(35، 36 ، 37 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٤) – (بَابُ: بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَكَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٠] (٣٥) – (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»).
[١٦١] (…) – (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً – فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيق، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»).
[١٦٢] (٣٦) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، سَمِعَ النَّبِيُّ – ﷺ – رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَاَنِ»).
[١٦٣] (…) – (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ …).
[١٦٤] (٣٧) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّار، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ – ﷺ – أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ – ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟).
[١٦٥] (…) – (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ – وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ – أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، قَالَ: أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلّهُ خَيْرٌ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً، وَوَقَارًا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ – ﷺ -، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ).
[١٦٦] (…) – (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ، يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ – ﷺ -، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٤) – (بَابُ: بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَكَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٠] (٣٥) – الحديث
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦١] (…) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) – رضي الله عنه – أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -:»الْإِيمَانُ) مبتدأ خبره (بضعٌ …) إلخ.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: «لا إله إلا الله»، وأدناها: أي أقربها، وهو «إماطة الأذى»، وهما عملان، فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدّمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى. [«المفهم» ١/ ٢١٦].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قوله: «مجازًا» فيه نظر؛ بل الحقّ أنها تسمّى إيمانًا حقيقة، لا مجازًا؛ حيث إن الشرع سمّى الكلّ إيمانًا، فلا حاجة لدعوى المجاز، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(بِضْعٌ) قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: «البِضع»، و«البضعة» واحدٌ، بكسر الباء، ويقال بفتحها أيضًا فيهما، وأما اللحم فالبَضْعَةُ بالفتح لا غيرُ، وهو القطعة من الشيء، والفِرْقة منه، واستَعْمَلت العرب الْبِضْعَ فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقال الخليل: البضعُ سبعٌ، وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشرة، وما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر، ولا اثني عشر، وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العِقْد، يريد من واحد إلى أربع. انتهى. [«إكمال المعلم» ١/ ٢٦٤].
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «البِضع» بكسر الباء، ويقال أيضًا بفتحها، وكذا البضعة، واختَلَف في ذلك أهل اللغة، وفي بعض تفسيرهم له إشكالٌ أنا أُوَضِّحُه، فقيل: هو من ثلاث إلى تسع، وهذا هو الأشهر، وقيل: ما بين اثنين إلى عشر، والظاهر أن هذا تفسير للأول، فيكون البضع مستعملًا في الثلاث، دون ما قبله، غير مستعمل في العشر، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، والظاهر أن هذا هو ما حكاه أبو عمر الزاهد اللغويّ أنه من أربع إلى تسع، وكذا قول الفرّاء: إنه ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، فعلى هذا لا يُستعمل في الثلاث، ولا في العشر أيضًا. انتهى [«الصيانة» ص ١٩٥ – ١٩٧].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال المحقّقين من أهل اللغة أن «البضع» – بكسر الباء، وفتحها – عدد مبهم، مقيدٌ بما بين الثلاث إلى التسع؛ لأن هذا هو الذي يؤيّده ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وما رواه الترمذي بسند صحيح [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا: [“أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قول الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال: غُلِبَت، وغَلَبَت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله – ﷺ – قال: «أما إنهم سيغلبون»، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فَجَعَل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي – ﷺ -؛ فقال: “ألا جعلته إلى دون«قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعدُ، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ – إلى قوله -: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة. وأخرج الترمذيّ أيضًا بسنده عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – ﷺ – قال لأبي بكر في مُنَاحَبَةِ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾:»ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع«، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس. انتهى، لكن في سنده عبد الله بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ مجهول”. انتهى]: أن قريشًا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبريّ مرفوعًا، قاله في «الفتح» [“الفتح” ١/ ٦٧]، والله تعالى أعلم.
(وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ) هكذا رواية سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار بالشكّ، وفي رواية سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار السابقة: «بضع وسبعون شُعبة» بدون شكّ، ووقع في رواية البخاريّ: «بضع وستّون»، بدون شكّ أيضًا.
قال في «الفتح»: لم تختلف الطرق عن أبي عامر، شيخ شيخ البخاريّ في ذلك، وتابعه يحيى الْحِمّاني – بكسر المهملة، وتشديد الميم – عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، من طريق بشر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فقال: «بضع وستون، أو بضع وسبعون»، وكذا وقع التردد في رواية مسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة [هم: أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ]، من طريقه، فقالوا: «بضع وسبعون»، من غير شك، ولأبي عوانة في «صحيحه» من طريق: «ست وسبعون، أو سبع وسبعون»، ورجّح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم يَشُكّ، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من رواية بشر بن عُمَرَ عنه، فقد تردد أيضًا، لكن يرجح بأنه الْمُتَيَقَّنُ، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذيّ بلفظ: «أربع وستون»، فمعلولة، وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاريّ، وترجيحُ روايةِ: «بضع وسبعون»؛ لكونها زيادةَ ثقة؛ كما ذكره الْحَلِيمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمرّ على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد الْمَخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاريّ، وقد رجّح ابن الصلاح الأقل؛ لكونه الْمُتَيَقَّنَ. انتهى ما ذكره في «الفتح» [راجع: «الفتح» ١/ ٧٥].
وقوله: (شُعْبَةً) – بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة – منصوب على التمييز، أي خصلةً، يعني أن الإيمان ذو خصال متعدّدة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: «الشُّعبة» أصلها القِطعة من الشيء، والفِرقة منه، ومنه شَعْبُ الإناء، وشُعُوب القبائل، وشُعَبُها الأربع، وواحد شُعُوب القبائل شَعْبٌ بالفتح، وقيل: بالكسر، وهم القبائل العظام، وشَعْبُ الإناء: صَدْعه بالفتح، ومنه قوله في حديث أنسّ – رضي الله عنه – عند البخاريّ: «أن قدح النبيّ – ﷺ – انكسر، فاتّخذ مكان الشَّعْب سِلْسِلَة من فضّة»، وقال الخليل: الشَّعْبُ: الاجتماع، والشَّعْبُ: الافتراق، قال الهرويّ: هو من الأضداد، وقال ابن دُريد: ليس كذلك، ولكنّها لغة لقوم. انتهى [«إكمال المعلم» ١/ ٢٦٤ – ٢٦٥].
ووقع عند الترمذيّ، وابن ماجه بلفظ «بَابًا» بدل «شُعْبةً»، أي نوعًا.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فصّله، وقد تكلّف بعض المتأخّرين تعديد ذلك، فتصفّح خصال الشريعة، وعدّدها، حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل،
والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطّابيّ وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله – ﷺ -، وموجودةٌ في الشريعة مفصّلةٌ فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عَيَّنَ لنا عَدَدَها، ولا كيفيّة انقسامها،
وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا، إذ كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ في جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى قول القرطبيّ رحمه الله [راجع: «المفهم» ١/ ٢١٦ – ٢١٧].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: سيأتي البحث في أقوال أهل العلم في عدد الشعب مستوفًى في المسائل – إن شاء الله تعالى -.
(فَأَفْضَلُهَا) أي: أفضل تلك الشُّعَب قدرًا، ودرجةً عند الله تعالى، والفاء فصيحيّة، سمّيت بذلك لكونها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شُعَبٍ كثيرة، يلزم منه ثبوت الفاضل والمفضول، فما أفضلها، وأدناها؟
(قَوْلُ لَا إِلَهً إِلَّا اللهُ) فيه أن كلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أن الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: أن رسول الله – ﷺ – سُئِل: أي العمل أفضل؟، فقال: «إيمان بالله ورسوله …» الحديث، متّفق عليه.
فـ «أفضلها» مبتدأ، خبره «قول … إلخ».
(وَأَدْنَاهَا) أي: أقرب هذه الشُّعَبِ البضع والستين، أو البضع والسبعين منزلةً، وأدونها مقدارًا قاله الطيبيّ [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٣٨].
وفي رواية النسائيّ: «وأوضعها» وهي بمعنى: «أدناها» (إِمَاطَةُ الْأَذَى) أي: إزالة الأذى،
و«الحياء» – بالمد – في اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي الإنسانَ من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه،
وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «الحياء خير كله». انتهى. [راجع: «الفتح» ١/ ٧٦].
قيل: الحياء مأخوذ من الحياة، وكأن الحييّ صار لما يَعتريه من التغيّر والانكسار مَؤُوف [بوزن رَسُول: أي أصابته الآفة] الحياة، منكسر الْقُوَى، ولذلك قيل: مات حياءً، وجَمَد في مكانه خَجَلًا [«الكاشف» ٢/ ٤٣٨].
وقال الواحديّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل من قُوّة الحياة فيه؛ لشدّة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قُوّة الْحِسّ ولطفِهِ وقوّة الحياة [«شرح النووي» ٢/ ٥].
وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الحياء حالةٌ تتولّد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير [«الكاشف» ٢/ ٤٤٠].
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: إنما كان الحياء – وهو في الأكثر غريزة – من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية كما يَمنَع الإيمان منها، والحياء هنا ممدود من الاستحياء. انتهى [«المعلم» ١/ ٢٩٢].
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحِشْمَة يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطّلع منه على ما يُستقبح، ويُذمّ عليه، وأصله غَرِيزيّ في الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قال بعض الحكماء في العقل:
رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ … فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ … إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ
كَمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ … وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ
وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزيّ يَحمل على المكتسب، ويُعين عليه، ولذلك قال – ﷺ -: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، و«الحياء خير كلّه». وأول الحياء، وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله – ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». وقد روى الترمذيّ من حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه – ﷺ – قال: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فقال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحيى من الله حقّ الحياء» [حديث حسن أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، والترمذيّ ٢٤٦٠].
قال: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متفاوتون، وقد كان النبيّ – ﷺ – جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ في ذِرْوتها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى [راجع: «المفهم» ١/ ٢١٧ – ٢١٩].
[فإن قيل]: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان ؟.
[أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا واكتسابًا، ولكن استعماله على وفق الشرع، يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو يمنع من فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيًّا.
وقال القاضي عياض وغيره من الشُّرّاح: إنما جُعِل الحياء من الإيمان، وإن كان غَرِيزةً؛ لأنه قد يكون تخلُّقًا، واكتسابًا، كسائر أعمال البرّ، وقد يكون غريزةً، ولكن استعماله على قانون الشرع يَحتاج إلى اكتسابٍ، ونِيّة، وعِلْمٍ، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال البرّ، ومانعًا من المعاصي.
وأما كون الحياء خيرًا كلّه، ولا يأتي إلا بخير، فقد يُشْكِل على بعض الناس من حيثُ إنّ صاحب الحياء قد يَستحيي أن يواجه بالحق مَن يُجِلّه، فيترك أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يَحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك، مما هو معروف في العادة.
والجواب عن هذا ما قاله جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقةً، بل هو عَجْزٌ وخَوَرٌ، ومَهَانَةٌ، وإنما تَسميتُهُ حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياءَ الحقيقيَّ،
وإنما حقيقةُ الحياء خُلُقٌ يَبْعَث على ترك القبيح، وَيمْنَع من التقصير في حق ذي الحقّ، ونحو هذا، ويدل عليه ما سبق عن الجنيد رحمه الله تعالى [«شرح النوويّ» ٢/ ٥].
[فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟.
[أجيب]: بأنه كالداعي والباعث إلى باقي الشُّعَب، إذ الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. ذكره في «الفتح» [راجع: «الفتح» ١/ ٦٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – هذا متّفقٌ عليه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٢] (٣٦) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، سَمِعَ النَّبِيُّ – ﷺ – رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَاَنِ»).
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – (سَمِعَ النَّبِيُّ – ﷺ – رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإيمَانِ»).
قال في «الفتح»: أي يَنصح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرَح بما جاء عند البخاريّ في «الأدب» من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: «يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضَرّ بك». انتهى.
ويحتمل: أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن الْمَخْرَجُ مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. انتهى [«الفتح» ١/ ١٠٥].
وجملة «يعظ أخاه» في محلّ جرّ صفة لـ «رجل».
وقوله: (فِي الْحَيَاءِ) متعلّق بـ «يعِظ»، و«في» سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك.
قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة…
وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً.
وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته.
وقد قال بعض السلف: خَفِ اللهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. قاله في «الفتح» [راجع: «الفتح» ١٠٥ – ١٠٦].
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٦٤] (٣٧) -الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) قال في «الفتح»: كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم شَبَابة بن سَوّار، فقال: «عن شعبة، عن خالد بن رَبَاح»، بدل قتادة، أخرجه ابن منده، ووقع نظير هذه القصّة، عن عمران بن حُصين أيضًا للعلاء بن زياد، أخرجه ابن المبارك في «كتاب البرّ والصلة». انتهى [«فتح» ١٠/ ٦٤٠ «كتاب الأدب» الحديث (٦١١٧)].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: رواية شبابة بن سَوّار التي عزاها في «الفتح» إلى ابن منده لم أهتد إليها في «كتاب الإيمان» له، فإنه أخرج الحديث (١/ ٣٣٦ – ٣٣٤) من عدّة طرق، ومن جملتها طريق شبابة بن سَوّار، ولكنها كلها عن شعبة، عن قتادة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) قتادة (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الواو، وبعد الألف راء (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) – رضي الله عنهما – (يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ – ﷺ – أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ») وفي الرواية التالية: «الحياء خيرٌ كله»، وللطبراني من حديث قُرّة بن إياس: قيل لرسول الله – ﷺ -: الحياء من الدين؟ فقال: «بل هو الدين كُلُّه»، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة».
[تنبيه]: قال في «الفتح»: وقع لابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: أن أصل الحياء الامتناع، ثم استعمل في الانقباض، قال: والحقّ أن الامتناع من لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولَمّا كان الامتناع لازم الحياء، كان في التحريض على ملازمة الحياء حَضٌّ على الامتناع عن فعل ما يعاب، قال: والحيا – بالقصر -: المطر. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٦٤٠].
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بالموحّدة، والمعجمة، مصغّرًا، تابعيّ جليلٌ.
[فائدة]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بُشيرًا مصغّرًا إلا ابن كعب هذا، وابن يسار الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ الفقيه، وقلت في هذا:
ابْنَ يَسَارٍ وَابْنَ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ … مُصَغِّرَا سِوَاهُ كَبِّرْ دُونَ ضَيْرْ
والله تعالى أعلم.
(إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والأمر (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: الحكمة إصابة الحقّ بالعلم والعقل،
فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وُصف به لقمان
(أَنَّ مِنْهُ) أي بعض الحياء (وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً) وفي رواية أبي قتادة الْعَدَويّ الآتية: «أنّ منه سكينةً، ووقارًا لله، ومنه ضعف»، وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غَضِبَ عمران – رضي الله عنه -، وإلا فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يَحتَمِل أن يكون غَضِبَ من قوله: «منه»؛ لأن التبعيض يُفْهَمُ أن منه ما يُضَادّ ذلك، وهو قد رَوَى: «أنه كُلَّهُ خيرٌ».
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى كلام بُشَيْر: أن من الحياء ما يَحْمِل صاحبه على الوقار، بأن يُوَقِّر غيره، ويتوقّر هو في نفسه، ومنه ما يَحْمِله على أن يَسْكُن عن كثير مما يتحرك الناس فيه، من الأمور التي لا تليق بذي المروءة،
ولم يُنْكِر عمران – رضي الله عنه – عليه هذا القدر، من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه ساقه في مَعْرِض من يُعَارض كلام الرسول – ﷺ – بكلام غيره،
وقيل: إنما أنكر عليه؛ لكونه خاف أن يَخْلِط السنة بغيرها [«المفهم» ١/ ٢٢٠].
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا يخفى حسن التوجيه السابق. انتهى [«فتح» ١٠/ ٦٤١].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما وجّه به القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الأقرب مما استحسنه الحافظ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقد تقدّم في «مقدمة الصحيح» لبُشَير بن كعب هذا قصةٌ مع ابن عباس – رضي الله عنهما – تُشْعِرُ بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَنْ لقيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عمران بن حُصين – رضي الله عنهما -، هذا متّفقٌ عليه.
[البحر الحيط الثجاج، بتصرف يسير].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في الاختلاف الواقع في لفظ الحديث، واختلاف أهل العلم في تعداد شُعب الإيمان:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكّ من سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض الناس أن النبيّ – ﷺ – كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها، وفي ذلك نظر، وقد ورد في بعض روايات «صحيح مسلم» عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: «أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
وقد انتدب لعدّها طائفة من العلماء [في حاشية البحر المحيط الثجاج: “منهم أبو عبد الله الحليميّ، صنّف فيها كتابًا سمّاه «فوائد المنهاج»، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، وسمّاه «شُعب الإيمان»، والشيخ عبد الجليل أيضًا سمّاه «شُعَب الإيمان»، وإسحاق ابن القرطبيّ، وسمّاه «كتاب النصائح»، وأبو حاتم البستيّ، وسمّاه «وصف الإيمان، وشعبه»، ذكره في «عمدة القاري» ١/ ١٢٨”. انتهى.]؛ كالْحَلِيميّ، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنّة من الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعًا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول – ﷺ – من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قال. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [«شرح البخاريّ» ١/ ٣٢ – ٣٤].
وقال الإمام أبو حاتم بن حِبّان البستيّ رحمه الله تعالى في «كتاب وصف الإيمان وشُعَبه»:
تتبّعتُ معنى هذا الحديث مدّةً، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجحت إلى السنن، فعددتُ كلّ طاعة عدّها رسول الله – ﷺ – من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، فعددت كلّ طاعة عدّها الله من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتاب السننَ، وأسقطتُ المعاد، فإذا كلّ شيء عدّه الله ورسوله – ﷺ – من الإيمان بضع وسبعون، لا يزيد عليها، ولا ينقص، فعلمتُ أن مراد النبيّ – ﷺ – أن هذا العدد في الكتاب والسنّة. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «بضع وسبعون» يحتمل أن يكون المراد بقوله: «بضع وسبعون» التكثيرَ، دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠].
واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير، وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلّ منهما إلى أول، ومركّب، والفرد الأول ثلاثة، والمركّب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركّب أربعةٌ، وينقسم أيضًا إلى مُنْطَقٍ؛ كالأربعة، وأصمّ؛ كالستة، والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد مبالغة جُعلت آحادها أعشارًا.
ويحتمل: أن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها، فيقال: إن شُعَب الإيمان، وإن كانت متعدّدةً متبدّدةً إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه، ويحسُن معاده.
وذلك بأن يعتقد الحقّ، ويستقيم في العمل، وإليه أشار النبيّ – ﷺ – حيث قال لسفيان بن عبد الله الثقفيّ – رضي الله عنه – حين سأله في الإسلام قولًا جامعًا: «قُل: آمنت بالله، ثم استقم»، رواه مسلم.
قال: وفنون اعتقاد الحقّ يتشعب ست عشرة شُعبةً:
طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن النقائص، وما يتداعى إليها، والإيمان بصفات الإكرام، مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والإقرار بالوحدانيّة، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد، ولا يُعدم إلا بقضائه وقدره…. انتهى كلام الطيبيّ [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٣٩ – ٤٤١].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: عندي الأولى عدم الخوض في تفاصيل معنى الشعب المذكورة في هذا الحديث؛ لعدم ورود نصّ مفصّل لها، قال القاضي عياض: تَكَلَّف جماعة حصر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المرادَ صعوبة، ولا يَقْدَح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. انتهى.
والحاصل: أن التصدّي لبيان تفاصيلها، تكلّف ظاهرٌ، فلا ينبغي التعويل عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو القلوب، أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
[أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ – ﷺ – كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبيّ – ﷺ -. وفي هذا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كان بعضها لا ينحصر، وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها، قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [«شرح صحيح البخاريّ» لابن رجب ١/ ٣٤ – ٣٥].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رجب رحمه الله تعالى إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فتاوى :
مدى صحة المقولة (لا حياء في الدين)
الجواب:
هذا صحيح في المعنى، صحيح في الجملة مثلما قال ﷺ.. مثلما قالت المرأة للنبي ﷺ: “إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟”، فمعنى لا حياء في الدين، يعني: لا حياء يمنع السؤال، والتعلم، والتفقه في الدين، الحياء لا يمنع.
أما إن كان المراد لا حياء في الدين، بالكلية، لا ما هو بصحيح، الرسول عليه السلام قال: الحياء من الإيمان فالحياء الذي يردعه عن المعاصي؛ من الإيمان الحياء من الإيمان، قال النبي ﷺ: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
موقع ابن باز الرسمي
رابعًا: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان أن الإيمان له شعب كثيرة.
2 – (ومنها): أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما تقدّم بيانه مفصّلًا أول كتاب الإيمان.
3 – (منها): بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان.
وفي توفيق الرب المنعم (1/ 106): “بيان أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها بضع وسبعون شعبة، وفي رواية «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ»، والأصل أن كل ما زاد عن العدد فإنه يؤخذ بالزائد، ورواه البخاري بلفظ: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ» دون شك [أخرجه البخاري (٩)]، وفي رواية أخرى: «الْإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [أخرجه أحمد (٨٩٢٦)، والترمذي (٢٦١٤)].
وهذه الشُّعب كلها من الإيمان، ففيه: الرد على المرجئة القائلين بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأنها شرط في كماله [مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ١١٤)].
4 – (ومنها): بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كان حييًّا فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه.
5 – (ومنها): أن الحياء من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة
6 – (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: والحياء نوعان:
[أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه، فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب الله تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من فعل الجميل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه، كما قال عمر – رضي الله عنه -: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى، ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانةً.
[والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسبًا، إما من مقام الإيمان؛ كحياء العبد من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان؛ كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان.
وفي حديث مرسل: «استحي من الله، كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك»، ورُوي موصولًا [رواه الطبرانيّ في «الكبير» ٨/ ٢٢٩ من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم، عن أبي أمامة – رضي الله عنه – مرفوعًا، وفيه عليّ بن يزيد ضعيف. من حاشية البحر المحيط الثجاج].
وسُئل النبيّ – ﷺ – عن كشف العورة خاليًا؟ فقال: «الله أحقّ أن يُستحيى منه من الناس» [علّقه البخاريّ في «كتاب الغسل» (٢٧٨)، وأخرجه أحمد ٥/ ٤، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذيّ (٢٧٩٤)، والحاكم ٤/ ١٧٩ . من حاشية البحر المحيط].
وأخرج البخاريّ في «التفسير» عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]: إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية.
وكان الصّدّيق – رضي الله عنه – يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي عز وجل. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في «شرح البخاري» [راجع: «شرح البخاريّ» للحافظ ابن رجب ١/ ١٠٢ – ١٠٤].
وقال ابن القيّم: الحياء (الّذي هو الاستحياء) مشتق من الحياة، ومن ذلك أيضا: الحيا للمطر، لكنّه مقصور، وعلى حسب حياة القلب، يكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلّة الحياء من موت القلب والرّوح فكلّما كان القلب أحيا كان الحياء أتمّ
7 – (ومنها): أن الحياء كلّه خير
8 – (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في قوله: «أعلاها قول لا إله إلا الله»: ما يَستدلّ به من يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى.
9 – (ومنها): أن في قوله: «أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»: إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة.
10 – (ومنها): أن تعريف المسند إليه – أعني «الإيمان» – إنما يُقصد لإتمام الفائدة للسامع؛ لأن فائدته من الخبر إمّا الحكم، أو لازمه، كما بُيّن في موضعه، وفيه الفصل بين الجملتين بالواو؛ لأنه قُصد التشريك، وتعيين الواو؛ لدلالتها على الجمع، وفيه تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشُعَب، كما شُبّه في حديث «بُني الإسلام على خمس» بخباء ذات أعمدة وأَطْناب.
11 – (ومنها): ما كان عليه الصحابة – رضي الله عنهم – من شدّة الإنكار على من عارض السنّة بغيرها، أيًّا كان نوعه،
وهكذا ينبغي أن يكون المسلم شديد الغيرة عليها، فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإن السنّة حاكمة على كلّ رأي ومذهب، كما قال عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقد صحّ عنه – ﷺ – أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين»، متّفقٌ عليه، وروي عنه – ﷺ – أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
12- والحياء مقرون بالإيمان، فإذا وجد أحدهما وجد الآخر معه، وإذا رفع أحدهما رفع الآخر برفعه، وكذا هما في الزيادة والنقصان، قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)[رواه الحاكم بسند صحيح]. وهو في الصحيح المسند 752
13 – ومن صفات المولى عز وجل- (الحييّ) كما في الحديث: «إنّ ربّكم حييّ كريم يستحيي من عبده …» ومعناه على هذا: المبالغ في الحياء.
والغرض والغاية من وصف الله تعالى به فعل ما يسرّ وترك ما يضرّ والعطاء من غير سؤال .
وقال الفيروز آباديّ: وأمّا حياء الرّبّ تبارك وتعالى من عبده، فنوع آخر لا تدركه ولا تكيّفه العقول فإنّه حياء كرم وبرّ وجود، فإنّه كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا، ويستحي أن يعذّب شيبة شابت في الإسلام
بذل المجهود (٨/ ٣٢٨) بتصرف.
و بصائر ذوي التمييز (٢/ ٥١٧) .
14 – الذّنوب تضعف الحياء من العبد، حتّى ربّما انسلخ منه بالكلّيّة حتّى إنّه ربّما لا يتأثّر بعلم النّاس بسوء حاله، ولا باطّلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع.
وإذا رأى إبليس طلعة وجهه حيّا وقال: فديت من لا يفلح، ومن لا حياء فيه ميّت في الدّنيا شقيّ في الآخرة، وبين الذّنوب وقلّة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطّرفين، وكلّ منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا، ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم يستح الله من عقوبته .
الداء والدواء (١٣١- ١٣٣) .
15 – قال ابن القيّم: قسّم الحياء إلى عشرة أوجه:
حياء جناية، وحياء تقصير، وحياء إجلال، وحياء
كرم، وحياء حشمة، وحياء استحقار النّفس (استصغارها)، وحياء محبّة، وحياء عبوديّة، وحياء شرف وعزّة، وحياء المستحيي من نفسه
16 – – فأمّا حياء الجناية: فمنه حياء آدم عليه السلام لمّا فرّ هاربا في الجنّة. قال الله تعالى: «أفرارا منّي يا آدم؟» قال: لا يا ربّ. بل حياء منك.
٢- وحياء التّقصير: كحياء الملائكة الّذين يسبّحون اللّيل والنّهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك.
٣- وحياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة العبد بربّه يكون حياؤه منه.
٤- وحياء الكرم: كحياء النّبيّ ﷺ من القوم الّذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوّلوا الجلوس عنده، فقام واستحيى أن يقول لهم: انصرفوا.
٥- وحياء الحشمة: كحياء عليّ بن أبي طالبرضي الله عنه- أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي لمكان ابنته منه.
٦- وحياء الاستحقار، واستصغار النّفس:
كحياء العبد من ربّه عز وجل حين يسأله حوائجه، احتقارا لشأن نفسه، واستصغارا لها. وقد يكون لهذا النّوع سببان:
أحدهما: استحقار السّائل نفسه. واستعظام ذنوبه وخطاياه.
الثّاني: استعظام مسئوله (وهو المولى عز وجل) .
٧- وأمّا حياء المحبّة: فهو حياء المحبّ من محبوبه، حتّى إنّه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسّ به في وجهه ولا يدري ما سببه.
وكذلك يعرض للمحبّ عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة. ومنه قولهم «جمال رائع» وسبب هذا الحياء والرّوعة ممّا لا يعرفه أكثر النّاس.
فإذا فاجأ المحبوب محبّه، ورآه بغتة، أحسّ القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف.
٨- وأمّا حياء العبوديّة: فهو حياء ممتزج من محبّة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديّته لمعبوده، وأنّ قدره أعلى وأجلّ منها. فعبوديّته له توجب استحياءه منه لا محالة.
٩- وأمّا حياء الشّرف والعزّة: فحياء النّفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان. فإنّه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزّة.
١٠- وأمّا حياء المرء من نفسه: فهو حياء النّفوس الشّريفة العزيزة الرّفيعة من رضاها لنفسها بالنّقص، وقناعتها بالدّون. فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتّى كأنّ له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإنّ العبد إذا استحيى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر . مدارج السالكين (٢/ ٢٧٢) باختصار وتصرف
منقول من نضرة النعيم ، وذكروا في صفة الحياء آيات من القرآن وأحاديث نبوية وآثار لسلف الأمة فراجعه
16 – وقد تعلم الصحابة رضوان الله عليهم من نبيهم الحياء حتى بلغ بعثمان الحياء مبلغا جعل الملائكة تستحيي منه من شدة حيائه، وحتى قال عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) [أخرجه مسلم].
الحياء منهج حياة
17 – وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء منهج حياة، وضابطا للإنسان يضبط به أعماله وأفعاله؛ فعن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)[البخاري].
وفيه معان عديدة، منها:
– من نزع منه الحياء لم يبال بما يفعل، حلالا أم حراما، كريما أو خبيثا، صالحا أو طالحا، لأنه لا حياء عنده من الله ولا اعتبار للناس في نظره. فهو جرئ على القبائح، مقبل على النقائص.
– وقيل هو من باب التهديد، أي يا قليل الحياء افعل ما شئت فسوف تجازى به، مثل قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}.
– كل عمل لا يستحيا منه، لا من الخلق ولا من الخالق، فلا بأس عليك أن تفعله.
وفيه معان أخرى، وخلاصته أن الحياء حامل على فعل ما يمدح، عاصم عن فعل ما يستقبح، فمن كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه، وأن من قل حياؤه قبح فعله، ومما يروى عن عمر رضي الله عنه: “من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه”.
18- صور من الحياء:
والحياء يكون من الناس: فيستحي الإنسان أن يأتي أمامهم بنقيصة، أو يفعل ما يشينه أمامهم، ولا ما يطعن في خلقه وديانته عندهم، وليس هذا من الرياء وإنما صيانة للنفس والدين، وهو نوع حياء وجبلة، وهو محمود لأنه حياء من إتيان معصية الله جهرا، والمجاهرة بالذنوب علامة استخفاف بأوامر الله، وعدم اعتبار لنظر الخلق ولا يديم فعله إلا فاسق مطعون في ديانته.. قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)[متفق عليه].
فإذا كان هذا فيمن فعل المعصية خفية ثم تكلم بها، فكيف بمن يجاهر بها علنا أمام الخلق، لا يستحي من الله ولا يستحي من الناس؟
والحياء يكون من الملائكة: فإنهم عباد مكرمون، يصاحبون الإنسان في كل أمره، يكتبون ما يفعل، ويسطرون ما يقول وما يعمل، فيستحيي أن يسمعوا منه ما يؤذيهم، أو أن يقيدوا عليه ما يفضح أو يشين.
19 – النساء والحياء
وإذا كان الحياء في الرجال مروءة وأخلاقا وكمالا وجمالا، فإنه في النساء أكمل وأجمل، وهو فيهن زينة وجمال، وحسن وبهاء وعفة ودلال، وهو أزين زينتهن وأفضل أخلاقهن.
وجلباب الحياء أعظم ما تستتر به المرأة المسلمة، وله أثر عظيم في صلاح أقوالها وأفعالها وتصرفاتها. وإن من علامات حيائها قرارها في بيتها، ووقارها في حديثها، وإسباغ جلبابها عند خروجها، وابتعادها واعتزالها مجامع ونوادي الرجال، وفرارها من مواطن الاختلاط، وغلبة الستر والصيانة والعفة عليها.
وإذا تركت المرأة الحياء فسد طبعها، وقل سترها، وظهرت مساوئها، وأبدت مفاتنها، وبرزت للرجال وأكثرت من مخالطتهم، وإظهار زينتها أمام الأجانب منهم، وربما تشبهت بهم، أو تساهلت في الكلام والحديث معهم، وربما قل الحياء أو انعدم في بعضهن فأظهرن زينتهن للأجانب ولا يتحرجن عن فعل ما يخدش، كما هو حال كثير من نساء هذا الزمان.
20 – المجتمعات والحياء
إن الحياء في المجتمعات صمام أمان، ومصدر صيانة، فإنه يرتفع بأخلاق أفراده، ويسموا بآدابهم، ويزيد ترابطهم، ويعزز لحمتهم، ويقوي ألفتهم، ويسوقهم إلى ذرا المجد والكرامة، ويشيع بينهم الخصال الكريمة والفعال الحميدة، ويدعوهم إلى الخير والبر ومكارم الأخلاق، فيحترم أهل الفضل، وتصان الحرمات، ويترفع عن السفاسف والرذائل، ويزداد المجتمع بذلك أمنا وأمانا، وخيرا وصلاحا.
وأما قلة الحياء في المجتمع، فنتيجتها ونهايتها وقاحة وسفالة ورذالة وبذاءة. وإذا ذهب الحياء فسدت الأذواق، وساءت الأخلاق، وظهر بين الناس فحش القول، ونابي الألفاظ، ونقائص الأعمال والأفعال. فتقل المروءة، ويرق الدين، وتنزع العفة، وتهتك الحرمات، ويعلن بالفواحش.
وإذا ذهب الحياء ضاعت الرجولة ورفعت من بين الذكور أخلاق الفرسان ومروءة الشجعان، ويصيرون مسخا لا هم من النساء، ولا هم من جملة الرجال، فإذا ذهب الحياء فكبر على أهله أربعا، واقرأ على الدنيا السلام:
إذا رزق الفتى وجها وقاحا .. .. تقلب في الأمور كما يشاء
فلا والله ما في العيش خـير .. .. ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
20 – ترجيح الألباني بين الروايات :
قال رحمه الله في الصحيحة:
وأقوله: لا شك أن الأخذ بالأقل هو المتيقن عند اضطراب الرواية وعدم إمكان ترجيح وجه من وجوه الاضطراب، وليس الأمر كذلك هنا في نقدي لأن رواية مسلم عن سليمان أرجح من رواية البخاري عنه لأنها من طريقين كما سبقت الإشارة إليه عن أبي عامر عنه. خلافا لقول الحافظ السابق: ” لم تختلف الطرق عن أبي عامر … ” . ومتابعة الحماني إياه لا تفيد فيما نحن فيه لأن الحماني فيه ضعف. فإذا رجحت رواية مسلم عن أبي عامر، فيصير سليمان بن بلال متابعا لسهيل بن أبي صالح من طريق سفيان وحماد بن سلمة عنه بلفظ ” بضع وسبعون “، وبهذه المتابعة يترجح هذا اللفظ على سائر الألفاظ، لاسيما وغالبها تردد فيها الرواة وشكوا، فإذا انضم إلى ذلك أن زيادة الثقة مقبولة، استقام ترجيح هذا اللفظ كما ذكره الحليمي ثم عياض، ولم يرد عليه قول الحافظ: ” إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها ” لأنه يكفي القول بأن الجزم بها هو الراجح على ما بينا. والله أعلم. وأما لفظ ” أربع وستون “، فأخرجه الترمذي وأحمد (٢ / ٣٧٩) من طريق عمارة بن غزية عن أبي صالح به.
وعمارة هذا من رجال مسلم، وهو لا بأس به كما في ” التقريب “، فمثله لا يعارض بروايته رواية عبد الله بن دينار الثقة الثبت المحتج به في ” الصحيحين “، فهو أحفظ من عمارة بكثير، لاسيما ومعه الزيادة، فهي مقبولة قطعا. ولعله لهذا جزم الحافظ بأنها معلولة. والله أعلم. الصحيحة 1769
——