24 ‘ 25 – فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٩) – (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ).
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٣٩] (٢٤) – (وحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَن أَبِيه، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَمّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ«، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَن مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيه، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:»أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ”، فَأنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
[١٤٠] (…) – (وحَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. (ح) وحَدَّثنا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا يَعْقُوبُ – وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ – قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأنزَلَ اللهُ عز وجل فِيه، وَلَمْ يَذْكُرْ الْآيتَيْن، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالَة، وَفي حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالَا بِهِ).
[١٤١] (٢٥) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ – وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ – عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: «قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَأَبَى، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآيةَ).
[١٤٢] (…) – (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – لِعَمِّهِ: «قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّاَ اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأقْرَرْتُ بهَا عَيْنَكَ، فَأنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: “بَابٌ: أَوَّلُ الْإِيمَانِ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”، وفي نسخة الإتيوبي رحمه الله: “(٩) – (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)”
تنبيه :
قال الإتيوبي رحمه الله تعالى:
(٢) – كتابة نصّ العنوان: الكتاب، أو الباب،
وقد سبق أن تراجم الأبواب ليست من وضع المصنف رحمه الله تعالى، وإنما هي من وضع الشرّاح،
وأنا أتوخى أليق الترجمة بالحديث فأضعه،
هذا بالنسبة للأبواب، وأما أسماء الكتب، كـ«كتاب الإيمان»، و«كتاب الطهارة»، ونحو ذلك، فإنها من وضعه، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في مقدّمة شرح المقدّمة، ثم أشرح ما وضعه المصنّف من أسماء الكُتُب، على ما يليق بها، وأما أسماء الأبواب فلا أتعرّض لها؛ لعدم كونها من وضع المصنف، فتنبّه.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٣٩] (٢٤) -الحديث
شرح الحديث:
(قَال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي: حضرت علامات الموت، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة، لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدُل عليه ما وقع من محاورة النبيّ ﷺ له ولمن حضره من كفّار قريش بينه وبينهم.
ويحتمل: أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجاء النبيّ ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتَسُوغُ شفاعته؛ لمكانه منه، ولهذا قال: «أُحاجّ لك بها عند الله»، فيكون من الخصوصيّات، ويؤيد ذلك أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك، أن النبيّ ﷺ لم يترك الشفاعة له، بل شَفَعَ له حتى خُفِّفَ عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه [«الفتح» ٨/ ٦٤٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: ضعّف القاضي عياضٌ هذا الاحتمال الثاني في «إكماله» ١/ ٢١٢ ونقله عنه النوويّ في «شرحه»، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أنه احتمال صحيح قويّ، بل هو أقوى من الأول؛ للأدلة التي سمعتها الآن في تحقيق الحافظ، فاحتفظ بها
وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح أحاديث الشفاعة الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: أبو طالب هذا هو ابن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وهو عمّ النبيّ ﷺ، ووالد علي بن أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأول أصحّ
لما مات جد النبي صلى الله عليه وسلم ، كَفَلَهُ عمّه أبو طالب، ولم يَزَل يُحبّه حبًّا شديدًا، ويَحُوطه ويَحفظه إلى أن بَعَثَ الله محمدًا ﷺ بالنبوّة، فنصَرَه أبو طالب، وأعانه، وأجاره ممن يُريد به سُوءًا، وقام دونه، وعادى في حقّه قُرَيشًا، وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروه بالعداوة والأذى، وطَلَبوا أن يُسلّمه لهم، فلم يفعل، ثم إن قريشًا، وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجْره، وجميع بني هاشم، ومقاطعتهم، وعلى أن لا يقاربوهم، ولا يناكحوهم، لا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهم بشيء، من وجوه الرفق كلّها، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ، وكَتَبُوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب، وبنو هاشم في شِعْبِهم، وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين في جهد جَهِيد، وحال شديد إلى أن نَقَضَ الله أمر الصحيفة، وأظهر أمر نبيّه ﷺ على ما هو مذكور في كتب السِّيَر.
وكان أبو طالب يَعْرِفُ صدقَ النبي ﷺ في كلّ ما يقوله، ويقول لقريش: تعلمون أن محمدًا لم يَكذِب قطّ، ويقول لابنه عليّ: اتّبعه، فإنه على الحقّ، غير أنه لم يدخل في الإسلام، ولم يتلفّظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، فدخل عليه رسول الله ﷺ طامعًا في إسلامه، وحَرِيصًا عليه، باذلًا في ذلك جهده، مُستفرغًا ما عنده، ولكن عاقت عن ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرصٌ، ولا اقتدار. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ١٩٢ – ١٩٣].
وقال النوويّ في «شرحه»: وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتُوُفِّيت خديجة، أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. انتهى [«شرح مسلم» ١/ ٢١٥].
(جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ)، قال في «الفتح»: يحتمل أن يكون الْمُسَيِّب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كُفّارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران.
وأما قول بعض الشُّرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فمردود؛ لأنه اسْتَدَلَّ بأن المسيِّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول الْعَسْكَرِيّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأَيًّا ما كان فلم يَشْهَد وفاةَ أبي طالب؛ لأنه تُوُفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ ﷺ يومئذ نحوُ الخمسين سنةً. انتهى.
ووجه الرَّدِّ أنه لا يلزم من كون المسيِّب تأخر إسلامه أن لا يَشهَد وفاة أبي طالب، كما شَهِدَها عبد الله بن أبي أمية، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك.
وعَجَبٌ من هذا القائل كيف يعزو كون المسيّب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، وَيغْفُلُ عن كون ذلك ثابتًا في «صحيح البخاري» الذي شَرَحَهُ؟ كما هو مذكور في «كتاب المغازي» واضحًا [«الفتح» ٨/ ٦٤٣].
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا عَمِّ) وفي رواية البخاريّ: «أَيْ عَمِّ»، فـ «أَيْ» بتخفيف الياء حرف نداء، و«عَمّ» منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، حُذفت تخفيفًا.
(قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) وفي رواية للبخاريّ: «أُحَاجُّ»، وهي بتشديد الجيم، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ: «أُجادل عنك بها»، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري قال: «أَيْ عَمّ، إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمةً تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة». قاله في «الفتح» [«الفتح» ٨/ ٦٤٥].
(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِب، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاريّ، أي أتُعرض عنها، وتتركها، يقال: رَغِبَ عن الشيء: إذا لم يُرِده، ورغب فيه: إذا أراده
(فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوله، وكسر الراء، يقال عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إيّاه، أي: لم يَزَلْ ﷺ يُرغّب أبا طالب في تلك الكلمة، ويُحسّنها له، وفي رواية الشعبي عند الطبريّ: «فقال له ذلك مرارًا» (وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ)،
وفي رواية البخاريّ: «ويُعيدانه بتلك المقالة» قال في «الفتح»: أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كان قارب أن يقولها، فَيَرُدّانه، ووقع في رواية معمر: «فيعودان له بتلك المقالة»، وهي أوضح. انتهى [»الفتح” ٨/ ٦٤٤].
(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي: في آخر تكليمه إياهم (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أرادَ بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: «أنا» فَغَيَّرها الراوي؛ أَنَفَةً أن يَحْكِيَ كلامَ أبي طالب، استقباحًا للّفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة.
ووقع في رواية مجاهد قال: «يا ابن أخي مِلَّةُ الأشياخ»، ووقع في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا عند مسلم: «قال: لولا أَنْ تُعَيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله الْجَزَعُ، لأقررت بها عينك»، وفي رواية الطبرانيّ: قال: لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبَالِ أن أَفْعَلَ».
(وَأَبَى) أي: امتنع أبو طالب (أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يُمْكن اطّلاعه عليه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلعه النبيّ ﷺ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:”أَمَا”) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ “ألا”، ووقع في بعض النسخ «أَمَ والله لأستغفرن لك»، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه »أَمَ « من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: »أَمَا والله« بألف بعد الميم، وكلاهما صحيح.
قوله: «لأستغفرنّ لك».
قال الزين بن الْمُنَيِّر: ليس المراد طلب المغفرة العامّة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مُبَيَّنًا في حديث آخر.
وتعقّبه الحافظ بأنّ هذه غفلة شديدةٌ منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُرَدَّ، وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإنما وَقَعَ النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ ﷺ اقتداءً بإبراهيم عليه السلام في ذلك، ثم وَرَدَ نسخ ذلك كما سيأتي بيانه واضحًا. انتهى.
فَأنزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])، أي: ما يجوز، وما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، قاله في «الفتح»،
ثم بيّن تعالى عذر إبراهيم عن استغفاره في قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦] بأن ذلك إنما كان منه لأجل وعد إبراهيم لأبيه حين قال له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقيل: إن الموعد هو من أبي إبراهيم له بأن يسلم، فلما لم يَفِ بها، وتبيّن له أنه لا يسلم إما بالوحي، وإما بموته على الكفر، تبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والقولان لأهل التفسير.
و«الأوّاه»: الدَّعَّاءُ المتضرّع، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس، و«الحليم»: السيّد، قاله ابن حبيب، وقيل: هو الصبور على البَلْوَى، الصَّفُوحُ عن الأذى. قاله القرطبيّ [«المفهم» ١/ ١٩٥ – ١٩٦].
(وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى في أَبيِ طَالِبٍ) أي: في شأنه وأمره (فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي: لا تقدر على توفيق من أراد الله تعالى خذلانه، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير الله تعالى بوجه ما، هي الإرشاد والدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]: أي ترشد، وتبيّن، كما قال: ﴿لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما ذكرناه هو مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة. انتهى [«المفهم» ١/ ١٩٦].
وقال النوويّ في «شرحه»: قد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاجُ وغيره [قال الإتيوبي معلقا: “وتعقّب أبو عبد الله القرطبي في «تفسيره» ١٣/ ٢٩٩ على الزجاج، فقال بعد نقل قوله: قلت: والصواب أن يقال: أجمع جلّ المفسّرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبيّ ﷺ. انتهى”. انتهى]، وهي عامّةٌ، فإنه لا يَهْدِي، ولا يُضِلُّ إلا الله تعالى.
وقال الفراء وغيره: قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يكون على وجهين:
[أحدهما]: معناه من أحببته لقرابته.
[والثاني]: من أحببت أن يَهتدِيَ، قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] أي: بمن قُدِّرَ له الهدى. انتهى [«شرح مسلم» ١/ ٢١٥ – ٢١٦].
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في «تفسيره»: يقول الله تعالى لرسوله ﷺ: إنك يا محمد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَر النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وهذه الآية أخصّ من هذا كلّه، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، أي: هو أعلم بمن يستحقّ الهداية ممن يستحقّ الغَوَايةَ. انتهى [«تفسير ابن كثير» ص ١٠٠١ نسخة مؤسّسة الرسالة].
وحديث المسيِّب بن حَزْن رضي الله عنهما هذا متّفق عليه.
تنبيه : رواية ( لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبَالِ أن أَفْعَلَ )
لم أجدها إلا عند ابن جرير بهذا اللفظ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْمَوْتُ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عَمَّاهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّهُ لَوْلَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ عَارٌ لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَلَ؛ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا. فَلَمَّا مَاتَ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: مَا تَنْفَعُ قَرَابَةُ أَبِي طَالِبٍ مِنْكَ، فَقَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ السَّاعَةَ لَفِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ تَغْلِي مِنْهُمَا أُمُّ رَأْسِهِ، وَمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ إِنْسَانٍ هُوَ أَهْوَنُ عَذَابًا مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾»
تفسير الطبري جامع البيان – ط هجر ١٨/٢٨٦
فقد يكون قوله في الفتح الطبراني تصحيف والصواب الطبري
قال في أنيس الساري :
٩٥٥ – (٥٧٤٩) قال الحافظ: وفي رواية الشعبي عند الطبري: فقال له ذلك مرارًا.
وقال: وفي رواية الشعبي عند الطبري: قال: لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل«
أخرجه الطبري (٢٠/ ٩٣) وفيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وقد تقدم الكلام على الحديث في المجموعة الأولى لكن لا يحضرني الآن في أي حرف هو.
وبلفظ قريب
٣٠٦ – حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: لما حضر أبا طالب الموت قال له رسول الله ﷺ: «يا عماه، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: فقال يا ابن أخي لولا أن تكون مسبة عليك لم أبال أن أفعل. قال: فلما مات اشتد ذلك على رسول الله ﷺ قال: فقيل له: يا رسول الله أما تنفع أبا طالب قرابته منك؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده إنه لفي ضحضاح من النار عليه نعلان من النار تغلي منهما أم رأسه ما يرى أن أحدا أشد عذابا منه، وما من أهل النار أحد أهون عذابا منه»
الزهد لهناد بن السري ١/١٩٢ — هناد بن السري (ت ٢٤٣)
المهم كلها من مراسيل الشعبي
—
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله:»الْجَزَع«هكذا هو في جميع روايات المحدثين في مسلم وغيره»الجزع«بالجيم والزاي، وكذا نقله القاضي عياض وغيره من جميع روايات المحدثين، وأصحاب الأخبار، أي التواريخ، والسير، وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه»الْخَرَع«- بالخاء المعجمة، والراء المفتوحتين – أيضًا، وممن نَصَّ عليه كذلك الْهَرَويّ في»الغريبين«، ونقله الخطابيّ عن ثعلب مُختارًا له، وقاله أيضًا شَمِر، ومن المتأخرين أبو قاسم الزمخشريّ، قال القاضي عياض رحمه الله: ونبّهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب، قالوا: والْخَرَع هو الضعف والْخَوَر، قال الأزهريّ: وقيل: الْخَرَعُ: الدَّهَشُ، قال شَمِر: كلُّ رَخْوٍ ضعيفٍ خَرِيع، وخَرعٌ، قال: والْخَرَع: الدَّهَشُ، قال: ومنه قول أبي طالب، فذكره، وفسّره بالضعف والْخَوَر. والله أعلم، انتهى [«الإكمال» ١/ ٢١٠ – ٢١٢ و«شرح النووي» ١/ ٢١٦ – ٢١٧].
وشرح القرطبي
وقوله: (لولا أن تُعيّرني قريش) أي تَسُبّني، وتُقَبِّح إليّ
وقوله: (لأقررت بها عينك) أي سَرَرتك بقولها، وأبلغتُك أمنيّتك، يقال: قَرَّت العينُ، من باب ضربَ قُرَّةً بالضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، سُرُورًا، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ [«المصباخ المنير» ٢/ ٤٩٦ – ٤٩٧].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أحسن ما يقال فيه: ما قاله أبو العباس ثعلب، قال: معنى أَقَرَّ الله عينه: أي بَلَّغَه الله أمنيته، حتى ترضى نفسه، وتَقَرَّ عينه، فلا تستشرفُ لشيء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقَعْتَ بِقُرِّكَ: أي أدرك قلبك ما كان يتطلَّعُ إليه، وقال الأصمعيّ: معناه أبرد الله دَمْعَته، لأن دمعة الفَرَحِ باردةٌ، قال القاضي عياض: وسمعتُ الأُستاذ أبا الحسن بن الأخضر النحويّ يقول في تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال في ضدّه من السّخْن بقوله: أسخن الله عينه، وذلك أن الذي يَرَى ما يسؤوه يَبْكي، فتَسْخن عينه بالدموع، والذي يرى ما يَسُرُّه لا يبكي، فتبقى عينه باردة، فيكون معنى «أقرّ الله عينه»: أي أراه ما يسُرُّه. انتهى [«الإكمال» ١/ ٢١٢ – ٢١٤ و«شرح النووي» ١/ ٢١٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في الاستشكال الوارد على هذا الحديث:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ونزلت {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أما نزول هذه الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب، وأما نزول التي قبلها ففيه نظر, ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة, وهي عامة في حقه وفي حق غيره، ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} فأنزل الله بعد ذلك الآية . وأنزل في أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. ولأحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة أبي طالب قال: فأنزل الله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} وهذا كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام] فتح الباري 7/245.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [قوله: فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} أي ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي … وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت» وهذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية والأصل عدم تكرر النزول. وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: «خرج رسول الله يوماً إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} » وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه (نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب) ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبري من هذا الوجه (لما قدم مكة أتى رسم قبر ) ، ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية (لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت) وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه (لما هبط من ثنية عسفان) وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضاً أنه قال يوم أحد بعد أن شج وجهه: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في حديث الباب: (وأنزل الله في أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: (سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي فأنزل الله: ما كان للنبي الآية) وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت…] فتح الباري 8/644-645.
[ومما يؤكد تأخر نزول قولـه تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} عن قصة أبي طالب:
- قولـه في الآية: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} وهذا يدل على أن الاستغفار وقع من النبي، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قبل النبي.
- أن هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل.
- أن الله تعالى لم يُعاتب النبي في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك] ملتقى أهل التفسير عن شبكة الإنترنت.
ومن أهل العلم من يرى أن نزول الآية لم يكن في قصة أبي طالب حيث إنها في سورة براءة كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني وهي من أواخر ما نزل من القرآن.
قال الألوسي: [واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الواحدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: أخبرت رسول الله بموت أبي طالب فبكى فقال: (اذهب فغسِّله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه) ففعلت وجعل رسول الله يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} …الخ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغياً به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة] تفسير روح المعاني 6/32.
ومن أهل العلم من قال بتعدد سبب نزول الآية كالسيوطي حيث قال: [الحال السادس: أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره.
مثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية ….
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل علي: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} فجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول] الإتقان في علوم القرآن 1/ 132-133.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم -ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً- فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}. وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/145-146.
—-
(المسألة الثانية): معالم في معرفة معنى: الكفر
(المطلب الأول): معنى الكفر:
أولا: التعريف لغة:
الكفر لغة: الستر والتغطية. قال ابن فارس: «الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية. يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفَر درعه. والمكفِّر: الرجل المتغطي بسلاحه» [مقاييس اللغة (5/191) [دار الفكر، 1399هـ]].
ثانيا: التعريف شرعا:
«الكفر هو عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض» [مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/639)، (12/335) ومختصر الصواعق (596) [دار الحديث، ط1]].
* العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:
لما كان المعنى اللغوي لكلمة الكفر هو التغطية والستر، جاء المعنى الشرعي مستقًى منه، فالكافر إنما سمي كافرًا؛ لأن الكفر غطى إيمان قلبه.
(المطلب الثاني): الأسماء الأخرى:
من الألفاظ الشرعية التي عبر بها عن الكفر: الشرك، والظلم، والفسق.
(المطلب الثالث): الحكم:
يجب على المسلم اجتناب الكفر، وكلّ سبب يؤدي إليه.
وحكم من وقع في الكفر الأصغر: أن صاحبه يبقى في دائرة الإسلام لا يخرج منها، وإذا لقي الله عزّ وجل بتلك الذنوب، فإنه يكون مستحقًّا للعقوبة، إلا أن يعفو الله عنه، بخلاف من وقع في الكفر الأكبر: فإن فاعله خارج عن الإسلام، وإذا مات على كفره أدخله الله النار خالدًا مخلدًا فيها. والكفر حكم شرعي ينطبق على من كفّره الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
(المطلب الرابع): الحقيقة:
الكفر يكون بكل ما يناقض الإيمان، من اعتقاد أو قول أو عمل، فإن نقض أصل الإيمان كان هذا هو الكفر الأكبر، كالنفاق والجحود والاستهزاء والتكذيب ونحو ذلك، أو نقض كمال الإيمان الواجب فهذا هو الكفر الأصغر، كقتال المسلم لأخيه المسلم دون حق، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، ومن انتسب إلى غير أبيه ونحو ذلك مما سمَّاه الشرع كفرًا وليس بالأكبر [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/350)، و(12/335)، واقتضاء الصراط المستقيم (1/238)].
قال ابن تيمية رحمه الله: «الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه،
وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تجب في الشرع معرفته» [درء تعارض العقل والنقل (1/242) [جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1399هـ]].
هذا النص مجتزئ من مسألة في الكتاب بعنوان
إما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة. وإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة
وفيها ذكر لبعض مصطلحات المتكلمين، مثل الجوهر والعرض والجسم والجهة .
إلى أن قال الألفاظ نوعان:
– نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذما استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.
– النوع الثاني: وأما الألفاظ التي ليس له أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض
ثم في النوع الثاني، قال:
فمن كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر مخالفه، إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر، لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابا في العقل تجب في الشرع معرفته.
ومن العجب قول من يقول من أهل الكلام:
– إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل.
– وأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي الشرعيات عندهم، وهذه طريقة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب الإرشاد وأمثالهم.
فهو يرد على المعتزلة والجهمية الذين يكفرون في المسائل التي اعتبروها عقلية، يكفرون مَن يثبت خلاف ما يعتقدونه ، في الألفاظ التي جاؤوا بها: الجسم والعرض ….
يقول تكفير من يقول (يتكلم) أو يتلفظ ببعض المصطلحات لأنها معانيها باطلة، لا يتلقى التكفير بالعقل، وإنما بالشرع.
ودليله: أن الكفر حكم شرعي وليس حكماً عقلياً.
والله أعلم
(المطلب الخامس): الأدلة:
قال تعالى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ *} [البقرة]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البقرة: 217]، وهذه الآيات السابقة المراد منها: الكفر الأكبر.
وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ *} [المائدة]، وهذه الآية دخل فيها الكفر الأصغر، قال عطاء رحمه الله في تفسيرها: «كفر دون كفر» [أخرجه الطبري تفسيره (8/464) [دار هجر، ط1]].
وأدلة السُّنَّة على إطلاق لفظ الكفر وأن المراد به الكفر الأكبر كثيرة، منها حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن» [أخرجه البخاري (كتاب المغازي، رقم 4283) واللفظ له، ومسلم (كتاب الفرائض، رقم 1614)]. وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها» [أخرجه مسلم (كتاب صفة القيامة والجنة والنار، رقم 2808)].
ومن أدلة السُّنَّة على الكفر الأصغر: حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» [أخرجه البخاري (كتاب العلم، رقم 121)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 65)]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفارًا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر ومؤمن» [اقتضاء الصراط المستقيم (1/238)].
(المطلب السادس): أقوال أهل العلم:
قال ابن حزم: «وهو ـ أي: الكفر ـ في الدين صفة من جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه، ببلوغه الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو: بلسانه دون قلبه، أو: بهما معًا، أو: عمل عملاً جاء النص بأنه مُخرج له بذلك عن اسم الإيمان» [التبصير في معالم الدين (162) [دار العاصمة، ط1، 1416هـ]].
وقال أبو نصر المروزي: «إذ الكفر لا يكون إلا جحودًا بالقلب أو تكذيبًا بالقلب أو باللسان، أو إباء أو امتناعًا باستكبار واستنكاف» [تعظيم قدر الصلاة (2/749)].
وقال ابن القيِّم: «فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر، فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار، والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود» [مدارج السالكين (1/344) [دار الكتاب العربي، ط3، 1416هـ]].
وقال أيضًا: «الكفر جحد ما علم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جاء به، سواء كان من المسائل التي يسمونها علمية أو عملية، فمن جحد ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دِقِّ الدين وجلّه» [مختصر الصواعق (620)].
وقال السعدي رحمه الله: «حدّ الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم أو جحد بعضه» [الإرشاد إلى معرفة الأحكام (203، 204) [مكتبة المعارف، الرياض، ط 1400هـ]].
(المطلب السابع): الأقسام:
ينقسم الكفر إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الكفر الأكبر: هو الذي يناقض أصل الإيمان، فيَخرجُ صاحبُه من الإسلام بالكلية، ويخلُد في النار إن مات عليه، ولا تنفع فيه شفاعة الشافعين، وهو خمسة أنواع:
1 ـ كفر التكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسل عليهم السلام، فمن كذبهم فيما جاؤوا به ظاهرًا أو باطنًا فقد كفر، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ *} [العنكبوت].
2 ـ كُفر الإباء والاستكبار: وذلك بأن يكون عالمًا بصدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره، استكبارًا وعنادًا، قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *} [البقرة].
3 ـ كفر الشك، ويقال له كفر الظن: وهو ألا يجزم بصدق الرسول ولا بكذبه، بل يشك في أمره. قال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا *وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا *قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً *} [الكهف].
4 ـ كفر الإعراض: وهو الإعراض الكلي عن الدين، بأن يعرض بسمعه وقلبه وعلمه عما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ *} [الأحقاف].
5 ـ كفر النفاق: وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ *} [المنافقون] [انظر: مدارج السالكين (1/346، 347)، والدرر السنية (2/70، 71) [ط6، 1417هـ]].
ـ القسم الثاني: الكفر الأصغر: وهو الذي لا يخرج من الملة، وصاحبه مستحق للوعيد والعذاب في النار دون الخلود فيها، وقد تقدمت صوره والأدلة عليه.
(المطلب الثامن): المسائل المتعلقة:
المسألة الأولى: شعب الكفر:
إن للكفر شعبًا وخصالاً كما أن للإيمان شعبًا، فالمعاصي والذنوب كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
وشعب الكفر متفاوتة؛ منها ما يوجب الخروج من الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك.
فقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، وكذلك الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله، والمعاصي كلها من شعب الكفر.
وشعب الكفر قسمان: قولية وفعلية.
فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف [الصلاة وأحكام تاركها (55، 56) [مكتبة الثقافة بالمدينة المنورة]].
وأهل السُّنَّة والجماعة يعتقدون أن العبد يجتمع فيه بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر أو النفاق التي لا تنافي أصل الإيمان وحقيقته [انظر: مجموع الفتاوى (7/350)، وتفسير القرآن العظيم (2/160) [دار طيبة، ط2، 1420هـ]، وتفسير السعدي (156) [مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ]]،
قال الله تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 167].
المسألة الثانية: لا يلزم من التكفير ثبوت أحكام الردة:
ليس كل من قيل فيه: هو كافر، يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة؛ لأن مَن لم يُظهر الكفر يعامل معاملة المنافقين فتُجرى عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فقد ثبت أن الناس كانوا على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر.
ومع هذا فإنه لما كان يموت أحدُ المنافقين، كانت تجرى عليه أحكام المسلمين، فكان معصوم الدم، وإذا مات يرثه المسلمون، حتى تقوم السُّنَّة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
وكذلك لما خرجت الخوارج زمن علي رضي الله عنه لم يحكموا بكفرهم ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال.
وفي المقابل صار البعض يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء؛ وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.
والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية، وقد يقول القول وهو متأول.
فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح في الذي قال: «إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين» [أخرجه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء، رقم 3478)، ومسلم (كتاب التوبة، رقم 2756)]،
وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه؛ لأنه كان جاهلاً [انظر: مجموع الفتاوى (7/617 ـ 619)].
المسألة الثالثة: الكفر يكون بالفعل كما يكون بالقول والاعتقاد:
قرَّر علماء أهل السُّنَّة أن الكفر بعد الإسلام يقع بالفعل كالذبح لغير الله أو السجود لصنم كما يكون بالقول أو الاعتقاد.
وزعم البعض أنَّه لا يكفر إلا من اعتقد الكفر، أمّا من تلفّظ به أو عمل ما هو كفر صراحة فلا يكفر؛ إذ الكفر هو الاعتقاد فقط، وهذا هو مذهب المرجئة.
والصحيح: أن من وقع في كفر عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبيِّن له أنَّ هذا كفر يخرج من الملة، فأصر على فعله طائعًا غير مكره، متعمّدًا غير مخطئ ولا متأوّل فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرض دنيوي [انظر: روضة الطالبين للنووي (10/64) [المكتب الإسلامي، ط3، 1412هـ]، ومجموع الفتاوى (7/220)، والصارم المسلول (523، 524)، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (1/659) [دار العاصمة، ط1، 1349هـ]].
المسألة الرابعة: إطلاق الكفر على المعاصي:
جاء في الشرع جواز إطلاق الكفر على المعاصي، والمراد به: الكفر العملي، وذلك لقصد الزجر [انظر: فتح الباري لابن حجر (6/541) [دار المعرفة، 1379هـ]].
كما في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» [أخرجه البخاري (كتاب الإيمان، رقم 48)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 64)]،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»[تقدم تخريجه] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفارًا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر ومؤمن» [اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (1/238)].
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر» [أخرجه البخاري (كتاب الفرائض، رقم 6768)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 62)]. قال ابن بطال: «وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يخلد صاحبها في النار» [نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (12/55)].
المسألة الخامسة: ضابط بلد الكفر:
بلد الكفر: هو كل بلد تقام فيه شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام، كالأذان، والصلاة جماعة، والأعياد، والجمعة على وجه عام شامل.
والبلد الذي تقام فيه شعائر الإسلام على وجه محصور كبلاد الكفار التي فيها أقليات مسلمة فإنها لا تكون بلاد إسلام بما تقيمه الأقليات المسلمة فيها من شعائر الإسلام [انظر: شرح ثلاثة الأصول لابن عثيمين (129، 130) [دار الثريا، ط4، 1424هـ]].
المسألة السادسة: الكفار الأصليون ثلاثة أصناف:
1 ـ أهل الكتاب.
2 ـ من لهم شبهة كتاب.
3 ـ من ليس لهم كتاب.
ولكل صنف أحكام تخصه.
وينقسم الكفار الأصليون في أحكام الدنيا باعتبار مسالمتهم وحربهم إلى: أهل الحرب، وأهل الذمة [انظر: روضة الطالبين للنووي (1217) [دار ابن حزم بيروت، ط1، 1423هـ]، والمغني لابن قدامة (9/546 فما بعدها) [دار هجر، ط1، 1406هـ]].
(المطلب التاسع): الفروق:
1 ـ الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر:
الكفر الأصغر يظل صاحبه في دائرة الإسلام لا يخرج منها، وإذا لقي الله عزّ وجل بتلك الذنوب، فإنه يكون مستحقًّا للعقوبة، إلا أن يعفو الله عنه، بخلاف الكفر الأكبر، فإن فاعله خارج عن الإسلام، وإذا مات على كفره أدخله الله النار خالدًا مخلدًا فيها.
2 ـ الفرق بين الكفر والشرك:
ـ الكفر والشرك قد يعبِّر بهما جميعًا في معنى واحد، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» [أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم 82)]، ولذا قال بعض العلماء أنهما كالإسلام والإيمان يعبر بأحدهما عن الآخر.
ـ كل شرك فهو كفر، وليس كل كفر شركًا؛ لأن المعرض عن الدين والمستهزئ به يوصف بالكفر لا بالشرك [انظر: الفروق للعسكري (230)، ومجموع فتاوى ابن باز (1/33 ـ 34) [دار الوطن، ط1، 1416هـ]، وتيسير العزيز الحميد (56)، وكتاب مصرع الشرك والخرافة لخالد الحاج (181)].
3 ـ الفرق بين الكفر والنفاق:
إن النفاق هو اعتقاد الكفر باطنًا وإظهار الإيمان، بخلاف الكفر فإن الكافر يعتقد الكفر ويظهره، ولذلك كان المنافق أشد جرمًا من الكافر؛ لأنه يتحقق فيه الكفر مع زيادة مخادعة المؤمنين بإظهار الإسلام [انظر: مدارج السالكين (1/338) فما بعدها].
(المطلب العاشر): مذاهب المخالفين:
ذهب بعض أهل العلم إلى حصر الكفر في الجحود [انظر: شرح الطحاوية (313) [وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، ط1، 1418هـ]]، وهذا فيه نظر.
وذلك لدلالة النصوص الشرعية التي تفيد أن الكفر يمكن أن يكون من غير جهة الجحود.
فقد يكون من جهة العناد، كما قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآِيَاتِنَا عَنِيدًا *} [المدثر]، وهذا ككفر أبي طالب وأضرابه من أهل العناد مع علمهم أن ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم حق.
وقد يكون من جهة الكبر والإباء، ككفر إبليس، قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *} [البقرة].
وقد يكون الكفر من جهة النفاق والزندقة، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
وقد يكون من جهة الكره لما أنزل الله، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *} [محمد].
وقد يكون الكفر من جهة الطعن بالدين والاستهزاء به، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة].
وقد يكون من جهة التولي والإعراض عن الدين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ *} [الأحقاف].
وقد يكون الكفر من جهة الشك والظن بالله ظن الجاهلية، كما قال تعالى عن الكفار: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ *} [إبراهيم]، وقال: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ *} [الجاثية].
قال ابن تيمية: «المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب؛ بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم؛ فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر، يكون تكذيبًا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلا بدَّ أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق» [انظر: مجموع الفتاوى (7/292)]. [موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة – إصدار: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب].
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): أنه دليلٌ واضحٌ على صحة إسلامِ مَن حضره الموت، ما لم يَشْرَع في النَّزْع، وهو الْغَرْغَرة.
٢ – (ومنها): أنّ من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.
٣ – (ومنها): أنّ من لم يعمل خيرًا قط إذا خَتَمَ عمره بشهادة أن لا إله إلا الله، حُكِم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عَقْدُ قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وَصَلَ إلى حَدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعَجَزَ عن فهم الخطاب ورَدّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، والله تعالى أعلم.
٤ – (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متّبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين.
٥ – (ومنها): أن المحبّة النافعة هي المحبّة الإيمانيّة، لا المحبّة الطبيعيّة، فإن أبا طالب كان يحبّ النبيّ ﷺ حبًّا شديدًا، ويقدّمه على نفسه، وعلى أولاده، ولكنه ما نفعه ذلك؛ إذ لم يحبّه المحبّة الشرعيّة التي تحمل على اتّباعه، والانقياد لشرعه.
٦ – (ومنها): أن الشرك محبطٌ لأعمال الخير؛ لأن أبا طالب كان يحوط النبيّ ﷺ، ويقوم بالدفاع عنه، ويَفْدِيه بكلّ ما يملكه، ويفعل تجاهه كلّ خير، إلا أن كلّ ذلك حَبِطَ بشركه، وعدم طاعته بالتوحيد، قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
٧ – (ومنها): النهي عن الاستغفار للمشركين.
٨ – (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة.
٩ – (ومنها): جواز الْحَلِف من غير استحلاف؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال: «أما والله لأستغفرنّ لك …» الحديث، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وكأنّ الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب.
١٠ – (ومنها): أن قوله: «هو على ملّة عبد المطّلب» من أحسن الآداب، والتصرّفات، وهو أن من حَكَى قول غيره القبيح، ينبغي له أن يَأتي بضمير الغيبة؛ لِقُبْحِ صورة لفظه الواقع، كمثل هذا، وكما في حديث: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله …» الحديث، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج].
11 – (ومنها): دليل قبول التوبة قبل وصول الروح للحلقوم: قول الله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم﴾.
قال العلماء: كل شيء قبل الموت فهو قريب، ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾، يعني: إذا بلغت الروح الحلقوم قال: إني تبت الآن.
وأوضح من هذا: ما ثبت من قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [أخرجه أحمد (٦١٦٠)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣)].
12 – (ومنها): تأثير قرناء السوء على المرء، فأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، قالا لأبي طالب: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟»، فذكَّراه بالحجة الملعونة: وهي اتباع الآباء، والأجداد على الباطل، فأعاد عليه النبي ﷺ طلبَ قولِ: لا إله إلا الله، فما زالا به حتى كان آخر ما قال: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ أَبِي عَبْدِ المُطَّلِبِ»، وأبى أن ينطق بكلمة التوحيد.
13 – (ومنها): دليل على أنه ينبغي للمرء أن يحذر من قرناء السوء؛ لهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ» [أخرجه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨)]، فالجليس الصالح يرغبك في الخير وفي المعروف، وجليس السوء يزهدك في المعروف، ويرغبك في الشر- نسأل الله العافية.
14 – (ومنها): دليل على أن الذي منع أبا طالب من الإيمان بالله تعالى ليس الجهل بأَحَقِّيَة هذا الدين، وإنما منعه التعصب، والحمية لقومه، وآبائه وأجداده؛ ولذلك لم يستطع أن يشهد عليهم بالكفر.
15 – (ومنها): دليل على أنه لا يجوز اتباع الآباء والأجداد على الباطل، بل على الإنسان أن يُعمل عقله وألّا يلغيه ويقلد الآباء والأجداد مطلقا، سواء أكانوا على الحق، أم كانوا على الباطل، بل ينظر فإن كانوا على الحق اتبعهم؛ لأن الحق أحق أن يتبع، وإلا فلا.
16 – (ومنها): بيان حجة الكفار التي تتابعوا عليها، وهي اتباع الآباء والأجداد على الباطل، قال الله تعالى- حاكيًا قول المشركين-: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، يعني: على دين، ﴿وإنا على آثارهم﴾، أي: وراءهم ﴿مهتدون﴾، وهي دعوى منهم بلا دليل.
17 – (ومنها): أن هداية القلوب لله لا يملكها غيره، حتى ولو كان أشرفَ الخلق عليه الصلاة والسلام.
18 – (ومنها): تسلية لمن بعد الرسول ﷺ من الدعاة وغيرهم، فالرسول ﷺ أشرف الخلق، وأقربهم منزلةً إلى الله تعالى، ولم يستطع هداية عمه مع شدة حرصه ﷺ على ذلك، فالدعاة بعده من باب أولى.
وأما هداية الدلالة والإرشاد والوعظ فيملكها الرسول ﷺ، والدعاة كذلك، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾.
19 – (ومنها): دليل على أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين لمن مات منهم على الشرك؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فنهي ﷺ بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
20 – (ومنها): دليل على أن أول واجب على العبد هو كلمة التوحيد، خلافًا لأهل البدع القائلين: إن أولَ واجب الشكُّ، أو النظرُ، أو القصدُ إلى النظر [الإرشاد، للجويني (ص ٣)]، فكل هذه الأقوال باطلة ما أنزل الله بها من سلطان؛ بل أول واجب على الإنسان التوحيد، والدليل على ذلك: أنه لما بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عز وجل» [أخرجه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩)]، وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» فلم: يقل حتى يشُكُّوا، أو ينظروا، أو يتأملوا.
وقوله: «فَلَمْ يَزَالَا بِهِ»، يعني: أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية.
21 – (ومنها): دليل على أن معرفة الإنسان للحق لا ينفعه إذا لم يعمل به، فأبو طالب عرف الحق ولم ينفعه، وهو القائل في قصيدته المعروفة:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حَذَارِي سُبَّةً … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا
وكذلك فرعون عرف أن موسى عليه السلام صادق، لكن لم يتبعه، فلم تنفعه معرفته، فكفره كفر إباء واستكبار، وكذلك شأن إبليس واليهود.
والمعرفة لا بد لها من المتابعة والعمل؛ لأن المعرفة وحدها لا تكفي، والقائل بأن الإيمان هو المعرفة في القلب فقط الجهم بن صفوان [قال في حاشية توفيق الرب المنعم: “جَهْمُ بنُ صَفْوَانَ أَبُو مُحْرِزٍ الرَّاسِبِيُّ مَوْلاهُم، المُتَكَلِّمُ، أُسُّ الضَّلالَةِ، وَرَأْسُ الجَهْمِيَّةِ، وكَانَ يُنْكِرُ الصِّفَاتِ، وَيَقُوْلُ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَيَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ فِي الأَمكِنَةِ كُلِّهَا، وَكَانَ يَقُوْلُ: الإِيْمَانُ عَقدٌ بِالقَلْبِ، وَإِن تَلَفَّظَ بِالكُفْرِ.
قِيْلَ: إِنَّ سَلْمَ بنَ أَحْوَزَ قَتَلَ الجَهْمَ؛ لإِنْكَارِه أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوْسَى. سير أعلام النبلاء، للذهبي (٦/ ٢٦)”. انتهى]، [مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٨٨)، الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ١٩٩)]،
وهذا من أبطل الباطل، فلا بد للمعرفة من متابعة وعمل، وإلا فلن تغنيَ عن صاحبها شيئًا.
22 – (ومنها): بيان أن كلمةَ التوحيد شهادةٌ عند الله تعالى للموحِّد؛ لهذا قال النبي ﷺ: «أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [توفيق الرب المنعم، (1/ 87 – 90)].
23 – وفي الآية دلالة على أن محبة الكافر غير المحارب إذا كانت محبة لغير دينه كأن تكون محبة إحسان أو قرابة وما أشبه ذلك فهي محبة جائزة، ففي الآية أثبت الله تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم – محبته لعمه فقال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ وبعض المفسرين قالوا معناها من أحببت هدايته لكن المعنى الأول هو الأظهر، ومن ذلك محبة الولد المسلم لوالده الكافر محبة إحسان، ومن ذلك محبة الزوج المسلم لزوجته الكتابية فقد أباح الله تعالى زواج المسلم من الكتابية فقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ﴾ ومعلوم أن عشرة الرجل لزوجته لا تخلو من مودة زوجية ولذا قال الله تعالى في عموم الأزواج: ﴿ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾.
وأما محبة الكافر لأجل دينه فلا شك أنها كفر وارتداد عن الدين.
إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)