622 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
622 – قال الإمام النسائي رحمه الله (ج 8 ص 207): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ [ص: 525] أَشْعَثَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلِ الْإِزَارِ».
هذا حديث صحيحٌ.
وقد رواه النسائي كما في “تحفة الأشراف” عن موسى بن عبد الرحمن، عن حسين بن علي، عن زائدة في “الكبرى”، وعن عمرو بن منصور، عن آدم بن أبي إياس، عن شيبان في “الكبرى” وفي المجتبى”، شعبة وزائدة وشيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء به. اهـ
ورواه من طريق إسرائيل موقوفًا كما في “تحفة الأشراف”، ولا يضر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (ج 8 ص 388) فقال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا شيبان، عن أشعث (1) بن أبي الشعثاء به.
* قال الإمام أحمد رحمه الله (2958): حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَحُسَيْنٌ قَالَا حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ أَشْعَثَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلٍ».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح. وشيبان هو ابن عبد الرحمن، وأشعث هو ابن أبي الشعثاء.
__________
في الأصل: أشعث بن الشعثاء. والصواب ما أثبتناه.
قال الألباني في الصحيحة 1656: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين
بوب النسائي:
(104) باب إسبال الإزار
بوب مقبل في الجامع:
13 – تحريم الإسبال
25 – جر الإزار
99 – صفة البصر
قال ابن تيمية:
فصل
ويُكرَه إسبالُ القميص ونحوِه، وإسبالُ الرداء، وإسبالُ السراويل والإزار ونحوِهما؛ إذا كان على وجه الخيلاء. وأطلق جماعة من أصحابنا لفظ الكراهة، وصرَّح غير واحد منهم بأنَّ ذلك حرام. وهذا هو المذهب بلا تردُّد.
قال أبو عبد الله ( بهاء الدين المقدسي): لم أحدِّث عن فلان. كان سراويلُه على شراكَ نعله!
وقال: ما أسفل من الكعبين في النار، والسراويل بمنزلة الإزار، لا يجرُّ شيئًا من ثيابه.
فأمَّا إن كان على غير وجه الخيلاء، بل كان عن علّة أو حاجة، أو لم يقصد الخيلاء والتزيُّن بطول الثوب ولا غير ذلك، فعنه: أنه لا بأس به. وهو اختيار القاضي وغيره. وقال في رواية حنبل: جرُّ الإزار وإرسالُ الرداء في الصلاة، إذا لم يُرِد الخيلاءَ، لا بأس به. وقال: ما أسفل من الكعبين في النار، والسراويل بمنزلة الرداء، لا يجُرُّ شيئًا من ثيابه.
ومن أصحابنا من قال: لا يحرُم إذا لم يقصد به الخيلاء، لكن يُكرَه. وربما يستدلُّ بمفهوم كلام أحمد في رواية ابن الحكم في جرِّ القميص والإزار والرداء سواء إذا جرَّه لموضع الحسن ليتزيَّن به فهو الخيلاء. وأمَّا إن كان من قبحٍ في الساقين كما صنع ابن مسعود، أو علَّةٍ، أو شيئًا لم يعتمده الرجل، فليس عليه من جَرِّ ثوبه خيلاء، فنفى عنه الجرَّ خيلاء فقط.
والأصل في ذلك: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} وقوله سبحانه: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان: 18]، وقوله سبحانه: {كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47]. فذمَّ اللهُ سبحانه وتعالى الخيلاءَ والمرحَ والبطرَ، وإسبالُ الثوب تزيُّنًا مُوجِبٌ لهذه الأمور وصادرٌ عنها.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من جرَّ ثوبَه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: إن أحد شِقَّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال: «إنك لستَّ ممَّن يفعل ذلك خُيَلاءَ» متفق عليه.
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجلٌ يجُرُّ إزاره من الخيلاء خُسِفَ به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» رواه البخاري.
وعن ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة. مَنْ جَرَّ شيئًا خيلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى مَن جرَّ إزاره بطرًا» متفق عليه.
وفي رواية لأحمد والبخاري: «ما أسفلَ من الكعبين من الإزار في النار».
وعن أبي هريرة قال: بينما رجلٌ يصلِّي مسبلًا إزاره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهَبْ فتوضَّأْ» فذهَب، فتوضَّأ [ص 118] ثم جاء. ثم قال: «اذهَبْ، فتوضَّأ» فقال له رجلٌ: يا رسول الله مالك أمرتَه أن يتوضَّأ، ثم سكتَّ عنه؟ قال: «إنه كان يصلِّي وهو مسبلٌ إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبلاً» رواه أبو داود. (٦٣٨) ضعيف أبي داود
وعن ابن مسعود قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن أسبل إزارَه في صلاته [خيلاءَ] فليس من الله في حِلٍّ ولا حرام» رواه أبو داود.(٦٣٧) صحيح أبي داود
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب اليم: المنَّانُ بما أعطى، والمسبِلُ إزارَه، والمنفِقُ سلعتَه بالحلف الكاذب» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المَخِيلة، والمطلقُ منها محمول على المقيَّد. وإنما أطلق ذلك لأنَّ الغالب أنَّ ذلك إنما يكون مخيلة.
ومن كره الإسبال مطلقًا احتجَّ بعمومِ النهي عن ذلك، والأمرِ بالتشمير. فعن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيم الهُجَيمي قال: رأيتُ رجلًا يصدُر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه. قلتُ: من هذا؟ قالوا: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قلتُ: عليكَ السلامُ يا رسولَ الله، مرَّتَين. قال: «لا تقل: عليك السلام؛ عليك السلام تحية الميِّت» قلت: أنت رسول الله؟ قال: «أنا رسولُ الله الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوتَه كشَفَه عنك، وإن أصابك عامُ سَنةٍ فدعوتَه أنبتَها لك، وإذا كنتَ بأرض قفرٍ ــ أو فلاةٍ ــ فضلَّتْ راحلتك فدعوتَه ردَّها عليك». قال: قلتُ: اعهَدْ إليَّ. قال: «لا تسُبَّنَّ أحدًا» قال: فما سببتُ بعده حرًّا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاةً. قال: «ولا تحقِرَنَّ من المعروف ولو أن تكلَّم أخاك وأنت منبسِطٌ إليه وجهُك، إنَّ ذلك من المعروف. وارفع إزارك إلى نصف السَّاق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين. وإيَّاك وإسبالَ الإزار، فإنها من المَخِيلة، وإن الله لا يُحِبُّ المخيلة. وإن امرؤٌ شتَمك وعيَّرك بما يعلَم فيك، فلا تُعَيِّره بما تعلَم فيه، فإنما وبالُ ذلك عليه» رواه الخمسة إلا ابن ماجه. وقال الترمذي:
حسن صحيح.
وعن عبد الله بن عمر قال: مررتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إزاري استرخاءٌ فقال: «يا عبد الله، ارفَعْ إزارَك»، فرفعتُه. ثم قال: «زِدْ»، فزدت فما زلتُ أتحرَّاها بععد. فقال له بعض القوم: إلى أين؟ قال: «إلى أنصاف الساقين» رواه مسلم.
وعن ابن الحنظليّة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرجلُ خُرَيم الأسديُّ، لولا طولُ جُمَّتِه وإسبالُ إزاره!» فبلغ ذلك خريمًا، فعَجِل، فأخذ شَفْرةً، فقطَع بها جُمَّتَه إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى نصف ساقيه. رواه أحمد وأبو داود. ضعيف أبي داود (٤٠٨٩)
ولأنَّ الإسبالَ مظِنَّةُ الخيلاء، فكُرِهَ، كما يُكرَه مظانُّ سائر المحرَّمات.
ومن لم ير بذلك باسًا احتجَّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إنَّكَ لست ممَّن يفعل ذلك خُيَلاءَ».
وعن أبي وائل أنَّ ابن مسعود رأى رجلًا قد أسبل إزاره، فقال له: ارفع، فقال له الرجل: وأنتَ يا ابنَ مسعود، فارفع إزارك. فقال عبد الله: إنِّي لستُ مثلَكْ إنَّ لساقي حُمُوشةً، وأنا أؤمُّ الناسَ. فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب، فأقبل على الرجل ضربًا بالدِّرَّة، وقال: أترُدُّ على ابن مسعود؟ أترُدُّ على ابن مسعود.
ولأنَّ الأحاديث أكثرها مقيَّدة بالخيلاء، فيحمَل المطلَق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة. وأحاديثُ النهي مبنيَّة على الغالب والمظنَّة، وإنما كلامنا فيمن يتفق منه عدمُ ذلك.
فصل
وبكلِّ حال، فالسنَّة: تقصير الثياب. وحدُّ ذلك: ما بين نصف الساق إلى الكعب. فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحتَ الكعب في النار؛ لما تقدَّم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأبي جُرَيٍّ، وابن عمر.
ولما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إزرةُ المؤمن إلى نصف الساق. لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين. ما كان أسفلَ من الكعبين فهو في النار، ومن جرَّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعَضَلة ساقه أو ساقي ــ فقال: «هذا موضع الإزار. فإن أبيتَ فأسفل. فإن أبيتَ فلا حقَّ للإزار في الكعبين» رواه الخمسة إلا أبا داود. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. الصحيحة١٧٦٥
وعن سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تحت الكعبين من الإزار في النار» رواه أحمد والنسائي.
وأما الكعبان أنفسهما، فقد قال بعض أصحابنا: يجوز إرخاؤه إلى أسفل الكعب، وإنَّما المنهيُّ عنه ما نزل عن الكعب.
وقد قال أحمد: ما أسفل من الكعبين في النار، وقال ابن حرب: سألتُ أبا عبد الله عن القميص الطويل، فقال: إذا لم يُصِب الأرضَ؛ لأن أكثر الأحاديث فيها: «ما كان أسفل من الكعبين في النار».
وعن عكرمة قال: رأيتُ ابنَ عباس يأتزر، فيضَع حاشيةَ إزاره من مقدَّمه على ظهر قدمه، ويرفع من مؤخَّره، فقلت: لِمَ تأتزر هذه الإزرة؟ قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزرها. رواه أبو داود. قال الالباني : صحيح الإسناد .صحيح أبي داود ٤٠٩٦
وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال: لم أحدِّث عن فلان، لأنَّ سراويله كان على شراك نعله.
وهذا يقتضي كراهةَ ستر الكعبين أيضًا، لقوله في حديث حذيفة: «لا حقَّ للإزار في الكعبين».
وقد فرَّق أبو بكر وغيره من أصحابنا في الاستحباب بين القميص وبين الإزار، فقال: يستحَبُّ أن يكون طولُ قميص الرجل إلى الكعبين أو إلى شراك النعلين، وطولُ الإزار إلى مراقِّ الساقين. وقيل: إلى الكعبين.
ويُكرَه تقصيرُ الثوب الساتر عن نصف الساق. قال إسحاق بن إبراهيم: دخلتُ على أبي عبد الله، وعليَّ قميصٌ قصيرٌ أسفل من الركبة، وفوق نصف الساق، فقال: أيشٍ هذا؟ وأنكره. وفي رواية: أيشٍ هذا؟ لِمَ تُشهِّر نفسك؟
وذلك لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَدَّ إزرةَ المؤمن بأنها إلى نصف الساق، وأمرَ بذلك، وفعَلَه؛ ففي زيادة الكشف تعريةٌ لما يُشرَع سترُه، لاسيَّما إن فعل تديُّنًا، فإنَّ ذلك تنطُّعٌ وخروجٌ عن حدِّ السنَّة، واستحبابٌ لما لم يستحبَّه الشارع.
ويُكرَه إسبالُ العمامة أيضًا. قاله أصحابنا، لما تقدَّم من الأحاديث العامَّة، وقد جاء ذكرُها مصرَّحًا به في حديث ابن عمر.
فصل
فأمَّا النساء، فإنَّ إطالة الذيول لهنَّ سنَّة. نصَّ عليه، لما روت أمُّ سلَمة أنها قالت: يا رسول الله، كيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يُرخين شِبْرًا». فقالت: إذن تنكشفَ أقدامُهنَّ. قال: «يُرخِينه ذراعًا لا يزدن عليه» رواه الخمسة إلا ابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وعن ابن عمر قال: رخَّص رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين في الذيل شِبْرًا، ثم استزدنه، فزادهن شِبْرًا، فكنَّ يُرسِلْنَ إلينا، فنَذْرَع لهن ذراعًا. رواه أبو داود والنسائي.
وفي رواية لأحمد: أنَّ نساءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سألنه عن الذيل، فقال:
«اجعلنه شبرًا». فقلن: إنَّ شبرًا لا يستُر من عورة. فقال: «اجعلنه ذراعًا» فكانت إحداهنّ إذا أرادت أن تتخذ ذراعًا أرخَتْ ذراعًا، فجعلته ذيلًا.
ولهذا قال أصحابنا: أقلُّ ذيل المرأة شِبْرٌ، وأكثرُه ذراع.
قال بعض أصحابنا: هذا في حقِّ مَن مشى بين الرجال كنساء العرب اللاتي يمشين بين الحِلَل والصحراء. فأمَّا نساء المدن اللاتي في بيوتهن ولا يراهنَّ رجل أجنبيٌّ، فيكون ذيلها كذيل الرجل.
[شرح عمدة الفقه – ابن تيمية – ط عطاءات العلم 2/ 365]
قال القسطلاني:
ولم يكن- صلى الله عليه وسلم يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصره- صلى الله عليه وسلم عن هذا فتبرز للحر والبرد، وقد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ. رواه الترمذى.ضعيف أبي داود
وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذى الماشى ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه فى زاد المعاد…..
وقد أخرج أصحاب السنن إلا الترمذى- واستغربه- وابن أبى شيبة من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبى- صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا منها خيلاء» الحديث، فبين فى هذه الرواية أن الحكم ليس خاصّا بالإزار، وإن جاء فى أكثر طرق الأحاديث بلفظ الإزار. قال الطبرى: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار، لأن أكثر الناس فى عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار فى النهى.
قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، وفى تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة فى ذلك كان من الإسبال.
وهل يدخل فى الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر. والذى يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل فى ذلك. قال ابن القيم: وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التى هى كالآخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسها- صلى الله عليه وسلم هو ولا أحد من أصحابه، وهى مخالفة لسنته، وفى جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب «المدخل» : ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهى عنها، لأنه قد يفضل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. لكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك فى تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضى عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد فى اللباس من الطول والسعة.
وفى حديث أبى هريرة عند البخارى مرفوعا «بينما رجل يمشى تعجبه [نفسه] مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» «1» . وفى الطبرانى وأبى داود «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته» «2» .
وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمة- رضى الله عنها-، فأخرج النسائى والترمذى- وصححه- من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: فقالت أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن فقال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه «3» . وحاصل ما ذكر فى ذلك: أن للرجال حالين، حال استحباب: وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، وأن الإسبال يكون فى الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه. قال النووى: وظواهر الأحاديث فى تقييدها بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، قال:
وهذا نص الشافعى على الفرق كما ذكرنا انتهى.
تنبيه: قال العراقى فى شرح الترمذى: الذراع الذى رخص للنساء فيه، هل ابتداؤه من الحد الممنوع منه الرجال، وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن المراد الثالث: بدليل حديث أم سلمة الذى رواه أبو داود والنسائى- واللفظ له- وابن ماجه، قالت: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال «شبرا» قالت: إذا ينكشف عنها، قال: «فذراع لا تزيد عليه» «1» فظاهره: أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا. قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران، لما فى سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا. فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران وهو الذراع الذى يقاس به الحصر اليوم. وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى.
وقد كان له- صلى الله عليه وسلم عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلانس اللاطئة. والقلانس: جمع قلنسوة- بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء تحتية، وقد تبدل ألفا وتفتح السين، يقال: قلنساة، وقد تحذف النون من هذه بعدها هاء تأنيث- غشاء مبطن يستر به الرأس، قاله الفراء فى شرح «الفصيح» . وقال ابن هشام: هى التى يقول لها العامة الشاشية، وفى «المحكم» : هى ملابس الرؤوس، معروفة، قال أبو هلال العسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. انتهى.
[المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 2/ 185]
وفي فتح الباري :
ساق البخاريّ – رحمه الله – في «صحيحه» رواية شعبة من طريق شَبابة بن سَوّار، قال: حدثنا شعبة، قال: لقيت محارب بن دثار، على فرس، وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني، فقال: سمعت عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – يقول: قال رسول الله – ﷺ -: «من جر ثوبه مخيلة، لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقلت لمحارب: أذَكر إزاره؟ قال: ما خصّ إزارًا، ولا قميصًا.
وسبب سؤال شعبة عن الإزار، أن أكثر الطرق جاءت بلفظ «الإزار»،
وجواب محارب حاصله أن التعبير بالثوب، يشمل الإزار وغيره، وقد جاء التصريح بما اقتضاه ذلك، فقد أخرج أصحاب السنن، إلا الترمذيّ، واستغربه ابن أبي شيبة، من طريق عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبيّ – ﷺ -، قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جرَّ منها شيئًا خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة».
قال الحافظ: وعبدُ العزيز فيه مقال، وقد أخرج أبو داود، من رواية يزيد بن أبي سمية، عن ابن عمر، قال: ما قال رسول الله – ﷺ – في الإزار، فهو في القميص…. وساق كلام الطبري وابن بطال الذي سبق نقله
قال شيخنا- يعني: الحافظ العراقيّ- في «شرح
الترمذي»: ما مسَّ الأرض منها خيلاء، لا شك في تحريمه، قال: ولو قيل
بتحريم ما زاد على المعتاد، لم يكن بعيدًا، ولكن حَدَث للناس اصطلاح
بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شِعار يُعرفون به، ومهما كان من ذلك
على سبيل الخيلاء، فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه، ما لم يصل إلى جرّ الذيل الممنوع. ونقل عياض عن العلماء كراهة: كل ما زاد على العادة، وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. انتهى [«الفَتْح» ١١/ ٤٣٤ – ٤٣٥].
قال الأتيوبي عفا الله تعالى عنه: التفصيل الذي ذكره الحافظ العراقيّ رحمه الله في كلامه المذكور آنفًا، حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم.
[انظر: (٨) – (بابُ تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلاءَ، وبَيانِ حَدِّ ما يَجُوزُ إرْخاؤُهُ إلَيْهِ، وما يُسْتَحبُّ)، من صحيح مسلم، شرح الموسوم بالبحر المحيط الثجاج، بتصرف]
قال ابن مفلح: (ويسن إرخاء ذؤابة خلفه، نص عليه، قال شيخنا( يقصد ابن تيمية ): إطالتها كثيرا من الإسبال) [الفروع ١/ ٣٥٦ (٢/ ٧٩)].
قال البسام:
الإسبال:
(أ) جاء في البخاري (5784)، ومسلم (2085): “من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة”. وذكر أحاديث
هذه غالبية الأحاديث الواردة في الإسبال.
وإذا تأملها القارىء وجد أنَّ بعضها مطلقٌ، وبعضها مقيَّدٌ بقصد الخيلاء،
والقاعدة الأصولية هي “حمل المطلق على المقيد”، فيكون الذي لم يُرِد الخيلاء غير داخل في الوعيد، الذي يقتضي تحريم الإسبال، ولذا قال الإمام النووي في “شرح مسلم” ما يأتي:
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “المسبل إزاره” فمعناه: المرخي له، الجارّ له خيلاء، وهذا يخصص عموم المسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد: من جره خيلاء، وقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: “لستَ منهم”؛ إذ كان جره لغير الخيلاء.
وظواهر الأحاديث في تقييده بالجر خيلاء -تدل على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على هذا الفرق كما ذكرنا.
وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار-: فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلَاّ فمنع تنزيه.
وأما الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين ففي النار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأَنَّه مطلق فوجب حمله عى المقيد. اهـ كلام النووي، والله أعلم.
وبعضهم: لا يرون حمل مطلق أحاديث الإسبال على مقيدها، وإنما جعلوا هذا من باب اختلاف السبب والحكم في الدليلين، وإذن فلا يُحْمل أحدهما على الآخرة؛ ذلك أنَّ الوعيد فيمن جرَّ ثوبه خيلاء، هو أنَّ الله لا ينظر إليه، نظرَ رحمةٍ وعطفٍ.
وأما الوعيد فيمن أنزل ثوبه عن كعبيه أنَّ النار لهما وحدهما، فالعقوبة الأولى عامة، والعقوبة الثانية جزئية، وكذلك السبب مختلف فيهما، فأحدهما: جر إزاره خيلاء، والثانى: أنزله إلى أسفل من كعبه بلا خيلاء.
وهذا القول أحوط، وأما القول الأول فهو أصح من حيث الدليل، وأجود من حيث التأصيل، والله أعلم.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 3/ 125]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): تحريم جر الإزار، ونحوه خيلاء، (ومنها): أن عقوبة منْ جرّ ثوبه خيلاء أن لا ينظر الله عز وجل إليه. و (منها): أن فيه دلالة واضحة عَلَى عدم اختصاص الإسبال بالإزار، بل يكون فِي القميص، والعمامة، كما ذكره فِي هَذَا الْحَدِيث، قَالَ ابن رسلان: والطيلسان، والرداء، والشّمْلة. وَقَالَ ابن بطّال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائداً عَلَى ما جرت به العادة. انتهى. وتطويل أكمام القميص تطويلاً زائداً عَلَى المعتاد منْ الاسبال. وَقَدْ نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كلّ ما زاد عَلَى المعتاد فِي اللباس فِي الطول، والسعة. كذا فِي “نيل الأوطار” 2/ 210. وَقَالَ السنديّ: الإسبال فِي العمامة بإرسال العذبات زيادةً عَلَى العادة عدداً وطولاً، وغايتها إلى نصف الظهر، والزيادة عليه بدعة، كذا ذكروا. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تحديد الغاية فِي تطويل العذبة بنصف الظهر يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تنبيه :
حديث ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « *الإسبال في الإزار والقميص والعمامة.* مَنْ جَرَّ شيئًا خيلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٨٦) وقال عن أبيه: هذا حديث منكر بهذا الإسناد نافع عن سالم«
واسناد أبي داود 4096 عبدالعزيز بن أبي رواد عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا
قال ابن ماجه: قال ابن أبي شيبة: ما أغربه
تنبيه : لفظة غريب تدل على الضعف
فقد قال أحمد رحمه الله تعالى: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها من الضعفاء، وسئل عن حديث ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عباس «تردين عليه حديقته» فقال: إنما هو مرسل فقيل له إن ابن أبي شيبة زعم أنه غريب فقال أحمد: صدق، إذا كان خطأ فهو غريب، وقال أبو حنيفة : من طلبها كذب، وقال مالك : شر العلم الغريب وخيره الظاهر الذي قد رواه النَّاس، وعن عبد الرزاق قال: كنا نرى أن الغريب خير فإذا هو شر. ذكره السخاوي.
ورواه البخاري في «صحيحه» (٣٦٦٥) من طريق موسى بن عقبة، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٨٥) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال: «من جَرَّ ثوبَه خُيَلاء لَمْ ينظُر اللَّهُ إِلَيْهِ يومَ القيامة» .
ورواه البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم، كلهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النبي (صلى الله عليه وسلم ) بمثله.
—