(اختصار) ١٦ – بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ
قال الشيخ عبدالرزاق:” العمامة: اسم يُطلق على ما يُلبس على الرأس، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تعم الرأس وتغطيه كاملا، والعمامة لباس اعتادت عليه العرب قديما ، ولبسها النبي ﷺ وأصحابه في معتاد لباسهم.
والأصل في اللباس الحل، وللعبد أن يلبس من اللباس ما شاء ما لم ينه عنه شرعًا، ويستوي في ذلك ما يُلبس على الرأس، وما يكسى به البدن، وما يليس في القدمين، وقد لبس صلى الله عليه وسلم العمامة وتحتها القلنسوة، ولبس العمامة بدون القلنسوة، ولبس القلنسوة بدون العمامة، كما أنه كان يرخي للعمامة ذؤابة أحيانًا، وأحيانًا يلبسها بدون ذؤابة؛ كما بين ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله.
وفي هذا الباب سيمر معنا أنه لبس عمامة سوداء وأيضا جاء في النسائي أنه لبس عمامة صفراء .
(صحيح) ٩٢ – عن جابر قال: (دخل النبي ﷺ َ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عمامة سوداء)
مر معنا في الباب السابق أنه دخل مكة وعلى رأسه المغفر، وفي هذا الحديث أنه دخلها وعلى رأسه عمامة سوداء، فلا تنافي بينهما؛ لاحتمال
أن يكون قد لبس المغفر لحماية الرأس ومن فوقه العمامة، ولاحتمال أن يكون المغفر على رأسه أولا، ثم لما استثبت الأمور نزع المغفر ولبس العمامة.
وقد ذكر أهل العلم أنَّ النبيَّ ﷺ لم يتخذ العمامة السوداء لباسا راتبا ؛ بحيث لا يعرف إلا بها، بل لبسها ولبس غيرها .
ولهذا يقول العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد : والنبي ﷺ لم يلبسه – أي: السواد – لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد، والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد بل كان لواؤه أبيض. (شرح الشمائل للشيخ عبدالرزاق)
(صحيح) ٩٣ – عن عمرو بن حريث (أن النبي ﷺ َ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سوداء)
(صحيح) ٩٤ – عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
(كان النبي ﷺ َ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ)
قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يفعلان ذلك.
(صحيح )٩٥ – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:(أَنَّ النبي ﷺ َ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ دَسْمَاءُ)
قوله : ( وعليه عمامة سوداء ) فيه جواز لباس الثياب السود ، وفي الرواية الأخرى : ” خطب الناس وعليه عمامة سوداء ” فيه جواز لباس الأسود في الخطبة ، وإن كان الأبيض أفضل منه ، كما ثبت في الحديث الصحيح : ” خير ثيابكم البياض ” وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا ، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانا للجواز . والله أعلم . (شرح مسلم للنووي)
قال صاحب عون المعبود:” (وعليه عمامة سوداء) قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: لم يذكر في حديث جابر -يعني هذا الحديث- ذؤابة فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه. انتهى.
وفيه نظر إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرخي الذؤابة دائما.”
قال القاري:” (خَطَبَ النَّاسَ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ لُبْسَ السَّوَادِ إِنَّمَا كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَقَطْ ; لِأَنَّ خُطْبَتَهُ ﷺ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِنْبَرٍ بَلْ كَانَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ” (جمع الوسائل)
(بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) هذا صريح في كون النبيّ – ﷺ – دخل مكة يوم الفتح هو، وأصحابه غير محرمين، فدلّ على جواز دخولها بغير إحرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عمرة.( البحر المحيط)
أما رواية (إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه)
قوله : ( إذا اعتم )
بتشديد الميم أي لف العمامة على رأسه
( سدل )
أي أرسل وأرخى
( عمامته )
أي طرفها الذي يسمى العلامة والعذبة. (تحفة الأحوذي)
فمعنى سدل عمامته بين كتفيه: أي أرخى عمامته وأرسلها لتنزل الذؤابة بين الكتفين. (شرح الشمائل للشيخ عبدالرزاق)
أما رواية عليه عمامة دسماء، فأصله في الصحيح البخاري في كتاب المناقب ، عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دسماء.
قوله (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ، قَالَ: يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِسُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ. (القاري)
قوله: ( وعليه عصابة ) بكسر أوله وهي ما يشد به الرأس وغيرها، وقيل في الرأس بالتاء، وفي غير الرأس يقال: عصاب فقط، وهذا يرده قوله في الحديث الذي أخرجه مسلم: ” عصب بطنه بعصابة “. (فتح الباري)
قوله: ( دسماء ) أي: لونها كلون الدسم وهو الدهن، وقيل: المراد أنها سوداء لكن ليست خالصة السواد، ويحتمل أن تكون اسودت من العرق أو من الطيب كالغالية، ووقع في الجمعة ” دسمة ” بكسر السين، وقد تبين من حديث أنس الذي قبله أنها كانت حاشية البرد، والحاشية غالبا تكون من لون غير لون الأصل، وقيل: المراد بالعصابة: العمامة، ومنه حديث المسح على العصائب. (فتح الباري)
وقيل دسماء من الدسم وهو الدهن وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدهن شعره فينتقل إلى عمامته (الشيخ محمد غالب)
الأكثر على أن الدسماء بمعنى سوداء.
تنبيه: لم يصح عن النبي ﷺ حديث في فضل لبس العمامة، وكل ما صح عنه في هذا الباب هو لبسه صلى الله عليه وسلم لها، ويُروى في الباب أحاديث لا تصح؛ فهي إما واهية أو موضوعةً ، مثل : صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةٌ بِلَا عِمَامَةٍ، جُمُعَةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ جُمُعَةٌ بِلَا عِمَامَةٍ ) ، ونحو ذلك، فلا يجوز نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: هل لبس العمامة سنة؟ يجاب بأن الأصل للإنسان أن يلبس من لباس أهل بلده ولا يميز نفسه بشيء عنهم ما لم يخالفوا الشرع، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن لباس الشهرة.
ولهذا لا يجوز لأحد أن يشدد على الناس فيلزمهم بلباس معين، أو بهيئة معينة، وينكر على من خالف ذلك؛ فإن الأصل أن يلبس الإنسان ما شاء لكن دون مخالفة شرعية، فإن كان الذي سيلبسه لباس شهرة يتميز به عن الناس؛ فلا يلبسه، وإنما يلبس مما يعتاده الناس ويألفونه في بلده ومجتمعه، والله تعالى أعلم.
وقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة قول مشايخنا الكرام :” لبس العمامة من العادات وليس من العبادات، وإنما لبسها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها كانت من لباس قومه، ولم يصح في فضل العمائم شيء، غير أن النبي ﷺ لبسها، فالمشروع للإنسان أن يلبس ما تيسر له من لباس أهل بلده ما لم يكن محرما» . (شرح الشمائل للشيخ عبدالرزاق)
١٧ – بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ
الإزار : هو ما يُلف به جزء البدن الأسفل، والرداء: هو ما يوضع على الكتفين ويغطى به جزء البدن الأعلى، وهذا اللباس كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ستأتي أحاديث كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم لبس الإزار والرداء، لكن لم ينقل عنه حديث واحد في فضل لبس الإزار والرداء، ولهذا لا يصح أن يقال : إن لبس الإزار والرداء سنة، وإنَّما لَبِسَهُ النَّبِيُّ ﷺ لكونه معتادًا في ذلك الزمان.(شرح الشمائل للشيخ عبدالرزاق)
٩٦ – (صحيح) عن أبي بردة عن أبيه قَالَ:
(أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ الله ﷺ َ في هذين)
(فَقَالَتْ) أَيْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ هَذَا اللُّبْسَ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَسِّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَتْحِهِ وَنَصْرِهِ (قُبِضَ) (جمع الوسائل)
قوله : ( كساء )
بكسر الكاف هو ما يستر أعلى البدن والإزار ما يستر أسفله.
و ( الملبدة ) : المرقعة أو الثخينة التي صارت كالملبد . و ( الإزار ) : بكسر الهمزة : الملحفة ، والمراد بالإزار ما يستر أسفل البدن ، والرداء ما يستر أعلى البدن .
قوله : (كِسَاءَ مُلَبَّدًا) المراد بالكساء هنا : قطعة من القماش ليست مخيطة، وإنما هي على حالها، فكان يغطي بها جزء بدنه الأعلى، والملبد هو الذي ثخن وسطه فصار سميكا ، شبيها بالذي تلبدت عليه أشياء وتراكمت .
ت قوله : (وَإِزَارًا غَلِيظًا) يُلف به جزء بدنه الأسفل، وكان سميكا.
قولها : (قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ الله ﷺ فِي هَذَيْنِ) ؛ أي : أنه فارق الدنيا وعليه هذا اللباس.
يعني بعد الفتوحات ومع ذلك مات وعليه اللباس الغليظ، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم أن لا يفتتن بهذه الدنيا ولا ينظر للدنيا نظر المحب المعجب (( الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم))
قال القاري – رحمه الله -: وكأنه إجابة لدعائه – ﷺ -: “اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين”
قال النووي : في أمثال هذا الحديث بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها ، فيجب على الأمة أن يقتدوا وأن يقتفوا على أثره في جميع سيره .
قال القاري::” وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّهُ ﷺ صَارَ غَنِيًّا فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَنِهَايَةِ أَمْرِهِ، نَعَمْ. ظَهَرَ لَهُ الْمُلْكُ وَالْغِنَى، وَلَكِنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ ; لِيَكُونَ مُتَّبِعًا لِجُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُتَّبِعًا لِخُلَاصَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ.”
(صحيح) ٩٧ – عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي تُحَدِّثُ عن عمها قال:(بَيْنَا أَنَا أَمشِي بِالْمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: (ارْفَعْ إزارك فإنه أتقى)
فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ قَالَ: (أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ) . فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إلى نصف ساقيه)
عمة الأشعث اسمها رهم وعمها اسمه عبيد بن خالد المحاربي.
(أَتْقَى) مِنَ التَّقْوَى أَيْ أَقْرَبُ إِلَيْهَا وَأَدَلُّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ غَالِبًا عَلَى انْتِفَاءِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الْوَاوِ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْوِقَايَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ تَوَهَّمُوا أَنَّ التَّاءَ مِنْ أَصْلِ الْحُرُوفِ، فَقَالُوا: تَقَى يَتَّقِي. (جمع الوسائل)
في نسخة أنقى: بالنون أي أنظف من الوسخ، وأبقى أي أكثر دواما للثوب. (تحقيق الألباني)
وفي نسخة أبقى: أي لثوبك لأنك إذا رفعته سلم وطالت مدة بقائه عندك بخلاف ما إذا أرخيته إن لأرض تؤثر فيه.
( بُرْدَةً مَلحَاء) ملحاء؛ مؤنث أملح، وهو يطلق على ما كان مكونا من لونين: أسود وأبيض.
كأنه رضي الله عنه أراد – والله تعالى أعلم – أن يشير إلى أن هذه البردة بهذه الصفة ليست من الثياب التي تدعو إلى فخر أو خيلاء، ولو نزلت عن الكعبين، بل هي بردة متواضعة . (الشيخ عبدالرزاق)
وقد أجاب النَّبِيُّ ﷺ عن ذلك بقوله : (أَمَا لَكَ فِي أَسْوَةٌ؟ فَنَظَرَتْ فَإِذَا إِزَارَهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ) .
ومع هذا فإن بعض الناس – هداهم الله وأصلح بالهم – قد يلازم لبس الثياب المسبلة، وإذا ذهب إلى الحائك أمره أن يخيط ثوبه إلى أسفل الكعبين، ثم يقول : لم أرجه عن خيلاء وكبر.
وإذا علم المسلم أن نبينا صحت عنه أحاديث كثيرة جدا في التحذير من الإسبال، كقوله : مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزارِ فَفِي النَّارِ )) وقوله : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : المُسْبِلُ ، والمَنَّانُ ، والمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ ) فكيف يرضى لنفسه بهذا الوعيد الشديد الذي يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب ؟! .(الشيخ عبدالرزاق)
فيه تغيير المنكر وجاء في صحيح البخاري عَنْ قصة عمر لما طُعن، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ. قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ ؛ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ، قَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ، قَالَ : ابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ، وَأَتْقَى لِرَبِّكَ. …
وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء؛ لذلك لما قال صلى الله عليه وسلم : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاء لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فقالت أم سلمة : فكيف يصنعن النساء بذيولهنَّ ؟ قال : يُرْخِينَ شِبْرًا»، فقالت : إذا تنكشف أقدامهن، قال : فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ (۳) ، والذراع من المرفق إلى أطراف الأصابع.
فالمرأة مأمورة بالستر، وهو يُعد صيانة لها وحفاظا عن النظرات الآثمة الخاطئة، فلذا أمرت بأن ترخي ثوبها هذا الإرخاء، وإن كان الثوب قد يعرض له بعض الوسخ لكن المصلحة في ستر قدميها أكبر وأرجح.
٩٨ – (ضعيف)
عن سلمة بن الأكوع قَالَ:
(كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ ساقيه) وقال:
(صحيح) (هَكَذَا كَانَتْ إِزْرَةُ صَاحِبِي) . يعني النبي ﷺ َ
(صحيح) ٩٩ – عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قال:
أخذ رسول الله ﷺ َ بِعَضَلَةِ سَاقِي أَوْ سَاقِهِ فَقَالَ:
(هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ)
قال الشيخ عبدالرزاق:” وعضلة الساق: هي الشحم المتماسك خلف الساق؛ يعلو نصف الساق بقليل، كما يدل لذلك حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى عَضَلَةِ ساقَيْهِ، ثُمَّ إِلى نِصْفِ سَاقَيْهِ، ثُمَّ إِلَى الكَعْبَيْنِ ، فَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ» رواه أحمد
( هذا موضع الإزار )
وفي رواية النسائي : موضع إلى أنصاف الساقين. ( تحفة الأحوذي)
قال الأتيوبي:” (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: “مَوْضِعُ الإِزَارِ) أي الموضع المحبوب للإزار، والمراد به إزار الرجل، إِذِ المرأة ليست مثله فِي ذلك”
( فإن أبيت فأسفل )
كذا وقعت هذه الجملة مرة واحدة ووقعت في رواية ابن ماجه مرتين هكذا : فإن أبيت فأسفل ، وقوله فأسفل بصيغة الأمر .
( فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين )
وفي رواية النسائي : فإن أبيت فمن وراء الساق ولا حق للكعبين في الإزار . والحديث يدل على أن موضع الإزار إلى أنصاف الساقين ويجوز إلى الكعبين ولا حق للإزار في الكعبين .
قال المباركفورب:” وفي الباب أحاديث غير حديث الباب ، فأخرج أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث أبي جري رفعه قال في أثناء حديث مرفوع : ” وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة ” وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعا : ” ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار ” وللطبراني من حديث ابن عباس رفعه : ” كل شيء جاوز الكعبين من الإزار في النار ” . وله من حديث عبد الله بن مغفل رفعه : ” إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار”
هما جزاءان هذا في النار لما كان ازاره اسفل من الكعبين والآخر لا ينظر الله إليه ولا يكلمه وله عذاب أليم التكبر مع الإسبال ، اختلف الجزاءان يدل على اختلاف الحكمين.