رقم القاعدة: 28 نص القاعدة: المَصَالِحُ وَالمَفَاسِدُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا إِنَّمَا تُفْهَمُ بِمُقْتَضَى مَا غَلَبَ [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة, وما من مفسدة إلا وفيها مصلحة [2].
2 – المصالح الخالصة عزيزة الوجود [3].
3 – المصالح المحضة قليلة وكذلك المفاسد المحضة [4].
قواعد ذات علاقة:
1 – الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد [5] / (متكاملة).
2 – الخطاب الشرعي إنما يتعلق بالمصالح الخالصة والمفاسد الخالصة [6] / (مبيِّنة).
3 – تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة [7] / (متفرعة).
شرح القاعدة:
هذه القاعدة هي أيضا تتضمن تكميلا وتوضيحا لقاعدة ” وضعُ الشرائعِ لمصالح العباد ” [1]؛ فهي تبين المعنى الفعلي للمصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة في واقع الحياة. ومفادها أن ما جاءت به الشريعة من تحصيل للمصالح وتعطيل للمفاسد, إنما يعتبر في جلبه ودفعه الجانبُ الغالب. فما غلب فيه الصلاح والنفع يعدّ مصلحة, ويلزم تحصيله…
وللعلماء في تصوير هذه القاعدة ومدى اطِّرادها, تقديران وتعبيران مختلفان, يمكن إرجاعهما – بعد التأمل – إلى قول واحد جامع:
1 – لقول الأول يرى أن المصالح الخالصة والمفاسد الخالصة, عديمة الوجود في هذه الحياة الدنيا. ففي كل مصلحة شيء من المفسدة, وفي كل مفسدة شيء من المصلحة. وهذا قول كل من ابن العربي / 3 والقرافي / 3 والشاطبي وغيرهم, وإن كان القرافي هو الأكثر تعميما وتوسيعا لمجال هذا الحكم….
2_ القول الثاني يرى أن المصالح الخالصة والمفاسد الخالصة ليست منعدمة, ولكنها بتعبير ابن عبد السلام “عزيزة الوجود” [6]….
3_ وأما الرأي الثالث الجامع, فيمكن استشفافه من خلال الرأيين السابقين. وقد صاغه ابن القيم بقوله: ” وفصلُ الخطاب في المسألة: إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة, فلا ريب في وجودها. وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلةِ إليها, ولا في ذاتها, فليست بموجودة بهذا الاعتبار. إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات, كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة, ولا يُعْبَرُ إليها إلا على جسر من التعب. وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم, وأن من آثر الراحة فاتته الراحة, وأنَّ بحسَب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة, فلا فرحة لمن لا همَّ له, ولا لذة لمن لا صبر له, ولا نعيم لمن لا شقاء له, ولا راحة لمن لا تعب له … وبهذا التفصيل يزول النزاع في المسألة وتعود مسألةَ وفاق” . مفتاح دار السعادة لابن القيم 2/ 15 – 16.
وخلاصة الآراء والنتائج في هذه القاعدة: أن مقصود الخطاب الشرعي والتكليف الشرعي في الأصل هو جلب المصالح الخالصة ودرء المفاسد الخالصة. فالشرع لا يأمر بفساد ولو قليل, ولا ينهى عن صلاح ولو قليل. ولكن بما أن التحصيل الفعلي للمصالح, نقيةً خالصةً من أي مفسدة, وكذلك الاجتناب الفعلي للمفاسد من غير تفويت أي مصلحة, قلما يتأتى في نظام هذه الحياة الدنيا, فإن معظم الأحكام والتكاليف الشرعية تبنى على الاكتفاء والقبول بما كان غالبا.
أدلة القاعدة:
1 – الاستقراء التام لواقع الحياة ونظامها ومصالحها ومفاسدها, الدينية والدنيوية…
قال ابن عبد السلام: ” اللذة والألم عرَضان متلازمان في هذه الدار بحكم العادة المطردة”.
2 – قوله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة – 219].
تطبيقات القاعدة:
الحج لا يتم إلا بكلفة كبيرة في الأوقات والأموال, وفي راحة الأبدان وسلامتها…
الجهاد الحربي فيه من المفاسد والأضرار والشرور المادية والمعنوية – في الأرواح والأبدان والأموال..
في جانب المحرمات, لا نكاد نجد محرما هو شر محض ومفسدة خالصة. ففي كل محرم تقريبا مصالح ومنافع لجهة ما ولشخص ما, ولكن التحريم يقتضي إهدارها, اتقاء للمفاسد الغالبة الراجحة في الاعتبار…. اهـ
قال القرافي:
…ثم استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلَّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد ولو في الكفر فإن فيه تعظيم أهله وعصابته لمن شايعهم وعداوة أهل الحق له وطلب دمه وماله. وكذلك تقول في الإيمان، وإذا كان هذا في أعظم الأشياء مصلحة وأعظمها مفسدة فما ظنك بغيرهما، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر «قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» (1) ، وعلى هذا ما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي، لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح، فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة، فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح المعارض له، وحينئذ تندرج جميع الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور لمعارضته لما تقدم….
[شرح تنقيح الفصول ص87]
قال العز بن عبدالسلام:
[فَائِدَةٌ الْمَصَالِحُ الْمَحْضَةُ]
(فَائِدَةٌ) الْمَصَالِحُ الْمَحْضَةُ قَلِيلَةٌ وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عليه السلام: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» . وَالْمَكَارِهُ مَفَاسِدُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مَكْرُوهَاتٍ مُؤْلِمَاتٍ، وَالشَّهَوَاتُ مَصَالِحُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا شَهَوَاتٍ مَلَذَّاتٍ مُشْتَهَيَاتٍ، وَالْإِنْسَانُ بِطَبْعِهِ يُؤْثِرُ مَا رُجِحَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ، وَيَنْفِرُ مِمَّا رُجِحَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ…
[قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 14]