(المسألة الثانية): الأحاديث الواردة في فضل الأنصار -رضي الله عنهم-:
قال السفاريني رحمه الله تعالى: “وفضائل الأنصار كثيرة ومناقبهم غزيرة ومآثرهم شهيرة رضي اللَّه عنهم أجمعين”.
ومن ذلك:
1) «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله».
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص113): عن البراء -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أو قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».
وروى الإمام أحمد -رحمه الله- (ج4 ص96): عن الحكم بن ميناء أن يزيد ابن جارية الأنصاري أخبره أنه كان جالسا في نفر من الأنصار فخرج عليهم معاوية فسألهم عن حديثهم فقالوا: كنا في حديث من حديث الأنصار فقال معاوية: ألا أزيدكم حديثا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من أحب الأنصار، أحبه الله عز وجل، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله عز وجل».
قال الوادعي رحمه الله: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، إلا يزيد بن جارية، وقد قال الدارقطني: له صحبة، ووثقه النسائي بناء على أنه تابعي، والله أعلم.
وروى الإمام أحمد -رحمه الله- (ج2 ص527): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله».
قال الوادعي رحمه الله: هذا حديث حسن.
2) أنهم أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص114): أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعها صبي لها فكلمها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: «والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي» مرتين.
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص113): عن أنس -رضي الله عنه- قال: رأى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- النساء والصبيان مقبلين. قال: -حسبت أنه قال من عرس- فقام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ممثلا فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي» قالها ثلاث مرار.
وعن أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار بنات صغيرات يضربن بدفهن، ويتغنين، ويقلن:
نحن جوار من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يعلم الله إني لأحبكن)). [رواه ابن ماجه: 1899، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3154]. فكما تظهرن الحب لي أنا كذلك.
فهذا يدل على مكانتهم في قلبه صلى الله عليه وسلم، ويحبهم، بل صار حُبهم علامة الإيمان وبُغضهم علامة النفاق والخذلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حُب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار» متفق عليه. وقال أيضًا: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»
3) أن حبهم علامة من علامات الإيمان، وبغضهم علامة من علامات النفاق
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص113): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب: حب الأنصار من الإيمان).
وروى الإمام أحمد -رحمه الله- (ج3 ص70): عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق».
قال الوادعي رحمه الله: هذا حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح، إلا أفلح مولى أبي أيوب، وقد وثقه ابن سعد.
وروى الإمام أحمد -رحمه الله- (ج1 ص309): عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله ورسوله، أو إلا أبغضه الله ورسوله».
قال الوادعي رحمه الله: الحديث أخرجه الترمذي (ج10 ص408) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
روى الإمام مسلم بن الحجاج -رحمه الله- (ج1 ص86): عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر».
وروى عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر».
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وإنما خص الأنصار والله أعلم لأنهم هم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله ﷺ ونصروه ومنعوه وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال وكان المهاجرون إذ ذاك قليلا غرباء فقراء مستضعفين ومن عرف السيرة وأيام رسول الله ﷺ وما قاموا به من الأمر ثم كان مؤمنا يحب الله ورسوله لم يملك أن لا يحبهم كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك والله أعلم أن يعرف الناس قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله بما أمكنه فهو شريكهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق.
ومن هذا رواه طلحة بن مصرف قال: كان يقال: «بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة»….
الصارم المسلول على شاتم الرسول ١/٥٨١-٥٨٣
4) مدى منزلة وقرب الأنصار رضي الله عنهم عند النبي صلى الله عليه وسلم
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص112): عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو قال أبو القاسم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه، أو كلمة أخرى.
يقول في هذا الحديث: ( لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ) يعني: لولا أنني أحتسب أجر الهجرة لعددت نفسي أنصارياً، وهو صلى الله عليه وسلم مهاجر، والمهاجر يبتغي أجر الهجرة، فيقول: إنني أبتغي أجر الهجرة مع المهاجرين، فتسميت مع المهاجرين لأني مهاجر، ولولا ذلك لقلت: أنا من الأنصار.
يعني: أنا أنصاري.
فذكرهم بأنه منهم، إلا أنه يتسمى بالهجرة لأجل أن يحصل على أجر المهاجرين.
وفي هذا شيء من صفاتهم رضي الله عنهم، فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه، أو كلمة أخرى.
وروى مسلم رحمه الله(ج2 ص738): عن عبدالله بن زيد، أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الغَنَائِمَ، فأعْطَى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ الأنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا ما أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي؟ وَعَالَةً، فأغْنَاكُمُ اللَّهُ بي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمعكُمُ اللَّهُ بي؟ ويقولونَ: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمَنُّ، فَقالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَقالوا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمَنُّ، فَقالَ: أَما إنَّكُمْ لو شِئْتُمْ أَنْ تَقُولوا كَذَا وَكَذَا، وَكانَ مِنَ الأمْرِ كَذَا وَكَذَا لأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْرٌو أَنْ لا يَحْفَظُهَا، فَقالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ برَسولِ اللهِ إلى رِحَالِكُمْ؟ الأنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأنْصَارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ».
المؤلَّفةُ قلوبُهُمْ هُم ممَّن أَسْلَموا بعدَ فَتحِ مكَّةَ، وفي إِسلامِهم ضَعفٌ، فأعْطاهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العَطايا ليُرغِّبَهم في الإسلامِ، كما يُوضِّح هذا الحديث، وفيه أنَّه لَمَّا أفاءَ اللهُ على رسولِهِ يومَ حُنينٍ، أي: أَعطاهُ غنائمَ الذينَ حاربَهمْ يومَ حُنَينٍ، فقَسَمَ الغَنائِمَ في النَّاسِ فأعطى المؤَلَّفةَ قلوبُهم، ولم يُعطِ الأنصارَ شيئًا؛ فكأنَّهمْ وَجدوا، أي: حزِنوا؛ إذْ لم يُصِبْهمْ ما أَصابَ الناسَ، حيثُ لم يَقسِمْ لهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فخَطبَهُم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ: (يا مَعشرَ الأَنصارِ، ألَمْ أجِدْكمْ ضُلَّالًا فهَداكمُ اللهُ بي؟!) أي: كنتُم في ضلالةِ الشِّركِ، فهَداكمُ اللهُ بالإيمانِ، (وكُنتمْ مُتفرِّقينَ فألَّفكُم اللهُ بي؟!) حيثُ كانوا مُتناحِرينَ مُتقاطِعينَ، يُحارِبُ بعضُهم بَعضًا كما في حربِ بُعاثٍ، فجَمَعهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وألَّفَ اللهُ بينَ قلوبِهمْ، (وكُنتمْ عَالةً)، أي: فُقراءَ، (فأَغناكُم اللهُ بِي؟!)، فكانَ مِن أدَبِ الأنصارِ أنَّهم كلَّما قالَ لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا، قالوا لَهُ: (اللهُ ورَسولُهُ أمَنُّ)، أي: لهما الفَضلُ والمِنَّةُ على الحقيقةِ.
فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (ما يَمنعُكمْ أن تُجيبوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟) أي: تَردُّوا عليه وتذكُروا ما صَنعتُم معَه من مُساندةٍ، فلمَّا سَكتُوا، تَكلَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلِسانِهم فقالَ: (لو شِئتُمْ قُلتُمْ: جِئتَنا كذا وكذا)، أيْ: أَتيْتَنا مُكذَّبًا فصدَّقناكَ، ومُخذَّلًا فنصَرْناكَ وطريدًا فآوْيناكَ، وعائِلًا فواسَيْناكَ، وهذا مِن تواضُعِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنصافِهِ، فلولا هِجرتُهُ إليهِم لكانوا كسائِرِ الناسِ، ثمَّ طيَّبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خواطِرَهم وهوَّنَ عليهمْ فقْدَهُم المالَ بقولِه: (أتَرضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالشَّاةِ والبَعيرِ) وغيرِها من الأموالِ ومتاعِ الدُّنيا، (وتذهَبونَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رِحالِكمْ؟)، أي: بُيوتِكمْ ومنازِلِكمْ، قالَ لهمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لولا الهِجرةُ لكنتُ امرأً من الأَنصارِ)، أيْ: لولا أنِّي هاجرْتُ، وصِرتُ مَنسوبًا إلى الهِجرةِ، ولا يسعُني تركُها، لانتَسبْتُ إلى الأنصارِ، وكنتُ واحدًا مِنهم، (ولوْ سلكَ الناسُ واديًا وشِعْبًا)، أي: طريقًا في الجبلِ، (لَسلَكْتُ واديَ الأنصارِ وشِعْبَها)؛ وذلكَ لفَضلِ الأنصارِ، (الأَنصارُ شِعارٌ) “الشِّعارُ” هو الثَّوبُ الذي على الجِلد، (والناسُ دِثارٌ) “الدِّثارُ” هوَ الثوبُ الذي فوقَ الشِّعارِ، فأرادَ أنَّهمْ أقربُ الناسِ إليه، ثمَّ قالَ: (إنَّكُمْ ستَلقَوْنَ بَعدي أَثَرةً)، أيْ: إنَّهُ سيُفضَّلُ غيرُكمْ علَيْكمْ في الأموالِ المُشترَكةِ العامَّةِ، وأرشدَهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ما يَصنعونَ فقالَ: (فاصبِروا حتى تلقَوْني على الحوْضِ)، فتَنالوا الثوابَ الكبيرَ والأجرَ الجَزيلَ ما يُعوِّضُكمْ عن هذِه الأَثَرةِ.
وفي هذا الحديثِ: إِشارةٌ إلى جَلالَةِ رُتبةِ الهِجرةِ، ومَنزِلةِ الأَنصارِ.
وفيه: أنَّ مَن فازَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم واتِّباعِه، فقدْ فازَ بكلِّ شيءٍ.
5) دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالمغفرة والصلاح، وأن يكرمهم الله تعالى.
روى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص118): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا عيش إلا عيش الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة».
وعن قتادة، عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثله، وقال: «فاغفر للأنصار».
حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا.
فأجابهم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة.
6) شمل دعاؤه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة لهم، ولأبنائهم، وأبناء أبنائهم، ونسائهم
فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار» (رواه البخاري).
7) ظفرهم رضي الله عنهم ببقاء النبي صلى الله عليه وسلم عندهم
روى الإمام البخاري -رحمه الله- (ج7 ص110): عن أنس -رضي الله عنه- يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة -وأعطى قريشا-: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فدعا الأنصار، قال: فقال: «ما الذي بلغني عنكم»؟ وكانوا لا يكذبون. فقالوا: هو الذي بلغك. قال: «أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى بيوتكم، لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم».
8) وصية النبي صلى الله عليه وسلم نحو الأنصار
روى الإمام أحمد -رحمه الله- (ج3 ص500): عن عبدالله بن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم أنه أخبره بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يوما عاصبا رأسه فقال في خطبته: «أما بعد: يا معشر المهاجرين فإنكم قد أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم، وإن الأنصار عيبتي – أي: خاصتي – التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم».
قال الوادعي رحمه الله: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح.
وروى البخاري -رحمه الله- (ج7 ص121): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: خرج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعليه ملحفة متعطفا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: أيها الناس فإن الناس يكثرون، وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم».
وعن أنس بن مالك قال: مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار، وهم يبكون، كان هذا الكلام في مرض النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما يبكيكم؟
قالوا ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا” -يعني نحن عنده في المجلس، ويعلمنا، وننتفع به، وهذا الآن مرض شديد، ونخشى إذا مات نفقد المجلس، ولذلك يبكون- “فدخل العباس على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: الأنصار يبكون يخشون فقدك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد” -نوع من الثياب والحاشية: الطرف- “فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم” -آخر طلعة على المنبر- “فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم)) -يعني أدوا الأمانة، ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووا- “قال: ((وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، وإن الناس يكثرون، وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)) [رواه البخاري: 3799، 3800].
الناس يكثرون، والأنصار يقلون ، هذا خبر من الوحي، وفعلاً هذا ما حدث، يعني بطون قريش كثرت، وآل البيت كثروا، والأنصار قلوا.
وقوله: (كرشي وعيبتي) : قال ابن دريد من أئمة اللغة: هذا من كلامه عليه الصلاة والسلام الذي لم يسبق إليه، يعني هذا أول واحد من العرب يقول هذا الكلام، وما معنى كرشي وعيبتي؟
يعني بطانتي وخاصتي.
الكرش: مستقر الغذاء في داخل الجسم، ومنه يكون النماء.
والعيبة: الشيء التي تحفظ به الأشياء النفيسة، أو مستودع ثياب الإنسان، في اللغة العربية يسمى عيبة، فكانوا هؤلاء عيبة نصح، وكانوا عيبة نصرة، وكانوا عيبة إيواء، وبذل، وتضحية رضي الله عنهم.
قال: (كرشي وعيبتي) ، يعني موضع سري، وأمانتي، والناس يكثرون وتقل الأنصار ، فتدخل قبائل العرب في الإسلام، والعجم يدخلون ويُكثِرون المسلمين، فإذا دخل العرب والعجم، ودخلت الجزيرة، والقبائل، ودخلت الفرس والروم في الإسلام، ماذا سيصبح ؟ الأنصار أقلية، هو لما تكلم كان الأنصار بالنسبة كثير، لكن قال: الناس يكثرون يعني المسلمون سيكثرون بدخول قبائل العرب في الإسلام، والفرس، والروم، والأعاجم، فتصبح الأنصار أقلية، هذا معنى.
المعنى الثاني: أن الأنصار فعلا سيقلون في التوالد، يعني لن يتسع نسلهم، ولن ينتشر ويكثر، كما انتشر وكثر نسل كثيرين وآخرين من العرب، وقد وقع كما أخبر.
حتى قال ابن حجر رحمه الله قال: “الموجودون الآن -هو يتكلم عن وقته- من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج ممن يتحقق نسبه، قال: وقس على ذلك، ولا التفات إلى كثرة من يدعي أنه منهم، يعني من الأوس والخزرج بغير برهان”. [فتح الباري: 7/122].
وقوله: حتى يكونوا كالملح في الطعام : يعني في القلة؛ لأن الملح، كم يكون من الطعام؟ قليل.
وفي الحديث: دلالة على عظم مكانة الأنصار رضي الله عنهم حيث كان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وقبل موته بهذا.
طلب منا نحوهم: حبهم، وإكرامهم، والتجاوز عنهم رضي الله عنهم.
[وانظر: الإلحاد الخميني للوادعي، عقد فصلا في فضائل الصحابة رضي الله عنهم وأورد فيه النصوص].
9 ) رضى الله تعالى عنهم
قولَ الله -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].
[وانظر]:
الفصل الرابع: في فضائل الأنصار، من جامع الأصول لابن الأثير، أبو السعادات (ت ٦٠٦)، (9/ وما بعدها).
(المسألة الثالثة): تكملة لفضائلهم، وسبب تلقيبهم بالأنصار رضي الله عنهم:
قال السفاريني (ت ١١٨٨) رحمه الله تعالى عند ذكره لفضائل الأنصار:
“قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وأنصاره) جمع ناصر كأصحاب وصحاب أو جمع نصير كشريف وأشراف، والضمير في: أنصاره راجع إلى النبي -ﷺ-.
والمراد بهم: الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومن والاهم وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مفتوحة وتحتانية وهى الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبي -ﷺ- الأنصار، فصار ذلك علمًا عليه، وأطلق أيضًا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهده المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي -ﷺ- ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم لجميع الفرق والقبائل من عرب وعجم.
وفي صحيح البخاري عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس رضي الله عنه: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم اللَّه تبارك وتعالى به؟ قال: بل سمانا اللَّه عز وجل، وقال غيلان كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل عليَّ أو على رجل من الأزد ويقول: فعل قومك يوم كذا كذا وكذا«. [البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار (ج ٧/ ١٣٧) رقم (٣٧٧٦)].
قال الحافظ ابن حجر [(١/ ١١٩)] في »فتح الباري لشرح البخاري«: أول تلقيب الأنصار بهذا اللقب كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي -ﷺ- عند عقبة منى في الموسم) [انظر: فتح الباري (ج ٧/ ٢٦١)] كما في السيرة النبوية.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار» [البخاري في التفسير (ج ٨/ ٥١٨) رقم (٤٩٠٦) في تفسير سورة المنافقين. ومسلم رقم (٢٥٠٦) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار رضي الله عنهم.].
وأخرج البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصار: «يا نبي اللَّه لكل نبي أتباع وإنا قد أتبعناك فادع اللَّه أن يجعل أتباعنا منا فدعا به».
وفي رواية فقال: «اللهم اجعل أتباعهم منهم» [البخاري (ج ٧/ ١٤٣) رقم (٣٧٨٧ – ٣٧٨٨) في مناقب الأنصار باب أتباع الأنصار].
[لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية للسفاريني (ت ١١٨٨) رحمه الله تعالى، (2/ 82 – 85)].
(المسألة الرابعة): هل صحيح أن يثرب كان اسما للمدينة ثم نهي عن استعماله ؟
أولا:
“يثرب” كان اسماً للمدينة النبوية في الجاهلية؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ). رواه البخاري (3622)، ومسلم (2272).
قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “وقوله: «يثرب» بالرفع أيضًا عطف بيان، أو بدل وهو بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الراء، ثم باء موحّدة؛ اسم مدينة النبيّ ﷺ، وهو غير منصرف.
والنهي الذي ورد عن تسمية المدينة بيثرب، إنما كان للتنزيه، وإنما جَمَع بين الاسمين هنا لأجل خطاب من لا يعرفها.
وفي «التوضيح»: وقد نُهِي عن التسمية بيثرب، حتى قيل: من قالها، وهو عالم كُتبت عليه خطيئة، وسببه ما فيه من معنى التثريب، والشارع من شأنه تغيير الأسماء القبيحة إلى الحسنة، ويجوز أن يكون هذا قبل النهي، كما أنه سمّاها في القرآن إخبارًا به عن تسمية الكفار لها قبل أن ينزل تسميتها، قاله في «العمدة».
وقال في «الفتح»: قوله: «فإذا هي المدينة، يثرب» كان ذلك قبل أن
يسمِّيها ﷺ طيبة، ووقع عند البيهقيّ من حديث صهيب، رفعه: “أُريت دار هجرتكم سَبْخة [بفتح السين، وكسر الباء، وسكونها تخفيفًا] بين ظهراني حَرَّتين، فإما أن تكون هَجَر، أو يثرب»، ولم يذكر اليمامة، وللترمذيّ من حديث جرير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى أوحى إليّ: أيّ هؤلاء الثلاثة نزلتَ، فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قِنَّسرين»، استغربه الترمذيّ، وفي ثبوته نظرٌ؛ لأنه مخالف لِمَا في «الصحيح» من ذِكر اليمامة؛ لأن قِنَّسرين من أرض الشام، من جهة حَلَب، وهي بكسر القاف، وفتح النون الثقيلة، بعدها مهملة ساكنة، بخلاف اليمامة، فإنها إلى جهة اليمن، إلا إن حُمِل على اختلاف المأخذ، فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها، والثاني يخيّر بالوحي، فيَحْتَمِل أن يكون أُري أوّلًا، ثم خُيّر ثانيًا، فاختار المدينة. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله: وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية، فسمّاها الله تعالى المدينة، وسمّاها رسول الله ﷺ طيبة، وطابة، وقد سبق شرحه مبسوطًا في آخر «كتاب الحجّ»، وقد جاء في حديث النهي عن تسميتها يثرب؛ لكراهة لفظ التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية، وسمّاها في هذا الحديث «يثرب»، فقيل: يَحْتَمِل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعيّ، فقال: «المدينة، يثرب». انتهى [«شرح النوويّ» ١٥/ ٣١ – ٣٢].
فبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم صارت تسمى المدينة.
ومن ذلك قول الله تعالى : ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ ) التوبة /120.
وسميت طيبة وطابة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ ) رواه مسلم (1385) .
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّهَا طَيْبَةُ – يَعْنِي الْمَدِينَةَ – ، وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ ) رواه البخاري (4589) ، ورواه مسلم (1384) واللفظ له .
ثانيا :
ينبغي للمسلم أن يسمي المدينة بهذا الاسم (المدينة ، أو طيبة ، أوطابة) فهي الأسماء الشرعية لها.
وقد ورد في السنة ما يشير إلى النهي عن تسميتها بـ ” يثرب ” .
عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى ، يَقُولُونَ يَثْرِبُ ، وَهِيَ المَدِينَةُ) رواه البخاري (1871) ، ومسلم (1382) .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
“وفي هذا الحديث دليل على كراهية تسمية المدينة بيثرب على ما كانت تسمى في الجاهلية”. انتهى من “التمهيد”. (23/171) .
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
“(يقولون: يثرب، وهي المدينة) يثرب لفظ مأخود من الثرب، وهو الفساد، والتثريب: وهو المؤاخذة بالذنب. وكل ذلك من قبيل ما يكره، وقد فهم العلماء من هذا: منع أن يقال: يثرب. حتى قال عيسى بن دينار: مَن سمَّاها يثرب كُتِبت عليه خطيئة. فأما قوله تعالى: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) الأحزاب (13)، هو حكاية عن قول المنافقين، وقيل: سُميت: يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها. وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم: طيبة، وطابة، من الطيب”. انتهى. [“المفهم”(3/498). السؤال (228126)].
(المسألة الخامسة): صفات الأنصار:
فقد وَصَفَهُمُ اللهُ -تعالى- لنا بالصِّفاتِ التي تحقَّقوا فيها، ثمَّ شَهِدَ لهم بالفلاحِ، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ” قال تعالى مادحاً للأنصار ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم، قال عمر:( وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم) “”رواه البخاري عند تفسير هذه الآية””.
وقوله تعالى: { يحبون من هاجر إليهم} أي من كرمهم وشرف أنفسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم، روى الإمام أحمد، عن أنَس قال، قال المهاجرون: يا رسول اللّه ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال:(لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللّه لهم) “”أخرجه أحمد في المسند””. ودعا النبي صلى اللّه عليه وسلم الأنصار أن يقطع لهم البحرين، قالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: (إما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة) “”أخرجه البخاري””. وقال البخاري، عن أبي هريرة قال، قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:(لا)، فقالوا: أتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا سمعنا وأطعنا، { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} أي ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين، فيما فضلهم اللّه به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة، قال الحسن البصري { ولا يجدون في صدورهم حاجة} يعني الحسد { مما أوتوا} قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم، وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى: { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} يعني مما أوتوا المهاجرون، قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم اللّه في ذلك فقال تعالى: { وما أفاء اللّه على رسوله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن اللّه يسلط رسله على من يشاء واللّه على كل شيء قدير} قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ (إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أو غير ذلك؟) قالوا: وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال:(هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر)، فقالوا: نعم يا رسول اللّه، وقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} يعني حاجة، أي يقدموا المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصدقة جهد المقل)، ومن هذا المقام تصدق الصدّيق رضي اللّه عنه بجميع ماله، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:(ما أبقيت لأهلك؟) فقال رضي اللّه عنه: أبقيت لهم اللّه ورسوله، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم رضي اللّه عنهم وأرضاهم، وروى البخاري، عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه اللّه)، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللّه، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته هذا ضيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تدخريه شيئاً، فقالت: واللّه ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفيء السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (لقد عجب اللّه عزّ وجلَّ – أو ضحك – من فلان وفلانة)، وأنزل اللّه تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} “”أخرجه البخاري، ورواه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه””. وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة رضي اللّه عنه. وقوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح،
وقوله تعالى: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه} ، وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه اللّه من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح اللّه به هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية “”أخرجه ابن أبي حاتم””، وقال ابن جرير: قرأ عمر بن الخطاب: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين} حتى بلغ { عليم حليم} ، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن للّه خمسه وللرسول ولذي القربى} الآية، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: { ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذي القربى} حتى بلغ { والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم – والذين جاؤوا من بعدهم} ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه “أخرجه ابن جرير”.”.انتهى.
بعضهم قال :
بسرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن
تنبيه : بعض المحققين ضبط الأثر: يسيّر حمره
أخرجه الطبري بنحوه عن عمر- رضي الله عنه وفيه … ثم قال عمر لئن عشت ليأتين الراعي- وهو يسيّر حمره- نصيبه لم يعرق فيها جبينه اه جامع البيان (٢٨/ ٣٧).
قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:
وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ «لَئِنْ بَقِيت إِلَى قَابِلٍ ليَأتِيَنّ الرَّاعي بِسَرْو حِمْيَرَ حَقُّه لَمْ يعرَقْ جَبينه فِيهِ» السَّرْوُ: مَا انْحدَر مِنَ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنِ الْوَادِي فِي الْأَصْلِ: والسَّرْوُ أَيْضًا مَحَلَّةُ حمْير.
وَمِنْهُ حَدِيثُ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ «فصَعِدُوا سَرْوًا» أَيْ مُنْحدِرًا مِنَ الْجَبَلِ. وَيُرْوَى
حَدِيثُ عُمَرَ «ليَأتِيَنَّ الرَّاعي بِسَرَوَات حِمْيَرَ»
ويرجحه والله أعلم رواية في مسند أحمد
٢٩٢ – حدثنا محمد بن ميسر أبو سعد الصاغاني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال:
كان عمر يحلف على أيمان ثلاث، يقول: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا بأحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، ووالله لئن بقيت لهم، ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه
تنبيه :
تفسير الطبري جامع البيان – ط دار التربية والتراث ٢٣/٢٨٣ — أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠)
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) المهاجرون. قال: وتكلم في ذلك: (يعني أموال بني النضير) بعضُ من تكلمَّ من الأنصار، فعاتبهم الله عزوجل في ذلك فقال: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . قال، قال رسول الله ﷺ لهم: «إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ وَالأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ» فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: «أو غَيْرَ ذَلِكَ؟» قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: «هُمْ قَوْمٌ لا يعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمْ الثَّمَر»، فقالوا: نعم يا رسول الله.
اختلف باحث مع الشيخ الألباني في تعيين (ابن زيد ):
وهذا الحكم على الإسناد في حديث آخر من محقق موسوعة فضائل سور وآيات القرآن – القسم الصحيح:
وقد استشهد الألباني لجزء من هذا الحديث وهو المتعلق بذكر العرش بما رواه ابن جرير قال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وَهْب قال: قال: ابن زيد حدثني أبي قال: قال: أَبو ذرٍّ فذكره، قال: الألباني وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات لكني أظن أنَّه منقطع فإن ابن زيد هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة من رجال الشيخين يروى عنه ابن وهب وغيره وأَبو محمد بن زيد ثقة مثله … إلخ.
وهذا الذى ذهب إليه غير صحيح بل ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذه نسخة تفسيرية تكررت كثيرًا عند الطبري يونس عن ابن وَهْب عن ابن زيد وأحيانًا عن أبيه وهو زيد بن أسلم وانظر على سبيل المثال لا الحصر ١/ ٧٦، ٨٠، ٨٤، ٨٧، ١٢٢، ١٢٨، وعبد الرحمن ضعيف بل اتهمه بعضهم.
فمن صفاتهم:
أولاً: الحُبُّ لبعضِهِمُ البعضِ، الحُبُّ لإخوانِهِمُ المهاجِرينَ، الحُبُّ الصَّادِقُ
ثانياً: التَّجَرُّدُ من الحَسَدِ تُجاهَ إخوانِهِمُ المهاجِرينَ
ثالثاً: الإيثارُ
رابعاً: إكرامهم للضيف
روى البخاري (2049)، عن أنس رضى الله عنه قال: قدم عبدالرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غِنى؛ فقال لعبدالرحمن: أُقاسمك مالي نصفين وأُزَوِّجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّوني على السوق، فما رجع حتى اسْتفضَل أقطاً وسمناً، فأتى به أهل منزله، فمكثنا يسيراً – أو ما شاء الله – فجاء وعليه وضرٌ من صُفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ((مَهْيَمْ؟!))، قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ((ما سُقْتَ إليها؟)) قال: نواة من ذهب – أو وزن نواة من ذهب – قال: ((أوْلِمْ ولو بشاة)).
خامسًا: حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتركهم الدنيا من أجل ذلك.
كما مر في الحديث في قصة الغنائم.
سادسًا: بذل النصيحة
سابعًا: البذل
جاء عن أنس رضي الله عنه فيما قاله المهاجرون عن الأنصار: ما رأَيْنا قومًا أَبْذَلَ من كَثِيرٍ, ولا أَحْسَنَ مُواساةً من قليلٍ : من قومٍ نزلنا بين أَظْهُرِهِم, لقد كَفَوْنا المُؤْنَةَ, وأَشْرَكُونا في المَهْنَإِ, حتى لقد خِفْنا أن يذهبوا بالأجرِ كلِّهِ ! فقال : لا, ما دَعَوْتُمُ اللهَ لهم, وأَثْنَيْتُم عليهم.
أخرجه أبو داود (4812) مختصراً، والترمذي (2487)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (181)، وأحمد (13075) باختلاف يسير. قال الألباني : إسناده صحيح.
[تنبيه]:
سبق الإشارة إلى ما يتعلق بتفاضل الصحابة رضي الله عنهم، وطبقاتهم في فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند [1ج/ رقم (546)].
والرابعة فتاوى :
بيان المقصود بالأنصار في حديث (آية الإيمان حب الأنصار)
السؤال
هل حديث: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) عام أم خاص بمن كان من الأنصار في عهده ﷺ؟
الجواب
هو في الأنصار الذين كانوا في عهده ﷺ وهم المعنيون، وكذلك أيضًا يدخل معهم المهاجرون؛ لأن الوصف الذي في الأنصار موجود في المهاجرين، وكذلك كل من تحقق فيه وصف النصرة والجهاد في زمنه ﷺ سواء كان من المهاجرين أو من الأنصار أو ليس من المهاجرين ولا من الأنصار، فإن له نصيبًا من ذلك، ولكن الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم هم الذين اشتهروا بهذا الاسم، وهم الذين وصفوا بهذا الوصف، وهم الذين طلبوا من النبي ﷺ أن يقدم عليهم وأن يقوموا بنصرته، وقد فعلوا ذلك رضي الله عنهم وأرضاهم، والمهاجرون أفضل منهم؛ لأن عندهم ما عند الأنصار وعندهم زيادة وهي الهجرة؛ وكل من نصر دين الله عز وجل لا شك أنه يحب وأنه يثنى عليه، ولكن الحديث هو في الأنصار الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ الذين بايعوه بيعة العقبة الأولى والثانية على أن ينصروه، وقد فعلوا ذلك لما هاجر إليهم ﷺ.
[[شرح سنن أبي داود للعباد٣٨/٥٨٢]
———-
والخامسة : فوائد المتعلق بمجمع الأحاديث في فضائل الأنصار وغير ما تقدم:
1 – (منها): بيان علامة الإيمان، وهو أن الشخص إذا أحب الأنصار دلّ على أنه مؤمنٌ، كما نصّ عليه النبيّ ﷺ، والعكس بالعكس.
٢ – (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار، بل وحبّ الصحابة رضي الله عنهم جميعًا عنوان لحبّ رسول الله ﷺ، وأن بغضهم عنوان لبغضه ﷺ؛ لقوله ﷺ «فبحبي أحبهم، وببغضي أبغضهم».
٣ – (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار عنوان لمحبّة الله تعالى لمن أحبهم، وبغضه لمن أبغضهم؛ لقوله ﷺ الآتي: «مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ».
4 – (منها): بيان أن حبّ الأنصار من الإيمان، وبغضهم من النفاق.
5 – (ومنها): بيان فضل الأنصار رضي الله عنهم.
6 – (ومنها): أن محبة الأنصار سبب لمحبّة الله تعالى لمن أحبّهم، وبغضهم سبب لبغضه لمن أبغضهم – نعوذ بالله من بغضه -.
7 – (ومنها): أن الجزاء من جنس العمل، فإن الأنصار لَمّا أحبوا رسول الله رضي الله عنه، وأصحابه الكرام رضي الله عنهم جازاهم الله تعالى بأن جعل حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
8- (ومنها): “بيان مناقب الأنصار رضي الله عنهم، حيث جعل الله سبحانه وتعالى حبهم شعبة من شعب الإيمان؛ لمبادرتهم بالاستجابة لدينه تعالى، ونصرهم رسوله ﷺ وإيوائهم له وللمهاجرين في دينهم.
قال في «الفتح»: وإنما خُصَّ الأنصار بهذه المنقبة العظمى؛ لما فازوا به دون غيرهم من القبائل، من إيواء النبي ﷺ ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفِرَق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثم كان ما اختصوا به مما ذُكِر موجبًا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جُعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كُلّ بقسطه، وقد ثبت في «صحيح مسلم» – يعني الحديث الآتي آخر الباب – عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»، وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة رضي الله عنهم؛ لتحقق مُشْتَرَكِ الإكرام في جميعهم؛ لما لهم من حسن الغَنَاء في الدين. انتهى [»فتح«١/ ٩٠ – ٩١].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى – بعد ذكره مزايا الأنصار، وقد قدّمناه – ما نصّه: وهذا المعنى جار في أعيان الصحابة رضي الله عنهم، كالخلفاء الراشدين، والعشرة، والمهاجرين، بل وفي كلّ الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ كلُّ واحد منهم له شاهد، وغَنَاءٌ في الدين، وأَثَرٌ حسنٌ فيه، فحُبُّهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبُغضهم له محضُ النفاق، وقد دلّ على صحّة ما ذكرناه قوله ﷺ فيما أخرجه البزّار [قال الإتيوبي في البحر المحيط الثجاج: “بل أخرجه الترمذيّ رحمه الله تعالى، فكان الأولى عزوه إليه، ولفظه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عَبِيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زباد، عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: قال رسول الله ﷺ:»اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه«. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هكذا قال، ولكن فيه عبد الرحمن بن زياد مجهول، لم يرو عنه إلا عبيدة بن أبي رائطة، لكن الحديث له شواهد، كأحاديث الباب، وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي للمصنّف في»فضائل الصحابة«قال: قال رسول الله ﷺ:»لا تسبوا أصحابي، = = فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه”، وغيره من الأحاديث الكثيرة، فتحسين الترمذي رحمه الله تعالى يكون من هذا الباب، والله تعالى أعلم.”. انتهى.] في أصحابه كلّهم: «فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم»، لكنهم لَمّا كانوا في سَوَابقهم، ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكّن الأمكن، والتالي والمقدّم، خَصّ الأمكن منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرف حديث، وهذا كما قال العليّ الأعلى سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. ثم قال:
[تنبيه]: من أبغض من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمر طارئ وحَدَثٍ واقعٍ، من مخالفة غرض أو ضرر حصل، أو نحو ذلك لم يكن كافرًا ولا منافقًا بسبب ذلك؛ لأنهم – رضي الله تعالى عن جميعهم – قد وقعت بينهم مخالفات عظيمة، وحروب هائلة، ومع ذلك لم يُكفّر بعضهم بعضًا، ولا حكم عليه بالنفاق لما جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يكون كلهم مصيبًا فيما ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطئ معذورٌ، بل مخاطب بالعمل على ما يراه ويظنّه مأجورٌ، فمن وقع له بغضٌ في واحد منهم لشيء من ذلك، فهو عاصٍ يجب عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال ما وقع له من ذلك، بأن يذكر فضائلهم، وسوابقهم، وما لهم على كلّ من بعدهم من الحقوق الدينيّة والدنيويّة؛ إذ لم يصل إلى أحد ممن بعدهم شيء من الدنيا ولا الدين إلا بهم وبسببهم وأدبهم وصلت إلينا كلّ النعم، واندفعت عنا كلّ الجهالات والنقم، ومن حصلت به مصالح الدنيا والآخرة، فبغضه كفران النعم، وصفقة خاسرة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج، (2/ 522 – 524)].
9 – (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا المعنى يرجع إلى ما تقدّم من أن من أحبّ المرء لا يحبّه إلا لله من علامات الإيمان، وأن الحبّ في الله من أوثق عُرى الإيمان، وأنه أفضل الإيمان، فالأنصار نصروا الله تعالى ورسوله ﷺ، فمحبّتهم من تمام محبّة الله تعالى ورسوله ﷺ. قال: فمحبّة أولياء الله تعالى وأحبابه عمومًا من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه، وبغضهم محرّم، فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما لا يُتَظاهر به غالبًا، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه، فهو شرّ ممن كتمه وأخفاه، ومن كان له مزيّة في الدين لصحبته النبيّ ﷺ، أو لقرابته، أو نصرته، فله مزيد خصوصيّة في محبّته وبغضه، ومن كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين، فهو أعظم حقًّا مثل عليّ رضي الله عنه، وقد رُوي أن المنافقين إنما كانوا يُعرفون ببغض عليّ رضي الله عنه ومن هو أفضل من عليّ، كأبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، فهو أولى بذلك، ولذلك قيل: إن حبهما من فرائض الدين، وقيل: إنه يرجى على حبّهما ما يُرجى على التوحيد من الأجر. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى [«فتح الباري شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ١/ ٦٤ – ٦٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج، بتصريف].
من سير اعلام النبلاء 1/144
– السَّابِقُوْنَ الأَوَّلُوْنَ.
هُمْ: خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ، وَزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ عُثْمَانُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ، وَالأَرْقَمُ بنُ أَبِي الأَرْقَمِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ المَخْزُوْمِيَّانِ، وَعُثْمَانُ بنُ مَظْعُوْنٍ الجُمَحِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ المُطَّلِبِ المُطَّلِبِيُّ، وَسَعِيْدُ بنُ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيُّ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيْقِ، وَخَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ الخُزَاعِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُمَيْرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخُو سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ الهُذَلِيُّ، مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي زُهْرَةَ، وَمَسْعُوْدُ بنُ رَبِيْعَةَ القَارِئُ مِنَ البَدْرِيِّيْنَ، وَسَلِيْطُ بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِ شَمْسٍ العَامِرِيُّ، وَعَيَّاشُ بنُ أَبِي رَبِيْعَةَ بنِ المُغِيْرَةِ المَخْزُوْمِيُّ.
وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ سَلاَمَةَ التَّمِيْمِيَّةُ، وَخُنَيْسُ بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَعَامِرُ بنُ رَبِيْعَةَ العَنْزِيُّ، حَلِيْفُ آلِ الخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ جَحْشِ بنِ رِئَابٍ الأَسَدِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ الهَاشِمِيُّ، وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَحَاطِبُ بنُ الحَارِثِ الجُمَحِيُّ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ المُجَلَّلِ العَامِرِيَّةُ، وَأَخُوْهُ خَطَّابٌ، وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَأَخُوْهُمَا مَعْمَرُ بنُ الحَارِثِ، وَالسَّائِبُ وَلَدُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُوْنٍ، وَالمُطَّلِبُ بنُ أَزْهَرَ بنِ عَبْد عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفٍ السَّهْمِيَّةُ، وَالنَّحَّامُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ، وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى الصِّدِّيْقِ، وَخَالِدُ بنُ سَعِيْدِ بنِ العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ، وَامْرَأَتُهُ أُمَيْمَةُ (١) بِنْتُ خَلَفٍ الخُزَاعِيَّةُ، وَحَاطِبُ بنُ عَمْرٍو العَامِرِيُّ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيْعَةَ العَبْشَمِيُّ، وَوَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ التَّمِيْمِيُّ اليَرْبُوْعِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي عَدِيٍّ، وَخَالِدٌ، وَعَامِرٌ، وَعَاقِلٌ، وَإِيَاسٌ، بَنُو البُكَيْرِ بنِ عَبْدِ يَا لَيْل اللَّيْثِيُّ، حُلفَاءُ بَنِي عَدِيٍّ، وَعَمَّارُ بنُ يَاسِرِ بنِ عَامِرٍ العَنْسِيُّ – بِنُوْنٍ (١) – حَلِيْفُ بَنِي مَخْزُوْمٍ، وَصُهَيْبُ بنُ سِنَانِ بن مَالِكٍ النَّمِرِيُّ، الرُّوْمِيُّ المَنْشَأِ، وَوَلاَؤُهُ لِعَبْدِ اللهِ بنِ جُدْعَانَ،
وَأَبُو ذَرٍّ جُنْدبُ بنُ جُنَادَةَ الغِفَارِيُّ، وَأَبُو نُجَيْحٍ عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ البَجَلِيُّ، لَكِنَّهُمَا رَجَعَا إِلَى بِلاَدِهِمَا.
فَهَؤُلاَءِ الخَمْسُوْنَ (٢) مِنَ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ.
وَبَعْدَهُم أَسْلَمَ: أَسَدُ اللهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَالفَارُوْقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، عِزُّ الدِّيْنِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجْمَعِيْنَ -.