[1ج/ رقم (615)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (615)]:
قال الترمذي رحمه الله (ج ٤ ص ٤٠٥): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال أبو عبد الرحمن: هو صحيحٌ على شرط البخاري.
الحديث أخرجه النسائي (ج ٧ ص ٣٠٣)، وابن ماجه (ج ٢ ص ٨١٥)، وعندهما: بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
* قال الإمام أحمد رحمه الله (٢١٠٩): حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا رِزْقًا لِعِيَالِهِ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط البخاري. ويزيد هو ابن هارون، وهشام هو ابن حسان.
* وقال الإمام أحمد رحمه الله (٢٧٢٤): حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَعْنَى قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ (١) حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدًا يُحَوَّلُ لِآلِ مُحَمَّدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ أَدَعُ مِنْهُ دِينَارَيْنِ إِلَّا دِينَارَيْنِ أُعِدُّهُمَا لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ» فَمَاتَ وَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا وَلِيدَةً وَتَرَكَ دِرْعَهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا هلال بن خَبَّابٍ، وقد وثَّقه أحمد وابن معين وغيرهما، كما في «تهذيب التهذيب».
———
وفي حاشية الصحيح المسند:
(١) ثابت هو ابن يزيد الأحول، من رجال الجماعة.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الترمذي في السنن، 12- أبواب البيوع، باب: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، (١٢١٤).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
10- كتاب البيوع، ٤٤ – الرهن، (١٧٤٧).
١٤ – كتاب الشمائل المحمدية، ٢٢ – زهده في الدنيا، (٢١٨٥).
وفي ٢٠ – كتاب الزهد، ٢ – الزهد في الدنيا، تحت حديث: (٢٨٧٦).
وقال الألباني رحمه الله تعالى في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (5/ 230 وما بعدها):
“أخرجه النسائى والترمذى والدارمى (٢/٢٥٩ – ٢٦٠) والبيهقى وأحمد (١/٢٣٦ و٣٠٠ و٣٦١) .
وقال الترمذى: “حديث حسن صحيح”. قلت: وهو على شرط البخارى”. انتهى.
[للفائدة]
في الإرواء حديث رقم: ((١٣٩٣) – : «أن النبى ﷺ استقرض من يهودى شعيرا ورهنه درعه ». متفق عليه
[وقال الألباني في الحاشية: “كذا الأصل (استقرض) ولعله محرف من «اشترى» فإنه بهذا اللفظ في الصحيحين وغيرهما، ثم تأكدت أنه محرف، فقد أعاده المصنف برقم (١٣٩٤) على الصواب”. انتهى]
قال الشيخ الألباني في تعليقه :.
وقد ورد من حديث جماعة من أصحاب النبى ﷺ منهم عائشة، وأنس ابن مالك، وعبد الله بن عباس، وأسماء بنت يزيد.
١ – أما حديث عائشة، فيرويه الأسود بن يزيد عنها: «أن النبى ﷺ اشترى من يهودى طعاما إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد».
أخرجه البخارى (٢/٩ و١٥ – ١٦ و٣٥ و٤٦ و٨٢ و١١٥ و١١٦) ومسلم (٥/٥٥) وكذا النسائى (٢/٢٢٥ و٢٣٠) وابن ماجه (٢٤٣٦) وابن الجارود (٦٦٤) والبيهقى (٦/٣٦) وأحمد (٦/٤٢ و١٦٠ و٢٣٠) .
وفى لفظ: «توفى النبى ﷺ، ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير».
أخرجه البخارى (٢/٢٢٨ و٣/١٩٢) والبيهقى وأحمد (٦/٢٣٧) .
٢ – وأما حديث أنس، فيرويه قتادة عنه قال: «مشيت إلى النبى ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولقد رهن له درع عند يهودى بعشرين صاعا من طعام، أخذه لأهله، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى فى آل محمد صاع تمر، ولا صاع حب، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة».
أخرجه البخارى (٢/٩ – ١٠ و١١٥) والنسائى (٢/٢٢٤) والترمذى (١/٢٢٩) وابن ماجه (٢٤٣٧) بقضية الرهن فقط، وكذا ابن حبان (١١٢٤) والبيهقى وأحمد (٣/١٣٣ و٢٠٨ و٢٣٨) واللفظ للترمذى وقال: «حديث حسن صحيح».
وفى لفظ لأحمد والبيهقى: «… عند يهودى بالمدينة، أخذ منه طعاما، فما وجد لها ما يفتكها به».
وكذا أخرجه أحمد أيضا (٣/١٠٢) من طريق الأعمش عن أنس، ولفظه: «كانت درع رسول الله ﷺ مرهونة، ما وجد ما يفتكها حتى مات» ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن الأعمش مدلس وقد عنعنه، وهو وإن كان رأى أنسا، فإنه لم يثبت له سماع منه.
٣ – وأما حديث ابن عباس، فيرويه عكرمة عنه قال: «توفى رسول الله ﷺ، ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير لأهله».
أخرجه النسائى والترمذى والدارمى (٢/٢٥٩ – ٢٦٠) والبيهقى وأحمد (١/٢٣٦ و٣٠٠ و٣٦١) .
وقال الترمذى: » حديث حسن صحيح«. قلت: وهو على شرط البخارى.
٤ – وأما حديث أسماء بنت يزيد، فيرويه شهر بن حوشب عنها به مختصرا.
أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٨) وأحمد (٦/٤٥٣ و٤٥٧)”. انتهى المراد من كلام الألباني رحمه الله تعالى.
والثاني: شرح وبيان الحديث
[قال الترمذي رحمه الله (ج ٤ ص ٤٠٥): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ].
وفي رواية البخاريّ، من حديث أنس -رضي الله عنه-: «ولقد رَهَنَ درعًا له، عند يهوديّ بالمدينة، وأخذ منه شعيرًا لأهله».
وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعًا، كما هو عند البخاريّ من حديث عائشة -رضي الله عنها- في «الجهاد»، وأواخر «المغازي»، وكذلك رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، والطبرانيّ وغيرهم من طريق عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأخرجه الترمذيّ، من هذا الوجه، فقال: «بعشرين».
قال الحافظ رحمه الله: ولعلّه كان دون الثلاثين، فَجُبِر الكسر تارة، وأُلغي أخرى، ووقع لابن حبان من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس -رضي الله عنه-: أن قيمة الطعام كانت دينارًا، وزاد أحمد من طريق شيبان في آخره: «فما وَجَد ما يفتكّها به حتى مات».
(بِنَسِيئَةٍ) وفي الرواية الآتية: «إلى أجل»، وقد تبيّن مدة الأجل عند ابن حبّان في «صحيحه» من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: أنه سنة (فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا) وفي الرواية التالية: «ورهنه درعًا له من حديد». وهو بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، قال صاحب «التنبيه»: هي ذات الفضول [اسم لدرع النبيّ -ﷺ-]، قاله غير واحد. انتهى [«تنبيه المعلم» ص ٢٦٩].
قال في «الفتح»: واستُدِلّ به على جواز بيع السلاح من الكافر، ووقع عند البخاريّ في أواخر «المغازي» من طريق الثوريّ، عن الأعمش، بلفظ: «تُوفّي رسول الله -ﷺ-، ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعًا من شعير»، وفي حديث أنس، عند أحمد: «فما وجد ما يَفتَكُّها به».
وفيه: دليل على أن المراد بقوله -ﷺ-، في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «نَفْس المؤمن مُعَلَّقة بدَينه، حتى يُقضَى عنه»، وهو حديث صححه ابن حبان وغيره، محله في غير نَفْس الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدَين، فهي خصوصية، أو لمن لم يَترك عند صاحب الدَّين ما يحصل له به الوفاء، واليه جنح الماورديّ.
عندي أن محمل حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المذكور: «نفس المؤمن معلّقة إلخ …» أن يكون متساهلًا في الدَّين، بأن كان غير عازم على أدائه، أو ماطل صاحبه مع قدرته على الوفاء، والحجة في هذا ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أَدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»، فهذا نصّ صريح في أن من كانت نيّته صالحة في أداء دَينه، فإن الله عز وجل يؤدّي عنه إن مات قبل الأداء، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال: وذكر ابن الطلاع في «الأقضية النبوية»: أن أبا بكر افْتَكّ الدرع بعد النبيّ -ﷺ-، لكن رَوَى ابن سعد عن جابر -رضي الله عنه- أن أبا بكر -رضي الله عنه- قضى عِدَات النبيّ -ﷺ-، وأن عليًّا قَضَى ديونه، ورَوَى إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن الشعبيّ، مرسلًا أن أبا بكر افْتَكّ الدرع، وسلّمها لعليّ بن أبي طالب.
وأما من أجاب بأنه -ﷺ- افتكها قبل موته، فمعارَض بحديث عائشة -رضي الله عنها- المذكور، أفاده في «الفتح» [«الفتح» ٦/ ٣٢٨ – ٣٢٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى [البحر المحيط الثجاج، (28/ 36)].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): معاملة أهل الذمة في البيع والشراء:
معاملة أهل الذمة وغيرهم من المشركين في البيع والشراء جائزة، ولم يخالف في ذلك أحد؛ لأن رسول الله – ﷺ، مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام لأهله – ﷺ.
قال ابن حجر – رحمه الله -: واليهودي هو أبو الشحم اسمه كنيته، من بني ظفر من بطن الأوس، وكان حليفا لهم، بينه الشافعي ثم البيهقي. قال: وفي الحديث جواز معاملة الكافر فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة من كان أكثر ماله حراما، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيا، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم. انتهى [الفتح ج٥ ص١٤١].
وقال ابن القيم الجوزية: ثبت أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – اشترى من يهودي سلعة إلى ميسرة، وثبت أنه رهن درعه عند يهودي في ثلاثين وسقا من شعير، وثبت أنه – ﷺ – زارعهم وساقاهم، وثبت أنه – ﷺ – أكل من طعامهم، وفي كل ذلك قبول قولهم أن ذلك الشيء ملكهم، وأنه شاركهم في زرع خيبر وثمرها. قال: وقال إسحاق ابن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يشارك اليهود والنصارى؟ فقال: يشاركهم، ولكن يلي هو البيع والشراء، ذلك أنهم يأكلون الربا ويستحلون الأموال. انتهى.
قال المعلق: ومثله في المدونة لسحنون: والمعنى أن هذا قول مالك بن أنس – رحمه الله -. [أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٦٩].
وقال سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -: لا مانع من معاملتهم في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك. فقد صح عن النبي – ﷺ – أنه قد اشترى من الكفار عباد الأوثان واشترى من اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام لأهله. [فتاوى ومقالات ابن باز ج٤ ص٢٦٦].
وقد ذكر ابن قدامة في المغني: أن عمر – رضي الله عنه – كان يسمح لليهود والنصارى بدخول المدينة لبيع بضائعهم بعد أن أجلاهم من جزيرة العرب. ويشتري منهم المسلمون، غير أنهم لا يقيمون بها [المغني لابن قدامة ج١٣ ص٢٤٤].
ومما تقدم من أقوال العلماء القدامى والمعاصرين يتضح لنا جواز التعامل مع الكفار والمشركين في البيع والشراء والرهن والاقتراض والقرض، وهو منطوق الأحاديث الواردة في ذلك، وفي هذا التوسيع على المسلمين في جواز التعامل معهم، والله أعلم. [مجلة البحوث الإسلامية، (70/ 242 – 244)، بتصرف يسير].
(المسألة الثانية): مطالب في معالم الرهن
(المطلب الأول): تعريف الرهن:
«الرهن» -بفتح أوله وسكون الهاء- في اللغة: الاحتباس، من قولهم: رَهَنَ الشيءُ من باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ الآية [المدثر: ٣٨].
وفي الشرع: جعلُ مال وثيقةً على دَين،
«الفتح». [«الفتح» ٦/ ٣٢٥].
وقال ابن قُدامة رحمه الله في «المغني»:
وهو جائز بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]،
وأما السُّنَّة: فروت عائشة -رضي الله عنهما-: «أن رسول الله -ﷺ-، اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعه» متفق عليه، ورَوَى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الظهر يُركب بنفقته، إذا كان مرهونًا، ولبن الدرّ يُشْرَب بنفقته، إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب، ويشرب: النفقة»، رواه البخاريّ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يَغلَقُ الرهنُ» [قال الإتيوبي معلقا في حاشية البحر الثجاج: “رواه ابن ماجه في «سننه» ٢/ ٨١٦، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن حُميد الرازيّ، ضعّفه الجمهور، وشيخه سيئ الحفظ”. انتهى].
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله [«المغني» ٦/ ٤٤٣ – ٤٤٤] [البحر المحيط الثجاج].
(المطلب الثاني): هل يشرع الرهن في الحضر، أم هو خاص في السفر؟
- ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاص في السفر؛ لأنَّ الآية دلت على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وهو قول مجاهد، والضحاك، والظاهرية؛ إلا أن ابن حزم أجازه في الحضر على سبيل التطوع لا الإلزام.
- وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الرهن يُشرع في السفر والحضر، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها، وجاء بنحوه عن أنس في «البخاري» (٢٥٠٨)، وفي الترمذي (١٢١٤) وغيره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أخذه لأهله. قالوا: والوثيقة على الدين يحتاج إليها في الحضر كما يحتاج إليها في السفر، وإنما القيد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. فتح العلام. [وانظر: «المغني» (٦/ ٤٤٤) «الفتح» (٢٥٠٨)].
(المطلب الثالث): هل الرهن واجب؟
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (٦/ ٤٤٤): وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ.
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرْشَادٌ لَنَا، لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا. اهـ
(المطلب الرابع): الرهن من جائز التصرف.
ذكر أهل العلم أنَّ الراهن يُشترط فيه أن يكون جائز التصرف بأن يكون مكلفًا، رشيدًا، ليس محجورًا عليه؛ لصغرٍ، أو جنونٍ، أو سفهٍ، أو فلسٍ،
وأن يرهن ما هو مالك له، أو مأذون له فيه. [انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٦) «الحاوي الكبير» (٦/ ٨) «بداية المجتهد» (٣/ ٦٥)].
(المطلب الخامس): هل عقد الرهن لازم أم جائز؟
عقد الرهن عند أهل العلم لازم من قِبَل الراهن، جائزٌ من قِبَلِ المرتهن، بمعنى: أنَّ المرتهن له أن يتخلى عنه ويعيده إلى صاحبه، والراهن ليس له الحق في الرجوع فيه إلا بإذن المرتهن. [انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٦) «تكملة المجموع» (١٣/ ١٦٤) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٧) «الحاوي» (٦/ ٤)].
(المطلب السادس): متى يلزم الرهن؟
- جمهور العلماء على أنَّ الرهن يلزم بقبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فَوَصْفُ الرِّهانِ بالقبض يدلُّ على أنَّ ذلك واجبٌ فيها.
- وذهب مالك، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الرهن يلزم بالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، والقبض من تمام اللزوم، واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-، وهو الصواب، وأما الآية فلا يستفاد منها أنَّ الرهن لا يلزم إلا بالقبض، بل فيها الأمر بقبض الرهن، وليس فيه أنه لا يلزم على الراهن الرهن حتى يقبضه المرتهن، والله أعلم. [انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٣٥ – ١٤٠) «المغني» (٦/ ٤٤٥ – ٤٤٦) «الحاوي» (٦/ ٧) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠)].
(المطلب السابع): هل استدامة القبض شرط للزوم الرهن؟
- اشترط ذلك الجمهور، واستدلوا بالآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، قالوا: فإذا أعاده إلى الراهن خرج عن كونه رهنًا؛ فإن أعاده إليه عاد إلى كونه رهنًا.
- وذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أنَّ استدامة القبض ليس شرطًا، ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين؛ لأنه لا يشترط القبض في لزوم الرهن ابتداء، فلا يشترط فيه للاستدامة، ومعنى هذا أنه إذا أعطى الراهن لينتفع به ثم يعيده؛ لم يخرج عن كونه رهنًا قبل الإعادة، وله أحكام الرهن، وهذا هو الصواب. [انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٨ -) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٠)].
(المطلب الثامن): كيفية القبض للرهن ؟
ذكر أهل العلم أنَّ القبض في الرهن كالقبض في البيع؛ فإنْ كان منقولًا فقبضه نقله، وإن كان أثمانًا أو شيئًا خفيفًا يمكن قبضه باليد؛ فقبضه تناوله بها، وإن كان مكيلًا، أو موزونًا؛ فقبضه بكيله، أو وزنه مع تحويله، وإن كان عقارًا، أو ثمرًا على شجرة؛ فقبضه بالتخلية. [انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٠) «الحاوي» (٦/ ٩) «المحلى» (١٢١٢)].
(المطلب التاسع): إذا رهنه دارًا، فانهدمت قبل القبض؟
قال ابن قدامة -رحمه الله- (٦/ ٤٥٥): وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا؛ لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا. اهـ
(المطلب العاشر): التوكيل في قبض الرهن.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (٦/ ٤٥٣): وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ؛ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ. اهـ.
(المطلب الحادي عشر): إذا أرهن عينين، فتلفت إحداهما؟
إن كان تلفها قبل قبض المرتهن لها؛ فله الخيار إذا كان بيعًا بشرط الرهن، وأما إن كان بعد القبض؛ فليس له الرجوع على الراهن برهن آخر، والله أعلم. [انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٤ – ٤٥٥)].
(المطلب الثاني عشر): إذا أزيل الرهن من يد المرتهن بغير حق؟
قال أبو محمد بن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (٦/ ٤٤٩): وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ. اهـ
(المطلب الثالث عشر): متى يسلم الرهن؟
إذا أعطاه الرهن مع العقد جاز، ولا نعلم فيه خلافًا.
- وأما إذا أعطاه الرهن بعد العقد، فأجازه أكثر أهل العلم، وخالف ابن حزم فقال: لا يكون رهنًا إلا مع العقد؛ لأنَّ الله أمر بالرهن مع الدين.
والصحيح هو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
- وأما إذا سلم الرهن قبل عقد البيع، أو القرض: فمذهب الشافعي، والحنابلة المنع من ذلك؛ لأن الرهن هو وثيقة عن دين، ولا يحصل ذلك الدين حتى يعقد.
- وذهب مالك، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى الجواز. [فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ].
وراجع [«المغني» ٦/ ٤٤٤ – ٤٤٥]،
والرابع: فوائد الحديث:
١ – (منها): بيان مشروعيّة الرهن عند الشراء إلى أجل، قال القرطبيّ رحمه الله: فيه من الفقه جواز أخذ الدَّين عند الحاجة، وجواز الاستيثاق بالرهن، والكفالة في الدَّين والسَّلَم، وقد مَنَعَ الرهن في السلم زُفرُ، والأوزاعيّ، وحديث عائشة -رضي الله عنها- هذا حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين والسَّلم، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. انتهى [«المفهم» ٤/ ٥١٨].
٢ – (ومنها): جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمّة.
٣ – (ومنها): جواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا مجاهدًا، وداود، فقالا: لا يجوز إلا في السفر؛ تعلُّقًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، وهو مقدَّم على دليل خطاب الآية، قاله النوويّ رحمه الله [«شرح النوويّ» ١١/ ٤٠].
٤ – (ومنها): جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٦/ ٣٢٧].
وقال القرطبيّ رحمه الله: فيه دليلٌ على جواز معاملة أهل الذمّة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، ويأكلون الربا؛ لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يُقرّ على ذلك، ولا يُترك بيده، ولا يجوز أن يعامَل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدّق بما بيده منه.
وأما أهل الحرب، فيجوز أن يُعامَلوا، ويُشترى منهم كلّ ما يجوز لنا شراؤه، وتملّكه، ويباع لهم كلّ شيء من العروض، والحيوان، ما لم يكن ذلك مُضرًّا بالمسلمين، مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدّته، وما يُخاف أن يَتقَوّوا به على المسلمين، فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم ، ولا من أهل الذّمّة مسلم ، ولا مصحف، وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب الحرير، ولا الكتّان، ولا البُسُط؛ لأنهم يتجمّلون بذلك في حروبهم، ولا الطعام، لعلهم أن يضعفوا. انتهى [«المفهم» ٤/ ٥١٨].
وقال النوويّ رحمه الله: وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمّة وغيرهم من الكفار إذا لم يُتَحَقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحًا، وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دِينهم، ولا بيع مصحف، ولا العبد المسلم لكافر مطلقًا، والله أعلم. انتهى [«شرح النوويّ» ١١/ ٤٠].
٥ – (ومنها): أنه استُنبِط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام.
٦ – (ومنها): جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجارته، وغير ذلك من الكافر، ما لم يكن حربيًّا.
٧ – (ومنها): ثبوت أملاك أهل الذمّة في أيديهم.
٨ – (ومنها): جواز الشراء بالثمن المؤجل.
٩ – (ومنها): اتخاذ الدروع والْعُدَد، وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل.
١٠ – (ومنها): أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها قاله ابن المنير.
١١ – (ومنها): أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير، قاله الداوديّ.
١٢ – (ومنها): أن القول قول المرتهن في قيمة المرهون مع يمينه، حكاه ابن التين.
١٣ – (ومنها): أن فيه بيانَ ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع، والزهد في الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادّخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير.
١٤ – (ومنها): أنه فيه فضيلةَ أزواجه -ﷺ- لصبرهنّ معه على ذلك رضي الله تعالى عن جميعهنّ.
[فائدة]: قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: الحكمة في عدوله -ﷺ- عن معاملة مياسير الصحابة، إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خَشِي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا، أو عِوَضًا، فلم يُرِد التضييق عليهم؛ فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك، وأكثر منه، فلعله -ﷺ- لم يُطلِعهم على ذلك، وإنما أطلع عليه من لم يكن موسرًا به ممن نقل ذلك، والله تعالى أعلم، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٦/ ٣٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].
15 – قال ابن تيمية:
كان النبيّ – صلى الله عليه وسلم – يتّخذ السيفَ، والرّمحَ، والقوسَ، والكِنانةَ، التي هي الجُعبة للنُّشّاب، وهي من جلود.
وكان يلبس على رأسه البيضة ــ التي هي الخُوذة ــ، والمِغْفَر. وعلى بدنه الدِّرْع، التي يقال لها: السّرديّة والزّرديّة.
ويلبس القميصَ، والجُبّة، والفَرُّوج، الذي هو نحو القَبَاء ، والفَرَجيّة، ولبس القَباء أيضًا.
ولبس في السفر جُبّة ضيّقة الكُمّين، ولبس الإزار والرداء، واشترى رِجْل سروايل، وكانوا يلبسون السراويلات أيضًا بإذنه.
وكان يلبس الخُفّين ويمسح عليهما، ويلبس النِّعال التي تسمّى: التواسم.
وكان يركب الخيل والإبل والحمير، وركب البغلة أيضًا، وكان يركب الفرس تارة عُرْيًا، وتارة مُسْرَجًا، ويطرده، وكان يُرْدِف خلفَه، [ق ٥٤] وتارة يردف خلفَه وقُدّامه، فيكونون ثلاثة على دابّة.
وكان يتّخذ الغنم أيضًا.
وكان له الرقيق أيضًا.
ولم يكن يجتمع في ملكه في الوقت الواحد من هذه الأمور شيء كثير، بل لمَّا مات لم يكن عنده من ذلك إلا شيء يسير. خَلّف درعَه وكانت مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعيرٍ ابتاعها لأهله.
وفي «صحيح البخاري» عن عَمْرو بن الحارث ــ خَتَن رسول الله – ﷺ – أخي جُوَيريَة بنت الحارث ــ قال: «ما ترك رسول الله – ﷺ – عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمةً، ولا شيئًا إلا بغلتَه البيضاء، وسلاحَه، وأرضًا جَعَلها صدقة».
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله – ﷺ – دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء».
وعن ابن عباس: أنّ رسول الله – ﷺ – مات ودِرْعه رَهْنٌ عند يهوديّ بثلاثين ــ وروي: بعشرين ــ صاعًا من شعير، أخذه لأهله.
رواه أهل السنن ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي «الصحيحين» عن عائشة: أنّ رسول الله – ﷺ – اشترى من يهوديٍّ طعامًا إلى أجل، ورَهَنَه دِرْعًا له من حديد.
وكذلك في «البخاري» عن أنس بن مالك قال: قد رَهَن النبيّ – ﷺ – درعَه بشعير.
فهذه الأحاديث تبيّن أنّه حين الموت لم يكن عنده خيل، ولا إبل، ولا غَنَم، ولا رقيق، وإنما ترك البغلةَ والسِّلاحَ، وبعضُ السلاح مرهون، ولكن مَلَك هذه الأمور في أوقات متفرِّقة.
والمعروف أنّه كان يكون عنده الواحد من ذلك، فيكون له فرس واحدٌ، وناقةٌ واحدةٌ.
ولم يملك من البغال إلا بغلة واحدة، أهداها له بعض الملوك . ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب. بل لمَّا أُهْديت له البغلة، قيل له: ألا نُنْزِي الخيلَ على الحُمُر؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .
وكذلك آلات السّلاح، كالسّيف والرّمح والقوس، لم يُذْكَر عنه أنه كان يقتني لنفسه أكثر من واحد.
وأما الغنم؛ فقد رُوِيَ أنه اقتنى مئة شاة، وقال: «إنّ لنا مئة شاة، لا نريد أن تزيد، فكلما ولَّدَ الراعي بهمةً ذبحنا مكانها أخرى»…
جامع المسائل – ابن تيمية – ط عطاءات العلم[[١٢٣/٧-١٢٦]]
16 – حقيقة الزهد :
وَمِنْ مَنَازِلِ «﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]» مَنْزِلَةُ الزُّهْدِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ….
وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ التَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِخْبَارِ بِخِسَّتِهَا، وَقِلَّتِهَا وَانْقِطَاعِهَا، وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا. وَالتَّرْغِيبِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْإِخْبَارِ بِشَرَفِهَا وَدَوَامِهَا. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَقَامَ فِي قَلْبِهِ شَاهِدًا يُعَايِنُ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَيُؤْثِرُ مِنْهُمَا مَا هُوَ أَوْلَى بِالْإِيثَارِ.
وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الزُّهْدِ وَكَلٌّ أَشَارَ إِلَى ذَوْقِهِ. وَنَطَقَ عَنْ حَالِهِ وَشَاهِدِهِ. فَإِنَّ غَالِبَ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ عَنْ أَذْوَاقِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ. وَالْكَلَامُ بِلِسَانِ الْعِلْمِ أَوْسَعُ مِنَ الْكَلَامِ بِلِسَانِ الذَّوْقِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ – قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ – يَقُولُ: الزُّهْدُ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ. وَالْوَرَعُ تَرْكَ مَا تَخَافُ ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَأَجْمَعِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ. لَيْسَ بِأَكْلِ الْغَلِيظِ، وَلَا لُبْسِ الْعَبَاءِ ….
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الزُّهْدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ تَرْكُ الْحَرَامِ. وَهُوَ زُهْدُ الْعَوَامِّ. وَالثَّانِي تَرْكُ الْفُضُولِ مِنَ الْحَلَالِ. وَهُوَ زُهْدُ الْخَوَاصِّ. وَالثَّالِثُ تَرْكُ مَا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ. وَهُوَ زُهْدُ الْعَارِفِينَ.
وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ، مَعَ زِيَادَةِ تَفْصِيلِهِ وَتَبْيِينِ دَرَجَاتِهِ. وَهُوَ مِنْ أَجْمَعِ الْكَلَامِ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رضي الله عنه مِنْ هَذَا الْعِلْمِ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. وَقَدْ شَهِدَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِإِمَامَتِهِ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا الزُّهْدُ.
وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعَارِفُونَ أَنَّ الزُّهْدَ سَفَرُ الْقَلْبِ مِنْ وَطَنِ الدُّنْيَا، وَأَخْذُهُ فِي مَنَازِلِ الْآخِرَةِ. وَعَلَى هَذَا صَنَّفَ الْمُتَقَدِّمُونَ كُتُبَ الزُّهْدِ. كَالزُّهْدِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلِوَكِيعٍ، وَلِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، وَلِغَيْرِهِمْ.
وَمُتَعَلِّقُهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ. لَا يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ اسْمَ الزُّهْدِ حَتَّى يَزْهَدَ فِيهَا. وَهِيَ الْمَالُ، وَالصُّوَرُ، وَالرِّيَاسَةُ، وَالنَّاسُ، وَالنَّفْسُ، وَكُلُّ مَا دُونُ اللَّهِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ رَفْضَهَا مِنَ الْمُلْكِ. فَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَدَاوُدُ عليهما السلام مِنْ أَزْهَدِ أَهْلِ زَمَانِهِمَا. وَلَهُمَا مِنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ وَالنِّسَاءِ مَا لَهُمَا. وَكَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ أَزْهَدِ الْبَشَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. وَكَانَ عَلِيُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ وَعُثْمَانُ – رضي الله عنهم – مِنَ الزُّهَّادِ. مَعَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ. …
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الزُّهْدِ، كَلَامُ الْحَسَنِ أَوْ غَيْرِهِ: «لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ. وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقُ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ – إِذَا أُصِبْتَ بِهَا – أَرْغَبُ مِنْكَ فِيهَا لَوْ لَمْ تُصِبْكَ» . فَهَذَا مِنْ أَجْمَعِ كَلَامٍ فِي الزُّهْدِ وَأَحْسَنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا
مدارج السالكين – ط الكتاب العربي ٢/١٣
وقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدنيا واستراح منها، وإنما الزاهدُ مَنْ زَهِدَ في الدنيا، وتَعِبَ فيها للآخرة.
فالزهد في الدنيا يُرَادُ به تفريغُ القلب من الاشتغال بها؛ ليتفرغَ لطلب الله، ومعرفَتِهِ، والقرب منه، والأنْسِ به، والشوقِ إلى لقائه.
جامع العلوم والحكم – ت أبي النور ٢/٨٨٣ — ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥)
17 – شبهه والرد عليها :
قال ابن كثير :
فصل
وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، وحاول بعضهم أن يرد خبر أبى بكر رضي الله عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ الآية. وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. واستدلالهم بهذا باطل من وجوه، أحدها أن قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ إنما يعنى بذلك في الملك والنبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بنى إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه وكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده …
وأما قصة زكريا فإنه عليه السلام من الأنبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف؟ وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله – أن لو كان له مال – وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بنى إسرائيل، وحملهم على السداد. ولهذا قال تعالى: ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ القصة بتمامها. فقال وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، يعنى النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. وقد تقدم
في رواية أبى سلمة عن أبى هريرة عن أبى بكر. أن رسول الله ﷺ قال: «النبي لا يورث» وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء وقد حسنه الترمذي.
وفي الحديث الآخر «نحن معشر الأنبياء لا نورث».
والوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون – وليس الأمر كذلك – لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.
والثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، واعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا. فإنه
قال: «لا نورث ما تركناه صدقة» إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون
قوله عليه السلام «ما تركنا صدقة» أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه على ما تقدم وهو الظاهر
حديث مالك وغيره عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث ما تركنا صدقة بالنصب، جعل – ما – نافية، فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله لا نورث؟! وبهذه الرواية
«ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ والمقصود أنه يجب العمل
بقوله ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة» على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له عليه السلام منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام.
البداية والنهاية – ط السعادة ٥/٢٩٠-٢٩١