اختصار ١٨ – بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قال القاري:” الْمِشْيَةُ بِالْكَسْرِ مَا يَعْتَادُهُ الشَّخْصُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى مَا هُوَ وَضْعُ الْفِعْلَةِ بِالْكَسْرِ، ذَكَرَهُ الْجَارَبَرْدِيُّ.” (جمع الوسائل)
المشية: اسم للهيئة، وهديه ﷺ في المشي أكمل الهدي، وكان وسطا -كما هو شأنه في أموره كلها – عملا بقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) [لقمان: ۱۹] ؛ أي: ليكن مشيك وسطا بين الإفراط والتفريط .
١٠٠ – (ضعيف)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
(ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رسول الله ﷺ َ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وجهه ولا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لغير مكترث)
قوله : (ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ الله ) قال: شيئًا ليعم كل ما رآه من إنسان، أو قمر، أو شمس، أو غير ذلك من الأشياء الحسنة البهية الجميلة. (الشيخ عبدالرزاق)
(أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيُ كَوْنِ شَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ. (جمع الوسائل)
قوله: (كأن الشمس تجري في وجهه) قال الطيبي شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه صلى الله عليه وسلم. (تحفة الأحوذي)
قال القاري:” وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَجْهَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ الْمَحَاسِنُ ; لِأَنَّ حُسْنَ الْبَدَنِ تَابِعٌ لِحُسْنِهِ غَالِبًا،” (جمع الوسائل)
قوله : (كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهه)؛ أي : لشدة إشراقة وجهه صلى الله عليه وسلم وتلألئه يُخيل للناظر أن الشمس تتلألأ في وجهه، وهذه الإضاءة ليست حسية بمعنى أنه ينير الأشياء التي حوله – كما سبق بيان ذلك -، وما يُنسب إلى ابن عباس لا أنه قال: «لا ظل له» باطل لا يصح . (الشيخ عبدالرزاق)
(ولا رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مع تحقق الوقار والسكون ورعاية الاقتصاد (تحفة الاحوذي)
(تطوى له) بصيغة المجهول أي تزوى وتجمع على طريق خرق العادة تهوينا عليه وتسهيلا لأمره. (تحفة الأحوذي)
(وإنا لنجهد أنفسنا) قال التوربشتي يجوز فيه فتح النون وضمها يقال جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها فوق طاقتها فالمعنى إنا لنحمل على أنفسنا من الإسراع عقيبه فوق طاقتها
(وإنه لغير مكترث) المعنى غير مبال بمشينا أو غير مسرع بحيث تلحقه مشقة فكأنه يمشي على هينة يقال مبال به أي متعب نفسه فيه. (تحفة الاحوذي)
أي الإسراع المعتدل، وليس الإسراع الذي يخرج به الشخص عن هيئته … وليس المسابقة أو الرمل، وإنما دون ذلك،
وقد مر معنا مشي النبي صلى الله عليه وسلم في باب جاء في خلقه حيث مر معنا قول علي ” إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب”
ومر معنا بيان هذا الحديث
وروى البغوي في ” شرح السنة ” (12/ 320) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ” كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى، مَشَى مَشْيًا مُجْتَمِعًا، يُعْرَفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْيِ عَاجِزٍ وَلا كَسْلانَ ” .
وحسنه الألباني في ” الصحيحة ” (2140) .
قال ابن القيم:” فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ وَحْدَهُ وَمَعَ أَصْحَابِهِ
كَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا . . . قَالَ مَرَّةً («إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ») قُلْتُ: وَالتَّقَلُّعُ الِارْتِفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحَالِ الْمُنْحَطِّ مِنَ الصَّبَبِ، وَهِيَ مِشْيَةُ أُولِي الْعَزْمِ وَالْهِمَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَهِيَ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ وَأَرْوَاحُهَا لِلْأَعْضَاءِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ مِشْيَةِ الْهَوَجِ وَالْمَهَانَةِ وَالتَّمَاوُتِ، فَإِنَّ الْمَاشِيَ إِمَّا أَنْ يَتَمَاوَتَ فِي مَشْيِهِ وَيَمْشِيَ قِطْعَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ مَحْمُولَةٌ، وَهِيَ مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ قَبِيحَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَمْشِيَ بِانْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ مَشْيَ الْجَمَلِ الْأَهْوَجِ، وَهِيَ مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى خِفَّةِ عَقْلِ صَاحِبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ حَالَ مَشْيِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِمَّا أَنْ يَمْشِيَ هَوْنًا، وَهِيَ مِشْيَةُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ كَمَا وَصَفَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ وَلَا تَمَاوُتٍ، وَهِيَ مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ مَعَ هَذِهِ الْمِشْيَةِ كَانَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، حَتَّى كَانَ الْمَاشِي مَعَهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَنَّ مِشْيَتَهُ لَمْ تَكُنْ مِشْيَةً بِتَمَاوُتٍ وَلَا بِمَهَانَةٍ، بَلْ مِشْيَةٌ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ.” (زاد المعاد)
وقال أيضا:” وَالْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْهَا، وَالرَّابِعُ: السَّعْيُ، وَالْخَامِسُ: الرَّمَلُ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى وَيُسَمَّى: الْخَبَبَ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («خَبَّ فِي طَوَافِهِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا») .
السَّادِسُ: النَّسَلَانُ، وَهُوَ الْعَدْوُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يُزْعِجُ الْمَاشِيَ وَلَا يُكْرِثُهُ. وَفِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ أَنَّ الْمُشَاةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَشْيِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: («اسْتَعِينُوا بِالنَّسَلَانِ») .
وَالسَّابِعُ: الْخَوْزَلَى، وَهِيَ مِشْيَةُ التَّمَايُلِ، وَهِيَ مِشْيَةٌ يُقَالُ: إِنَّ فِيهَا تَكَسُّرًا وَتَخَنُّثًا.
وَالثَّامِنُ: الْقَهْقَرَى، وَهِيَ الْمِشْيَةُ إِلَى وَرَاءٍ.
وَالتَّاسِعُ: الْجَمَزَى، وَهِيَ مِشْيَةٌ يَثِبُ فِيهَا الْمَاشِي وَثْبًا.
وَالْعَاشِرُ: مِشْيَةُ التَّبَخْتُرِ، وَهِيَ مِشْيَةُ أُولِي الْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ، وَهِيَ الَّتِي خَسَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِصَاحِبِهَا لَمَّا نَظَرَ فِي عِطْفَيْهِ وَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَعْدَلُ هَذِهِ الْمِشْيَاتِ مِشْيَةُ الْهَوْنِ وَالتَّكَفُّؤِ.(زاد المعاد)
جاء من هديه أنه يمشي خلف الصحابة
كما في حديث «امشوا أمامي، وخلوا ظهري للملائكة». (اخرجه أبو نعيم وهو في الصحيحة)
وفي سنن أبي داود عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ ، وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ. (صححه الألباني)
١٩ – بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ
التَّقَنُّعُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ، أَوْ بِرِدَاءٍ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعِمَامَةِ أَوْ تَحْتَهَا، لِمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ أَتَى بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فِي الْقَائِلَةِ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مُتَغَشِّيًا بِهِ فَوْقَ الْعِمَامَةِ لَا تَحْتَهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اسْتِعْمَالُ الْقِنَاعِ وَهُوَ ثَوْبٌ يُلْقِي بِهِ الشَّخْصُ عَلَى رَأْسِهِ بَعْدَ تَدْهِينِهِ ; لِئَلَّا يَصِلَ أَثَرُ الدُّهْنِ إِلَى الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ وَأَعَالِي الثَّوْبِ. (جمع الوسائل)
(قلت: أسند فيه حديث أنس المتقدم برقم ٢٦)
وأيضا مر معنا في باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم … يكثر القناع)
ولكنه ضعيف ، قال الألباني : “وفي إسناده ضعيفان ، وبيان ذلك في ( الضعيفة ) ( ٢٣٥٦ ) ، وقال ابن كثير: “(فيه غرابة ونكارة )
وجاء في صحيح البخاري ما هو مناسب لهذه الترجمة عن عائشة أنها قالت : بَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ : هذا رَسُولُ الله ﷺ مُتَقَنِّعًا»؛ أي: مغطيا رأسه، قال ابن القيم في زاد المعاد : «إنَّما فعله النبي ﷺ تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعله للحاجة ولم تكن عادته التقنع».
وقال ابن وهب: سألت مالكًا عن التقنع بالثوب فقال: أما الرجل الذي يجد الحر والبرد أو الأمر الذي له فيه عذر فلا بأس به، وأما لغير ذلك فلا. (التوضيح لابن الملقن)
يعني لغير حاجة فلا، .. . لأن هذا فعل أهل الريب المتخفين ولا يجوز للإنسان أن يجعل نفسه في موضع أهل الريب . (الشيخ محمد غالب)
٣ … ٢٠ بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ
قال القاري:” قَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، وَرُبَّمَا يُفَرِّقُ فَيَجْعَلُ الْقُعُودَ لِمَا هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ لِمَا هُوَ مِنَ الِاضْطِجَاعِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِلْسَةِ الْمُعَنْوَنَةِ مُقَابَلَةُ الْقَوْمَةِ ; لِيَشْمَلَ الْبَابُ حَدِيثَ الِاسْتِلْقَاءِ أَيْضًا” (جمع الوسائل)
١٠١ – (ضعيف)
عَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ:
(أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ قَالَتْ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رسول الله ﷺ َ المتخشع في الجلسة فأرعدت من الفرق).
(وهو قاعد القرفصاء)
قال الخطابي: هو جلسة المحتبي وليس هو المحتبي بثوبه ولكنه الذي يحتبي بيديه. انتهى.
وفي القاموس: القرفصى مثلثة القاف والفاء مقصورة، والقرفصاء بالضم، والقرفصاء بضم القاف والراء على الاتباع أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه أو يجلس على ركبتيه منكبا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه. انتهى.
ذكر أهل العلم – رحمهم الله تعالى – لهذه الجلسة صفتين :
الأولى: أن يجلس الرجل على إليتِه، ويضم فخذيه إلى بطنه ويشدهما بيديه، ووصفت بهذه الصفة؛ لأنَّ الجسم يتقرفص؛ أي: يتجمع وينضم بعضه إلى بعض، وهذه الصفة يقال لها أيضا : الاحتباء.
الصفة الثانية: أن يجلس معتمدًا على ركبتيه – كجلسة التشهد -، ثم يلصق بطنه على فخذيه، ويجعل يديه تحت إبطيه.
(المتخشع) أي: الخاشع الخاضع المتواضع.
(فِي الْجِلْسَةِ) أَيْ فِي هَيْئَةِ جِلْسَتِهِ، وَكَيْفِيَّةِ قَعْدَتِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ إِظْهَارَ عُبُودِيَّتِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ»، لَا عَلَى هَيْئَةِ جُلُوسِ الْجَبَّارِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ التَّرَبُّعِ، وَالتَّمَدُّدِ وَالِاتِّكَاءِ، وَرَفْعِ الرَّأْسِ شَمَّاخَةَ الْأَنْفِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالِاحْتِجَابِ عَنِ الْمُحْتَاجِينَ. (جمع الوسائل*
(أرعدت) بصيغة المجهول أي: أخذتني الرعدة والاضطراب والحركة.
(من الفرق) بفتحتين أي: من أجل الخوف، والمعنى هبته مع خضوعه وخشوعه.
يَعْنِي كَانَ مَعَ تَخَشُّعِهِ عَظِيمًا، هَابَتْنِي عَظَمَتُهُ وَحَصَلَ لِيَ الْخَوْفُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: «مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ» (جمع الوسائل)
١٠٢ – (صحيح)
عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ:
(أَنَّهُ رَأَى النبي ﷺ َ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)
(فِي الْمَسْجدِ) النبويّ، وفيه جواز الاستلقاء في المسجد. (البحر المحيط)
قوله: ( واضعا إحدى رجليه على الأخرى ) قال الخطابي: فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة والجواز حيث يؤمن ذلك.
قلت: الثاني أولى من ادعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ. وقال المازري: إنما بوب على ذلك- يعني: البخاريّ حيث قال: “باب الاستلقاء في المسجد، ومدّ الرجل- لأنه وقع في كتاب أبي داود وغيره، لا في الكتب الصحاح، النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عام؛ لأنه قول يتناول الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعل قد يدعي قصره عليه فلا يؤخذ منه الجواز لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم بل هو جائز مطلقا، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض فيجمع بينهما، فذكر نحو ما ذكره الخطابي. (فتح الباري)
قال ابن حجر”” والظاهر أن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلى الله عليه وسلم . ”
قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة. وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا. (فتح الباري)
وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر الله أنَّ رسول الله ﷺ: نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِه.
١٠٣ – عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال:
(صحيح)
(كان رسول الله ﷺ َ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ.
قال القاري:” احْتَبَى الرَّجُلُ: إِذَا جَمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِعِمَامَتِهِ، وَقَدْ يَحْتَبِي بِيَدَيْهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: الِاحْتِبَاءُ الْجُلُوسُ بِالْحَبْوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِإِزَارٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ سَيْرٍ يَجْعَلُونَهُ بَدَلًا عَنِ الِاسْتِنَادِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْحِبْوَةُ، وَالِاحْتِبَاءُ بِالْيَدِ هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاقَيْهِ فِي جِلْسَةِ الْقُرْفُصَاءِ، فَيَكُونُ يَدَاهُ بَدَلًا عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ مِنَ الْإِزَارِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الِاحْتِبَاءُ جِلْسَةُ الْأَعْرَابِ، وَمِنْهُ الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ، أَيْ لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا احْتَبَوْا ; لِأَنَّ الثَّوْبَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُصَيِّرُهَا لَهُمْ كَالْجِدَارِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ رُبَّمَا تَسْتَجْلِبُ النَّوْمَ، فَيَفُوتُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ الْمُفْضِي إِلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ”
وقال أيضا:” هَذَا وَجَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءُ أَيْ نَقِيَّةٌ بَيْضَاءُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، انْتَهَى. (صححه الألباني)
فَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَتَارَةً تَرَبَّعَ، وَتَارَةً احْتَبَى، وَتَارَةً اسْتَلْقَى، وَتَارَةً ثَنَى رِجْلَيْهِ، تَوْسِعَةً لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ.'( جمع الوسائل)