2360 ، 2361 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود
جمع أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري ومحمد سيفي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابٌ فِي الْوِصَالِ
2360 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الوِصَالِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى»
البخاري ومسلم
2361 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ مُضَرَ، حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرَ» قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّ لِي مُطْعِمًا يُطْعِمُنِي، وَسَاقِيًا يَسْقِينِي»
أخرجه البخاري
——-
قال الخطابي:
قلت الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محظور على أمته ويشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يتخوف على الصائم من الضعف وسقوط القوة فيعجزوا عن الصيام المفروض وعن سائر الطاعات أو يملوها إذا نالتهم المشقة فيكون سببا لترك الفريضة.
قوله (إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى ) يحتمل معنيين أحدهما : أني أعان على الصيام وأقوى عليه فيكون ذلك بمنزلة الطعام والشراب لكم. ويحتمل أن يكون قد يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمهما فيكون ذلك خصيصا كرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه والله أعلم.
[معالم السنن 2/ 107]
قال ابن القيم رحمه الله:
وقد غَلُظ حجابُ من ظنَّ أنّ هذا طعامٌ وشرابٌ حسِّيٌّ للفم. ولو كان كما ظنّه هذا لما كان صائمًا، فضلًا عن أن يكون مواصلًا، ولَمَا صحّ جوابه بقوله: «إنِّي لستُ كهيئتكم» فأجاب بالفرق بينه وبينهم. ولو كان يأكل ويشرب بفِيه الكريم حسًّا لكان الجواب أن يقول: وأنا لستُ أواصل أيضًا، فلمّا أقرَّهم على قولهم «إنّك تُواصِل» عُلِم أنّه كان يمسك عن الطّعام والشّراب، ويكتفي بذلك الطّعام والشّراب العالي الرُّوحانيِّ، الذي يُغني عن الطّعام والشّراب المشترك الحسِّيِّ.
[مدارج السالكين – ط عطاءات العلم ٣/٤٨٥و٤٨٦]
قال القاضي عياض:
اختلف العلماء فى أحاديث الوصال، فقيل: النهى عنه رحمة وتخفيف، فمن قدر فلا حرج، وقد واصل جماعة من السلف الأيام، [وأجازهُ] ابن وهب وإسحاق وابن حنبل من سحر إلى سحر، وحكى أبو عُمر بن عبد البر عن مالك والثورى وأبى حنيفة والشافعى وجماعة من أهل الفقه والأثر كراهة الوصال للجميع؛ لنهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه، ولم يجيزوه لأحدٍ .
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 38]
قال النووي:
(واعلم) أن الجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه صوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل ، وقال الروياني في الحلية : الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدا فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله به لم يحرم ، وقال البغوي : العصيان في الوصال لقصده إليه وإلا فالفطر حاصل بدخول الليل … والصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدا بلا عذر
* {فرع} اتفق أصحابنا وغيرهم على أن الوصال لا يبطل الصوم سواء حرمناه أو كرهناه لما ذكره المصنف أن النهي لا يعود إلى الصوم والله أعلم
* {فرع} اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الوصال من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكروه في حقنا (إما) كراهة تحريم على الصحيح (وإما) تنزيه ومباح له صلى الله عليه وسلم كذا قاله الشافعي والجمهور …
* {فرع} في مذاهب العلماء في الوصال
* ذكرنا أن مذهبنا أنه منهي عنه وبه قال الجمهور وقال العبدرى هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن المنذر كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان وذكر الماوردي في الحاوي أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوما ثم أفطر على سمن ولبن وصبر قال وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء واللبن ألطف غذاء والصبر يقوي الأعضاء
[المجموع شرح المهذب 6/ 357 ط المنيرية]
قال العباد: والراجح في النهي عن الوصال أنه للتحريم.
[شرح سنن أبي داود ج٥ ص٢٧٣]
قال ابن باز:
الصواب: أن يقال باب كراهة الوصال، لا تحريم الوصال، فالرسول ﷺ واصل بهم اليوم الثامن والتاسع ورأوا الهلال ليلة الثلاثين، فقال: لو تأخر لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا، … وفي حديث أبي سعيد: فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ولكن الأفضل أنه يفطر إذا غابت الشمس….
شرح رياض الصالحين
مناقشة الأقوال في
مسألة: حكم الوصال في الصيام؟
الوصال: هو أن يستمر الرجل على صيامه يومين أو أكثر دون أن يأكل شيئًا.
واختلفوا في حكمه على أقوال:
الأول: جواز ذلك لمن لم يَشُقَّ عليه، وقد جاء ذلك عن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما -، (١) بأسانيد صحيحة أنه كان يواصل، فربما واصل خمسة عشر يومًا، وربما سبعة أيام وهكذا.
وذهب إليه أيضًا أختُ أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -، (٢) ومن التابعين: عبدالرحمن بن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء.
وحجة أهل هذا القول: أن النبي – ﷺ – واصل بهم بعد أن نهاهم، فعلم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم كما ذكرت عائشة – رضي الله عنها -.
الثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور، ونص عليه الشافعي في «الأم»، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وصرح به ابن حزم، وصححه ابن العربي، وصرح به الشوكاني في «الدراري»، وصديق في «الروضة».
واستدلوا:
١) بنهي رسول الله – ﷺ – عن الوصال، كما ثبت في «الصحيحين» (١) عن أنس، وابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة – رضي الله عنهم -.
٢) قوله – ﷺ – في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمُنكِّل بهم حين أبو ا أن ينتهوا.
٣) قوله – ﷺ – في حديث أنس – رضي الله عنه -: «أما والله، لو تماد لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم»، فسماهم «متعمقين»، وقد قال رسول الله – ﷺ -: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا، رواه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود – رضي الله عنه -.
٤) قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه، فقال: «إني لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لهم؛ لم يكن من خصائصه.
٥) ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والطبراني (١٢٣١)، وغيرهما بإسناد صحيح، أن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إن النبي – ﷺ – نهى عن هذا، وقال: «يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا».
الثالث: الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، ورجحه الحافظ – رحمه الله – في «الفتح»، والشوكاني – رحمه الله – في «النيل».
واستدلوا:
١) بأن النبي – ﷺ – واصل بأصحابه؛ فدل ذلك على الجواز مع الكراهة؛ جمعًا بين الأدلة.
٢) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤)، وغيره من طريق: عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي – ﷺ – عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه.
٣) ما رواه البزار كما في «الكشف» (١٠٢٤)، والطبراني (٧٠١١) (٧٠١٢) من حديث سَمُرة – رضي الله عنه -، قال: نهى النبي – ﷺ – عن الوصال، وليس بالعزيمة.
٤) إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي؛ فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه.
والصحيح والله أعلم هو المذهب الثاني، أعني قول الجمهور؛ للأدلة التي ذكروها، وقد رجح ذلك الإمام ابن عثيمين – رحمه الله -.
وأما الرد على أدلة المذهب الثالث، والأول:
١) أما عن مواصلة النبي – ﷺ – بأصحابه فلم يكن تقريرًا لهم كيف، وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي.
وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي
على البول في المسجد لمصلحة التأليف؛ ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم النبي – ﷺ – أنها ليست بصلاة لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ؛ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. انتهى من «زاد المعاد» بتصرف يسير.
٢) أما ما أخرجه أبو داود، فإسناده صحيح، وقد صرح عبدالرحمن بالتحديث من هذا الصحابي، ولكن قوله: (ولم يحرمهما) إنما هو فهم من هذا الصحابي كما فهم ذلك عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما -، ولم يَعْنِ هذا الصحابي أن النبي – ﷺ – قال لهم: ليس بحرام.
وأما حديث سَمرة فضعيف، وقد ضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٥٨)، وسبب ضعفه هو جعفر بن سعد بن سمرة وهو ضعيف، وسليمان بن سمرة بن جندب وهو مجهول.
وأما ما فهمه هؤلاء الصحابة فليس بحجة علينا، بل الأمر كما قال أبو محمد بن حزم يجعلنا نعلم أنه لا حجة في قول أحد غير الله ورسوله – ﷺ -؛ ومع هذا فإن كبار الصحابة لم يواصلوا كأبي بكر، وعمر وغيرهما – رضي الله عنهم -، ممن هو أسبق إلى فعل الخيرات ممن واصل، والله أعلم.
انظر: «المغني» (٣/ ٥٥)، «الفتح» (١٩٦٤)، «زاد المعاد» (٢/ ٣٥ – ٣٧)، «المحلى» (٧٩٧)، «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٤٣)، «شرح الصيام» (١/ ٥٣٧)، «المجموع» (٦/ ٣٥٨)، «سبل السلام» (٤/ ١٢٣ – ١٢٤)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٦١).
إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام ١/٢٣١-٢٣٦ — محمد بن علي بن حزام البعداني
—
قال زين الدين العراقي:
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ «فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ «إنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي» وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَتْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ…
وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ لَا وَمَنْ يَقْوَى، يُوَاصِلُ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَةً، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الذَّاهِبُونَ إلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالُوا نَهْيُهُمْ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةٌ بِهِمْ وَرِفْقٌ لَا إلْزَامٌ وَحَتْمٌ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُهُ عليه الصلاة والسلام بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تُوَاصِلُ إلَى السَّحَرِ فَقَالَ إنَّنِي أُوَاصِلُ إلَى السَّحَرِ وَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» .
– فِيهِ إنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ عليه الصلاة والسلام إبَاحَةُ الْوِصَالِ لَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ وَفَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ رَسُولِهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أُمُورٍ أَبَاحَهَا لَهُ وَحَظَرَهَا عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْوِصَالَ…
تنبيه : حديث تُوَاصِلُ إلَى السَّحَرِ
أخرجه أحمد :
١٨٨٣٦ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، قَالَ: «إِنْ أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ فَرَبِّي عزوجل يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»
قال محققو المسند:
إسناده صحيح، وهو مكرر (١٨٨٢٣) سندًا ومتنًا.
وانظر (١٨٨٢٢) .
ثم ذكر العراقي حديث بشير وأن الوصال تشبه بالنصارى وسبق ذكره
قال شيخ الإسلام:
«فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله – ﷺ -، ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها».
جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى ٧/٢٣٠
في مسند أحمد :
٢١٩٥٥ – حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدُ، وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِيَادٌ يَعْنِي ابْنَ لَقِيطٍ، عَنْ لَيْلَى، امْرَأَةِ بَشِيرٍ…. الحديث
قال محققو المسند:
إسناده صحيح، إسناد سابقه.
وأخرجه الطيالسي (١١٢٥)، وعبد بن حميد (٤٢٩)، والطبراني في «الكبير» (١٢٣١) من طرق عن عبيد الله بن إياد، بهذا الإسناد.
وفي باب النهي عن وصال الصوم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، سلف برقم (٤٧٢١) وانظر بقية شواهده هناك.
تتمة كلام العراقي :
(السَّابِعَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» وَقَوْلِهِ «إنِّي أَبَيْت يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» عَلَى أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّ مَعْنَاهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ … فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ أَظَلُّ إلَّا فِي النَّهَارِ وَلَوْ أَكَلَ فِي النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا وَهَذَا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ، وَقَالَهُ النَّوَوِيُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ
(الثَّانِي) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ مِنْ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ… قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَهَذَا الْقَوْلُ يُبْعِدُهُ النَّظَرُ إلَى حَالِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنْ الْجُوعِ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ فِيهِ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ لَمَا وَجَدَ لِعِبَادَةِ الصَّوْمِ رُوحَهَا الَّذِي هُوَ الْجُوعُ وَالْمَشَقَّةُ وَحِينَئِذٍ كَانَ يَكُونُ تَرْكُ الْوِصَالِ أَوْلَى انْتَهَى وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَإِنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيثَ وَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ الْجُوعِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إمَّا حَمْلًا لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَوَابِ الَّذِي بَعْدَهُ وَإِمَّا تَمَسُّكًا بِهَذَا الْجَوَابِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَقَالَ هَذَا الْخَبَرُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ وَضْعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ كُلُّهَا أَبَاطِيلُ، قَالَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْحُجْزُ لَا الْحَجَرُ وَالْحُجْزُ طَرَفُ الْإِزَارِ إذْ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَسْقِيهِ إذَا وَاصَلَ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا مَعَ عَدَمِ الْوِصَالِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى شَدِّ حَجَرٍ عَلَى بَطْنِهِ؟ وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ عَنْ الْجُوعِ؟ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ذَلِكَ مَرْدُودٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُؤْتَى الطَّعَامَ مِنْ الْجَنَّةِ وَشَرِبَ مِنْهَا … وَمَنْ قَالَ هَذَا الْجَوَابُ لَعَلَّهُ يَخُصُّ مَنْعَ الْأَكْلِ نَهَارًا بِطَعَامِ الدُّنْيَا دُونَ طَعَامِ الْجَنَّةِ أَوْ يُؤَوِّلُ لَفْظَةَ أَظَلُّ عَلَى مُطْلَقِ السُّكُونِ وَيَخْرُجهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا وَكُلًّا مِنْهَا بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَشْغَلُنِي عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْحُبُّ الْبَالِغُ يَشْغَلُ عَنْهُمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
[طرح التثريب في شرح التقريب 4/ 128]
مسألة: الوصال إلى السحر؟
ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد – رضي الله عنه – عند البخاري (١٩٦٣)، أن النبي – ﷺ – قال: «فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر».
واستدل من منع بقوله – ﷺ -: «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم» (١)؛ إذ لم يجعل الليل محلًاّ لسوى الفطر؛ فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.
والجواب عن ذلك هو:
ما قاله الإمام الصنعاني – رحمه الله – في «سبل السلام» قال بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به المخالف: فإنه لا ينافي الوصال؛ لأن المراد بـ (أفطر) دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطرًا حقيقة كما قيل؛ لأنه لو صار مفطرًا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر. اهـ
قال الإمام الشوكاني – رحمه الله -: فإن كان اسم الوصال إنما يصدق على إمساك جميع الليل فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعم من ذلك فيبني العام على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. اهـ والراجح: هو المذهب الأول، وهو الجواز، وقد رجح ذلك الإمام ابن القيم – رحمه الله -. انظر: «الفتح» (١٩٦٤)، «النيل» (٤/ ٢١٨ – ٢١٩)، «السبل» (٤/ ١٢٥)، «الزاد» (٢/ ٣٨).
إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام ١/٢٣١-٢٣٦ — محمد بن علي بن حزام البعداني
الفتاوى :
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى -: ما صوم الوصال؟ وهل هو سنة؟ فأجاب فضيلته بقوله: صوم الوصال أن لا يفطر الإنسان في يومين، فيواصل الصيام يومين متتالين، وقد نهى النبي ﷺ عنه
وقال: «من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» والمواصلة للسحر من باب الجائز، وليست من باب المشروع، والرسول ﷺ حث على تعجيل الفطر، وقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» لكنه أباح لهم أن يواصلوا إلى السحر فقط، فلما قالوا: يا رسول الله إنك تواصل فقال: «إني لست كهيئتكم» . * * *
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ج٢٠ ص٥٩و٦٠]
الفتوى رقم (١٨٦٠١)
س: ما حكم من صام ولم يفطر إلا بعد صلاة التراويح؟ علما أنه عالم بذلك حكما وشرعا، وكذلك في صيام النافلة، حيث إنه يفطر بعد صلاة العشاء، فما حكم هذا الصوم؟ وأرجو توجيه نصيحة لي بهذا الشأن.
ج: الصيام ينتهي بغروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولقول النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»، وقوله ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» ولا يتعبد بتأخير الإفطار عن غروب الشمس إلا المبتدعة المخالفة للسنة، ويجب على من يفعل ذلك أن يتوب إلى الله، لكن يجوز للمسلم الوصال إلى السحر، وتركه أفضل؛ لقول النبي ﷺ لما نهى عن الوصال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الثانية ٩/٢٤و٢٥]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان النهي عن الوصال، قيل: يَحْتَمِل التحريم والكراهة، لكن قوله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والوصالَ”، يقتضي التحريم، وكذا قوله في حديث أنس رضي الله عنه في “الصحيحين”، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه في “صحيح البخاريّ”: “لا تواصلوا … “، فالحقّ أن النهي للتحريم، كما سيأتي تحقيقه قريبًا.
2 – (ومنها): بيان شدّة رأفته صلى الله عليه وسلم بأمته حيث نهاهم عن الوصال
3 – (ومنها): أن في قول الصحابة رضي الله عنهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم: “إنك تواصل” دليل على استواء المكلفين في الأحكام، فأجابهم باختصاص فعله به، وأنه لا يتعداه في هذه الصورة إلى غيره، قاله وليّ الدين.
4 – (ومنها): أن فيه جوازَ معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله، ولم يَعْلَم المستفتي بسر المخالفة.
5 – (ومنها): أن فيه الاستكشافَ عن حكمة النهي.
6 – (ومنها): أن فيه ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن عموم قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الآية [الأحزاب: 21] مخصوص بمثل هذا الحديث.
7 – (ومنها): أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرجعون إلى فعله صلى الله عليه وسلم المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائتساء به إلا فيما نهاهم عنه.
8 – (ومنها): أن خصائصه صلى الله عليه وسلم يُتَأَسَّى به في جميعها، قال في “الفتح”: وقد توقف في ذلك إمام الحرمين، وقال أبو شامة: ليس لأحد التشبه به في المباح، كالزيادة على أربع نسوة، ويستحب التنزه عن المحرم عليه، والتشبه به في الواجب عليه كالضحى، وأما المستحب فلم يتعرض له، والوصال منه، فَيَحْتَمِل أن يقال: إن لم يَنْهَ عنه لم يُمْنَع الائتساء به فيه، والله أعلم. انتهى.
9 – (ومنها): أن فيه بيانَ قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر.
10 – (ومنها): أن فيه أبينَ دليل، وأوضحَ حجة على أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا تعارض مع قوله، إما أن يُجمع بينهما، أو يُطلب الترجيح، ولا يقال: إن قوله يقدّم على فعله، كما يقول به بعض الأصوليين، … وقد أشبعت البحث في هذا في غير هذا الموضع، ولا سيّما في “التحفة المرضيّة” و”شرحها”، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 20/ 594]