مثل لها» [النسائي (٧/ ١٤٥) واللفظ له، وقال الألباني: حسن صحيح (٣/ ٨٣٧) رقم (٣٨٨٥) . ابن ماجه (٢/ ٤٥٧) وفيه قال: عليك بالسجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة. وأحمد (٣/ ٤٢٨) بلفظ آخر].
ثالثا: من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاستقامة):
١-* (عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه- أنّه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا* والَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ؟ قالوا: لم يذنبوا قال: لقد حملتموها على أمر شديد الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يقول: بشرك والَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا* فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان) [الدر المنثور (٧/ ٣٢٢)].
٢-* (سئل صدّيق الأمّة وأعظمها استقامة أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه- عن الاستقامة فقال: «ألّا تشرك بالله شيئا» يريد الاستقامة على محض التّوحيد») [مدارج السالكين (٢/ ١٠٨)، وبصائر ذوي التمييز (٤/ ٣١٢)].
٣-* (وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه- «الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنّهي، ولا تروغ روغان الثّعالب») [مدارج السالكين (٢/ ١٠٩)].
٤-* (وقال عثمان بن عفّان رضي الله عنه- «استقاموا: أخلصوا العمل لله») [المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها] .
٥-* (وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه- وابن عبّاس رضي الله عنهما- «استقاموا أدّوا الفرائض») [المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها] .
٦-* (وقال الحسن: «استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته») [المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها].
٧-* (وقال مجاهد «استقاموا على شهادة أن لا إله إلّا الله حتّى لحقوا بالله») [مدارج السالكين (٢/ ١٠٩)].
٨-* (عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر رضي الله عنه- على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلّم، فقال: «ما لها لا تكلّم؟ قالوا:
حجّت مصمته، قال لها: تكلّمي؛ فإنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهليّة فتكلّمت فقالت: من أنت؟ قال:
امرؤ من المهاجرين، قالت: أيّ المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أيّ قريش أنت؟ قال: إنّك لسئول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصّالح الّذي جاء الله به بعد الجاهليّة؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمّتكم. قالت: وما الأئمّة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال:
فهم أولئك على النّاس») [البخاري- الفتح ٧ (٣٨٣٤)].
٩-* (قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما-: «يا معشر القرّاء استقيموا، فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا») [البخاري- الفتح ١٣ (٧٢٨٢)].
١٠-* (قال ابن عبّاس رضي الله عنهما- في معنى قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا*: «استقاموا على أداء الفرائض» وقال أيضا: أخلصوا له الدّين والعمل. وقال فيها: استقاموا على طاعة الله») [جامع العلوم والحكم (١٩٢)].
١١-* (عن ابن عبّاس رضي الله عنهما- في قوله إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا* قال: على شهادة أن لا إله إلّا الله) [الدر المنثور (٧/ ٣٢٢)].
١٢-* (وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما- أنّه سئل أيّ آية في كتاب الله أرجى؟ قال: قوله إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا* على شهادة أن لا إله إلّا الله قيل له: فأين قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها].
١٣-* (قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة») [مدارج السالكين (٢/ ١١٠)].
١٤-* (وقال أيضا: «استقاموا على محبّته وعبوديّته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة») [المرجع السابق (٢/ ١٠٩)]. [نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، (2/ 303 – 319)].
(المسألة السادسة): من فوائد (الاستقامة):
(١) الاستقامة من كمال الإيمان وحسن الإسلام.
(٢) بها ينال الإنسان الكرامات ويصل إلى أعلى المقامات.
(٣) استقامة القلوب استقامة للجوارح.
(٤) المداومة عليها أفضل من كثير من الأعمال الّتي يتطوّع بها.
(٥) صاحبها يثق به النّاس، ويحبّون معاشرته.
(٦) الاستقامة أعظم الكرامة.
(٧) دليل اليقين ومرضاة ربّ العالمين. [نضرة النعيم].
رابعًا: فوائد الحديث:
1- (منها): “حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وذلك لما يرد على النبي صلى الله عليه وسلم منهم من الأسئلة.
وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أهم الأعمال وأحكَمها، وعلى تعلم الدين.
2- (منها): عقل أبي عمرو أو أبي عمرة رضي الله عنه حيث سأل هذا السؤال العظيم الذي فيه النهاية، ويستغنى عن سؤال أي أحد.
3- (منها): أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عن العلم السؤال الجامع المانع حتى لا تشتبه عليه العلوم وتختلط، لقوله: “قَولاً لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدَاً غَيْرَك”، وفي هذا إشكال، وهو قوله: “لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدَاً غَيْرَك”، فهل يمكن أن يسأل الصحابة رضي الله عنهم أحداً غير رسول الله في أمور الدين؟
فالجواب: نعم، يمكن أن يسأل أحدهم مَنْ يفوقه في العلم، وهذا وارد، ثم هذه الكلمة تقال حتى وإن لم يكن يسأل، لكن تقال من أجل أن يهتم المسؤول بالجواب.
4- (ومنها): أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم حيث جمع كل الدين في كلمتين: “آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم” وهذا يشهد له قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الاحقاف:13] وقوله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30] وقوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا) [هود:112] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وحديث الباب من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي هذين الأمرين جمع النبي صلى الله عليه وسلم الدِّين كله؛ ولذا بوب النووي عليه بـ: “باب جامع أوصاف الإسلام”؛ فالحديث شمل عمل القلب، وهو الإيمان، وعمل الجوارح، وهو الاستقامة؛ فهو شامل للظاهر والباطن.
5- (ومنها): الحديث دليل على أن جماع الخير في الاستقامة بعد الإيمان، ولأن شأنها عظيم أرشد النبي صلى الله عليه وسلم لها حينما سأله عن شيء جامع، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم هو الموافق لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 13]”.
6- (منها): التعبير بكلمة الاستقامة دون التعبير المشهور عند الناس الآن بكلمة الالتزام، فإن الناس اليوم إذا أرادوا أن يثنوا على شخص بالتمسك بالدين قالوا: فلان ملتزم، والصواب أن يقال: فلان مستقيم كما جاء في القرآن والسنة .
7- (منها): أن من قصر في الواجبات فما استقام، بل حصل عنده انحراف، والانحراف تكون شدته بقدر ما ترك من الواجبات أو فعل من المحرمات.
8- (منها): أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد نفسه دائماً: هل هو مستقيم أو غير مستقيم؟ فإن كان مستقيماً حمد الله وأثنى عليه وسأل الله الثبات، وإن كان غير مستقيم وجب عليه الاستقامة وأن يعدل سيره إلى الله عزّ وجل.
فمن أخر الصلاة عن وقتها فهو غير مستقيم؛ لأنه أضاع الصلاة.
ومن منع الزكاة فهو غير مستقيم لأنه أضاع الزكاة.
ورجل يعتدي على الناس في أعراضهم فغير مستقيم، لفعل المحرم.
ورجل يغش الناس ويخادعهم في البيع والشراء والإجارة والتأجير وغير ذلك فهذا غير مستقيم.
فالاستقامة وصف عام شامل لجميع الأعمال. [شرح الأربعين للشيخ ابن عثيمين مع زيادة].
9- (ومنها): “أصلُ الدين هو الإيمان بالله بروبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
10- (ومنها): أهمية الاستقامة بعد الإيمان، والاستمرار في العبادة، والثبات على ذلك.
11- (ومنها): الإيمان شرط لقبول الأعمال.
12- (ومنها): الإيمان بالله، يشمل ما يجب اعتقادُه من عقائد الإيمان وأصوله، وما يتبع ذلك من أعمال القلوب، والانقياد والاستسلام لله باطنًا وظاهرًا.
13- (ومنها): الاستقامةُ مُلازَمَةُ الطريق، بفعل الواجبات وترك المنهيات”.
14 – وَعَنْ الْمَطَالِعِ عَنْ الْحُكَمَاءِ هِيَ خَمْسَةٌ اسْتِقَامَةُ اللِّسَانِ عَلَى الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَاسْتِقَامَةُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَةِ مَعَ الْحَيَاءِ وَاسْتِقَامَةُ الْقَلْبِ عَلَى الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَاسْتِقَامَةُ الرُّوحِ عَلَى الصِّدْقِ وَالصَّفَاءِ وَاسْتِقَامَةُ السِّرِّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالْوَفَاءِ
بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية ٣/١٤٥ — محمد الخادمي (ت ١١٥٦)