625 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند
625 – قال الحاكم رحمه الله (ج 1 ص 254): حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ علي بن عبد العزيز، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم والزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة.
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
…………………………
وعند أبي داود من حديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية أَذَاخِرَ، فحضرت الصلاة- يعني-،
فصلى إلى جِدَرٍ، فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه؛
فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه- أو كما قال
مسدد)
قوله (ساعاها): وهو مُفاعلةٌ من السَّعي كأن كُلّ واحدٍ منهما يسعَى لصاحبه في حُصُول غَرَضه. (النهاية )
بوب عليه مقبل في الجامع:
74 – لا يترك شيئا يمر بينه وبين القبلة
روى البخاري
٢ – حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. (٤٩٧خ، طرفه رقم ٧٣٣٤)
اخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب «قدر كم ينبغى أن يكون بين المصلى والسترة».
الحكمة من السترة
الحكمة من اتخاذ السترة.
قال الشوكانىُّ فى نيل الأوطار: «قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه»
وقال أيضًا: «والحكمة في الأمر من الدنو أن لا يقطع الشيطان عليه صلاته كما أخرجه أبو داود.
والمرادُ بالشيطانِ المارُّ بين يدي المصلي كما في حديث (فإن أبَى فليقاتله فإنما هو شيطان) قال في شرح المصابيح: معناه يدنو من السترة حتى لا يوسوس الشيطان عليه صلاته.
تحبير الورقات بشرح الثلاثيات
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية مع إضافات أضفناها للترجيح في المسائل :
سترة المصلي
التعريف:
1 – السترة بالضم مأخوذة من الستر، وهي في اللغة ما استترت به من شيء كائنا ما كان، وكذا الستار والستارة، والجمع: الستائر والستر، ويقال: ستره سترا وسترا: أخفاه . وسترة المصلي في الاصطلاح: هي ما يغرز أو ينصب أمام المصلي من عصا أو غير ذلك ، أو ما يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بين يديه .
وعرفها البهوتي: بأنها ما يستتر به من جدار أو شيء شاخص. . . أو غير ذلك يصلى إليه . وجميع هذه التعريفات متقاربة.
الحكم التكليفي:
2 – يسن للمصلي إذا كان فذا (منفردا) أو إماما أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه، وتمكنه من الخشوع في أفعال الصلاة، وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدا يمر بين يديه.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم ، وهذا يشمل السفر والحضر، كما يشمل الفرض والنفل.
والمقصود منها كف بصر المصلي عما وراءها، وجمع الخاطر بربط خياله كي لا ينتشر، ومنع المار كي لا يرتكب الإثم بالمرور بين يديه.
والأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، قال ابن عابدين : صرح في المنية بكراهة تركها، وهي تنزيهية، والصارف للأمر عن حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما: قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة.
ومثله ما ذكره الحنابلة قال البهوتي : وليس ذلك بواجب لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء هذا، ويستحب ذلك عند الحنفية والمالكية في المشهور، للإمام والمنفرد إذا ظن مرورا بين يديه، وإلا فلا تسن السترة لهما. ونقل عن مالك الأمر بها مطلقا، وبه قال ابن حبيب واختاره اللخمي .
أما الشافعية فأطلقوا القول بأنها سنة، ولم يذكروا قيدا .
وقال الحنابلة: تسن السترة للإمام والمنفرد ولو لم يخش مارا.
أما المأموم فلا يستحب له اتخاذ السترة اتفاقا؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو لأن الإمام سترة له، على اختلاف عند الفقهاء. وسيأتي تفصيله.
قال العباد :
أبو داود -رحمه الله- أتى بجملة من الكلام فيما يتعلق بشأن تعارض الأحاديث في قطع الصلاة، فقد جاءت أخبار عن رسول الله ﷺ بأن الصلاة يقطعها المرأة والحمار والكلب الأسود، وجاءت أحاديث بأنه لا يقطعها شيء، فقال: [إذا تنازع الخبران عن رسول الله ﷺيعني اختلفا وتعارضا- نظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده].
وأصحاب رسول الله ﷺ أكثرهم على أن الصلاة لا يقطعها شيء، كما حكى ذلك الترمذي وغيره.
وفي الضعيفة :
٥٨١٤ – (صلى في فضاء ليس بين يديه شيء) .
ضعيف. أخرجه أحمد (١ / ٢٢٤)
«يصلي بالناس في أرض خلاء» .
أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، وغيرهما، وهو مخرج في
«صحيح أبي داود» أيضًا، وليس عنده هذا اللفظ، وليس فيه نفي السترة والعنزة
كما هو ظاهر، وإنما فيه نفي البنيان والجدران، فهو مثل رواية البخاري بلفظ:
«يصلي بمنى إلى غير جدار» .
ويأتي قريبًا إن شاء الله بيان ما فيها.
فتوهم بعض الرواة أن ذلك يعني أنه صلى إلى غير سترة، كما هو ظاهر حديث الترجمة، وليس صريحًا، وقد روى مصرحًا به في بعض الطرق، والعجيب حقًا أن البيهقي عقب الحديث حديث الترجمة:
«وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس، وسيرد بعد هذا إن شاء الله تعالى» .
ثم رواه (٢ / ٢٧٨) من طريق أبي داود بسنده عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل نحوه بلفظ:
«فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكليبة
تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك» .
ووجه التعجب أن عباسًا هذا لم يلق عمه الفضل؛ كما قال ابن حزم في
«المحلى» (٤ / ١٣) ووافقه الحافظ، ولذلك؛ خرجته في «ضعيف أبي داود» (١١٤) .
ثم ذكر الأحاديث التي فيها الأمر بالسترة ومنها
قال رسول الله – ﷺ -:
«لا تصلوا إلا إلى سترة» .
وقد زجر النبي – ﷺ – أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما زجر عنه؟ !» .
وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وهي مخرجة عنده (٧٩٨، ٨٠٠، ٨٠٣، ٨١٠، ٨٢٠)، وبعضها في «الصحيحين»، ومخرجة عندي في «صحيح أبي داود» (٦٨٨ – ٦٨٩، ٦٩٢، ٦٩٤)، فلا يجوز إهدار العمل بها لمثل حديث أبي أمية وغيره مما تقدم.
فإن قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت؛ فما قولكم في حديث عبد الله بن عباس قال:
«أقبلت راكبًا على حمارٍ أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله – ﷺ – يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحدٌ»؟
أخرجه البخاري في «صحيحه» (٧٦، ٤٩٣، ٨٦١) من طرق عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.
والجواب من وجهين:
الأول: أنه ليس صريحًا في نفي السترة مطلقًا؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك
في أول هذا التخريج، وإنما هو ينفي سترة الجدار بخاصة، ولذلك؛ لما روى البيهقي (٢ / ٢٧٣) عن الإمام الشافعي قوله:
«قول ابن عباس: «إلى غير جدار» يعني – والله أعلم – إلى غير سترة» .
فتعقبه ابن التركماني بقوله:
«قلت: لا يلزم من عدم الجدار عدم السترة (١)، ولا أدري ما وجه الدليل في
رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة» .
قلت: ويؤيده صنيع البخاري؛ فإنه ترجم للحديث بقوله:
«باب سترة الإمام سترة من خلفه» .
فهذا يعني أن الإمام البخاري لم يفهم من الحديث نفي السترة، ووجه الحافظ بقوله (١ / ٥٧١ – ٥٧٢):
وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته – ﷺ – أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه. ثم أيّد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة. وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: «وكان يفعل ذلك في السفر»، وقد تبعه النووي فقال
في «شرح مسلم» في كلامه على فوائد هذا الحديث: فيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. والله أعلم» . والوجه الآخر: أن قول ابن عباس في هذا الحديث: «إلى غير جدار»؛ قد اختلف الرواة عن مالك فيه … ثم مال ال شذوذ لفظة الجدار وإن كانت في البخاري وكأن مالك في آخر تحديثه بالحديث لا يذكرها ثم أيد ذلك بالنقل عن ابن خزيمة :
وقال أيضًا بعد أن ساق الحديث دون زيادة، ونفى أن يكون النبي – ﷺ – رأى الأتان تمر بين يدي الصفوف (٢ / ٢٥):
«فإن كان في الخبر أن النبي – ﷺ – علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه؛ فجائز أن تكون سترة النبي – ﷺ – كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي – ﷺ – قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه؛ لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة كاستتار النبي – ﷺ – بها، فحمل العنزة للنبي – ﷺ – يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه؛ كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه» .
وختامًا أقول: تبين مما تقدم أنه لا يصح حديث صريح في صلاته – ﷺ – إلى غير سترة، والزيادة التي عند البخاري ليست صريحة في ذلك، وعلى التنزل فهي شاذة لا تصح، ولذلك؛ أعرض عنها جمهور المؤلفين في «الصحيح»، والله أعلم
بينما قال ابن رجب :
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود، ولفظه: أتانا رسول الله – ﷺ – ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلى في صحراء، ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكليبة تعبثان – أو تعيثان – بين يديه، فما بالى ذاك.
ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وثقه الدارقطني وغيره.
وعباس بن عبيد الله بن عباس، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته، انتقاده للرجال، حتى قال أحمد: لا تسأل عمن روى عنه أيوب. وذكره ابن حبان في «الثقات» .
وقد اختلف قول أحمد في هذا: فمرة، قال: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به -: نقله عنه علي بن سعيد. ومرة، عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه -: نقله عنه الحسن بن ثواب.
لكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود، ولم يجعله معارضا له.
وقد سلك الشافعي في «كتاب مختلف الحديث» هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة، وعضدها بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ [الأنعام:١٦٤] .
وسلك آخرون مسلكا آخر، وهو: أن الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح، وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم.
وقد سلك هذا أبو داود في «سننه»، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد.
وسلك آخرون مسلكا آخر، وهو: تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، وانه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها، وهذا هو الذي قاله الشافعي في رواية حرملة، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيروهما من العلماء.
وقد تعرض عليه بأن المصلي قد يكون أعمى، وقد يكون ذلك ليلا
بحيث لا يشعر به المار ولا من مر عليه، والحديث يعم هذه الأحوال كلها،
وأيضا؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالا للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك.
وأقرب من هذا التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس.
فلهذا المعنى – والله اعلم – خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي: المرأة؛ فإن النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء. والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث. وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل، لأنه يرى الشيطان
فلهذا أمر – ﷺ – بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها. والله أعلم.
وإنما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة، كعمر وابن مسعود، كما سبق
ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي، وقد أمر النبي – ﷺ – بدفعه وبمقاتلته، وقال: «إنما هو شيطان» .
وفي رواية: «أن معه القرين» .
لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله اعلم.
ثم ذكر عن ابن عباس أن كره مرور هذه الاشياء فقط دون البطلان ، زذكر أنه بمنزلة مدافعة الوساوس خاصة أذا لم يتمكن من دفعها ، ونقل عن بعض الصحابة استحباب اعادة الصلاة لأنهم رأوا أنهم تساهلوا في دفعها … إلى آخر كلامه رحمه الله ثم قال
وقد خرج البخاري حديث عائشة، قالت: سألت النبي – ﷺ – عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» .
وفي حديث أبي ذر، عن النبي – ﷺ -: «لا يزال الله مقبلا على العبد وهو مقبل عليه في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في «صحيحة» .
وفي حديث الحارث الأشعري، عن النبي – ﷺ -: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وان يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن» – فذكر الحديث – وفيه: «وآمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا» .
خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه.
والالتفات – أيضا – مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد، فتنقص به صلاته.
وقد روي: «لا صلاة لملتفت»، وإنما أريد نفي كمالها وتمامها؛
فإنه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال.
وكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته.
فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته، بمعنى: أنه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها، ومناجاته بتلاوة كتابه.
وكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى وقد أمر المصلي حينئذ بان يسجد سجدتين، فتكونا ترغيمتين للشيطان، ولا تبطل الصلاة، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله. والله أعلم.
ما يجعل سترة:
3 – اتفق الفقهاء على أنه يصح أن يستتر المصلي بكل ما انتصب من الأشياء كالجدار والشجر والأسطوانة والعمود، أو بما غرز كالعصا والرمح والسهم وما شاكلها، وينبغي أن يكون ثابتا غير شاغل للمصلي عن الخشوع .
واستثنى المالكية الاستتار بحجر واحد وقالوا: يكره به مع وجود غيره لشبهه بعبادة الصنم، فإن لم يجد غيره جاز، كما يجوز بأكثر من واحد .
أما الاستتار بالآدمي أو الدابة أو الخط أو نحوها فللفقهاء في ذلك تفصيل وخلاف، وبيانه فيما يلي:
أ – الاستتار بالآدمي:
4 – ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية إلى صحة الاستتار بالآدمي في الصلاة ، وذلك في الجملة، لكنهم اختلفوا في التفاصيل.
فقال الحنفية والمالكية: يصح أن يستتر بظهر كل رجل قائم أو قاعد، لا بوجهه، ولا بنائم، ومنعوا الاستتار بالمرأة غير المحرم.
أما ظهر المرأة المحرم فاختلف الحنفية في جواز الاستتار به، كما ذكر المالكية فيه قولين أرجحهما عند المتأخرين الجواز .
والأوجه عند الشافعية عدم الاكتفاء بالسترة بالآدمي، ولهذا قرروا أن بعض الصفوف – لا يكون سترة لبعض آخر .
وفصل بعضهم فقالوا: لو كانت السترة آدميا أو بهيمة ولم يحصل بسبب ذلك اشتغال ينافي خشوعه فقيل يكفي، وإن حصل له الاشتغال لا يعتد بتلك السترة .
أما الحنابلة فقد أطلقوا جواز الاستتار بآدمي غير كافر .
وأما الصلاة إلى وجه الإنسان فتكره عند الجميع، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالا. وروي أن عمر رضي الله عنه أدب على ذلك .
قال ابن قدامة :
فأمّا الصلاةُ إلى وَجْهِ الإنْسانِ فتُكْرَهُ؛ لأنَّ عُمَرَ أدَّب على ذلك. وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي حِذاءَ وَسَطِ السَّرير، وأنا مُضْطَجِعَةٌ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تكونُ لىَ الحاجَةُ، فأكْرَهُ أن أقُومَ فأسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلالُا. مُتَّفَقٌ عليه
وفي مذكرة القول الراجح مع الدليل
من مكروهات الصلاة، الصلاة إلى وجه آدمي ومتحدث ونائم، لكن الكراهة مقيدة فيما إذا كان ذلك يشغل المصلي ويلهيه عن صلاته، أما أن كان لا يلهيه ذلك فلا كراهة، لحديث عتبان ﴿أنه دعى النبي – وذكر له أنه كبر، فطلب من النبي – أن يصلي في مكان يتخذه مصلى، فشرع النبي – والصحابة يتحدثون في مالك بن الدخشم وأنه لا يحب الله ورسوله، فلما انصرف النبي – قال: ألا تراه قال: أشهد أن لا إله إلا الله فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه﴾ رواه مسلم ، فالنبي – صلى إليهم وهم يتحدثون.
ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت ﴿لقد كان النبي – يقوم فيصلي من الليل وإنا معترضة بينه وبين القبلة، كاعتراض الجنازة ﴾، وقد عقد البخاري فصلًا : «باب استقبال الرجلُ الرجلَ وهو يصلي، ثم قال: وكره عثمان – رضي الله عنه – أن يستقبل الرجل وهو يصلي، وإنما هذا إذا اشتغل به، فأما إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت: ما باليت إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل».
أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه أبو داود ﴿نهى النبي – عن الصلاة إلى النائم والمتحدث﴾ فهو حديث ضعيف. انتهى
الاستتار بالآدمي، ورد من فعل ابن عمر رضي الله عنهما :
رواه ابن أبي شيبة
٢٩٠٦ – حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع عن هشام بن (الغاز) عن نافع قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لي: ولني ظهرك ( صحيح).
المصنف – ابن أبي شيبة – ت الشثري ٣/١١٤ — أبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥)
فتوى
حكم الصلاة إلى وجه إنسان
السؤال
ما حكم من صلى وجعل سترته رجلًا مقبلًا عليه بوجهه؟
الجواب
لا ينبغي هذا؛ لأن هذا يشوش عليه، ولكنه إذا لم يجد إلا هذا المكان فلا بأس أن يصلي وينظر إلى مكان سجوده، فيسلم من تشويشه إن شاء الله.
شرح سنن أبي داود للعباد ٥٣٠/١٩ — عبد المحسن العباد (معاصر)
ب - الاستتار بالدابة:
5 – ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز الاستتار بالدابة مطلقا، قال المقدسي في الشرح الكبير على المقنع : لا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان، فعله ابن عمر وأنس رضي الله تعالى عنهما، لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعير.
ومنع المالكية الاستتار بالدابة، إما لنجاسة فضلتها كالبغل والحمار ونحوهما، وإما لعدم ثباتها كالشاة، وإما لكلتا العلتين كالفرس.
وقالوا: إن كانت فضلتها طاهرة وربطت جاز الاستتار بها .
أما الشافعية فالأوجه عندهم أنه لا يجوز الاستتار بالدابة كما لا يجوز بالإنسان. ولأنه لا يؤمن أن يشتغل به فيتغافل عن صلاته .
وفي قول عندهم: يجوز الاستتار بالبهيمة. قال محمد الرملي: أما الدابة ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، وكأنه لم يبلغ الشافعي، ويتعين العمل به، وحمل بعضهم المنع على غير البعير .
في المسند
٦١٢٨ – حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: ” كان رسول الله ﷺ يصلي فيعرض البعير بينه وبين القبلة “، وقال عبيد الله: سألت نافعا فقلت : إذا ذهبت الإبل كيف كان يصنع ابن عمر؟ قال: ” كان يعرض مؤخرة الرحل بينه وبين القبلة .
قال محققو المسند :
إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبيدة بن حميد، وهو ابن صهيب التيمي، فمن رجال البخاري. قوله: إذا ذهبت الإبل، وقع في نسخة السندي: إذا هبت الإبل، وقال: بفتح هاء وتشديد باء، أي: تارت وهاجت وشوشت على المصلي، هكذا في أصلنا، وهو المشهور، وفي بعض الأصول: إذا ذهبت من الذهاب، أي: إذا ذهبت إلى المرعى.
ج - التستر بالخط:
6 – إن لم يجد المصلي ما ينصبه أمامه فليخط خطا، وهذا عند جمهور الفقهاء: (الشافعية والحنابلة، والراجح عند متأخري الحنفية) لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه.
ولأن المقصود جمع الخاطر بربط الخيال كي لا ينتشر، وهو يحصل بالخط.
ورجح الكمال بن الهمام من الحنفية صحة التستر بالخط وقال: لأن السنة أولى بالاتباع .
وقاس الحنفية والشافعية على الخط المصلى، كسجادة مفروشة، قال الطحطاوي: وهو قياس أولى؛ لأن المصلى أبلغ في دفع المار من الخط . ولهذا قدم الشافعية المصلى على الخط وقالوا: قدم على الخط لأنه أظهر في المراد .
وقال المالكية: لا يصح التستر بخط يخطه في الأرض، وهذا قول متقدمي الحنفية أيضا واختاره في الهداية؛ لأنه لا يحصل به المقصود، إذ لا يظهر من بعيد .
قال ابن باز رحمه في فتاوى نور على الدرب
أو خط كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا، ولا يضره ما مر بين يديه (١)» فالمؤمن يجتهد وهكذا المؤمنة، فإن وجد جدارا صلى إليه، أو سارية، أو كرسيا أو مركى مما يتوكأ عليه، يجعله أمامه، أو عصا لها حربة يركزها في الأرض أو ما أشبهه، يكون قائما طول الذراع، أو ثلثي الذراع، أو ما يقارب ذلك، فإن لم يتيسر جعل وسادة أمامه، أو عصا مطروحة أمامه ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢) أو خطا إذا كان في الأرض كالصحراء، إذا لم يكن عنده
شيء خط خطا يكفي على الصحيح، والحديث لا بأس به كما قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن، رواه ابن ماجه وأحمد وجماعة بإسناد حسن. فالحاصل أن هذا الحديث الذي فيه الخط لا بأس به على الصحيح، وهو عند الحاجة وعند عدم تيسر الجدار والعصا المنصوبة يخط خطا،
الترتيب فيما يجعل سترة:
7 – ذكر الشافعية لاتخاذ السترة أربع مراتب وقالوا: لو عدل إلى مرتبة وهو قادر على ما قبلها لم تحصل سنة الاستتار. فيسن عندهم أولا التستر بجدار أو سارية، ثم إذا عجز عنها فإلى نحو عصا مغروزة، وعند عجزه عنها يبسط مصلى كسجادة، وإذا عجز عنها يخط قبالته خطا طولا، وذلك أخذا بنص الحديث الذي رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه وقالوا: المراد بالعجز عدم السهولة.
وهذا هو المفهوم من كلام الحنفية والحنابلة أيضا وإن لم يصرحوا بالمراتب.
قال ابن عابدين: المفهوم من كلامهم أنه عند إمكان الغرز لا يكفي الوضع، وعند إمكان الوضع لا يكفي الخط .
وعبارة الحنابلة تفيد ذلك حيث قالوا: فإن لم يجد شاخصا وتعذر غرز عصا ونحوها، وضعها بالأرض، ويكفي خيط ونحوه. . فإن لم يجد خط خطا.
أما المالكية فقد تقدم أنهم لا يجيزون الخط.
مقدار السترة وصفتها:
8 – يرى الحنفية والمالكية أنه إذا صلى في الصحراء أو فيما يخشى المرور بين يديه يستحب له أن يغرز سترة بطول ذراع فصاعدا. قال الحنفية: في الاعتداد بأقل من الذراع خلاف . والمراد بالذراع ذراع اليد، وهو شبران .
وقال الشافعية: طول السترة يكون ثلثي ذراع فأكثر تقريبا .
وقال الحنابلة: إن كان في فضاء صلى إلى سترة بين يديه مرتفعة قدر ذراع فأقل .
والأصل في ذلك حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مرفوعا: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك.
ومؤخرة الرحل هي العود الذي في آخر الرحل يحاذي رأس الراكب على البعير. قال الحنفية: فسرت بأنها ذراع فما فوقه . وقال الحنابلة: تختلف، فتارة تكون ذراعا وتارة تكون دونه .
وأما قدرها في الغلظ فلم يحدده الشافعية والحنابلة، فقد تكون غليظة كالحائط والبعير، أو رقيقة كالسهم، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى إلى حربة وإلى بعير .
أما الحنفية فقد صرحوا في أكثر المتون بأن تكون السترة بغلظ الأصبع، وذلك أدناه لأن ما دونه ربما لا يظهر للناظر فلا يحصل المقصود منها . لكن قال ابن عابدين: جعل في البدائع بيان الغلظ قولا ضعيفا، وأنه لا اعتبار بالعرض، وظاهره أنه المذهب . ويؤيده ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة.
وقال المالكية: يكون غلظها غلظ رمح على الأقل، فلا يكفي أدق منه، ونقل عن ابن حبيب أنه قال: لا بأس أن تكون السترة دون مؤخرة الرحل في الطول ودون الرمح في الغلظ.
وفي تحبير الوريقات:
قال النووي: ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه.
وقال ابن حجر:» اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك. فقيل ذراع، وقيل ثلثا ذراع وهو أشهر «ا. هـ
وقال الشوكانى:» السترة لا تختص بنوع بل بكل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه يحصل به الامتثال«وقال أيضًا:» السترة تحصل بكل شيء ينصب تجاه المصلي وإن دق «
أما الخط فالراجح من كلام أهل العلم كما ذهب الإمام مالك وعامة الفقهاء أنه لا يجزئ، واعتذروا بضعف الحديث.
وقالوا:» الغرض من السترة الإعلام وهو لا يحصل بالخط ” خلافًا لما ذهب إليه أحمد والشافعى فى رواية عنه.
تحبير الورقات بشرح الثلاثيات
موقف المصلي من السترة:
– يسن لمن أراد أن يصلي إلى سترة أن يقرب منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه ولا يزيد على ذلك. لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعا: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته.
وعن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة. وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع. وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة .،
وهو المفهوم من كلام المالكية لأن الفاصل بين المصلي والسترة يكون بمقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده؛ لأن الأرجح عندهم أن حريم المصلي هو هذا المقدار، سواء أصلى إلى سترة أم لا.
ويسن انحراف المصلي عن السترة يسيرا، بأن يجعلها على جهة أحد حاجبيه، ولا يصمد إليها صمدا أي لا يقابلها مستويا مستقيما، لما روي عن المقداد رضي الله عنه أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبيه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدا . وهذا إذا كانت السترة نحو عصا منصوبة أو حجر بخلاف الجدار العريض ونحوه، وبخلاف الصلاة على السجادة؛ لأن الصلاة تكون عليها لا إليها .
[الموسوعة الفقهية الكويتية 24/ 177]
وحديث المقداد ضعفه ابن عَدي، والبيهقي، وعبد الحق الأشبيلي، وابن القطان الفاسي، والنَّووي، وابن قيِّم الجوزية، والذهبي، وابن حجَر العسقلاني، والعَيني، والشوكاني، والألباني، والعثيمين، والعبَّاد.
وقال محدِّث الشافعية أبو زكريا النَّووي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الخلاصة” (1/ 519 ــ رقم:1737):
رواه أبو داود، وضعَّفه الحفاظ. اهـ
لكن فقه الحديث يقول به العلماء
قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (6/ 172 – 173):
وأمَّا استقبال السُّترة والصَّمْد لها ففي حديث المقداد بن الأسود قال: ((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى عود ولا إلى عمود ولا شجرة إلا جعله عن جانبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصمُد له صَمْدًا)).
وكلُّ العلماء يستحسنون هذا ولا يوجبونه خوفًا مِن الحدِّ في ما لم يُجزه الله ولا رسوله. اهـ
وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المعلم شرح صحيح مسلم” (2/ 422 ــ رقم:409):
واسْتَحب أهل العلم على ما جاء في الحديث ألا يَصمدها صمْدًا، بل يجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولعلَّ وجه هذا كان أوَّل الإسلام، وحيث كان قُرب الناس بعبادة الحجارة والأصنام. اهـ
قلت:
الذي عليه المذاهب الأربعة وغيرهم هو بقاء حكم استحباب الانحراف عن السُّترة إلى الحاجب الأيمن أو الأيسر.
وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ في كتابه “فتح الباري” (2/ 646):
وقد صرَّح أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم بأنَّه يُستحب لِمن صلَّى إلى سُترة منصوبة أنْ ينحرف عنها ولا يستقبلها، وصرَّح بذلك مِن أصحابنا: أبو بكر عبد العزيز، وابن بطة، والقاضي أبو يعلى، وأصحابه، وأخذوه مِن نصِّ الإمام أحمد: على أنَّ الإمام يقوم عن يمين طاق المحراب، وكذا قال النخعي. اهـ
حكم الصلاة للدافايات :
في كتاب القول الراجح مع الدليل:
س١٢: ما حكم الصلاة أما الدفايات وهل هي داخل في النهي أم لا؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله (٤) فقال: وضع الدفايات الكهربائية أما المصلين ليس مكروهًا بل هو جائز، ولا يدخل في استقبال النار التي ذكر بعض الفقهاء أنه مكروه، لأن الذي ذكره بعض الفقهاء هي النار التي تشبه نار المجوس التي يعبدونها، وهي نار مشتعلة ذات لهب.
مجموع فتاوي ورسائل فضيلة الشيخ محمد العثيمين١٣/ ٣٣٨
الصلاة إلى ما يلهيه :
الصلاة إلى مايلهية، والضابط في هذا الباب أن كل ما ألهى الإنسان عن كمال صلاته فهو مكروه، لحديث عائشة رضي الله عنها أنه – صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: ﴿أذهبوا بخميصتي
هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي﴾ ، والخميصة: كساء مربع له أعلام، الأنبجانية: كساء غليظ.
استقبال صورة :
استقبال صورة، فإذا كانت الصورة مواجهة له فإنه لا يكتفي بالكراهة، بل الأقرب في ذلك التحريم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله قي مجموع الفتاوى (وأما الصلاة فيها «أي في الكنيسة» ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
المنع مطلقًا وهو قول مالك، والإذن مطلقًا هو قول بعض أصحاب أحمد، والثالث هو الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وغيره أنه إذا كان فيها صورة لم يصل فيها، لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، ولأن النبي – لم يدخل الكعبة حتى محى ما فيها من الصور، وكذا قال عمر – رضي الله عنه – إنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها).
وفي سؤال ورد للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مفاده: أنهم يصلون في دائرة رسمية لا يستطيعون مغادرتها للصلاة في المسجد ويوجد في الصالة التي نصلي فيها صور تجاه القبلة لشخصيات كبيرة فما حكم الصلاة في هذا المكان والحالة هذه؟
فإجابات اللجنة ما نصه: الصلاة صحيحة ولا حرج عليهم إن شاء الله في ذلك إذا كانوا مضطرين للصلاة في المكان المذكور لعدم وجود مسجد قريب منهم، ولكن يجب عليهم أن يبذلوا وسعهم مع المسؤلين لإزالة الصور من هذا المكان، أو إعطائهم مكانًا آخر ليس فيه صور، لأن الصلاة في المكان الذي فيه صور أمام المصلين فيه تشبه بعبادة الأصنام، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة دالة على النهي عن التشبه بأعداء الله والأمر بمخالفتهم، مع العلم بأن تعليق الصور ذوات الأرواح في الجدران أمر لا يجوز. بل هو من أسباب الغلو والشرك، ولا سيما إذا كانت من صور المعظمين. أ. هـ. من مذكرة القول الراجح مع الدليل
وفي تحبير الوريقات :
هل السترة خاصة بالفضاء أم بأي مكان؟
قال الشوكانى: الأحاديث تدل على عدم الفرق بين الصحاري والعمران وهو الذي ثبت عنه – ﷺ – من اتخاذه السترة سواء كان في الفضاء أو في غيره وحديث أنه كان بين مصلاه وبين الجدار ممر شاة ظاهر أن المراد في مصلاه في مسجده لأن الإضافة للعهد، وكذلك حديث صلاته في الكعبة المتقدم فلا وجه لتقييد مشروعية السترة بالفضاء، وكذلك التسوية بين مكة وغيرها من البلدان وبين المسجد الحرام وغيره من المساجد لا فرق فى ذلك على الراجح من كلام أهل العلم.
السادسة: وهل تشرع في موضع يأمن المصلى المرور بين يديه؟
قال النووى (١): «واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته كما جاءت الأحاديث.»
وقال ابن الهمام من الحنفية: «لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور»
تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات