1504 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
(2) بَاب إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
5 – (1504) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عائشة؛
أنها أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا. فَقَالَ أَهْلُهَا: نبيعكها على أن ولا ءها لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ “لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ. فَإِنَّمَا الولاء لمن أعتق”.
6 – (1504) وحدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا. وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ:
ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ. فَإِنْ أَحَبُّوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولا ؤك لِي، فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا. فَأَبَوْا. وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ. ويكون لنا ولا ؤك. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي. فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ” ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ
“مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ. شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وأوثق”.
12 – (1504) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ. قَالَ:
سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ. فاشترطوا ولا ءها. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ
“اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا. فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ”. وَأُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَحْمٌ. فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ “هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ. وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ”. وَخُيِّرَتْ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
13 – (1504) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنِ أَبِي هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ وأَبُو هِشَامٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا.
14 – (1504) وحدثني أبو الطاهر. حدثنا ابن وهيب. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهَا قَالَتْ:
كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ. فَدَعَا بِطَعَامٍ. فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ. فَقَالَ “أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ ” فَقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ. فَقَالَ”هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لنا منها هَدِيَّةٌ”. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فيها” إنما الولاء لمن أعتق”.
——-
في بلوغ المرام ذكر حديث
١٢٤٠ – عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حديثٍ طوِيلٍ (١).
ــ
قال البسام :
* ما يؤخذ من الحديث:
١ – الحديث جملة من حديث بريرة المتقدِّم في كتاب البيع.
٢ – الحديث يدل على أنَّ الولاء لمن أعتق، وأنَّ بائعَ الرقيق لو اشترط على المشتري أنَّ الولاء له، فإن شرطه باطل.
٣ – قال -ﷺ- في حقِّ البائع الَّذي اشترى الولاء على المشتري: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنْ كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق».
٤ – قال في الروض وحاشيته: وإنْ شرط البائع إنْ أعتق المشتري، فالولاء للبائع، بطل الشرط وحده، ولم يبطل العقد؛ لقصَّة بريرة؛ فإنَّ النَّبي -ﷺ- أبطل الشرط، أمَّا العقد فقال: «اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق».
٥ – قال ابن القيم: كل شرطٍ ليس في حكم الله، فهو مخالف له؛ فيكون باطلًا، واعتبار كل شرط لم يحرمه الله تعالى، ولم يمنع منه.
وأورد في بلوغ المرام حديث
١٢٤١ – ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ، وَلاَ يُوهَبُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
وأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا الَّلفْظِ (٢).
قال البسام :
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه الشَّافعي، ومن طريق الشَّافعي أخرجه الحاكم، والبيهقي.
قال الألباني: قال النيسابوري: رواه الحسن مرسلًا، قلت: وإسناد هذا المرسل صحيح، وهو ممَّا يقوي الموصول؛ فإنَّ طريق الموصول غير طريق المرسل.
فالحديث إذًا صحيح من طريق الحسن البصري، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
– الوَلاء: بالفتح: ولاء العتاقة، وهي عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق.
– لُحمة كلُحمة النسب: اللحمة بالضم: علاقة وارتباط، كعلاقة وارتباط النسب.
* ما يؤخذ من الحديث:
– الرق هو عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر؛ فالرق معناه فَقْد الإنسان حريته الشخصية، وحريته المالية؛ فهو مملوك الذَّات والتصرفات لسيده.
فإذا أعتقه، فكأنَّه أخرجه من العدم إلى الوجود؛ لذا صارت منَّة السيد على رقيقه كبيرة، ونعمته عليه عظيمة.
– العتق هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق، وخصَّت الرقبة -مع أنَّ وقوع الرق على جميع البدن- لأنَّ ملك السيد له كالغل في رقبته المانع له من التصرفات، فإذا عَتَقَ، فكأنَّ رقبته أطلقت من ذلك الغل.
– ولاء العتاقة: هي عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه من العتق؛ فالولاء لمن أعتق.
٤ – صار الولاء لُحمة كلحمة النسب، وصار عُلْقَةً وارتباطًا كعلقة وارتباط النسب؛ لما بينهما من التشابه من حيث الإيجاد، والصلة القوية.
٥ – وكما أنَّ القرابة لا تباع، ولا توهب؛ فكذلك الولاء المكتسب من نعمة الإعتاق لا يصح بيعه، ولا هبته، وإنَّما يورث به من جانب واحد، وهو جانب المنعم بالعتق، أو من جاء عن طريقه بالإرث. انتهى من توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام
وفي الجامع لعلوم الإمام أحمد :
قال الخلال: أخبرني عبد الملك قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه، الرجل يسلم على يدي الرجل؟
قال لي: كيف يرثه والأحاديث: «الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَ؟».
قلت: أليس بولي نعمته؟
قال: فإذا أسلم على يديه يكون مولاه وليس هو مولاه. والذي يحتج يقول: قال النبي ﷺ: «الوَلاءُ لمن أَعْتَقَ».
قلت: الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ؟
قال: إسناده ضعيف. بعضهم يقول: عن قبيصة عن تميم الداري وبعضهم لا يدخل فيه قبيصة، وقال بعض أصحابنا: لم يلق قبيصة تميمًا.
قال أبو عبد اللَّه: والذي يحتج يقول: قال النبي ﷺ: «الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَ»، وذلك لم يعتق، وإبراهيم والشعبي يقولان: الوَلاءُ لمنْ أعْتَقَ.
وأظن أبا عبد اللَّه قد قال: إنهما ذكروا هذِه القصة في الرجل يسلم على يدي الرجل قالوا: الوَلاءُ لمنْ أعْتَقَ. ثم قال أبو عبد اللَّه: ألا إن هؤلاء أصحاب الرأي يقولون: لا يرثه ما لم يعقل عنه، فإذا عقل عنه ثم مات ورثه. وهذا قول عجب. إنما ورثوه؛ لأنه عقل به وأقبل يتعجب من هذا القول.
وأقبل أبو عبد اللَّه يتعجب من إسناده ونظر فيه ثم قال لي: هذا الحديث يروى، فإن كان يثبت فهو كما قال، وإن لم يكن ثبت فليس هو إلا ما قال: «الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَ». وليس هاهنا عتق.
وقال: أخبرني الميموني في موضع آخر: أن أبا عبد اللَّه سألوه في مجلس آخر: الرجل يسلم على يدي الرجل؟
قال: من الناس من يجعل إسلامه على يده ولاء، وقد جرّه يحرز به ميراثه ويعقل عنه.
وذكر الحديث قال: من ذهب عليه جعل إسلامه ولاء له، ومن لم يذهب إليه جعل: الولاء لمن أعتق. وذكر أصحاب الرأي حين قالوا: إذا أسلم جر ولاءه في ميراثه وعقل عنه.
قال: يقولون العجب. وأظنه قال: ويقولون يرثه ولا يعقل.
وقال: أخبرني الميموني في موضع آخر قال: ذكروا لأبي عبد الله الحديث الذي يرويه تميم الداري، «من أسلم على يدي رجل» والقصة فيه، فأقبل يضعف إسناده ويطعن فيه.
قال عبد الملك: والذي يثبت منه وفهمي من قوله في الرجل يسلم على يدي الرجل أنه ليس مولى له. وأقبل يعجب من قصة تميم، وماله له -يعني: إذا مات.
«أحكام أهل الملل» للخلال ٢/ ٤١٥ – ٤١٦ (٩٥٩ – ٩٦١)
الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه ١٠/٤٦٣-٤٦٤
قال الخطابي:
وهذا لا يدل على جواز بيع نجوم الكتابة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن. ونجوم الكتابة غير مقبوضة وهي كالسلم لا يجوز بيعه، وإنما معنى قضاء الكتابة هو الثمن الذي يعطيهم على البيع عوضاً عن الرقبة.
والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ابتاعي فأعتقي فدل أن الأمر قد استقر على البيع الذي هو العقد على الرقبة.
وقوله إنما الولاء لمن أعتق دليل على أنه لا ولاء لغير معتق وإن من أسلم على يدي رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق. وكلمة إنما تعمل في الإيجاب والسلب جميعاً.
وقد توهم بعض الناس أن في قوله ابتاعي فأعتقي خلفاً لما اشترطوه على عائشة ورد الحديث من أجل ذلك، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بغرور الإنسان.
أخبرني أبو رجاء الغنوي حدثني أبي عن يحيى بن أكثم أنه كان يقول ذلك في هذا الحديث.
قلت وليس في الحديث شيء مما يشبه معنى الغرور والخلف وإنما فيه أن القوم كانوا قد رغبوا في بيعها فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن لعائشة في امضائه وكانوا جاهلين بحكم الدين في أن الولاء لا يكون إلاّ لمعتق وطمعوا أن يكون الولاء لهم بلا عتق، فلما عقدوا البيع وزال ملكهم عنها ثبت ملك رقبتها لعائشة فأعتقتها وصار الولاء لها لأن الولاء من حقوق العتق وتوابعه فلما تنازعوه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين أن الولاء في قضية الشريعة إنما هو لمن أعتق وأن من شرط شرطاً لا يوافق حكم كتاب الله عز وجل فهو باطل.
وقد روى من طريق عروة بن هشام في هذه القصة زيادة لم يتابع عليها ولم يذكرها أبو داود وهي أنه قال اشترطي لهم الولاء، وهذه اللفظة يقال إنها غير محفوظة ولو صحت تأولت على معنى أن لا تبالي بما يقولون ولا تعبئي بقولهم فإن الولاء لا يكون إلاّ لمعتق وليس ذلك على أن يشترطه لهم قولاً ويكون خلفاً لموعود شرط وإنما هو على المعنى الذي ذكرته من أنهم يحلّون، وقولهم ذلك لا يلتفت إليه إذا كان لغواً من الكلام خلفاً من القول.
وكان المزني يتأوله فيقول قوله اشترطي لهم الولاء معناه اشترطي عليهم الولاء كما قال سبحانه {أولئك لهم اللعنة} [الرعد: 25] بمعنى عليهم اللعنة.
وقوله ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله يريد أنها ليست من حكم كتاب الله تعالى وعلى موجب قضاياه ولم يرد أنها ليست في كتاب الله مذكوراً، ولكن الكتاب قد أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واعلم أن سنته بيان له، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق فكان ذلك منصرفاً إلى الكتاب ومضافاً إليه على هذا المعنى والله أعلم.
وقد استدل الشافعي من هذا الحديث على أن بيع الرقبة بشرط العتق جائز وموضع هذا الدليل ليس بالبين في صريح لفظ الحديث وإنما هو مستنبط من حكمه، وذلك أن القوم لا يشترطون الولاء إلا وقد تقدمه شرط العتق فثبت أن هذا الشرط على هذا المعنى في العقد والله أعلم.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم من رواية الليث عن ابن شهاب عن عروة ابتاعي وأعتقي بيان هذا المعنى، وقد روي أيضاً صريحاً من طريق الأسود.
حدثناه إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الضبي حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة رضي الله عنها أرادت أن تشتري بريرة تعتقها فاشترطوا ولاءها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الثمن.
قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، قالت وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملَاحة وذكرت القصة في تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
قال الشيخ: قوله ملاحة، يقال جارية مليحة وملاحة وفعالة يجيء في النعوت بمعنى التوكيد، فإذا شدد كان أبلغ في التوكيد كقوله سبحانه {ومكروا مكراً كباراً} [نوح: 22] . وقال الشماخ:
يا ظبية عطلاً حسانة الجيد
[معالم السنن 4/ 65]
قال القاضي عياض:
حديث بريرة
ذكر فيه أن عائشة أرادت أن تشترى جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءَها لنا، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ” لا يمنعك ذلك، فإن الولاء لمن أعتق “، وفى الرواية الأخرى: أنها كانت مكاتبة، وذكر نحوه، وفيه: ” ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست فى كتاب الله ” الحديث، قال الإمام أبو عبد الله: حديث بريرَة هذا فيه فقه كثير، والذى يحتاج إلى ذكره هاهنا الكلام فى جواز بيعها ابتداءً. وقد اختلفت أقوال العلماء فى بيع المكاتب على الجملة، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم، والجواز على أنه يتأدى منه المشترى لا على أنه تبطل كتابته؛ لأن هذا لم نعلم من يذهب إليه، وكذلك – أيضاً – أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدى للمشترى، فإن عجز رق له، منع من ذلك ابن أبى سلمة وربيعة، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى ورأوا ذلك غرراً وجهلاً بالمشترى؛ لأنه لا يدرى ما يحصل له، هل نجوم أم رقبة؟ وأجاز بعض أهل العلم بيع المكاتب للعتق لا للاستخدام، وإن رضى بالبيع وقد عجز عن الأداء لفقره وضعفه عن التكسب جاز بيعه، وإن كان ظاهر المال ففى رضاه بالعجز [قولان، فمن مكنه منه أجاز بيعه إذا رضى بالعجز والبيع، ومن منعه من ذلك لم يجز بيعه، والقولان فى المذهب عندنا، وكذلك إن لم يكن له مال ظاهر، ولكنه قادر على التكسب، وتحصيل النجوم التى تعتق بها فى رضاه بالعجز] (1) اختلاف فى المذاهب.
وفى بيع العبد القن بشرط العتق من مشتريه اختلاف بين الناس، أجازه مالك والشافعى، ومنعه أبو حنيفة، ولكنه قال: إن وقع البيع مضى بالثمن، وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقالا: يمضى بالقيمة. فإذا تقرر هذا كله قلنا بعده: لابد من تطلب تأويل لبيع بريرة وهى مكاتبة عند من منع بيع المكاتب، فيقول من حكينا عنه: إن بيعه جائز للعتق لا للخدمة، إنما جازها هنا لأن عائشة اشترتها للعتق وأنا أجيزه، ومن يجيز بيع كتابة المكاتب يقول: لعلها اشترت كتابتها، ويحتج بقوله هاهنا فى كتاب مسلم: ” فإنى أحب أن أقضى عنك كتابتك “.
وهذا ظاهره أنها لم تشتر الرقبة، ومن يمنع بيع المكاتب وبيع كتابته يقول: عجزت ورضيت بالبيع؛ فلهذا اشترتها عائشة، وأما شراء العبد القن بشرط الاعتاق فيتعلق بهذا الحديث من يجيزه ويقول: قد اشترتها عائشة بشرط العتق، وقال صلى الله عليه وسلم: ” ابتاعى وأعتقى “، وهذا يصحح ما ذهبت إليه. ومن يمنع بيع العبد القن بشرط العتق قد ينازع فى هذا، ويمنع من كون عائشة مشترية، وقد يحمله على قضاء الكتابة عن بريرة أو على شراء الكتابة خاصة. وإن كان أحد جمع بين هذين المذهبين؛ منع البيع للعتق وجواز بيع الكتابة، هذا وجه من الكلام على هذا الحديث.
وأما الوجه الثانى – وهو المشكل فى هذا الحديث -: فما وقع فى طرق ابن هشام هاهنا، وهو قوله عنه عليه السلام: ” اشتريها وأعتقيها واشترطى لهم الولاء “، فيقال: كيف أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا، وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز، وفيه تغرير بالبائعين؛ إذ شرطت لهم ما لا يصح وخدعتهم، ولما صعب الانفصال من هذا على بعض الناس أنكر هذا الحديث أصلاً، يحكى ذلك عن يحيى بن أكثم، وقد وقع فى كثير من الروايات سقوط هذه اللفظة، وهذا مما يشجع يحيى على إنكارها.
وأما المحصلون من أهل العلم فطلبوا لذلك تأويلاً، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: …فذكر نحو ما قال الخطابي وزاد :
وقال آخرون: إنما المراد بهذا الزجر والتوبيخ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بين لهم أن هذا الشرط، فلما أخذوا يتقاحمون على مخالفته قال لعائشة هذا اللفظ بمعنى: لا تبالى بشرطهم لأنه باطل مردود، وقد سبق بيانى لهم ذلك لا على الإباحة لهم والأمر لها بذلك. وقد ترد لفظة ” افعل ” وليس المراد اقتضاء الفعل، ولا الإذن فيها، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} (1)، {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} (2).
وأما الوجه الثالث: فإنه الكلام على قوله: ” الولاء لمن أعتق ” ولا خلاف بين العلماء فى معتق عبده عن نفسه أن ولاءه له. واختلفوا إذا أعتقه عن غيره رجل بعينه، أو عن جميع المسلمين، فمذهبنا: أن الولاء للمعتق عنه، كان رجلاً بعينه أو جماعة المسلمين. وقال ابن نافع من أصحاب مالك فى المعتق عن جماعة المسلمين: أن الولاء له دونهم، قال بعض شيوخنا: ويلزمه على ما قال أن يقول بمذهب المخالف: إن الولاء للمعتق وإن أعتق عن رجل بعينه. واحتج من رأى الولاء للمعتق وإذا أعتق عن غيره بقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولاء لمن أعتق “، فعمّ، وحمله مالك على أن المراد به: من أعتق عن نفسه، بدليل أن الوكيل إذا أعتق بإذن موكله على العتق، كان الولاء لمن وكله وإن كان هو المعتق.
وقد وقع هاهنا سؤال مشكل وهو: لو قال: أنت حر ولا ولاء لى عليك، وأما ابن القصار فالتزم فى هذا السؤال أن يكون الولاء للمسلمين، ونزّل هذا القول منزلة قول القائل: أنت حر عن المسلمين. وكان بعض شيوخنا يخالفه فى هذا، ورأى أن بقوله: أنت حر، استقر الولاء له، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية هى قوله: ولا ولاء لى عليك، لا يغير حكم الجملة الأولى؛ لأنه إخبار على أن حكم الجملة الأولى المستقرة بالشرع على خلاف ما حكم الله به، فيكون إخباره كذبًا وفتواه باطلاً، والباطل والكذب لا يلتفت إليه، ولا يعول فى مثل هذه الأحكام عليه.
وأما الوجه الرابع – من الكلام على هذا الحديث – فقوله: ” فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان زوجها عبدًا “: فلا خلاف بين أهل العلم فى أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد أن لها الخيار فى فسخ نكاحه. واختلف الناس فى الحر، هل تخير إذا عتقت تحته؟ فعندنا لا تخير؛ ولأن هذا الحديث قد ذكر فيه هاهنا أن زوجها كان عبدًا، والأصل ثبوت الأنكحة، ولا سبيل إلى إثبات الفسخ عند طريان حوادث إلا بشرع يدل على ذلك، وقد دل هاهنا على العبد، فيبقى الحر على الأصل. وأما المخالف الموجب لها الخيار – وإن كان زوجها حرّا – فيتعلق برواية من روى: أن زوجها كان حرًّا، ونحن نرجح مذهبنا عليه بأن نقول: راوى حال هذا الزوج ابن عباس وعائشة، وأما ابن عباس فلم يختلف الرواة عنه أنه قال: كان زوجها عبدًا، وأما عائشة فاختلف الرواة عنها، هل قالت: عبدًا أو حرًّا؟ والذى لا خلاف [فيه] (1) عنه أولى أن يتعلق بروايته ممن اختلف عنه.
وأما وجه الخلاف من جهة الاعتبار والمعنى، فإن مالكًا رأى أن العلة ما يدركها من معرة لما صارت حرة يكون زوجها عبدًا، وإذا كان زوجها حرًّا فلا معرة عليها ولا وجه لتخييرها. وأما المخالف فيرى أن العلة كونها معقودًا عليها بالجبر أولاً لحق العبودية، وإذا صارت إلى حال من لا يجبر لملكها نفسها كان لها حل العقد، ويتعلق فى ذلك مما قيل فى بعض الطرق: ” وملكت نفسِك فاختارى “، وكما قال، فأشار إلى أن العلة ملكة النفس، وهذا يوجب المساواة بين الحر والعبد، وإذا أثبت لها الخيار فإنها إذا أمكنت الزوج من وطئها سقط خيارها، وإن زعمت أنها جاهلة بحكم الخيار، هذا المعروف من المذهب.
وقال بعض أصحابنا: فإن هذا بناءً على أنها ادعت، والآيسة من الجهل بالحكم لاشتهار هذا الحكم عند سائر الإماء، ولو كانت ممن يتبين جهلها – كحديثة العهد، كالسبى من السودان وغيرهم – لجرت على القولين فيمن زنى جاهلاً بحكم تحريم الزنى، هل يحد أَوْ لا؟ وقد تعلق بعض أصحابنا بأن فى بعض الأحاديث على الخيار لها بألا توطأ، ولم يعرف من وطئها جاهلة أو عالمة، والصحيح من هذا أنه إن لم يثبت أثر يسقط تخييرها إذا جهلت الحكم أنها باقية على حقها، ولا معنى لتخريجهم الخلاف فى ذلك، ولأن كل من يثبت له حق فلا يسقط إلا بنصه على إسقاطه، وفعل يقوم مقام النص، وتمكين العالمة بالحكم قائم مقام النص منها على إسقاط حقها فيسقط، وإذا كانت جاهلة لم يصدر عنها ما يدل على سقوط حقها، فبقيت على الأصل فى حقها فى ثبوته.
وأما الوجه الخامس: فقوله صلى الله عليه وسلم: ” كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط “: فيجب أن يعلم أن الشروط المقارنة للبيع لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون من مقتضى العقد كالتسليم، وجواز التصرف فى البيع. وهذا لا خلاف فى جواز اشتراطه؛ لأنه يقضى به وإن لم يشترط.
والثانى: ألّا يكون من مقتضاه، ولكنه من مصلحته كالحميل والرهن، واشتراط الخيار، فهذا – أيضًا – يجوز اشتراطه لأنه من مصلحته، وأشبه ما كان من مقتضاه، لكنه إنما يقضى به مع الاشتراط، وإن لم يشترط فلا يقضى به، وبهذا فارق القسم الأول. والثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه فى العقود، وأن يمنع من مقتضى العقد أو يوقع فيه غررًا، أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة. فهذا موضع اضطراب العلماء، ومسائل المذهب مضطربة فيه، ولكن المشهور فيه على الجملة فى القول المطلق: أن البيع والشرط جميعًا ينقضان ويبطلان لقوله صلى الله عليه وسلم: ” من أحدث فى ديننا ما ليس منه فهو رد ” (1)؛ لأنه قد وضع من الثمن لأجل الشرط، فصار له حصة من المعاوضة، فيجب بطلان ما قابله من العوض لفساده، والذى ينويه من العوض مجهول، وهذا يؤدى إلى الجهالة مما يقابل ما سواه فى العوض، فوجب فسخ الكل لذلك.
وقد قال بعض العلماء بأن الشرط خاصة هو المختص [بالبطلان لأجل حديث بريرة] (2). وقد وقع فى المذهب مسائل خرج فيها بعض الشيوخ هذه الطريقة، وجعلها قولاً فى المذهب. ووجه المشهور ما قلناه من الخبر والقياس، وهو مقدم عندهم على هذا الحديث، على أن حديث بريرة لم ينص فيه على صحة البيع، إنما ذكر الشروط خاصة. ففى البيع يؤخذ حكمه من مواضع أخر فى الشريعة.
وأما شراء عائشة، فقد ذكرنا وجوهًا من التأويل فى قوله صلى الله عليه وسلم: ” اشترطى لهم الولاء “، وإذا ثبتت تأويلات الحديث سقط تعلقهم بظاهره.
….
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/ 105]
وذكر النووي هذه الوجوه والمسائل فليراجع
وفي بلوغ المرام :
الولاء لمن أعتق:
(١٣٧٠) – وعن عائشة (رضي الله عنها)، أن رسول الله (ﷺ) قال: «إنما الولاء لمن أعتق». متفق عليه في حديث طويل.
قال ابن عثيمين في شرح بلوغ المرام :
عن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله (ﷺ) قال: «إنما الولاء لمن أعتق»، وقد تقدم الحديث بطوله في البيوع بشرح الشيخ ابن عثيمين في قصة بريرة وتقدم شرحه للشيخ بما فيه كفاية، ونضيف هنا أن الولاء لمن أعتق سواء أعتقه تطوعا أو أعتقه في زكاة أو أعتقه في كفارة فالولاء له.
مثال التطوع: اشترى رجل رقيقًا وقال له: أنت حُر، هذا تطوع ولا إشكال في كون الولاء للمعتق، ومثال الزكاة: من مصارف الزكاة للرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠].
ومن صور ذلك: أن يشتري من الزكاة عبدًا فيعتقه؛ فهذا رجل اشترى عبدا بزكاته، ثم أعتقه، فله عليه الولاء، لو أن هذا العبد اتجر وأغناه الله وصار عنده مال كثير، ثم مات وليس له عصبة فعاصبه المعتق.
مثال الكفارة: إنسان عليه عتق رقبة كفارة كرجل ظاهر من زوجته، أو جامعها في رمضان فأول ما يجب عليه أن يعتق رقبة فإن أعتق رقبة، فالولاء له.
وقال بعض أهل العلم: الولاء في غير التطوع يكون للجهة التي أعتقه من أجلها، فمثلًا: إذا أعتقه من زكاة يكون ولاؤه للفقراء؛ لأنه مصرف الكفارة، ولكن المشهور من المذهب أن كل من أعتق عبدا، فله ولاؤه؛ ولهذا قال المؤلف: «فله عليه الولاء» واستدلوا بعموم قول النبي (ﷺ): «إنما الولاء لمن أعتق».
فلو قال قائل: ولو اختلف دينهما هل الولاء ثابت؟ الولاء ثابت وإن اختلف أهل العلم في حكم التوارث بينهما، والخلاف هنا أنه لا توارث بين مسلم وكافر وإن ثبت الولاء من أجل
اختلاف الدين، وهذا هو القول الراجح، أن الولاء ثابت ولكن لا توارث بينهما، ولو كان العبد الذي أعتقه سيده كافرًا فإنه يثبت الولاء له عليه لكن الميراث لا يرثه لو مات، والمرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتقت فلا ترث بالولاء بواسطة النسب.
مثال ذلك: رجل وأنثى اشتريا أباهم ثم عتق عليهما، ثم إن الأب اشترى عبدا فأعتقه فهل يرثان أباهما ميراث نسب أم ميراث ولاء؟ الجواب: يرثانه ميراث نسب؛ لأن النسب مُقدم، فإن كانت البنت بذلت في قيمة والدها عشرة آلاف والابن بذل خمسة آلاف، فمات الأب، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قالت: أنا بذلت أكثر من أخي في شراء والدي قلنا فالنسب مقدم على الولاء.
قال الشيخ ابن باز (رحمه الله) في تعليقه على الحديث: هذا الحديث «إنما الولاء لمن أعتق» فإذا أعتق زيد سعيدا أو عمرًا أو فلانا فالولاء له ولعصبته كما في حديث عائشة، فإنها أعتقت بريرة وقال لها النبي (ﷺ): «الولاء لمن أعتق».
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ٦/٢٢٧ — ابن عثيمين (ت ١٤٢١)
كتاب العتق←الولاء لمن أعتق
قال البسام تتمة لفوائد الحديث التي سبق نقلناها من شرحه لبلوغ المرام : – الَّذي يرث بالولاء هو من باشر العتق، ثم عصبته المتعصِّبون بأنفسهم، لا بغيرهم، ولا مع غيرهم؛ لأنَّ الولاء يورث به، ولا يورث، وأمَّا العتيق: فلا يرث من معتقه على قول جمهور العلماء؛ لأنَّ النِّعمة عليه لا له.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧/٢٦٠-٢٦٢
——
قال ابن القيم :
[فَصْلٌ مَا فِي إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنَ الْعُمُومِ]
فَصْلٌ
وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ««إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»» مِنَ الْعُمُومِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ لِمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً أَوْ فِي زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ عِتْقٍ وَاجِبٍ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: يُرَدُّ وَلَاؤُهُ فِي عِتْقِ مِثْلِهِ، وَيَحْتَجُّ بِعُمُومِهِ أحمد وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ذِمِّيًّا ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ، وَهَذَا الْعُمُومُ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ: («لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ») فَيُخَصِّصُهُ أَوْ يُقَيِّدُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ومالك وأبو حنيفة: لَا يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ««الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»» مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ («لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ») .
زاد المعاد في هدي خير العباد – ت الرسالة الثاني ٥/١٥٢
——
فتاوى :
إذا أعتق بعض العبد وبقي بعضه الآخر، فهل
يكون الولاء لمن أعتق باعتبار ما أعتق منه؟
الجواب : نعم يكون الولاء والإرث له، لكن إن كان له أولاد
أو أقارب من النسب فهم مقدمون، والولاء يكون آخر شيء، فالولاء يأتي عندما تنتهي جميع الجهات التي تكون من طريق النسب؛ لأنه آخر طبقة من طبقات الوارثين.
شرح سنن أبي داود للعباد ٤٤٣/٣٢
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(اعلم): أن حديث قصّة بريرة رضي الله عنها هذا حديث عظيم، كثير الأحكام والقواعد، وقد صنّف فيه الإمامان الكبيران: ابن خزيمة، وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منه، فذكرا أشياء، قال الحافظ: لم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه “تهذيب الآثار”، ولخّصت منه ما تيسّر – بعون الله تعالى – وقد بَلَّغَ بعض المتأخّرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة، أكثرها مستبعد مُتكلَّفٌ، كما وقع في نظير ذلك الذي صنّف في الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدةٍ وفائدة. انتهى.
قال الجامع: وأنا أسوقها تبعًا لصاحب “الفتح”، فأقول مستعينًا بالله تعالى:
1 – (فمنها): ثبوت الولاء للمعتِق، والردّ على من خالفه.
2 – (ومنها): أنه لا ولاء لغير المعتق.
3 – (ومنها): بيان مشروعيّة الخيار للأمَة، إذا أُعتقت، وسيأتي بيان اختلاف المذاهب، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
4 – (ومنها): جواز المكاتبة بالسنّة، تقريرًا لحكم الكتاب.
5 – (ومنها): ما رواه ابن أبي شيبة في “الأوائل” بسند صحيح أنها أول كتابة كانت في الإسلام، لكن يردّ عليه قصّة سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، ويمكن أن يُجمع بأن أوّليته في الرجال، وأوّليّة بريرة في النساء، وقد قيل: إن أول مكاتَب في الإسلام أبو أميّة عبد عمر. وادّعى الرويانيّ أن الكتابة لم تكن تُعرف في الجاهليّة، وخولف.
6 – (ومنها): أنه يؤخذ من مشروعيّة نجوم الكتابة البيع إلى أجل، والاستقراض، ونحو ذلك.
7 – (ومنها): أن فيه إلحاق الإماء بالعبيد؛ لأن الآية ظاهرة في الذكور.
8 – (ومنها): جواز كتابة أحد الزوجين الرقيقين، ويُلحق به جواز بيع أحدهما دون الآخر.
9 – (ومنها): جواز كتابة من لا مال له، ولا حرفة، كذا قيل، وفيه نظر، لأنه لا يلزم من طلبها من عائشة الإعانة على حالها أن يكون لا مال لها، ولا حرفة.
10 – (ومنها): جواز بيع المكاتب إذا رضي، ولم يُعَجّز نفسه إذا وقع التراضي بذلك، وحمَله من منع على أنها عجّزت نفسها قبل البيع، ولكن يحتاج إلى دليل، وقيل: إنما وقع البيع على نجوم الكتابة، وهو بعيدٌ جدًّا.
11 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء، فيتفرّع منه إجراء أحكام الرّقيق كلّها في النكاح، والجنايات، والحدود، وغيرها.
12 – (ومنها): أن من أدّى أكثر نجومه لا يَعتق تغليبًا لحكم الأكثر، وأن من أدّى من النجوم بقدر قيمته يَعتق، وأنّ من أدّى بعض نجومه لم يَعتق منه بقدر ما أدّى؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أذِنَ في شراء بريرة من غير استفصال.
13 – (ومنها): أن فيه جواز بيع المكاتب، والرقيق بشرط العتق.
14 – (ومنها): أن بيع الأمة المزوّجة، وعتقها ليس طلاقًا، ولا فسخًا؛ لثبوت التخيير، فلو طلّقت بذلك واحدةً لكان لزوجها الرجعة، ولم يتوقّف على إذنها، أو ثلاثًا لم يقل لها: “لو راجعته”؛ لأنها ما كانت تحلّ له، إلا بعد زوج آخر.
15 – (ومنها): أن بيعها لا يُبيح لمشتريها وطأها؛ لأن تخييرها يدل على بقاء عُلقة العصمة.
16 – (ومنها): أن سيّد المكاتب لا يمنعه من الاكتساب، وأن اكتسابه من حين الكتابة يكون له.
17 – (ومنها): جواز سؤال المكاتب من يُعينه على بعض نجومه، وإن لم تحلّ، وأن ذلك لا يقتضي تعجيزه.
18 – (ومنها): جواز سؤال ما لا يضطرّ السائل إليه في الحال.
19 – (ومنها): جواز الاستعانة بالمرأة المتزوّجة.
20 – (ومنها): جواز تصرّف المرأة في مالها بغير إذن زوجها.
21 – (ومنها): جواز بذل مالها في طلب الأجر، حتى في الشراء بالزيادة على ثمن المِثل، بقصد التقرّب بالعتق.
22 – (ومنها): جواز شراء من يكون مطلق التصرّف السلعةَ بأكثر من ثمنها؛ لأن عائشة رضي الله عنها بذلت نقدًا ما جعلوه نسيئةً في تسع سنين؛ لحصول الرغبة في النقد أكثر من النسيئة.
23 – (ومنها): جواز السؤال في الجملة لمن يتوقّع الاحتياج إليه، فتُحْمَل الأخبار الواردة في الزجر عن السؤال على الأولويّة.
24 – (ومنها): جواز سعي المرقوق في فكاك رقبته، ولو كان بسؤال من يشتري ليُعتق، وإن أضرّ ذلك بسيّده؛ لتشوّف الشارع إلى العتق.
25 – (ومنها): بطلان الشروط الفاسدة في المعاملات، وصحّة الشروط المشروعة؛ لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: “كلُّ شرط ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ”.
26 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لم يصحّ شرطه.
27 – (ومنها): أن من اشترط شرطًا فاسدًا لم يستحقّ العقوبة، إلا إن علم بتحريمه، وأصرّ عليه.
28 – (ومنها): أن سيّد المكاتب لا يمنعه من السعي في تحصيل مال الكتابة، ولو كان حقّه في الخدمة ثابتًا.
29 – (ومنها): أن المكاتب إذا أدّى نجومه من الصدقة لم يردّها السيّد، وإذا أدّى نجومه قبل حلولها كذلك.
30 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب يَعتِق بتعجيل نجومه؛ أخذًا من قول موالي بريرة: “إن شاءت أن تحتسب عليك”، فإن ظاهره في قبول تعجيل ما اتفقوا على تأجيله، ومِنْ لازمه حصول العتق.
31 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أنّ من تبرّع عن المكاتب بما عليه عَتَقَ.
32 – (ومنها): أنه استُدلّ به على عدم وجوب الوضع عن المكاتب؛ لقول عائشة رضي الله عنها: “أعدّها لهم عَدَّةً واحدةً”، ولم ينكر صلى الله عليه وسلم ذلك عليها.
وأجيب بجواز قصد دفعهم لها بعد القبض.
33 – (ومنها): جواز إبطال الكتابة، وفسخ عقدها إذا تراضى السيّد والعبد، وإن كان فيه إبطال التحرير؛ لتقرير بريرة على السعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها؛ لتشتريها عائشة رضي الله عنها.
34 – (ومنها): أنه يؤخذ منه عدّةُ مسائل؛ كعتق السائبة، واللقيط، والحليف، ونحو ذلك، كثّرَ بها العددَ من تكلّم على حديث بريرة رضي الله عنها.
35 – (ومنها): مشروعيّة الخطبة في الأمر المهمّ، والقيام فيها، وتقدمة الحمد والثناء، وقولِ: “أما بعد” عند ابتداء الكلام في الحاجة.
36 – (ومنها): أن من وقع منه ما يُنكَر استُحبّ عدم تعيينه.
37 – (ومنها): أن استعمال السجع في الكلام لا يُكره، إلا إذا قصد إليه، ووقع متكلّفًا.
38 – (ومنها): جواز اليمين فيما لا تجب فيه، ولا سيّما عند العزم على فعل الشيء.
39 – (ومنها): أن لغو اليمين لا كفّارة فيه؛ لأنّ عائشة رضي الله عنها حلفت أن لا تشترط، ثم قال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: “اشترطي لهم الولاء”، ولم يُنقل كفّارة على ذلك.
40 – (ومنها): جواز مناجاة الاثنين بحضرة الثالث في الأمر يَستحيي منه المناجي، ويعلم أن من ناجاه يُعلم الثالث به، ويستثنى ذلك من النهي الوارد فيه.
41 – (ومنها): جواز سؤال الثالث عن المناجاة المذكورة إذا ظنّ أن له تعلّقًا به، وجواز إظهار السرّ في ذلك، ولا سيّما إن كان فيه مصلحة للمناجي.
42 – (ومنها): جواز المساومة في المعاملة، والتوكيل فيها، ولو للرقيق.
43 – (ومنها): جواز استخدام الرقيق في الأمر الذي يتعلّق بمواليه، وإن لم يأذنوا في ذلك بخصوصه.
44 – (ومنها): ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، فيُستثنى من عموم: “الولاء لُحْمةٌ كلُحمة النسب”، فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث، بخلاف النسب.
45 – (ومنها): أن الكافر يرث ولاء عتيقه المسلم، وإن كان لا يرث قريبه المسلم.
46 – (ومنها): أن الولاء لا يباع، ولا يوهب.
47 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن معنى قوله في الرواية الأخرى: “الولاء لمن أعطى الورِق” أن المراد بالمعطي المالك، لا من باشر الإعطاء مطلقًا، فلا يدخل الوكيل، ويؤيّده قوله في رواية الثوريّ عند أحمد: “لمن أعطى الورق، وولي النعمة”.
48 – (ومنها): ثبوت الخيار للأمة إذا أُعتِقت، على التفصيل الآتي، وأن خيارها يكون على الفور، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي قريبًا – إن شاء الله تعالى -.
49 – (ومنها): أن في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن وطئك فلا خيار لك” دلالةً على أن المرأة إذا وجدت بزوجها عيبًا، ثم مكّنته من الوطء، بطل خيارها.
50 – (ومنها): أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة، وتمسّك من قال: له الرجعة بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “لو راجعته”، ولا حجّة فيه، وإلا لما كان لها اختيار، فتعيّن حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغويّ، والمراد رجوعها إلى عصمته، ومنه قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230]، مع أنها في المطلّق ثلاثًا.
51 – (ومنها): أن فيه إبطالَ قول من زعم استحالة أن يحبّ أحد الشخصين الآخر، والآخر يبغضه؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “ألا تعجب من حبّ مُغيث بريرة، ومن بغض بريرة مُغيثًا؟ ” نعم يؤخذ منه أن ذلك هو الأكثر الأغلب، ومن ثمّ وقع التعجّب؛ لأنه على خلاف المعتاد، وجوّز الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: أن يكون ذلك مما ظهر من كثرة استمالة مغيث لها بأنواع من الاستمالات؛ كإظهاره حبّها، وتردّده خلفها، وبكائه عليها، مع ما ينضمّ إلى ذلك من استمالته لها بالقول الحسن، والوعد الجميل، والعادة في مثل ذلك أن يميل القلب، ولو كان نافرًا، فلما خالفت العادة وقع التعجّب، ولا يلزم منه ما قال الأولون.
52 – (ومنها): أن المرء إذا خُيّر بين مباحين، فآثر ما ينفعه لم يُلَم، ولو أضرّ ذلك برفيقه.
53 – (ومنها): أن فيه اعتبار الكفاءة في الحرّيّة.
54 – (ومنها): أن فيه سقوط الكفاءة برضا المرأة التي لا وليّ لها.
55 – (ومنها): أن من خيّر امرأته، فاختارت فراقه وقع، وانفسخ النكاح بينهما، وأنها لو اختارت البقاء معه لم ينقص عدد الطلاق، وكثّر بعض من تكلّم على حديث بريرة هنا في سرد تفاريع التخيير.
56 – (ومنها): أن المرأة إذا ثبت لها الخيار، فقالت: لا حاجة لي به ترتّب على ذلك حكم الفراق، قال الحافظ: كذا قيل، وهو مبنيّ على أن ذلك وقع قبل اختيارها الفراقَ، ولم يقع إلا بهذا الكلام، وفيه من النظر ما تقدّم.
57 – (ومنها): جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل، سواء كان فيه، أم لا.
58 – (ومنها): أن المكاتبة لا يلحقها في العتق ولدها، ولا زوجها.
59 – (ومنها): تحريم الصدقة على النبيّ صلى الله عليه وسلم مطلقًا، وجواز التطوّع منها على ما يلحق به في تحريم صدقة الفرض، كأزواجه، ومواليه، وأن موالي أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم لا تحرم عليهنّ الصدقة، وإن حرمت على الأزواج.
60 – (ومنها): جواز أكل الغنيّ ما تصدّق به على الفقير إذا أهداه له، وبالبيع أولى.
61 – (ومنها): جواز قبول الغنيّ هديّة الفقير.
62 – (ومنها): الفرق بين الصدقة والهديّة في الحكم.
63 – (ومنها): نصح أهل الرجل له في الأمور كلها.
64 – (ومنها): جواز أكل الإنسان من طعام من يُسَرُّ بأكله منه، ولو لم يأذن له فيه بخصوصه.
65 – (ومنها): أن الأمة إذا أُعتقت جاز لها التصرّف بنفسها في أمورها، ولا حجر لمعتِقِها عليها، إذا كانت رشيدة، وأنها تتصرّف في كسبها، دون إذن زوجها، وإن كان لها زوج.
66 – (ومنها): جواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت تمون بريرة، ولم يُنكَر عليها قبولها الصدقة.
67 – (ومنها): أن من أُهدي لأهله شيء له أن يُشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “وهو لنا هديّة”.
68 – (ومنها): أن من حرمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغيّر حكمها.
69 – (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرّف في بيته بالطبخ وغيره بآلاته، ووقوده.
70 – (ومنها): جواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحلّ في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يخشى توقّفه عنه.
71 – (ومنها): استحباب السؤال عما يستفاد به علم، أو أدب، أو بيان حكم، أو رفع شبهة، وقد يَجِب.
72 – (ومنها): سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته.
73 – (ومنها): أن هديّة الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقًا.
74 – (ومنها): أن قبول الهديّة، وإن نزر قَدْرها جبرٌ للمهدي.
75 – (ومنها): أن الهديّة تُملك بوضعها في بيت المهدى له، ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول.
76 – (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بصدقة له أن يتصرّف فيها بما شاء، ولا ينقص أجر المتصدّق.
77 – (ومنها): أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذُبحت بين المسلمين.
78 – (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بقليل لا يتسخّطه.
79 – (ومنها): أن فيه مشاورة المرأة زوجها في التصرّفات.
80 – (ومنها): سؤال العالم عن الأمور الدينيّة.
81 – (ومنها): إعلام العالم بالحكم لمن رآه يتعاطى أسبابه، ولو لم يسأل.
82 – (ومنها): مشاورة المرأة إذا ثبت لها التخيير في فراق زوجها، أو الإقامة عنده، وعلى الذي يشاوَرُ بذل النصيحة.
83 – (ومنها): جواز مخالفة المشير فيما يُشير به في غير الواجب.
84 – (ومنها): استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، حيث لا ضرر، ولا إلزام، ولا لوم على من خالف، ولا غَضَبَ، ولو عظم قدر الشافع، وترجم عليه النسائيّ في “كتاب آداب القضاء” – 28/ 5444 – : “شفاعة الحاكم للخصوم قبل فصل الحكم”، ولا يجب على المشفوع عنده القبول.
85 – (ومنها): يؤخذ منه أن التصميم في الشفاعة لا يسوغ فيما تشقّ الإجابة فيه على المسؤول، بل يكون على وجه العرض والترغيب.
86 – (ومنها): جواز الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع له؛ لأنه لم يُنقل أن مُغيثًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يشفع له. قال الحافظ: كذا قيل، وقد قدّمت أن في بعض الطرق أن العبّاس هو الذي سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، فَيَحْتَمِل أن يكون مغيث سأل العبّاس في ذلك، ويحتمل أن يكون العبّاس ابتدأ ذلك من قِبَل نفسه؛ شفقةً منه على مغيث.
87 – (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن.
88 – (ومنها): أن الشافع يؤجر، ولو لم تحصل إجابته.
89 – (ومنها): أن المشفوع عنده إذا كان دون قدر الشافع لم تمتنع الشفاعة.
90 – (ومنها): تنبيه الصاحب صاحبه على الاعتبار بآيات الله، وأحكامه؛ لتعجيب النبيّ صلى الله عليه وسلم العبّاسَ من حبّ مغيث بريرة.
91 – (ومنها): أن نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كله بحضور وفكر.
92 – (ومنها): أن كلّ ما خالف العادة يُتعجّب منه، ويُعتبر به.
93 – (ومنها): حسن أدب بريرة؛ لأنها لم تُفصح بردّ الشفاعة، وإنما قالت: “لا حاجة لي فيه”.
94 – (ومنها): أن فرط الحبّ يُذهب الحياء؛ لما ذُكر من حال مغيث، وغلبة الوجد عليه، حتى لم يستطع كتمان حبّها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله، ممن يقع منه ما لا يليق بمنصبه، إذا وقع بغير اختياره، ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبّة في الله إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإشارة إلى أحوالهم حيث يظهر منهم ما لا يصدر عن اختيار من الرقص، ونحوه، قاله الحافظ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى.
95 – (ومنها): استحباب الإصلاح بين المتنافرين، سواء كانا زوجين، أم لا، وتأكيد الحرمة بين الزوجين إذا كان بينهما ولدٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنه أبو ولدك”.
96 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الشافع يذكر للمشفوع عنده ما يبعث على قبوله من مقتضى الشفاعة، والحامل عليها.
97 – (ومنها): جواز شراء الأمة دون ولدها، وأن الولد يثبت بالفراش، والحكم بظاهر الأمر في ذلك، قال الحافظ: ولم أقف على تسمية أحدٍ من أولاد بريرة، والكلام مُحْتَمِل لأن يريد به أنه ولدها بالقوّة، لكنه خلاف الظاهر.
98 – (ومنها): أن فيه جواز نسبة الولد إلى أمه.
99 – (ومنها): أن المرأة الثيّب لا إجبار عليها، ولو كانت معتقة.
100 – (ومنها): جواز خِطبة الكبير والشريف لمن هو دونه.
101 – (ومنها): حسن الأدب في المخاطبة حتى من الأعلى مع الأدنى، وحسن التلطّف في الشفاعة.
102 – (ومنها): أن للعبد أن يخطب مطلّقته بغير إذن سيّده.
103 – (ومنها): أن خطبة المعتدّة لا تحرم على الأجنبيّ، إذا خطبها لمطلّقها.
104 – (ومنها): أن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد.
105 – (ومنها): أن الحبّ والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على واحد منهما؛ لأنه بغير اختيار.
106 – (ومنها): جواز بكاء المحبّ على فراق حبيبه، وعلى ما يفوته من الأمور الدنيويّة، ومن الدينيّة بطريق الأولى.
107 – (ومنها): أنه لا عار على الرجل في إظهار حبّه لزوجته.
108 – (ومنها): أن المرأة إذا أبغضت زوجها لم يكن لوليّها إكراهها على عشرته، وإذا أحبّته لم يكن لوليّها التفريق بينهما.
109 – (ومنها): جواز ميل الرجل إلى امرأة يطمع في تزويجها، أو رجعتها.
110 – (ومنها): جواز كلام الرجل لمطلّقته في الطرق، واستعطافه لها، واتباعها أين سلكت كذلك، ولا يخفى أن محلّ الجواز عند أمن الفتنة.
111 – (ومنها): جواز الإخبار عما يظهر من حال المرء، وإن لم يُفصح به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للعبّاس ما قال.
112 – (ومنها): جواز ردّ الشافع المنّة على المشفوع إليه بقبول شفاعته؛ لأن قول بريرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم: “أتأمرني؟ ” ظاهر في أنه لو قال: نعم لقبلت شفاعته، فلما قال: “لا” عُلم أنه ردّ عليها ما فَهِم من المنّة في امتثال الأمر. كذا قيل، وهو مُتكَلَّف، بل يؤخذ منه أن بريرة علمت أن أمره واجب الامتثال، فلما عرض عليها ما عَرَضَ استفصلت، هل هو أمرٌ، فيجب عليها امتثاله، أو مشورةٌ، فتتخيّر فيها؟
113 – (ومنها): أن كلام الحاكم بين الخصوم في مشورة وشفاعة، ونحوهما ليس حكمًا.
114 – (ومنها): أنه يجوز لمن سُئل قضاء حاجة أن يشترط على الطالب ما يعود عليه نفعه؛ لأن عائشة رضي الله عنها شرطت أن يكون لها الولاء، إذا أدّت الثمن دفعة واحدة.
115 – (ومنها): جواز أداء الدين عن المدين، وأنه يبرأ بأداء غيره عنه.
116 – (ومنها): جواز إفتاء الرجل زوجته فيما لها فيه حظّ وغرضٌ، إذا كان حقًّا، وحكم الحاكم لزوجته بالحقّ.
117 – (ومنها): جواز قول مشتري الرقيق: أشتريه لأعتقه ترغيبًا للبائع في تسهيل البيع.
118 – (ومنها): جواز المعاملة بالدراهم والدنانير عددًا، إذا كان قدرها بالكتابة معلومًا؛ لقولها: “أعُدّها”، ولقولها: “تسع أواق”.
119 – (ومنها): جواز بيع المعاطاة.
120 – (ومنها): جواز عقد البيع بالكتابة؛ لقوله: “خذيها”، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في حديث الهجرة: “قد أخذتها بالثمن”.
121 – (ومنها): أن حقّ الله مقدّمٌ على حقّ الآدميّ؛ لقوله: “شرط الله أحقّ، وأوثق”، ومثله الحديث الآخر: “دَين الله أحقّ أن يُقضى”.
122 – (ومنها): جواز الاشتراك في الرقيق؛ لتكرّر ذِكْر أهل بريرة في الحديث، وفي رواية: “كانت لناس من الأنصار”، ويحتمل مع ذلك الوحدة، وإطلاق ما في الخبر على المجاز.
123 – (ومنها): أن الأيدي ظاهرةٌ في الملك، وأن مشتري السلعة لا يَسأل عن أصلها، إذا لم تكن رِيبة.
124 – (ومنها): استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها، إذا كان العاقد يجهلها.
125 – (ومنها): أن حكم الحاكم لا يُغيّر الحكم الشرعيّ، فلا يُحلّ حرامًا، ولا يُحرّم حلالًا.
126 – (ومنها): قبول خبر الواحد الثقة، ذكرًا كان، أو أنثى، حرًّا كان، أو عبدًا.
127 – (ومنها): أن البيان بالفعل أقوى من القول.
128 – (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، والمبادرة إليه عند الحاجة.
129 – (ومنها): أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عامّ وجب إعلانه، أو نُدب بحسب الحال.
130 – (ومنها): جواز الرواية بالمعنى، والاختصار من الحديث، والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة؛ فإن الواقعة واحدةٌ، وقد رويت بألفاظ مختلفة، وزاد بعض الرواة ما لم يذكره الآخرون، ولم يقدح ذلك في صحّة الحديث عند أحد من العلماء.
131 – (ومنها): أن العدّة بالنساء؛ لِمَا تقدّم من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنها أُمرت أن تعتدّ عدّة الحرّة، ولو كان بالرجال لأمرت أن تعتدّ بعدّة الإماء.
132 – (ومنها): أن عدّة الأمة إذا أُعتقت تحت عبد، فاختارت نفسها ثلاثة قروء، وأما ما وقع في بعض طرقه: “تعتدّ بحيضة” فهو مرجوحٌ. ويحتمل أن أصله: “تعتدّ بحيض”، فيكون المراد: جنس ما تستبرئ به رحمها، لا الوحدة.
133 – (ومنها): أن فيه تسمية الأحكام سننًا، وإن كان بعضها واجبًا، وأن تسمية ما دون الواجب سنّةً اصطلاحٌ حادثٌ.
134 – (ومنها): جواز جبر السيّد أمته على تزويج من لا تختاره، إما لسوء خَلْقِه، أو خُلُقه، وهي بالضدّ من ذلك، فقد قيل: إن بريرة كانت جميلة، غير سوداء، بخلاف زوجها، وقد زُوّجت منه، وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها.
135 – (ومنها): أن أحد الزوجين قد يُبغض الآخر، ولا يظهر له ذلك، ويَحْتَمِل أن بريرة مع بغضها مُغيثًا، كانت تصبر على حكم الله عليها في ذلك، ولا تُعامله بما يقتضيه البغض إلى أن فرّج الله عنها.
136 – (ومنها): أن فيه تنبيهَ صاحب الحقّ على ما وجب له إذا جهله.
137 – (ومنها): استقلال المكاتب بتعجيز نفسه.
138 – (ومنها): جواز إطلاق الأهل على السادة، وإطلاق العبيد على الأرقاء.
139 – (ومنها): جواز تسمية العبد مُغيثًا.
140 – (ومنها): أن مال الكتابة لا حدّ لأكثره.
141 – (ومنها): جواز قبول المعتق الهديّةَ من معتَقه، ولا يقدح ذلك في ثواب العتق.
142 – (ومنها): جواز الهديّة لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك، حيث لا ريبة.
143 – (ومنها): سؤال الرجل عمّا لم يعهده في بيته، ولا يرِدُ على هذا ما في قصّة أمّ زرع، حيث وقع في سياق المدح: “ولا يسأل عما عهد”؛ لأن معناه: ولا يسأل عن شيء عهده، وفات، فلا يقول لأهله: أين ذهب؟ وهنا لم يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء رآه، وعاينه، ثم أُحضر له غيره، فسأل عن سبب ذلك؛ لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شُحًّا عليه، بل لتوهّم تحريمه، فأراد أن يبيّن لهم الجواز.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تبسّط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه قبلُ، والأول أظهر، قال الحافظ: وعندي أنه مبنيّ على خلاف ما انبنى عليه الأول؛ لأن الأول بُني على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم، وأنه مما تُصُدّق به على بريرة، والثاني بُني على أنه لم يتحقّق من أين هو؟ فجائز أن يكون مما أُهدي لأهل بيته من بعض أقاربها مثلًا، ولم يتعيّن الأول.
144 – (ومنها): ما قيل: إنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه، إذا لم يظنّ تحريمه، أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل صلى الله عليه وسلم عمن تصدّق على بريرة، ولا عن حاله.
وتُعُقّب بأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة، فلم يتمّ هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 502]