[1ج/ رقم (614)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
614 – قال الإمام أحمد رحمه الله (2105): حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا قَطُّ إِلَّا دَعَاهُمْ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم.
* الحديث أخرجه أبو يعلى (ج 4 ص 462) قال رحمه الله: حدثنا زهير حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قومًا قط حتى يدعوهم.
——–
قال محققو المسند 2105:
إسناده صحيح على شرط مسلم. ابن أبي نجيح: اسمه عبد الله.
بوب عليه مقبل في الجامع:
18 – الدعوة قبل القتال
228 – قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (1)
حكمة مشروعية الجهاد:
١ – شرع الله الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونشر الإسلام، وإقامة العدل، ومنع الظلم والفساد، وحماية المسلمين، ورد كيد الأعداء وقمعهم.
٢ – شرع الله الجهاد ابتلاء واختبارًا لعباده؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وليعلم المجاهد والصابر، وليس قتال الكفار لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام حتى يكون الدين كله لله.
٣ – والجهاد في سبيل الله باب من أبواب الخير، يذهب الله به الهم والغم، وتنال به الدرجات العلى في الجنة.
* الهدف من القتال في الإسلام إزالة الكفر والشرك، وإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقمع المعتدين، وإزالة الفتن، وإعلاء كلمة الله، وإبلاغ دين الله، وإزاحة من يقوم في وجه تبليغه ونشره، فإذا حصل ذلك بدون قتال لم يحتج إلى القتال، ولا يكون قتال من لم تبلغه الدعوة إلا بعد الدعوة إلى الإسلام، فإن أبوا أمرهم الإمام بدفع الجزية، فإن أبوا استعان بالله وقاتلهم.
فإن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء، فالله خلق بني آدم لعبادته، فلا يجوز قتل أحد منهم إلا من عاند وأصر على الكفر، أو ارتد، أو ظلم، أو اعتدى، أو منع الناس من الدخول في الإسلام، أو آذى المسلمين، وما قاتل رسول الله ﷺ قومًا قط إلا دعاهم إلى الإسلام.
الموسوعة الفقهية ٣/٣٠٦
قال أبو بكر الأثرم:
72 – باب دعاء المشركين قبل القتال
روى سفيان بن سعيد عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً قط إلا دعاهم.
وروى سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمير جيوشه. يقول: “إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم” ثم قص الحديث.
وروى عطاء بن السائب عن أبي البختري أن سلمان قال لأصحابه كفوا حتى أدعهم كما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم. ثم قص الحديث.
فهذه الأحاديث توجب الدعاء قبل القتال. ثم جاءت أحاديث بغير ذلك.
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: قلت يا رسول الله أهل الدار من العدو يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: “هم منهم “. ولم يذكر في هذه الدعوة قبل القتال.
وروى الزهري عن عروة عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “«أَغِرْ عَلَى يبنى صباحا “. ولم يذكر الدعوة.
وروى ابن عون عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارّون.
وروى حميد عن أنسِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أغار على قوم فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم.
وروى عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن ابن عصام المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحدا “.
ومن ذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم طرق أهل مكة بغتة فقاتلهم.
فاختلفت هذه الأحاديث في ظاهرها ولها وجوه، فأما الأحاديث الأول فإنها فيمن لم تبلغه الدعوة، فأما إذا علم أن الدعوة قد انتهت إليهم فردوها فأولئك لا يدعون، وإن عاودوهم بالدعوة جاز، ألا ترى أن أهل مكة قد كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم وهو مقيم معهم قبل هجرته، ثم حاربوه مراراً فلذلك لم يدعهم، وكذلك أهل خيبر لم يدعهم لأنهم قد تقدمت عداوتهم، وبلغتهم دعوته، فتركوا أمره عامدين، وكذلك من سواهم. فعلى هذا يؤخذ هذا الباب، وكذلك جاءت الأحاديث عن العلماء بتصحيح هذا المذهب الذي اخترناه.
روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: لا بأس أن لا يدعون. لأنهم قد عرفوا ما يدعوهم إليه. وقال سفيان عن منصور عن إبراهيم. قد علموا ما يدعون إليه.
[ناسخ الحديث ومنسوخه للأثرم ص236]
* عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “أغر على يُبْنى صباحاً”. ولم يذكر الدعوة.*
– قال ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) في ضعيف أبي داود – الأم ٢/٣٢٦: ٤٥١- عن صالح بن أبي الأخْضر عن الزُّهرِيِّ: قال عروة: فحدثني
أسامة:
أن رسول الله ﷺ كان عهِد إليه فقال:
«أغِرْ على (أُبْنى) صباحًا، وحرِّق».
(قلت: إسناده ضعيف؛ لضعف صالحٍ هذا) .
إسناده: حدثنا هناّد بن السرِيِّ: عن ابن المبارك عن صالح.
*قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف صالح بن أبي الأخْضر، وسكت عنه المنذري!*
والحديث أخرجه ابن ماجه (٢٨٤٣)، والطيالسي (٦٢٥)، وعنه البيهقي
(٩/٨٣)، وأحمد (٥/٢٠٥ و٢٠٩) عن صالح بن أبي الأخْضر … به.
– قال مظهر الدين الزيداني (ت ٧٢٧) في المفاتيح في شرح المصابيح ٤/٤٠٧ : (أُبنى): اسم موضع، وقيل: (أُبنى) قرية بمؤتة، وقيل: الصواب: يُبنى، وهو اسم قريةٍ من قرى الرملة، والرملة: بلد في أرض العرب.
– قال العباد في شرح سنن أبي داود ٣٠٩/١٥: أورد أبو داود حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال له: (أغر على أبنى صباحًا وحرق) *وأبنى: موضع في فلسطين يقال له (أُبنى) ويقال له (يُبنى) أطلق عليه فيما بعد: (يبنان) فهو قيل له: أُبنى بالهمزة، ثم قيل له: يُبنى بياء بدل الهمزة* ، وهذا فيه قضية التحريق، وفيه أن الإغارة تكون في الصباح.
*قوله: وروى عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن ابن عصام المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحدا “.*
– قال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥) في فتح الباري ٥/٢٣٣: وقد روي عن النبي – ﷺ -، أنه كان يأمر بالكف عن دار يسمع فيها الأذان، أو يرى فيها مسجد، من رواية ابن عصام المزني، عن أبيه – وكانت له صحبة -، قال: كان رسول الله – ﷺ – إذا بعث جيشًا أو سرية يقول لهم: «إذا رأيتم مسجدًا، أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا [أحدًا]».
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حسن غريب.
*وقال ابن المديني: إسناد مجهول، وابن عصام لا يعرف، ولا ينسب أبوه.*
– وقال ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) في ضعيف أبي داود – الأم ٢/٣٢٩:
– ٤٥٤- عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحِق عن ابن عِصام المزني عن
أبيه قال:
بعثنا رسول الله ﷺ في سرِّيةٍ فقال:
«إذا رأيتم مسجدًا، أو سمِعْتُم مؤذنًا؛ فلا تقتلوا أحدًا».
*(قلت: إسناده ضعيف؛ لجهالة حالِ ابن نوْفل، وجهالة عين ابن عصام) .
والحديث أخرجه الترمذي (١٥٤٩)، والنسائي في «الكبرى- السير»- كما
في «التحفة» (٧/٢٧٦) -، وأحمد (٣/٤٤٨- ٤٤٩)، والبيهقي (٩/١٠٨)، والحميدي (٨٢٠)، والبزار (٢/٢٨٩/١٧٣١) عن سفيان … به، وقال الترمذي:
«حسن غريب»! وأقره المنذري (٣/٤٣٢) !
—
قال برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبريّ (ت 732 هـ):
في الدعوة قبل الغارة :
530 – أبنا أحمد عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلَّا دعاهم .
531 – أبنا مسلم وأحمد والترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه- رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ثم قال فيه: ثم ادعهم إلى الإسلام .
532 – أنا البخاري ومسلم وأحمد عن سهل بن سعد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر يقول لعلي- رضي الله عنه: “على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم” .
533 – وعن أنس- رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبيت ولكنه ينزل قريبًا منهم، فإذا أصبحوا فإن سمع أذانًا كف عنهم وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم .
… وهذا يدل على أنه لا يجوز للإِمام أو نائبه، وأميره أن يبدأ الكفار بالقتال حتى يدعوهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا كف عنهم، وإلَّا قاتلهم، وبه قال مالك، وأهل المدينة، وابن عبد العزيز .
534 – أنا البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عون قال كتبت إلى نافع أسأله عن الدعوة قبل القتال، فكتب إليّ حدثني ابن عمر وكان في الجيش إنما كان ذلك أول الإِسلام وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء .
535 – أنا البخاري وأحمد عن البراء- رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا من الأنصار إلى أبي رافع فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلًا فقتله وهو نائم .و
536 – وعنه ، فعنه أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر يوم الخميس وهم غارون.
… وهذا يدل على جواز القتال ابتداءً بلا دعوة، وبه قال الحسن والنخعي، وأكثر الحجازيين، وأبو حنيفة، وأحمد وإسحاق ، وهو محكم ناسخ لوجوب تقديم الدعوة ، لقول ابن عمر- رضي اللة عنه- كانت “أول الإِسلام” وانتظار الصبح: لئلا يصب بعض المسلمين بعضًا، وجمع الشافعي- رضي الله عنه فقال الدعوة لمن تبلغه الدعوة وعدمها لمن بلغته.
[رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار ص494]
قال الزركشي:
[دعوة عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا]
قال: وتدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا…. وكمر حجيث ابن عباس وبريدة أنس
فالحكم منوط بالبلوغ وعدمه. قال أحمد: الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة، لم يجز قتالهم قبل الدعوة، وعن أحمد ما يدل على أن اليوم لا يجب أن يدعى أحد، وأن الدعاء كان في ابتداء الإسلام.
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام. ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، وإن دعا فلا بأس. وعلى هذا حديث ابن عمر رضي الله عنهما وإذًا تكون الدعوة مستحبة مطلقا.
3316 – وقد «روى سهل بن سعد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر قال: «أين علي» ؟ فقيل: إنه يشتكي عينيه فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرئ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» متفق عليه، وأهل خيبر كانت الدعوة قد بلغتهم.
[شرح الزركشي على مختصر الخرقي 6/ 442]
قال ابن حجر:
وقوله (والدعوة قبل القتال) كأنه يشير إلى حديث ابن عون في إغارة النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق على غرة، وهو متخرج عنده في كتاب الفتن، وهو محمول عند من يقول باشتراط الدعاء قبل القتال على أنه بلغتهم الدعوة، وهي مسألة خلافية: فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نص عليه الشافعي. وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال: كنا ندعو وندع. قلت: وهو منزل على الحالين المتقدمين.
[فتح الباري لابن حجر 6/ 108 ط السلفية]
وذكرها الالباني كشاهد في الصحيحة:
٢٦٤٢ – «لا تقاتل قوما حتى تدعوهم».
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٥ / ٢١٧ / ٩٤٢٤): أخبرنا عمر بن ذر عن
يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن رسول الله ﷺ
لما بعث عليا بعث خلفه رجلا فقال: «اتبع عليا، ولا تدعه من ورائه، ولكن
اتبعه وخذ بيده، وقل له: قال رسول الله ﷺ: أقم حتى يأتيك
. قال: فأقام حتى جاء النبي ﷺ فقال: … فذكره». قال عبد
الرزاق: وسمعته أنا من يحيى ابن إسحاق. قلت: وإسناده صحيح، ولكنه معضل
أو مرسل، وقد وصله الطبراني في «الأوسط» من حديث أنس، فقد ذكره الهيثمي في
«مجمع الزوائد» (٥ / ٣٠٥) مختصرا نحوه، وقال: «رواه الطبراني في»
الأوسط «، ورجاله رجال» الصحيح «غير عثمان بن يحيى القرقساني، وهو ثقة»…
فصح الإسناد موصولا. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس قال: «
ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط إلا دعاهم». أخرجه الدارمي (٢
/ ٢١٧) وأحمد (١ / ٢٣٦) … قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن
أعله الدارمي بقوله: «قال عبيد الله (يعني ابن موسى): سفيان لم يسمع من
ابن أبي نجيح. يعني هذا الحديث». قلت: وهذا إعلال غريب، فإن الثوري ثقة
ثبت، رجحه كثيرون على شعبة، وهو معروف الرواية عن عبد الله بن أبي نجيح،
فدعوى عدم سماعه لهذا الحديث من عبد الله ليس من السهل قبولها إلا بحجة ناهضة،
لا بدعوى مجردة. وقد تابعه حجاج بن أرطاة عن ابن أبي نجيح به. أخرجه أحمد (
١ / ٢٣١) وابن أبي شيبة (١٢ / ٣٦٥ / ١٤٠١٣) . وتابعه عبد الواحد بن زياد
عن ابن أبي نجيح به. أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣ / ١١١ / ٢) .
وعبد الواحد بن زياد ثقة من رجال الشيخين. (تنبيه): هذا الحديث قاعدة هامة
في دعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم،
فإن استجابوا فبها ونعمت، وإلا
فرضت عليهم الجزية، فإن رفضوا قوتلوا، وعلى هذا جرى النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، ولا يخالف ذلك ما في «الصحيحين» أن النبي صلى الله عليه
وسلم أغار على بني المصطلق، وهم غارون.. أي غافلون، أي أخذهم على غرة.
فإنه ليس فيه أنه لم يكن قد بلغتهم دعوته ﷺ، كيف وهي قد
بلغت فارس والروم بله العرب، فمن البلاهة بمكان إنكار بعض الكتاب المعاصرين
لهذا الحديث بحجة أنه مخالف للقاعدة المذكورة، فإنه ليس من الضروري أن يدعى
الكفار قبل قتالهم مباشرة! وقد أشار إلى هذا الحسن البصري حين سئل عن العدو؟
هل يدعون قبل القتال؟ قال: «قد بلغهم الإسلام منذ بعث الله محمدا صلى الله
عليه وسلم». أخرجه ابن أبي شيبة (١٢ / ٣٦٥) وسعيد بن منصور (٣ / ٢ / ٢٠٦
/ ٢٤٨٦) وانظر الرد على البعض المشار إليه مع تخريج حديث «الصحيحين» في «
صحيح أبي داود» (٢٣٦٧) .
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ٦/٢٩٤ وما بعدها.
قال الزحيلي:
واختلف الفقهاء في حكم إبلاغ الدعوة على ثلاثة آراء … وذكر الأقوال :
وعلى هذا، يجوز أن نبدأ العدو بالقتال والإغارة والبيات عليهم ؛ لأنه قد وصلتهم أنباء الدعوة الإسلامية. وبه يتبين أنه يشترط فيمن نقاتلهم شرطين:
1 – ألا يكونوا مستأمنين أو معاهدين أو من أهل الذمة: لأن دماء هؤلاء معصومة مصونة، وقد حرم الشرع قتلهم، كما يأتي في المعاهدات.
2ً – إبلاغهم الدعوة الإسلامية وتعريفهم بالإسلام وبيان حقيقته وأهدافه وأسباب جهاد أعدائه. فإن توافر هذان الشرطان جاز قتالهم من دون إنذار سابق كما تقدم.
[الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 8/ 5853]
هل هناك إجماع :
ما يجب قبل الحرب (دعوة أهل الكتاب قبل القتال وتخييرهم):
- المراد بالمسألة: بيان أن مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عَلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فإنه يجبُ أن يُدعَى إلى الإسلام أو الجزية قبل إعلان القتال عليه، فإن امتنع قوتل حينئذٍ، إلا أنه في حالة معالجة الكفار للمسلمين بالقتال وهجومهم عليهم، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة؛ لضرورة الدفاع عن الأنفس والأعراض، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
- من نقل الإجماع: أبو جعفر الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمعت الحجة أن رسول اللَّه -ﷺ- لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه -ﷺ- كان يأمر أمراء سراياه بدعوة من لم تبلغه الدعوة)
- وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) .
وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، فلا يجوز حربهم حتى تبلغهم الدعوة وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين) .
- الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
- مستند الإجماع:
١ – قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
- وجه الدلالة: حيث تضمَّن ظاهرُ الآية الكريمة الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال.
٢ – عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أمرَّ أميرًا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:». . . وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم. .
٣ – عن سهلٍ قال: قال النبي -ﷺ- يوم خيبر:»لأُعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله«، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال:»أين عليٌّ؟ «، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال:»انْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبعليهم، فواللَّه لأَنْ يَهْدِيَ اللَّه بك رجلًا خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ» .
- وجه الدلالة من الحديثين: أنه بدأ -ﷺ- بالأمر بدعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم، والأمر يقتضي الوجوب، فدل على وجوب دعوتهم أولا إذا لم تبلغهم الدعوة.
٤ – وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ما قاتل رسول اللَّه -ﷺ- قومًا حتى دعاهم إلى الإسلام» .
٥ – إعلامهم بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال ماذا يقاتلون عليه؛ فربما ظنوا أن من يقاتلهم لصوص يريدون أموالهم وسبي ذراريهم، فإذا علموا أنهم يقاتلون على الدعوة إلى الدين، ربما أجابوا وانقادوا للحق من غير قتال .
- الخلاف في المسألة: ذكر الشوكاني، والصنعاني أن دعوة الكفار قبل القتال لا تجب مطلقًا، ذكراه على أنه قول، ولم يعزياه لأحد .
وقال النووي عنه: «إنه باطل» .
وقد نسب ابن الملقِّن هذا القول إلى ابن شاهين (٣٨٥ هـ) حيث قال: (ادعى ابن شاهين في «ناسخه ومنسوخه» نسخ حديث ابن عباس: «ما قاتل رسول اللَّه -ﷺ- قومًا حتى دعاهم» بحديث ابن عمر هذا ، قال: والناسخ هو قول نافع: «إنما كان ذلك في أول الإسلام» وهذا عجيب منه، وقد تعقبه عليه ابن الجوزي الحافظ في كتابهالإعلام» في الفن المذكور، فقال: ليس هذا قول من يعرف الناسخ والمنسوخ بأنه -عليه السلام- لم يقاتل قومًا إلا بعد أن دعاهم؛ لأنه لما شاعت الدعوة افتتح اتساعها ومرورها على أسماعهم مرارًا، فلما أصروا على الكفر صارت الإغارة عليهم على غرتهم من غير تحديد دعوة حينئذٍ) .
وتبع ابن شاهين في القول بنسخ الأحاديث الآمرة بالدعوة قبل القتال الحازمي .
*النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغهم الدعوة، لوجود الخلاف، منه ما حكاه النووي والشوكاني والصنعاني من القول بعدم وجوب الدعوة مطلقًا،، وكذا ما ذهب إليه ابن شاهين والحازمي من النسخ، فكلا القولين يقدح في انعقاد الإجماع، واللَّه تعالى أعلم.*
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي ٦/٨٥
شبهه والرد عليها :
قال المؤلِّف: «… خلط الناس في معنى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فزعم بعضهم أن الرسول هنا إنما أريد به العقل، وهذا تحريفٌ تغني حكايته عن ردِّه. وقال بعضهم: أما الرسول فهو الرسول المعروف، ولكن المراد بالعذاب عذابٌ خاصٌّ هو العذاب الدنيوي المستأصل كإهلاك قوم نوح وعاد وثمود».
هذا الكلام الذي قرأتَه متصل بعضه ببعض، لكن قوله: «خلط الناس» إلى قوله: «تغني حكايته عن ردِّه» هو عبارة عن آخر الأسطر الشاردة التي كُتِب فوقها عنوان رسالة «أصول ينبغي تقديمها»، وقوله بعد ذلك: «وقال بعضهم: أما الرسول» أوَّلُ «رسالة في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾» (١)، ثم تنتهي هذه القطعة بقوله: «وأما القول بأن شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد كانت اندرست قبل بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخطأ القائلين به من وجهين: الأول: أنهم يطلقون القول بعذر المشركين الذين هلكوا قبيل بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآبائهم وأجدادهم فصاعدًا، وقضية ذلك: أن شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام اندرست قبل أن يشرك أحد من العرب، وهذا قول لا دليل عليه، بل الدليل قائمٌ على خلافه».
انتهت هذه القطعة بهذه العبارات، ومن حقِّك أن تسأل ما هذا الدليل الذي يريد الشيخ أن يذكره؟ وأين الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذُكِر الأوَّل منهما؟ والجواب تجده في بداية «رسالة في العقيدة، ناقصة الأخير»، إذ يذكر الشيخ الدليلَ القائمَ على بقاء شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وعدم اندراسها حتى غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ، ثمَّ يذكر الوجه الثاني من وجهي خطأ القائلين باندراس تلك الشريعة، قال الشيخ:
«فقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «رأيتُ عمرو بن لُحَيِّ بن قَمَعة بن خِندِفَ أخا بني كعبٍ هؤلاء يجرُّ قُصْبه في النار»، وفي روايةٍ: «وكان أول من سيب السيوب».
.. الوجه الثاني: أنهم يطلقون العذر فشمل العذر في الشرك والعذر في المعاصي وذلك يقتضي أحد أمرين: إما أنهم يرون أن الشريعة إذا اندرس بعضها سقط التكليف بباقيها، وإما أن يزعموا أن شريعة إبراهيم عليه السلام كانت قد اندرست بجميع فروعها، ولا أرى عاقلا يُقْدِمُ على الأول ولا عارفًا يُقْدِمُ على الثاني».
رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله – ضمن «آثار المعلمي» مقدمة ٢/٦٨-٦٩