تتمة شرح سنن الترمذي 673 وقال الإتيوبي: (المسألة الثالثة): في الكلام على زيادة “من المسلمين” في هذا الحديث:
[اعلم]: أنه ذَكَرَ غير واحد أن مالكاً تفرّد بها من بين الثقات، فقال الترمذيّ في “العلل” التي في آخر “الجامع”: وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث: “من المسلمين”. قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيد الله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه “من المسلمين”. وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في “علوم الحديث”.
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله في “شرح الترمذيّ”: ولم ينفرد مالك بقوله: “من المسلمين”، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر، منهم:
عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه عُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها.
فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في “صحيحه”. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في “صحيحه”. وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في “سننه”، والحاكم في “المستدرك”، وقال: إنه صحيح على شرطهما. وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في “صحيحه”، والدارقطنيّ في “سننه”. وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في “بيان المشكل”. وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخيه عبيد الله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: “من المسلمين”، فرواها الدارقطنيّ في “سننه”. وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في “سننه”، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ في “الفتح”: قال ابن عبد البرّ: لم يَختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكاَ تفرّد بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في “صحيح البخاريّ”. وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في “صحيحه”: لم يقل فيه: “من المسلمين” غير مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضاً.
وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: “على كلّ مسلم”. ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: “من المسلمين”. والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه “من المسلمين”. انتهى.
وقد أخرجه الحاكم في “المستدرك” من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرج الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ.
وقال الترمذيّ في “الجامع” بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه “من المسلمين”. وقال في “العلل” التي في آخر “الجامع”: روى أيوب، وعُبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه “من المسلمين”. وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك.
وقال النوويّ في “شرح مسلم”: رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحّاك. انتهى.
قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد، عند الطحاويّ … انتهى.
وقد أخرجه ابن خزيمة في “صحيحه” من طريق عبد الله بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضاً: “من المسلمين”.
قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في “شرحه” تبعاً لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة.
وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ أن القول بأن مالكاً رحمه الله تفرّد بزيادة “من المسلمين” غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب….
(المسألة الخامسة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار، لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى.
واختَلَف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك فاضلاً عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر، وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى.
وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور، وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي. انتهى.
قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في “الجواهر”: لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى.
فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك. انتهى.
وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصاباً من الذهب أو الفضّة، أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلاً عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بدّ منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهماً فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهماً. انتهى.
وفي “مسند أحمد” عن أبي هريرة رضي الله عنه في زكاة الفطر: “على كلّ حرّ، وعبد، ذكرٍ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف صاع من قَمْحٍ”، قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وروى الدارقطنيّ عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أدّوا صاعاً من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه الله، وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى”.
ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قوية، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: “لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول”، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسّك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس”، وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله.
وقال الشوكانيّ رحمه الله في “النيل”: قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى شرعيًّا، واستُدلّ لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى”، أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً، وبالقياس على زكاة المال.
ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى”، كما أخرجه أبو داود. انتهى.
وأخرجه البخاريّ أيضاً بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى.
قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ، والفقير في ذلك، ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره صلى الله عليه وسلم من لا يحلّ له السؤال بمن يملك ما يُغدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم تخصّ غنيًّا، ولا فقيراً، ولا مجالَ للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجداً لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعاً، وفيه: “أغنوهم في هذا اليوم”. وفي رواية للبيهقيّ: “أغنوهم عن طواف هذا اليوم”. وأخرجه أيضاً ابن سعد في “الطبقات” من حديث عائشة، وأبي سعيد رضي الله عنهما، فلو لم يُعتبر في حقّ المخرِج ذلك لكان ممن أُمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ رحمه الله كلام حسنٌ جدًّا.
والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير؛ إذا كان له ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: “على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير”. فالفقير داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} الآية [البقرة: 286]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب…
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن الأنثى على من هو؟:
ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم، وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال نفسها، سواء كانت متزوّجة، أم غير متزوّجة؛ عملاً بظاهر النصّ.
وذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت حاملاً، دون ما إذا كانت حاملاً، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسراً، فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيء، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ. وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة.
وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة، واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر عن الصغير، والكبير، والحرّ، والعبد، ممن تمونون”، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وقال: إسناده غير قويّ، ورواه البيهقيّ أيضاً من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، وفي رواية عن عليّ رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مرسلاً أيضاً، قال النوويّ في “شرح المهذّب”: الحاصل أن هذه اللفظة: “ممن تمونون” ليست بثابتة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضاً الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟:
ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أبٍ وغيره. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان للصغيًر مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانه، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قُوْتَه ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛ لإعساره، وكذا الابن الصغير؛ إذا كان كذلك في الأصحّ.
وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة. قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء. انتهى. ذكره وليّ الدين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: “على الكبير والصغير” من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق، والله تعالى أعلم.
قلت سيف بن دورة : إضافة قال ابن قدامة :
466 – مسألة؛ قال: (وزكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى، من المُسْلِمِينَ)
وجُمْلَتُه أنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مع [الصِّغَرِ والْكِبَرِ] (1)، والذّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، في قولِ أهْلِ العِلْمِ عامَّةً، وتَجِبُ على اليَتِيمِ، ويُخْرِجُ عنه وَلِيُّهُ من مالِهِ، لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ في هذا، إلَّا محمد بن الحسنِ، قال: ليس في مالِ الصَّغِيرِ [من المُسْلِمِينَ] صَدَقَةٌ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الفِطْرِ علَى مَن صامَ من الأحْرَارِ، وعلى الرَّقِيقِ. وعُمُومُ قَوْلِه فَرَضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، من المُسْلِمِينَ، يَقْتَضِي وُجُوبَها على اليَتِيمِ، ولأنَّه مُسْلِمٌ فوَجَبَتْ فِطرتُه كما لو كان له أبٌ.
[تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلًّا بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود رضي الله عنه في “الصحيحين”: يُجمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً … وفيه: ثم ينفخ فيه الروح … الحديث. ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيًّا، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، وقتادة أن عثمان رضي الله عنه كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل؛ أيُزكَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة. انتهى.
فتعقّبه الحافظ العراقيّ رحمه الله في “شرح الترمذيّ” – وأصاب في ذلك – فقال: إنّ استدلالة بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب:
أما قوله: “على الصغير، والكبير”، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحداً أوجب عليه.
وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا الله، كما قال: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} الآية [لقمان: 34]، وربما يُظنّ حملها، وليس بحمل، وقد قال إمام الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم يختلف العلماء في أنّ الحمل لا يملك شيئاً في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده.
قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكراً، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة.
وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعاً من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سليمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من رواية رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: “كان يُعجبهم” ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرعّ بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس.
وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّه، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباحٍ، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه. انتهى.
وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين. وقال ابن عبد البرّ فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر: لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجباً عليه.
قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياساً على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياساً إلخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات”، رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن، وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتاً لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فشْبّه. والله تعالى أعلم.
قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟.
فإن قلت: يُحمل كلامه على إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصحّ تمليكه، ولو مات من يرثه الحمل لم نملّكه، وهو جنين، فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 19/ 89]
—-
إخراج القيمة في زكاة الفطر
اتفق الفقهاء على مشروعية إخراج زكاة الفطر من الأنواع المنصوصة (١) كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه: فرض رسول الله – ﷺ – زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (٢)، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه: كنا تخرج زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب (٣) وأما إخراج قيمتها للفقير، سواء كان ذلك بغير سبب، أو بسبب؛ كحاجة الفقير للنقود، أو تعذر شراء المزكي لزكاة الفطر، أو لكون إخراجها نقدًا هو الأيسر جمعًا وحفظًا ونقلًا وتوزيعًا لجهات الجمع كالجمعيات ونحوها (٤)، فقد اختلف فيه الفقهاء في حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر على قولين:
القول الأول: عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهبُ الجمهور من المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
القول الثاني: جواز إخراج القيمة في في كاة الفطر مُطْلَقًا، وهو مذهب الحنفية (٤).
الأدلة (٥):
أدلة القول الأول:
١ – قول ابن عمر رضي الله عنه: فرض رسول الله – ﷺ – صدقة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير. . (٦).
وجه الدلالة: أن النبي – ﷺ – فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمَنْ عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض (٧).
ونوقش: بأن ذِكْرَ هذه الأنواع ليس للحصر، وإنما هو للتيسير ورفع الحرج، فإخراج تلك الأنواع المنصوصة أيسرُ من إخراج غيرها من الأموال، فقد عين النبي – ﷺ – الطعام في زكاة الفطر لندرته بالأسواق في تلك الأزمان، وشدة احتياج الفقراء إليه لا إلى المال، فإن غالب المتصدقين في عصر النبي – ﷺ – ما كانوا يتصدقون إلا بالطعام (١).
ويجاب: بأننا إن سلمنا بأن ذكر تلك الأصناف ليس للحصر، فهي مقدمة على غيرها ما لم تظهر مصلحة إخراج القيمة، ولا يُسَلَّمُ القول بتسويتها بغيرها، وأن ذِكْرها لكونها هي المتيسرة، لا سيما وأن قيمة زكاة الفطر يسيرة لا تشق على أكثر الناس، فلما لم تذكر القيمة مطلقا دل على تقديم إخراجها طعاما.
٢ – عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كنا نُخْرجها على عهد رسول الله – ﷺ – صاعًا من طعام، وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط (٢).
وجه الدلالة: أن الصحابة رضي الله عنه لم يكونوا يخرجونها من غير الطعام، وتتابعهم على ذلك دليل على أن المشروع إخراجُها طعامًا (٣).
٣ – أن ابن عباس رضي الله عنه قال: فرض رسول الله – ﷺ – الفطر طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعْمةً للمساكين (٤).
وجه الدلالة: أن الطُّعمة تكون بما يُطْعِم، ولا تكون بالدراهم التي تُقْضَى بها الحاجات، مما يدل على أن إخراج زكاة الفطر طعاما مقصود للشارع (١).
٤ – أن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنسٍ معين، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المعين، كما لو أخرجها في غير وقتها المعين (٢).
٥ – أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرًا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به (٣).
٦ – ولأن مُخْرِجَ القيمة قد عَدَلَ عن المنصوص، فلم يُجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد (٤).
ونوقش: بأنه إنما عدل عنه لكون ذلك هو الأصلح للفقير والأدفع لحاجته، مع عدم وجود الدليل المانع من ذلك (٥).
٧ – أن إخراج زكاة الفطر من الشعائر، فاستبدال المنصوص بالقيمة يؤدي إلى إخفائها وعدم ظهورها (٦).
٨ – أن النبي – ﷺ – فرضها من أصناف متعددة مختلفة القيمة، فدل على إرادة الأعيان، ولو كانت القيمة معتبرةً لفَرَضَها من جنس واحد، أو ما يعادله قيمة من الأجناس الأخرى (١).
ونوقش: أولًا: بأن ذلك من قياس الحاضر على الغائب المجهول، فإنهم قاسوا عصرهم على عصر النبي – ﷺ -، وظنوا أن هذه الأشياء لما كانت مختلفةَ القيم في عصرهم، كانت كذلك في عصر النبي – ﷺ -، وهذا أمر يحتاج إلى نقل صريح في إثباته، وإلا فالأزمنة تختلف في الأسعار، ومساواة الأشياء وتفاضلها.
ثانيًا: أن هذه دعوى غير مسلمة، فإن النبي – ﷺ – غاير بين هذه الأشياء ولم يسو بينها (٢).
أدلة القول الثاني (٣):
١ – أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير لقوله – ﷺ -: «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» (٤)، والإغناء يحصل بالقيمة؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة (٥).
ويناقش: بأن الحديث ضعيف، وأن الإغناء كما يكون بالمال يكون بالطعام أيضًا.
٢ – أن الأصل في الصدقة المال، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ (١)، والمال في الأصل ما يملك من الذهب أو الفضة، وبيان الرسول للمنصوص عليه إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لحصر الواجب (٢).
ويناقش: بعدم التسليم بهذا الأصل، فالمال يطلق على كل ما يتمول، ومن ذلك بهيمة الأنعام والحبوب، والأنواع المنصوصة في زكاة الفطر، فالأصل في زكاة كل نوع ما ورد فيه.
٣ – إذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان، فجوازها في الزكاة المفروضة على الرقاب -زكاة الفطر- أولى؛ لأن الشرع أوجب الزكاة في عين الحب، والتمر والماشية، والنقدين، كما في حديث معاذ الذي قاله له النبي – ﷺ – فيه لما بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر» (٣) ولما كان الحال كذلك اقتضت حكمة الشرع البالغة أمر الناس في عهد النبوة بإخراج الطعام ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل لهم فيه عسر، ولا مشقة؛ وذلك لأن النقود كانت نادرة الوجود في تلك الأزمان ببلاد العرب ولا سيما البوادي منها، وخصوصًا الفقراء، فلو أمر بإعطاء النقود في الزكاة المفروضة على الرؤوس لتعذر إخراجها على الفقراء بالكلية، ولتعسر على كثير من الأغنياء الذين كان غناهم بالمواشي والرقيق، والطعام، أما الطعام فإنه متيسر للجميع، ولا يخلو منه منزل إلا من بلغ به الفقر منتهاه، فكان من أعظم المصالح، وأبلغ الحكم العدول عن المال النادر، العسر إخراجه إلى الطعام المتيسر وجوده، وإخراجه لكل الناس.
ويناقش: بعدم التسليم بإطلاق هذا التعليل، إذ التشريع لكل زمان ومكان، كما أن قيمة زكاة الفطر يسيرة، والدراهم والدنانير كانت شائعة في زمنهم، ولا تشق على كثير منهم، مع كون الزكاة فيها معنى التعبد الذي يتحقق يقينًا بإخراج الطعام في زكاة الفطر.
٤ – أن النبي – ﷺ – غاير بين القدر الواجب من الأعيان المنصوص عليها، مع تساويها في كفاية الحاجة، وسد الخلة فأوجب من التمر والشعير صاعًا، ومن البر نصف صاع (١)، وذلك لكونه أعلى ثمنًا لقلته بالمدينة في عصره، فدل على أنه اعتبر القيمة، ولم يعتبر الأعيان، إذ لو اعتبرها لسوى بينها في المقدار (١).
ويناقش: بأن اعتبار القيمة هنا لا يلغي اعتبار النوع، فهما جميعًا معتبران.
٥ – أن النبي – ﷺ – قال للنساء يوم عيد الفطر: «تصدقن ولو من حليكن» (٢).
وجه الدلالة: أن النبي – ﷺ – لم يستثن صدقة الفرض من غيرها (٣).
ويناقش: بأنه لو كان المقصود زكاة الفطر لما أمرهن بها فى الخطبة بعد الصلاة، وقد أمر المسلمين أن يؤدوها قبل الصلاة (٤).
٦ – أن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (٥).
وجه الدلالة: أن المال هو المحبوب، فإن كثيرًا من الناس يهون عليه إطعام الطعام، ويصعب عليه دفع ثمن ذلك للفقراء، بخلاف الحال في عصر النبي – ﷺ -، ولذا كان إخراج الطعام في حقهم أفضل لأنه أحب، وإخراج المال في عصرنا أفضل، لأنه إلينا أحب (٦).
ويناقش: بأن هذا التفريق بين العصرين في ذلك لا دليل عليه، ثم إنه لو سلم فيحمل على صدقة التطوع، أما الفرض فيتبع فيه المشروع، ويكون هو الأفضل.
٧ – أنه – ﷺ – قال: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» (١)
وجه الدلالة:
أن النبي – ﷺ – قيد الإغناء بيوم العيد ليعم السرور جميع المؤمنين، ويستوي فيه الغني والفقير، وهذا المعنى لا يحصل اليوم بإخراج الحب الذي ليس هو طعام الفقراء والناس كافة، ولا في إمكانهم الانتفاع به ذلك اليوم حتى لو أرادوا اقتياته على خلاف العادة (٢).
ويناقش: بما تقدم من تضعيف الحديث (٣).
٨ – أن مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وحيثما دارت تدور معها، فالشريعة كلها مبنية على المصالح ودرء المفاسد (٤).
ويناقش:
أن ذلك مسلم فيما إذا كانت المصلحة الظاهرة في إخراج القيمة، أما إذا كان ثم مصلحة معتبرة في إخراج الطعام فهو مقدم لكونه ورد النص به.
الترجيح:
يترجح القول بمنع إخراج القيمة في زكاة الفطر، فإن عدم انتفاع الفقير بها لاستغنائه عن الطعام فإن القول بجواز إخراج القيمة عندئذ متجه، وفي مثل ذلك يقول شيخ الإسلام في إخراج القيمة في زكاة المال: «وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك -إلى قوله- والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ولهذا قدر النبي – ﷺ – الجبران بشاتين أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع ردئية، وقد يقع في التقويم ضرر؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل، فلا بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه ولا يكلّف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء كما نقل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار (١)؛ وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل في الجزية (٢). ويمكن أن يستفاد من ذلك منعه إخراج القيمة في زكاة الفطر أيضًا إلا عند الحاجة أو المصلحة؛ لانتفاء الفارق المؤثر في مثل هذا الحكم بين زكاة الفطر وزكاة المال، وهو ما يفهم أيضا من قوله في بداية الفتوى: «أما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك».
ومنه يتبين ترجح ذلك لما يلي:
١ – أن فيه جمعًا بين أدلة القولين في الجملة مع المحافظة على الأصل، وهو إخراج الأنواع المنصوصة.
٢ – أن النصوص حددت إخراج زكاة الفطر من الأنواع المذكورة، وما في حكمها من الأطعمة، فهي مقدمة في الإخراج على المال، لا سيما وأن في الزكاة شائبة التعبد، إلا أن ذلك لا يلغي اشتمالها على معنى مناسب ينبغي مراعاته عند الاقتضاء.
٣ – أنه شرع إخراج القيمة في زكاة الفطر عند وجود المصلحة لعدم وجود المانع المطلق من إخراج قيمة زكاة الفطر، فليس دفع القيمة ضد البدل المنصوص بل هو عوض عنه، وبذلك يمكن الجمع بين الأدلة في المسألة.
نوازل الزكاة ١/٥١٩-٥٣٠