(20 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٧) – “(٨) بَاب: الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَيُقِيمُوا الصلاة ويؤتوا الزكاة، يؤمنوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَصَمَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَوُكِّلَتْ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِتَالِ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ حُقُوقِ الإِسْلَامِ، وَاهْتِمَامِ الإِمَامِ بِشَعَائِرِ الإِسْلَامِ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٣] (٢٠) – (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ – ﷺ – لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ عز وجل قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقُّ).
[١٣٧] (٢٣) – (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ).
[١٣٨] (…) (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَحَّدَ اللهَ …» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى:….
“(٨) في نسخة الإتيوبي رحمه الله: “(٨) – (بَابٌ: يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٣] (٢٠) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) – رضي الله عنه – أنه (قَالَ) هكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند، على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر – رضي الله عنه -، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله – ﷺ – قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس …» الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة – رضي الله عنه – ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم بعد هذا الحديث،
وهو محمول على أن أبا هريرة – رضي الله عنه – سمع أصل الحديث من النبيّ – ﷺ -، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر – رضي الله عنه -، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبيّ – ﷺ – بلا واسطة من طُرُق، كلهم عن أبي هريرة، ورواه عن النبيّ – ﷺ – أيضًا ابنُ عمر، وجابر، وطارقٌ الأشجعيّ، كما سيأتي عند المصنّف بعد هذا، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من حديث أنس – رضي الله عنه -، وأصله عند البخاريّ في أوائل الصلاة من «صحيحه»، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن أنس – رضي الله عنه -، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: «عن أنس، عن أبي بكر»، وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير – رضي الله عنهما -، وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ – رضي الله عنهم -، وفي الأوسط” من حديث سمرة – رضي الله عنه -، وسأذكر ما في روايات هؤلاء من الفوائد الزائدة في مواضعها – إن شاء الله تعالى [راجع: «الفتح» ١٢/ ٣٤٦].
(لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -) فعلٌ ونائب فاعله، أي: مات، والوفاة: الموت، وتوفّاه الله: قبض روحه، قاله في «القاموس». [«القاموس المحيط» ص ١٢٠٨ – ١٢٠٩].
وقال في «اللسان»: الوفاة: المنيّةُ، وتُوُفِّيَ فلانٌ، وَتَوَفَّاه الله: إذا قبض نفسه، قال: وتَوَفِّي الميتِ: استيفاء مدّته التي وُفِيَت له، وعددَ أيامه وشُهُوره وأعوامه في الدنيا. انتهى. [«لسان العرب» ١٥/ ٤٠٠].
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]: قراءة الجمهور ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، وقرأ أمير المؤمنين يعني عليًّا – رضي الله عنه – ورواها المفضّل عن عاصم بفتح الياء علي بنائه للفاعل، ومعناها: يستوفُون آجالهم، قاله أبو القاسم الزمخشريّ،
والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازة، فقال له رجلٌ: مَن المتَوَفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ – رضي الله عنه – على أن أمره بوضع كتابٍ في النحو، وهذا تناقضه هذه القراءة، انتهى كلام السمين. [«الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» ٢/ ٤٧٨].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يجوز أن يُقرأ «تَوَفَّى» بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، ويكون «رسول الله – ﷺ -» مرفوعًا على الفاعليّة، وهذا على تقدير صحة الرواية به، وإلا فالرواية على الوجه الأول متّبعة. والله تعالى أعلم.
(وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي صار خليفةً (بَعْدَهُ) أي: بعد رسول الله – ﷺ – في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة
(وَكفَرَ مَنْ كفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: «لما تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ – ﷺ – ارتدّ عامّة العرب»، وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لَمّا قُبض رسول الله – ﷺ – ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُوَاثَا [راجع: «المفهم» ١/ ١٨٥].
وقالى الطيبيّ: قوله: وكفر من كفر: يريد غَطَفَان، وفَزَارة، وبني سُلَيم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر – رضي الله عنه – أن يقاتلهم، فاعترضه عمر – رضي الله عنه – بقوله: «كيف تقاتل الناس …» [«الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٤٨٤].
وقال أبو محمد بن حزم في «الملل والنحل»: انقسمت العرب بعد موت النبيّ – ﷺ – على أربعة أقسام:
طائفة: بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور.
وطائفة: بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
والثالثة: أعلنت بالكفر، والردّة كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ.
وطائفة: توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة،
فأخرج أبو بكر إليهم البعوث،
وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة،
وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاح، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى [«الفتح» ١٢/ ٣٤٥ – ٣٤٦].
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف:
صنف: كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئًا، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل موت النبيّ – ﷺ -، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ – ﷺ – بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ – ﷺ – في خلافة أبي بكر – رضي الله عنه -، وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
وصنفٌ: أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان خاصًّا للنبيّ – ﷺ -؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وصنفٌ: اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر – رضي الله عنه -، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ – ﷺ – خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم،
فرأى أبو بكر والصحابة – رضي الله عنه – قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر – رضي الله عنه -، فباحَثَ أبا بكر – رضي الله عنه – في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر – رضي الله عنه – فوافقه على ذلك، ولذلك قال: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ»: أي ظهر له من الدليل، وحَصَل له من ثَلَجِ الصدر ، وليس تقليدا لأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه.
ثم إن أبا بكر – رضي الله عنه – قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو بكر – رضي الله عنه -، ووُلي عمر – رضي الله عنه – ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّين، وكان أبو بكر – رضي الله عنه – يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من المالكيّة، وكان عمر – رضي الله عنه – يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة الفتوى [«إكمال المعلم» ١/ ١٩٥ – ٢٠٠ و«المفهم» ١/ ١٨٥ – ١٨٦].
وقد ذكر الإمام الخطابيّ رحمه الله تعالى في كتابه «معالم السنن»: في شرح هذا الكلام [يعني قوله: «لَمّا تُوفّي رسول الله – ﷺ -، واستُخلف أبو بكر – رضي الله عنه – بعده، وكَفَرَ من كفر من العرب»] كلامًا حسنًا، لا بُدّ من ذكره؛ لما فيه من الفوائد،
قال رحمه الله تعالى: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعْلَمَ أن أهل الرّدّة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة – رضي الله عنه – بقوله: «وكَفَرَ من كفر من العرب»، وهذه الفرقة طائفتان:
إحداهما: أصحاب مسيلمة، من بني حنيفة وغيرهم الذين صَدّقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسيّ، ومن كان من مستجيبيه، من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبيّنا محمد – ﷺ -، مُدّعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر – رضي الله عنه – حتى قَتَلَ الله مسيلمة باليمامة، والعنسيّ بصنعاء، وانفضت جموعهم، وهلك أكثرهم.
والطائفة الأخرى: ارتدُّوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسْجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد
والصنف الآخر هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام،
وهؤلاء على الحقيقة أهل بغيٍ، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا؛ لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأُرِّخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -؛ إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة، من كان يَسْمَح بالزكاة، ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يَرْبُوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر – رضي الله عنه -، فمنعهم مالك بن نُوَيرة عن ذلك، وفرَّقها فيهم،
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر – رضي الله عنه -، فراجع أبا بكر – رضي الله عنه -، وناظره، واحتج عليه بقول النبيّ – ﷺ -: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَمَ نفسه وماله»، وكان هذا من عمر – رضي الله عنه – تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر – رضي الله عنه -: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَهُ بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة – رضي الله عنهم -، لذلك رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر – رضي الله عنه – بالعموم، ومن أبي بكر – رضي الله عنه – بالقياس، ودَلَّ ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد، من شرط، واستثناءٍ مُرَاعًى فيه، ومُعْتَبرٌ صحَّتُهُ به، فلَمّا استقرّ عند عمر صحة رأي أبي بكر – رضي الله عنهما -، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: «فَلَمَّا رأيت الله قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتال، عَرَفْتُ أنه الحقّ»، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًّا، ودلالة.
وقد زعم قوم من الروافض أن عمر – رضي الله عنه – إنما أراد بهذا القول تقليد أبي بكر – رضي الله عنه -، وأنه كان يعتقد له العصمة، والبراءة من الخطإ، وليس ذلك كما زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك، وبيّنته.
وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر – رضي الله عنه – أول مَن سَمّى المسلمين كفّارًا وأن القوم كانوا متأوّلين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاصّ في مواجهة النبيّ – ﷺ – دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدِّق ما للنبيّ – ﷺ -، ومثل هذه الشبهة إذا وجِد كان مما يُعْذَر فيه أمثالُهم، ويُرْفَعُ به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عَسْفًا، وسوء سيرة، وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتَّهموه، ولم يأمنوه على أموالهم، إلى ما يُشبه هذا الكلام الذي لا حاصل له، ولا طائل فيه.
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لا خَلَاقَ لهم في الدين، وإنما رأس مالهم الْبَهْتُ والتّكذيب، والْوَقِيعَة في السلف.
قد بَيَّنَا أن أهل الردّة كانوا أصنافًا، منهم من ارتدّ عن الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة – رضي الله عنهم – كفّارًا، ولذلك رأى أبو بكر – رضي الله عنه – سَبْيَ ذراريّهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – جاريةً من سبي بني حَنِيفة، فولدت له محمدًا الذي يُدْعَى ابن الحنفية، ثم لم يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدَّ لا يُسْبَى.
فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي، ولم يُسَمَّوا على الانفراد منهم كفّارًا، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛ لمشاركتهم، حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: بايعت النبي ﷺ على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا [رواه أحمد ٣/ ٢٥ و٣٦٣، وإسناده صحيح على شرط مسلم]، قال أحمد: معناه أن يَسْجُد من غير ركوع.
، فإنه ﷺ أَمَر معاذًا رضي الله عنه لَمّا بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أوّلًا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة، ومراده أنّ من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان مَن سأله عن الإسلام يَذْكُر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل عليه السلام لَمّا سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائرَ الرأس، يسأله عن الإسلام.
وبهذا الذي قررناه يَظهَر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حَقٌّ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردها تَعْصِم مَنْ أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أَخَلَّ بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قوتلوا.
وقد ظَنَّ بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظرٌ، وسيرة النبيّ ﷺ في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ دعا عليًّا يوم خيبر، فأعطاه الراية، وقال:»امش، ولا تَلْتَفِت حتى يفتح الله عليك«، فسار عليّ شيئًا، ثم وَقَفَ، فَصَرَخَ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: »قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله«، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» [رواه مسلم (٢٤٠٦)].
فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمةً للنفوس والأموال، إلا بحقها، ومن حقّها عدم الامتناع عن الصلاة والزكاة، بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم.
ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وثبت أن النبي ﷺ إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، فإن سمع أذانًا، وإلا أغار عليهم [رواه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٥٩، والبخاريّ في «صحيحه» (٦١٠)].
مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه: «إن سمعتم مؤذنًا، أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا» [رواه أحمد ٤/ ٢٢٦ وأبو داود (٢٦٣٥) والترمذيّ (١٥٤٩) وحسّنه، ولكن في سنده ابن عصام المزنيّ، قال ابن المدينيّ: لا يُعرف].
وقد بَعَثَ عيينة بن حِصْن إلى قوم من بني الْعَنْبر، فأغار عليهم، ولم يَسمَع أذانًا، ثم ادَّعَوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك.
وبَعَثَ ﷺ إلى أهل عُمَان كتابًا فيه: «من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلام عليكم، أما بعدُ فأقرُّوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَدُّوا الزكاة، وخُطُّوا المساجد، وإلا غَزَوْتكم». خَرَّجه البزّار، والطبرانيّ، وغيرهما [قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٦٤ بعد أن عزاه إلى البزار: وهو مرسل، وفيه من لا يعرف].
فهذا كله يدلّ على أنه كان يَعتبِر حالَ الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنه، كما في قصّتهما السابقة.
فأبو بكر رضي الله عنه أَخَذَ قتالهم من قوله: «إلا بحقه»، فدَلّ على أن قتالَ مَن أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداءُ حقّ المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظَنّ أن مجرد الإتيان بالشهادتين يَعْصِم الدم في الدنيا؛ تَمَسُّكًا بعموم أول الحديث، كما ظَنّ طائفة من الناس أنّ مَن أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة؛ تَمَسُّكًا بعموم ألفاظٍ وَرَدت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رضي الله عنه رَجَعَ إلى موافقة أبي بكر رضي الله عنه.
وقد خَرَّج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بزيادةٍ، وهي أن أبا بكر، قال لعمر: إنما قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، وخَرَّجه ابن خزيمة في «صحيحه»، ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله الأئمة الحفاظ، منهم علي بن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ، ولم يكن هذا الحديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر.
وإنما قال أبو بكر: «والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال»، وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث: «إلا بحقها»، وفي رواية: «إلا بحق الإسلام»، فجَعَلَ من حق الإسلام إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا تُرتَكَب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثني بقوله: «إلا بحقها».
وقوله: لأقاتلن مَن فَرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال«، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنه يُقاتَل؛ لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال.
وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر رضي الله عنه، وإنما أُخِذ من قوله: “إلا بحقها”، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام.
ويُسْتَدَلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في »صحيح مسلم«، عن أم سلمة رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: »يُستَعمَل عليكم أمراءُ، فتَعْرِفون وتُنكرِون، فمَن أنكر فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابع«، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: »لا، ما صَلَّوْا«. [رواه مسلم برقم (١٨٥٤) وأبو داود (٤٧٦٠)].
وحُكْمُ مَن تَرَك سائر أركان الإسلام أن يُقاتَلُوا عليها كما يُقاتَلُون على ترك الصلاة والزكاة.
ورَوَى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بَعَثَ خالد بن الوليد رضي الله عنه، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمَن تَرَك واحدة من الخمس، فقاتلهم عليها، كما تُقاتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان».
وقال سعيد بن جُبير: قال عمر بن الخطاب: لو أَنَّ الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.
فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات، وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يُقتَل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم، ويدل على ذلك ما في «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه استأذن النبيّ ﷺ في قتل رجل، فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ: «إني لم أُومَرْ أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم».
وفي «مسند الإمام أحمد رحمه الله» عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه، أنه أتى النبي ﷺ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيّ ﷺ: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟»، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟»، قال: بلى، ولا صلاة له، قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» [رواه أحمد ٥/ ٤٣٢ – ٤٣٣ وإسناده على شرط الشيخين].
إضافة :
قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة، لم يسأل النبيّ ﷺ عنها، ولم يسقها مع الشهادتين مساقًا واحدًا، وقوله بعد ذلك: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» يوجب حصر الذين نُهي عن قتلهم في هذا الصنف. انتهى .
وأجاب ابن حزم عن هذا بأن هذا استدلال بالمفهوم.
وتُعُقّب بأن الاستدلال بالمفهوم قول المحقّقين من العلماء، كما هو مبسوط في محلّه من أصول الفقه، فلا التفات إلى ما قاله.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢/٦١٦
إضافة :
قال ابن قدامة:
فصل: فمَنْ أنْكَرَ وُجُوبَها جَهْلًا به، وكان مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، إمَّا لِحَداثَةِ عَهْدِه بالإسلامِ، أو (11) لأنَّه نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عن الأمْصارِ، عُرِّفَ وُجوبَها، ولم (12) يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، وإن كان مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلادِ الإسلامِ بين أهْلِ العِلْمِ فهو مُرْتَدٌّ، تَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّينَ ويُسْتَتَابُ ثلاثًا، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ؛ لأنَّ أدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكاةِ ظَاهِرَةٌ فى الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ الأُمَّةِ، فلا تَكَادُ تَخْفَى [على مَن هذا] (13) حَالُه، فإذا جَحَدَها لا يكونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وكُفْرِه بهما.
فصل: وإن مَنَعَها مُعْتَقِدًا وُجُوبَها، وقَدَرَ الإمامُ على أخْذِهَا منه، أخَذَها وعَزَّرَهُ، ولم يَأْخُذْ زِيَادَةً عليها، فى قَوْلِ أكْثَر أَهْلِ العِلْمِ، منهم أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُهُم. وكذلك إن غَلَّ مَالَه فكَتَمَهُ حتى لا يَأْخُذَ الإمَامُ زَكَاتَه، فظَهَرَ عليه. وقال إسْحاقُ بن رَاهُويه وأبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه؛ لما رَوَى بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقولُ: “فى كُلِّ سَائِمَةِ الإِبِلِ، فى كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لا تُفرَّقُ عَنْ حِسَابِهَا (14)، مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أجْرُهَا، ومَنْ أبَاهَا [فَإنَّا آخِذُوهَا] (15) وشَطْرَ مَالِه، عَزْمَةٌ من عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَىْءٌ” وذُكِرَ هذا الحَدِيثُ لأحمدَ فقال: ما أَدْرِى ما وَجْهُهُ؟ وسُئِلَ عن إسْنَادِه. فقال: هو عِندِى صَالِحُ الإسْنادِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ (16)، والنَّسَائِىُّ، فى “سُنَنِهم” (17). وَوَجْهُ الأوَّل، قولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ فى المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ” (18). ولأنَّ مَنْعَ الزَّكاةِ كان في زَمَنِ أبى بكرٍ، رَضِى اللَّه عنه، [عَقِبَ مَوْتِ] (19) رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مع تَوَفُّرِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلم يُنْقَلْ [عنهم أخْذُ] (20) زيادةٍ، ولا قولٌ (21) بذلك. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فى العُذْرِ عن هذا الخَبَرِ. فقيلَ: كان فى بَدْءِ الإسلامِ، حيثُ كانت العُقُوباتُ فى المالِ، ثم نُسِخَ بالحَدِيثِ الذى رَوَيْنَاهُ. وحَكَى الخَطَّابِىُّ (22)، عن إبراهيمَ الْحَرْبِىِّ، أنَّه يُؤْخَذُ منه السِّنُّ الواجِبُ (23) عليه مِن خِيَارِ مَالِهِ، من غيرِ زِيَادَةٍ فى سِنٍّ ولا عَدَدٍ، لكن يَنْتَقِى مِن خَيْرِ (24) مَالِه ما تَزِيدُ به صَدَقَتُه فى القِيمَةِ بقَدْرِ (25) شَطْرِ قِيمَةِ الوَاجِبِ عليه. فيكونُ المُرَادُ بـ “مالِه” هاهُنا الوَاجِبَ عليه من مَالِهِ، فيُزَادُ عليه فى القِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِهِ، واللهُ أعلمُ. فأمَّا إن كان مَانِعُ الزَّكَاةِ خَارِجًا عن قَبْضَةِ الإمامِ قَاتَلَه؛ لأنَّ الصَّحابَةَ رَضِىَ اللَّه عنهم قَاتَلُوا مَانِعِيها، وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو مَنَعُونِى عِقَالًا كانوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لقَاتَلْتُهُمْ عليه (26). فإن ظَفِرَ به وبمَالِهِ، أخَذَها من غيرِ زِيَادَةٍ أيضًا، ولم تُسْبَ ذُرِّيَّتُه؛ لأنَّ الجِنَايَةَ من غيرهم، ولأنَّ المانِعَ لا يُسْبَى، فَذُرِّيَّته أوْلَى. وإن ظَفِرَ به دُونَ مَالِه، دَعَاهُ إلى أدَائِها، واسْتَتَابَهُ ثَلَاثًا، فإن تَابَ وأَدَّى، وإلَّا قُتِلَ، ولم يَحْكُمْ بكُفْرِهِ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنه يَكْفُرُ بقِتَالِه عليها، فرَوَى المَيْمُونِىُّ عنه: إذا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كما مَنَعُوا أبَا بَكْرٍ، وقَاتَلُوا عليها، لم يُوَرَّثُوا، ولم يُصَلَّ عليهم.
قال عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: ما تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ (27). وَوَجْهُ ذلك، ما رُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، لمَّا قَاتَلَهُم، وعَضَّتْهُمُ الحَرْبُ، قالوا: نُؤَدِّيها. قال: لا أقْبَلُهَا حتى تَشْهَدُوا أنَّ قَتْلَانَا فى الجَنَّةِ وقَتْلَاكُمْ فى النَّارِ (28). ولم يُنْقَلْ إنْكارُ ذلك عن أحَدٍ من الصَّحابَةِ، فدَلَّ على كُفْرِهم. وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّ عمرَ وغَيْرَه من الصَّحابَةِ امْتَنَعُوا من القِتَالِ فى بَدْءِ الأمْرِ، ولو اعْتَقَدُوا كُفْرَهُم لَما تَوَقَّفُوا عنه، ثم اتَّفَقُوا على القِتَالِ، وبَقِىَ الكُفْرُ على أَصْلِ النَّفْىِ، ولأنَّ الزَّكَاةَ فَرْعٌ من فُرُوعِ الدِّينِ، فلم يَكْفُرْ تَارِكُه بمُجَرَّدِ تَرْكِه؛ كالحَجِّ، وإذا لم يَكْفُرْ بِتَرْكِه، لم يَكْفُرْ بالقِتَالِ عليه كأهْلِ البَغْىِ. وأمَّا الَّذِينَ قال لهم أبو بكرٍ هذا القَوْلَ، فيحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَها، فإنَّه نُقِلَ عنهم أنَّهُمْ قالوا: إنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّى إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ لنا، وليس صلاةُ أبى بكرٍ سَكَنًا لنا، فلا نُؤَدِّى إليه. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الأدَاءِ إلى أبى بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولأنَّ هذه قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، ولا يَتَحَقَّقُ من الَّذِينَ قال لهم أبو بكرٍ هذا القَوْلَ، فيحْتَمِلُ أَنَّهم كَانُوا مُرْتَدِّينَ، ويَحْتَمِلُ أَنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك، فلا يجوزُ الحُكْمُ به فى مَحَلِّ النِّزَاعِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا بكرٍ قال ذلك لأنَّهُم ارْتَكَبُوا كَبَائِرَ، وماتُوا من غيرِ تَوْبَةٍ، فحكم لهم بالنَّارِ ظَاهِرًا، كما حكم لِقَتْلَى المُجَاهِدِينَ بالجَنَّةِ ظَاهِرًا، والأمْرُ إلى اللهِ تعالى فى الجَمِيعِ، ولم يَحْكُمْ عليهم بالتَّخْلِيدِ، ولا يَلْزَمُ من الحُكْمِ بالنَّارِ الحُكْمُ بالتَّخْلِيدِ، فقد (29) أخْبَرَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم أن قَوْمًا من أُمَّتِهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ، ثم يُخْرِجُهُم اللهُ تَعَالَى منها ويُدْخِلُهُم الجَنَّةَ (30).
[المغني لابن قدامة 4/ 6]
وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يُقتَل الممتنع من فعل الصلاة:
[أحدهما]: يُقتَل أيضًا، وهو المشهور عن أحمد رحمه الله، ويُسْتَدَلُّ له بحديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا.
[والثاني]: لا يُقتَل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
وأما الصوم، فقال مالك: وأحمد في رواية عنه: يُقْتَلُ بتركه، وقال الشافعيّ، وأحمد في رواية: لا يُقْتَل بذلك، ويُستَدَلُّ له بحديث ابن عمر وغيره، مما في معناه، فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء.
قال ابن رجب: قلت: وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا: أن من ترك الشهادتين، أو الصلاة، أو الصيام، فهو كافرٌ، حلال الدم، بخلاف الزكاة والحج، وقد سبق ذكر شرحه في حديث: «بُني الإسلام على خمس».
أما الحج فعن أحمد رحمه الله في القتل بتركه روايتان، وحَمَلَ بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره، وغلب على ظنه الموت في عامه، وأما إن أخره معتقدًا أنه على التراخي، كما يقول كثير من العلماء، فلا قتل بذلك. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [»جامع العلوم والحكم” ١/ ٢٢٦ – ٢٣٦]، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[وقد سبق عرض هذه المسألة في الأبواب السابقة]
وإليك كلام ابن رجب كاملا ، نسوقه لترابط بعضه ببعض :
قال ابن رجب:
وقد روي معنى هذا الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي “صحيح البخاري”، عن أنسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فإذَا شَهِدُوا أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وصَلَّوا صَلاتَنا، واستَقْبَلُوا قِبلَتَنا، وأكلُوا ذَبيحَتنا، فقَدْ حَرُمَتْ علينا دِماؤُهم وأموالُهم إلَّا بحقِّها”.
وخرَّجَ الإمامُ أحمد من حديث معاذ بن جبل، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: “إنَّما أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يُقيموا الصلاة، ويُؤْتُوا الزكاة، ويَشهَدُوا أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا فَعَلُوا ذلك، فقد اعتصَمُوا وعَصمُوا دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقِّها، وحِسابُهُم على اللهِ عز وجل”.
وخرَّجه ابن ماجه مختصرًا.
وخرًج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكرُ: إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي “الصحيحين” عن أبي هُريرة أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عَصَمَ منِّي مالَه ونَفسَهُ إلا بحقِّه، وحِسَابُه على اللهِ عز وجل” وفي رواية لمسلم: “حتى يَشهَدوا أن لا إله إلا الله، ويُؤْمِنوا بي وبما جئتُ به “.
وخرَّجه مسلم أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأوَّل وزاد في آخره: ثم قرأ {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21].
وخرَّج أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: سمعتُ. رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: “مَنْ قالَ: لا إلهْ إِلَّا الله وكفَرَ بما يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حُرِّم مالُه ودَمُهُ وحسابه على اللهِ عز وجل”.
وقد رُوي عن سفيان بن عُيينة أنَّه قال: كان هذا في أوَّل الإسلام قَبْلَ فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًا، وفي صحته عن سفيان نظَر، فإن رواة هذه الأحاديث أنما صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعضُهُم تأخّر إسلامُه.
ثم قوله: “عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم” يدلُّ على أنَّه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام، وهذا كُلُّه بعدَ هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل مِنْ كُلِّ من جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيفَ، واشتدَّ نكيرُه عليه.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشترطُ على مَنْ جاءه يريدُ الِإسلامَ أن يلتزمَ الصلاة والزكاة، بل قد روي أنَّه قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا، ففي “مسند الِإمام أحمد” عن جابر قال: اشترطت ثقيفٌ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقةَ عليها ولا جهادَ، وأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “سَيَصَّدَّقُون ويُجاهدون”.
وفيه أيضًا عن نصر بنِ عاصم الليثي عن رجل منهم أنَّه أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أن لا يُصلي إلا صلاتين، فقبل منه.
وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها، واستدلَّ أيضًا بأن حكيم بنَ حِزام قال. بايعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا. قال أحمد: معناه أن يسجد من غير ركوع.
وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ بإسناد ضعيف جدًا عن أنس قال: لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلا بإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وبالإسلام، وذلك قولُ الله عز وجل: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المجادلة: 13] وهذا لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام
على ترك الصَّلاةِ والزكاة وهذا حقٌّ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أمر معاذًا لما بعثه إلى اليمن أن يدعُوَهُم أوَّلًا إلى الشهادتين، وقال: “إنْ هُمْ أطاعوا لذلك، فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة” ومرادُه أن من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإِسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل عليه السلام لما سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابى الذي جاءه ثائر الرأس يسأل عن الإسلام.
وبهذا الذي قرَّرناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كُلَّها حقٌّ، فإنَّ كلمتي الشهادتين بمجردهما تَعْصِمُ من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإِسلام، فإنَّ أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن أخلَّ بشيء من هذه الأركان، فإنَّ كانوا جماعةً لهم مَنَعةٌ قُوِتلوا.
وقد ظنّ بعضُهم أن معنى الحديثِ أن الكافرَ يُقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيمَ الصلاة، ويؤتيَ الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار تَدُلُّ على خلاف هذا، وفي صحيح مسلم عزن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا عليًا يومَ خيبر، فأعطاه الراية وقال: “امش ولا تَلتَفِتْ حتَّى يفتَحَ الله عليكَ” فسار عليٌّ شيئًا، ثم وقف، فصرخ: يا رسولَ الله على ماذا أُقاتِلُ الناس؟ فقال: “قاتِلهُم على أن يَشهَدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمَّدًا رسولُ اللهِ، فإذا فعَلُوا ذلك، فقد عَصَموا منكَ دِماءَهُم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحِسابُهُم على الله عز وجل” فجعل مجرَّد الإِجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموالِ إلا بحقها، ومِنْ حقها الامتناعُ من الصلاة والزكاة بعدَ الدخول في الإِسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم.
ومما يدلُّ على قتال الجماعة الممتنعين من أقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن قولُه تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقولُه تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] وقولُه تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] مع قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِحَ فإنْ سمع أذانًا وإلَّا أغارَ عليهم. مع احتمال أن يكونوا قد دخلُوا في الإسلام. وكان يُوصي سراياه: “إن سمعتُم مؤذنًا أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا”.
وقد بعث عُيينة بنَ حِصنٍ إلى قوم من بني العنبر، فأغار عليهم ولم يسمع أذانًا، ثم ادَّعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك.
وبعث صلى الله عليه وسلم إلى أهل عُمان كتابًا فيه: “مِنْ محمد النبيِّ إلى أهل عُمان، سلامٌ أما بعدُ: فأقِرُّوا بشهادةِ أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسولُ الله، وأدُّوا الزكاة، وخُطوا المساجد، وإلا غزَوْتُكم” خرَّجه البزار والطبراني وغيرهما.
فهذا كله يدلُّ على أنَّه كان يعتبر حالَ الداخلين في الإسلام، فإنَّ أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قِتالهم، وفي هذا وقع تناظرُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في “الصحيحين” عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمَّا توفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده، وكَفَرَ مَنْ كَفَر مِنَ العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “أُمِرتُ أنْ أُقاتَلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فمن قال: لا إله إلَّا الله، فقد عَصَم منِّي ماله ونفسَه إلا بحقه وحسابُه على الله عز وجل” فقال أبو بكر: والله لأقاتلَنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنَّه الحق.
فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم من قوله: “إلا بحقه” فدلّ على أن قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز، ومن حقه أداء حقِّ المالِ الواجب، وعمر رضي الله عنه ظنَّ أن مجرَّد الإتيان بالشهادتين يَعصِمُ الدمَ في الدنيا تمسكًا بعموم أوَّل الحديث كما ظنّ طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكًا بعموم ألفاظ وردت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر رضي الله عنه.
وقد خرّج النَّسَائِي قصةَ تناظر أبي بكر وعمر بزيادة: وهي أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “أُمرت أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدُوا أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة” وخرَّجه ابنُ خزيمة في “صحيحه”، ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم عليّ بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر، وإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، وهذا أخذه – والله أعلمُ – من قوله في الحديث “إِلا بحقها”. وفي رواية: “إلا بحقّ الإسلام” فجعل من حق الإسلام إِقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا يرتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله: “إلا بحقها”.
وقوله: لأقاتلنّ مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنَّه يقاتل لأنها حقُّ البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حقُّ المال.
وفي هذا إشارة إِلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه؛ لأنَّه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر وإنما أخذ من قوله: “إلا بحقها” فكذلك الزكاة لأنها من حقها، وكلّ ذلك من حقوق الإسلام.
ويُستدلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في “صحيح مسلم” عن أمِّ سلمةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “يُستَعْمَل عليكُم أُمراءُ، فتَعرِفون وتُنكِرون، فمن أنكرَ، فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابَع” فقالوا: يا رسول الله ألا نُقاتِلُهم؟ قال: “لا ما صلَّوا”.
وحكمُ من ترك سائر أركانِ الإِسلام أن يُقاتلوا عليها كما يقاتلون على تركِ الصلاة والزكاة.
وروى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع أن أبا بكر الصِّدِّيق بعث خالدَ بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناسَ على خمس، فمن ترك واحدةً من الخمس، فقاتله عليها كما تُقاتل على الخمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان.
وقال سعيد بن جبير: قال عمرُ بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحجَّ لقاتلناهم عليه، كما نُقاتِلُهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلامُ في قتال الطائفة الممتنعة عن شيءٍ من هذه الواجبات.
وأما قتلُ الواحد الممتنع عنها، فاكثرُ العلماء على أنَّه يُقتَلُ الممتنع من الصلاة، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد وأبي عُبيد، وغيرهم، ويَدلُّ على ذلك ما في “الصحيحين” عن أبي سعيد الخدريّ أن خالدَ بنَ الوليد استأذن النبيَّ صلى الله عليه وسلم في قتل رجل، فقال: “لا، لعله أن يكونَ يُصلي” فقال خالد: وكم مِنْ مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “إنِّي لم أُومَر أنْ أُنَقِّبَ عن قلوبِ الناسِ ولا أشُقَّ بُطونَهُم “.
وفي “مسند الإمام أحمد” عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدَّثه أنَّه أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “أليس يَشهَدُ أن لا إله إلا الله “؟ قال: بلى، ولا شهادة له، قال: “أليس يُصلي”؟ قال: بلى، ولا صلاةَ له، قال: “أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم “.
وأما قتلُ الممتنع من أداءِ الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من فعل الصلاة:
أحدهما: يقتل أيضًا، وهو المشهورُ عن أحمد، ويستدلَ له بحديث ابن عمر هذا.
والثاني: لا يقتل، وهو قولُ مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.
وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يُقتل بتركه، وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يقتلُ بذلك، ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه، فإنَّه ليس في شيءٍ منها ذكرُ الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيءٍ. قلتُ: قد روي عن ابن عباسٍ مرفوعًا وموقوفاً: إن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام، فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحجِّ. وقد سبق ذكرُه في شرح حديث “بني الإِسلام على خمس “.
وأما الحج، فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعضُ أصحابنا روايةَ قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه، فأمَّا إن أخره معتقداً أنَّه على التراخي كما يقولُهُ كثير من العلماء، فلا قَتلَ بذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم: “إلا بحقِّها” وفي رواية: ” إلَّا بحقِّ الإسلام ” قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحقِّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعلَ الصيامِ والحج أيضًا.
ومن حقها ارتكابُ ما يُبيح دمَ المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسيرُ حقها بذلك، خرَّجه الطبراني وابنُ جرير الطبري من حديث أنس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا منِّي دماءَهُم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحِسَابُهم على الله عز وجل” قيل: وما حَقُّها؟ قال: “زِنى بعد إحصانٍ، وكفر بعد إيمانٍ، وقتلُ نفسٍ، فيُقتل بها” ولعلَّ آخِرَه من قولِ أنس، وقد قيل: إن الصوابَ وقفُ الحديث كلِّه عليه.
ويشهدُ لهذا ما في “الصحيحين” عن ابن مسعود عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلم يَشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسولُ الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّب الزَّاني، والنفسِ بالنفسِ، والتَّاركِ لدينه المفارقِ للجماعة” وسيأتي الكلَامُ على هذا الحديث مستوفى عندَ ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وقولُه صلى الله عليه وسلم: “وحِسَابُهُم على الله عز وجل” يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تَعصِمُ دمَ صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأما في الآخرة، فحسابُه على اللهِ عز وجل، فإنَّ كان صادقًا، أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا، فإنَّه من جملة المنافقين في الدَّرْك الأسفل من النار. وقد تقدَّمَ أن في بعض الروايات في “صحيح مسلم “: ثم تلا {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 21 – 26] والمعنى: إنَّما عليك تذكيرُهم بالله، ودعوتهم إليه، ولستَ مسلطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبهم قهرًا ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجعَ العبادِ كلهم إليه وحسابُهم عليه.
وفي “مسند البزار” عن عياض الأنصاري، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ لا إله إلا الله كلمة على اللهِ كريمةٌ، لها عندَ اللهِ مكان، وهي كلمةٌ من قالها صادقًا، أدخله الله بها الجنةَ، ومن قالها كاذبًا حقنت مالَه ودَمَة، ولَقِيَ الله غدًا فحاسبه “.
وقد استدلَّ بهذا من يرى قبولَ توبةِ الزنديقِ. وهو المنافق إذا أظهر العودَ إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرَّدِ ظهورِ نفاقه، كما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعامِلُ المنافقين، ويُجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء، والله أعلم.
[جامع العلوم والحكم 1/ 226 ت الأرنؤوط]
تنبيه : حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار جاء في
الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب ١/٥٤ — ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠)
٦ – وتاركها يقتل:
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا. . .) الحديث (متفق عليه) (سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع) فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (م). (أليس يصلي؟) قال: بلى ولا صلاة له. قال صلى الله عليه وسلم : (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) مالك (١/ ١٨٥) مرسلا بسند صحيح ووصله الشافعي وأحمد في (مسنديهما)
وله شاهد من حديث أنس في الطبراني وأبي يعلى والبزار في (المجمع) (١/ ٢٩٦) وآخر عن أبي هريرة (د ٢/ ٣٠٥)
و في تحقيق مسند أحمد
٢٣٦٧٠ – حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلا، من الأنصار …
قال محققو المسند:
إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيه، وإبهامه لا يضر، وقد سمي في الروايات الأخرى عبد الله بن عدي الأنصاري.
وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/١٥٠ و١٦٤ من طريق روح بن عبادة، عن مالك، عن الزهري، بهذا الإسناد.
وأخرجه مرسلا مالك في «الموطأ» ١/١٧١ عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه قال: بينما رسول الله ﷺ جالس فذكره، ومن طريقه أخرجه الشافعي في «المسند» ١/١٣-١٤، والبيهقي في «السنن» ٨/١٩٦، وفي «معرفة السنن والآثار» (٧٣٠٢) و(١٦٥٧٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/١٦٣. وقد سقط مالك من مطبوع «معرفة السنن والآثار» في الموضع الثاني.
وأخرجه ابن عبد البر ١٠/١٦١ من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، به مرسلا.
وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/١٦٢ و١٦٥ و١٦٥-١٦٦ و١٦٧ من طرق عن الزهري، به.
وذهب ابن عبد البر إلى أن الرجل المتهم بالنفاق هو مالك بن الدخشم واستشهد بقصة عتبان بن مالك زاره رسول الله ﷺ في بيته، فذكر مالك بن الدخشم واتهم بالنفاق! وانظر قصة عتبان هذه في «المسند» (١٦٤٨٢) .
قلنا: ومالك بن الدخشم شهد بدرا، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو. قال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/٢٢-٢٣: ولا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه، وهو الذي أرسله رسول الله ﷺ فأحرق مسجد الضرار هو ومعن بن عدي.
وفي باب النهي عن قتل المصلين عن أبي هريرة عند أبي داود (٤٩٢٨)، وأبي يعلى (٦١٢٦) .
وفي باب حقن دم من نطق بلا إله إلا الله، عن غير واحد من الصحابة، انظر حديث أبي هريرة السالف برقم (٨١٦٣) .
قال ابن عبد البر:وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ الْمُنَاجَاةِ وَالتَّسَارِّ مَعَ الْوَاحِدِ دُونَ الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا دُونَ الْوَاحِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ وَأَنَّ مُنَاجَاةَ الِاثْنَيْنِ دُونَ الْجَمَاعَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ
وفي قول رسول الله ﷺ: أولئك الذين نهاني الله عنهم، رد لقول صاحبه القائل له: بلى ولا صلاة له، بلى ولا شهادة له، لأن رسول الله ﷺ قد أثبت له الشهادة والصلاة، ثم أخبر أن الله نهاه عن قتلهم، يعني عن قتل من أقر ظاهرا، وصلى ظاهرا.
تنبيه :
٩٧٥ – حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب، حدثه عن حنظلة بن علي بن الأسقع الأسلمي، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس قال: ومن ترك واحدة من الخمس فقاتله كما تقاتل من ترك الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ”
تعظيم قدر الصلاة للمروزي
١١٦٩ – حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: ثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رضي الله عنه ، وَأَمَرَهُ «أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ عَلَى خَمْسٍ، فَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنَ الْخَمْسِ، فَقَاتِلْهُ عَلَيْهَا كَمَا تُقَاتِلُ عَلَى الْخَمْسِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ»
السنة لأبي بكر بن الخلال ٤/٦١ — أبو بكر الخلال (ت ٣١١)
منقطع :
٣ – (الأسلميّ)
حَنْظَلَة بن عليّ الأسلميّ الْمدنِي روى عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ وَأبي هُرَيْرَة وخفاف بن إِيمَاء وروى لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد النّسائيّ وَابْن ماجة وَتُوفِّي فِي حُدُود الْمِائَة
وأسامة بن زيد هو الليثي صدوق يهم ولا يحتمل تفرده عن الزهري
وفي طبقات ابن سعد ذكر اسانيد أخرى لكن دخل حديث بعضهم في بعض :
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني عُتبة بن جَبِيرَة، عن عاصم بن عُمَر بن قَتَادَة، قال: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزُّهْرِيّ. قال: وحدثني أُسَامةُ بن زَيْدٍ اللَّيْثِيّ عن الزُّهْرِيّ، عن حَنْظَلَة بن عليّ الأَسْلَمِيّ. قال: وحدثني مَسْلَمَةُ بن عبد الله بن عُروة، عن أبيه، دخل حديثُ بعضهُم في حديث بعض قال: لما ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ من العرب وامتنعوا من الصَّدَقَة شَاوَرَ أبو بكر الصّدّيق في غَزْوِهِم وقِتَالهم، فأجمعَ البِعثَةَ إليهم، وخرَج هو نفسهُ إلى قَنَاة فَعَسْكَرَ بها، وأظهر أنه يريد غَزْوَهُم بنفسهِ ليبَلغَهُم ذلك فيكون أَهْيب لهم. ثم سَارَ من قَنَاة في مائة من المهاجرين وخالد بن الوليد يحمل لواءهُ حتى نزل بَقْعَاء (١)، وهو ذو القَصَّة وأراد أن يتلاحق به الناس ويكون أسرَعَ لخروجهم، فلما تلاحقوا به استعمل خالدَ بنَ الوليد عليهم، وأمرَهُ أن يسير إلى أهلِ الرِّدَّةِ فيقاتلهم على خمس خصالٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإِقَامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاة، وصيام شَهرِ رمضانَ.
ورجع أبو بكر إلى المدينة ومضَى خالد بن الوليد ومعه أهل السابقة من المهاجرين والأنصار فأَوْقَعَ بأهل الرِّدَّةِ من بني تميم وغيرهم بالبِطَاحِ، وقَتَلَ مالِكَ بن نُوَيْرة، ثم أوقع بأهلِ بُزَاخَةَ وحَرَّقَهُم بالنار، وذلك أنه بلغه عنهم مقالةٌ سَيِّئةٌ، شَتَموا النبي صلى الله عليه وسلم …
فيبقى الحديث أنه من طريق اسامة عن الزهري فيضعف مع الانقطاع
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
[١٣٧] (٢٣) – (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ).
(مسألة): حديث أبي مالك الأشجعيّ، عن أبيه هذا مما انفرد به المصنّف عن بقيّة أصحاب الكتب الستة، أخرجه هنا [٨/ ١٣٧] (١٣٨) عن سُويد بن نصر، ومحمد بن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية الفزاريّ و٨/ ١٣٨ عن زُهير بن حرب، عن يزيد بن هارون و٨/ ١٣٨ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر ثلاثتهم عن أبي مالك، عن أبيه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
[١٣٨] (…) (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَحَّدَ اللهَ …» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
وقوله: «مَنْ وَحَّدَ اللهَ»: دليل على أن المراد من كلمة الشهادة: التوحيد، وليس المراد قولها باللسان فقط، وهذا يعتبر تفسيرًا لقوله ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»؛ لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا. [توفيق الرب المنعم، (1/ 85)].
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر التي أحالها المصنف هنا على رواية مروان أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١٧١) فقال: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك الأشجعي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وَحَّدَ الله، وكَفَرَ بما يُعْبَدُ من دونه، حَرُمَ ماله وَدَمُهُ، وحسابه على الله».
وأما رواية يزيد بن هارون، فقد أخرجها الإمام أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٧٢ قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي، عن أبيه أنه سمع النبيّ ﷺ، وهو يقول لقوم: «من وحّد الله تعالى، وكفر بما يُعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل».
ثم قال أحمد: حدثنا به يزيد بواسط، وبغداد، قال. سمع النبيّ ﷺ. [البحر المحيط الثجاج، (1/ 403 – 441)، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
شرع الجهاد من أجل التوحيد وتطهير الأرض من فتنة الشرك؛ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
قال ابن جرير [٥٢] رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه: «وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا تكون فتنة يعني حتى لا يكون شرك بالله، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان …»، قال قتادة: «حتى لا يكون شرك». وساق أسانيده بهذا التفسير إلى قتادة ومجاهد والسدى وابن عباس، وقال المراد بالدين الذي ذكره الله في هذا الموضع: العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه.
ثم ساق إسناده إلى الربيع ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يقول: حتى لا يعبد إلا الله، وذلك لا إله إلا الله عليه قاتل رسول الله ﷺ وإليه دعا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:»أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله«[٥٣] .
وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله حين عزم على قتال المرتدين بما فيهم مانعي الزكاة فقال له الفاروق رضي الله عنه:»كيف تقاتل الناس … .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» ثم قرأ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ «[٥٥] .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسوله الله ﷺ:»أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله” [٥٦] .
ويُلاحَظ أن حديث عمر وأبي بكر وأبي هريرة وجابر قد اقتصرت على قضية التوحيد، ولم تتعرض لغيرها. ولعل السبب في ذلك شدة اهتمام الرسول ﷺ بهذه القضية …..
[منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة … والعقل، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد ٦٣-٦٤، (31/ 165 – 167)، بتصرف يسير].
هل تضمن حديث ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) ذكر الشهادتين أم الشهادة بالألوهية فقط؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
” … واستدل [يعني: القفال] بحديث الباب؛ فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو أني رسول الله). كذا قال، وهي غفلة عظيمة؛ فالحديث في صحيحي البخاري ومسلم – في كتاب الإيمان من كل منهما – من رواية ابن عمر بلفظ: ( حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ )، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ( لا إله إلا الله ) هنا التلفظ بالشهادتين، لكونها صارت علما على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحا في الطرق الأخرى ” انتهى من “فتح الباري” (12 / 279).
من المراد بقتالهم :
يقول شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – :
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وُيُؤتُوا الزَّكَاة ) مراده : قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم ، لم يُرد قتال المعاهَدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم ) مجموع الفتاوى ” ( 19 / 20 )
وقال الإمام الصنعاني رحمه الله :
” وقيل: المراد بالحديث: المحاربون، ولفظ الناس من العموم الذي يراد به الخصوص” .
وقال آخرون من أهل العلم : أن المُراد بهم المشركين الذين لا تؤخذ منهم الجزية .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني أثناء عرضه أقوال أهل العلم في تحديد المقصود من (الناس) :
” ثالثها : أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ ” أُقَاتِلَ النَّاسَ ” أَيِ: الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ ” أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ” . انتهى (فتح الباري /ج1 )
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
” والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له؛ جاز له قتله، فإن قال: لا إله إلا الله، لم يجز قتله، لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، فإن قتله بعد ذلك قُتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، وأن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟) أخرجه مسلم. أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يُبين عنه لسانه.
وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر، لا على القطع واطلاع السرائر ” انتهى من “تفسير القرطبي” (7 / 51).
أمور الناس على الظاهر :
قال البغوي رحمه الله تعالى:
” وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا، إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين، أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره ” انتهى من “شرح السنة” (1 / 70).
شروط لا إله إلا الله :
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
” عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ )، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) …
قوله: ( من شهد أن لا إله إلا الله )، أي: من تكلم بهذه الكلمة ، عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، كما دل عليه قوله: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) ، وقوله: ( إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).
أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع ” انتهى، من ” تيسير العزيز الحميد” (ص 51).
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى:
” لم ينتفع قائل لا إله إلا الله بنطقه بها مجردا ، إلا حيث يستكملها أي: هذه الشروط السبعة. ومعنى استكمالها : اجتماعها في العبد ، والتزامه إياها ، بدون مناقضة منه لشيء منها .
وليس المراد من ذلك عد ألفاظها وحفظها ؛ فكم من عامي اجتمعت فيه ، والتزمها ؛ ولو قيل له: اعددها لم يحسن ذلك .
وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم ، وتراه يقع كثيرا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله، والله المستعان ” انتهى، من “معارج القبول” (2 / 418).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
” فالواجب على جميع المسلمين أن يحققوا هذه الكلمة بمراعاة هذه الشروط .
ومتى وجد من المسلم معناها ، والاستقامة عليه : فهو مسلم حرام الدم والمال، وإن لم يعرف تفاصيل هذه الشروط ؛ لأن المقصود هو العلم بالحق ، والعمل به ؛ وإن لم يعرف المؤمن تفاصيل الشروط المطلوبة ” انتهى، من “مجموع فتاوى الشيخ ابن باز” (7 / 58).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
” فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة.” انتهى، من “مجموع الفتاوى” (7 / 271).
(المسألة الثانية): الفتاوى:
[1] نوع قتال الصحابة للمرتدين
السؤال: إذا حصل القتال من مانعي الزكاة على منعها كما حصلت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فهل يكفرون لقتالهم على منعها ويكون قتالهم دليلًا على أنهم جاحدون لوجوبها أو مستحلون لتركها، كما سمى الصحابة رضي الله عنهم قتالهم لهم بحروب المرتدين، ولم يفرقوا بين من منعها جحودًا أو منعها بخلًا ما دام الجميع قاتلوا على منعها؟
الجواب: كما هو معلوم، الذين قوتلوا منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تبع مانع الزكاة ومنهم من تبع مدعي النبوة.
ومعلوم أن هذه ردة عن الإسلام، لكن من شهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، ولكن عرضت له شبهة في الزكاة، هل هي من خصائص الرسول ﷺ أم أنها تكون لمن بعده؟ فهذا تأويل؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا ليس كفرًا، وإنما هو امتناع من الواجب لشبهة عرضت في ذلك.
وبعض أهل العلم ألحق هذا بحروب الردة؛ لأنه حصل منهم الامتناع والخروج على الولاة، وإن كان يعتبر من قبيل البغي والامتناع عن أداء الواجب.
ولهذا لو قدر عليهم لأخذت منهم، كالشخص الذي يمتنع ويقدر عليه فإنها تؤخذ منه، ولا يقال إنه كافر، إلا إذا جحد وقال إنها غير واجبة، وهؤلاء فيهم شبهة، لأن الجحود وجد منهم ولكن بفهم خاطئ؛ لأنهم ظنوا أن الحكم إنما هو خاص بالرسول ﷺ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: هذه أمور لا تكون إلا للرسول ﷺ، ففهموا هذا الفهم الخاطئ، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنهم معذورون في هذا التأويل.
[2] توجيه كلام ابن رجب في أن الرسول كان يقبل من الكفار بعض الشروط لدخولهم في الإسلام
السؤال: نريد توجيهًا لما ذكره ابن رجب، قال: ولم يكن ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روي: (أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألا يزكوا)، ففي مسند الإمام أحمد عن جابر قال: (اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال: سيصدقون ويجاهدون).
وفيه أيضًا: عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: (أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على ألا يصلي إلا صلاتين فقبل منه)، يقول: كيف يكون هذا؟
الجواب: معلوم أن الإنسان الكافر الذي يريد أن يسلم، ولكنه يريد أن يسلم من بعض التكاليف، إذا مكن من الدخول في الإسلام، فإن الأمر يتحول ويتغير ويتبدل إلى كونه يستسلم لأوامر الإسلام، ولما جاء في الإسلام.
وكان الرسول ﷺ بناءً على ما جاء في هذه الأحاديث يحرص على الدخول في الإسلام، والإنسان إذا دخل فيه وصار من أهله سهل عليه بعد ذلك أن يأتي بالأمور الواجبة.
[3] كيفية الجمع بين قوله: (لا إكراه في الدين) وحديث: (أمرت أن أقاتل الناس)
السؤال: كيف يجمع بين حديث (أمرت أن أقاتل الناس)، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟
الجواب: معلوم أن قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ليس المقصود به أنه لا يوجد جهاد، وإنما الآية لها سبب في سنن أبي داود عن ابن عباس قال: كانت المرأة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وبهذا يتضح المعنى وأن ذلك لا يتنافى مع الأمر بالجهاد.
ثم أيضًا: يمكن أن يكون من معانيها أن الإنسان الكافر إذا قدر عليه لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، لكن إذا دخلوا تحت الدين وأعطوا الجزية فإنهم يتركون؛ وذلك لأنهم إذا كانوا تحت حكم الإسلام كانت هناك وسيلة إلى قبولهم في الإسلام ودخولهم فيه.
وليس معنى قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أنه لا يقاتل الكفار، فإن الرسول ﷺ غزا الكفار في ديارهم، وأصحاب الرسول ﷺ غزوا الكفار في ديارهم، وذهبوا إلى بلاد الفرس والروم، وذهبوا إلى جهات مختلفة ليقاتلوا في سبيل الله.
[4] العلة في مقاتلة من امتنع عن دفع الزكاة مع عدم كفره
السؤال: إذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فلماذا يقاتل إذا امتنع عن دفع الزكاة، والله عز وجل يقول: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]؟
الجواب: القتال لا يكون للكفر فقط، وإنما يكون للكفر ولغير الكفر.
والزكاة إذا جحد وجوبها كان ذلك كفرًا وردة، وأما إذا لم يجحد الوجوب ولكن لم يؤدها من أجل البخل والطمع في المال، فإن هذا لا يقال له كفر؛ ولهذا جاء في السنة عدم كفر الذي لا يخرج الزكاة إذا لم يكن جاحدًا لوجوبها، فإنه قال: (ما من صاحب ذهب أو فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها ظهره وجبينه وجنبه حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
والقتال لا يكون للكفر فقط، بل قد يكون للبغي كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهؤلاء متقاتلون ومع ذلك جعلهم إخوة.
[5] مقاتلة من اجتمعوا على ترك الصيام
السؤال: إذا كان هناك جماعة لهم منعة وقوة أجمعوا كلهم على ترك الصيام، هل يقاتلون؟
الجواب: نعم يقاتلون.
رابعًا: فوائد الحديث مجموعة من عدة شروح :
1 – (منها): أهل الرّدّة ثلاثة أصناف، والصنف الذي أشكل أمرهم على عمر – رضي الله عنه -، فباحَثَ أبا بكر – رضي الله عنه – في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر – رضي الله عنه – فوافقه على ذلك، هم من (اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر – رضي الله عنه -، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ – ﷺ – خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم).
2 – (ومنها): إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر رضي الله عنه، وإنما أُخِذ من قوله: “إلا بحقها”، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام. [البحر المحيط الثجاج]
قال ابن عثيمين :
وجوب إقامة الصلاة، لأنه إذا لم يقمها فإنه لا يمتنع قتاله، بل قد قال الفقهاء رحمهم الله يُقاتَل أهل بلد تركوا الأذان والإقامة وإن صلوا، لأن الأذان والإقامة من شعائر الدين الظاهرة، فإذا قال قوم: نحن لا نؤذن ولانقيم ولكن نصلي، وجب أن يقاتلوا.
واستدلّوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوماً أمسك حتى يطلع الفجر، فإن سمع أذاناً كفّ عن قتالهم، وإلا قاتلهم .
كذلك قال الفقهاء: يقاتل أهل بلد تركوا صلاة العيد وإن لم تكن فرضاً على الأعيان كفريضة الصلوات الخمس.
قالوا: لأن صلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة، فيقاتل أهل البلد إذا تركوا صلاتي العيدين
[شرح الأربعين النووية للعثيمين ص125]
3 – (ومنها): قوله: (أمرت)، الآمر للرسول ﷺ هو الله؛ لأنه لا آمر له غيره، وإذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ.
4 – (ومنها): لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر رضي الله عنه، وارتد من ارتد من العرب، وامتنع من امتنع من دفع الزكاة، عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتالهم، بناءً على أن من حق الشهادتين أداء الزكاة، ولم يكن عنده الحديث بإضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين كما في هذا الحديث.
فناظر عمر أبا بكر في ذلك، وجاءت المناظرة بينهما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم
قال الحافظ في الفتح (١/ ٧٦): وقد استبعد قوم صحته، بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).
وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.
والجواب:
أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عن ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يحتمل ألا يكون قد حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد.
ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه: (إلا بحق الإسلام)، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام.
ولم ينفرد ابن عمر رضي الله عنهما بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة.
وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم؛ ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي ذا على فلان؟ والله الموفق.
5 – (ومنها): يستثنى من عموم مقاتلة الناس حتى الإتيان بما ذكر في الحديث أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية لدلالة القرآن، وغيرهم إذا دفعها لدلالة السنة على ذلك، كما في حديث بريدة بن الحصيب الطويل في صحيح مسلم وأوله: (كان الرسول ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا)، الحديث.
وهذا حديث طويل يتعلق بالجهاد والوصية التي يكون عليها المجاهدون في سبيل الله.
وقد أخرجه مسلم في صحيحه وشرحه ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة).
وأنا قد أشرت إلى أنه تؤخذ منه الجزية؛ لأن الحديث هذا نفسه فيه أخذ الجزية، فأنا ذكرت أوله وهو حديث طويل، قال: (ادعهم إلى ثلاث خصال فإنهم أجابوك)، وذكر منها الجزية.
6 – (ومنها): يكفي للدخول في الإسلام الشهادتان، وهما أول واجب على المكلف، ولا التفات لأقوال المتكلمين في الاعتماد على أمور أخرى، كالنظر أو القصد إلى النظر.
قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها.
7 – (ومنها): المقاتلة على منع الزكاة تكون لمن امتنع عنها وقاتل عليها، أما إذا لم يقاتل فإنها تؤخذ منه قهرًا.
8 – (ومنها): قوله: (وحسابهم على الله)، أي: من أظهر الإسلام وأتى بالشهادتين فإنه يعصم ماله ودمه، فإن كان صادقًا ظاهرًا وباطنًا نفعه ذلك عند الله، وإن كان الباطن بخلاف الظاهر وكان أظهر ذلك نفاقًا فهو من أهل الدرك الأسفل من النار.
9 – (ومنها): الأمر بالمقاتلة إلى حصول الشهادتين والصلاة والزكاة.
قال ابن عثيمين :
وجوب مقاتلة الناس حتى يقوموا بهذه الأعمال.
فإذا قال قائل: لماذا لا يكون الأمر للاستحباب؟
والجواب: لا يكون للاستحباب، لأن هذا فيه استباحة محرّم، واستباحة المحرّم لاتكون إلا لإقامة واجب.
فرضية الجهاد: الجهاد قد يكون فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، ولا يمكن أن يكون فرض عين على جميع الناس لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا) (التوبة: 122)
أي القاعدون (فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122) .
[شرح الأربعين النووية للعثيمين ص125]
10 – (ومنها): إطلاق الفعل على القول، لقوله: (فإذا فعلوا ذلك)، ومما ذكر قبله الشهادتان، وهما قول.
11 – (ومنها): إثبات حساب الأعمال يوم القيامة.
12 – (ومنها): أن من امتنع من دفع الزكاة قوتل على منعه حتى يؤديها.
قال ابن عثيمين :
وجوب إيتاء الزكاة، لأنها جزء مما يمنع مقاتلة الناس.
ولابد أن يكون إيتاء الزكاة إلى مستحقّها، فلا يكفي أن يعطيها غنيّاً من أقاربه أو أصحابه لأن ذلك لايجزئ، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60) .
[شرح الأربعين النووية للعثيمين ص125]
13 – (ومنها): أن من أظهر الإسلام قبل منه ووكل أمر باطنه إلى الله.
14 – (ومنها): التلازم بين الشهادتين وأنه لابد منهما معًا.
15 – (ومنها): بيان عظم شأن الصلاة والزكاة، والصلاة حق البدن، والزكاة حق المال. [شرح الأربعين النووية – العباد، (17)، بتصرف يسير].
16 – (ومنها): موافقة عمر رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه، اتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لا أنه قلّده؛ لذا قال: “فعرفتُ أنه الحقّ”؛ ولأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه.
17 – (ومنها): فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
18 – (ومنها): قياس أبي بكر رضي الله عنه الزكاة على الصلاة.
19 – (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وطاعة الوزراء والأمة لهم. انتهى