رقم القاعدة: 25 : نص القاعدة: المَقْصِدُ العَامُّ لِلتَّشْرِيعِ هُوَ صَلَاحُ نِظَامُ الأُمَّةِ بِصَلَاحِ الإِنْسَانِ المُهَيْمِنِ عَلَيْهِ [1]
صيغة أخرى للقاعدة:
المقصد العام للشريعة هو عمارة الأرض واستمرارُ صلاحها بصلاح المستخلفين فيها [2]
قواعد ذات علاقة:
1 – وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا [3] /متكاملة.
2 – المصالحُ المعتبرةُ شرعا هي ما يقيم الحياةَ الدنيا للحياة الآخرةِ لَا اتِّباعُ أهواءِ النفوس [4] /متكاملة.
شرح القاعدة:
هذه القاعدة تعبر عن جملة المقاصد المركبة, المتوخاة من وراء القواعد المتعلقة بحفظ المصالح والمفاسد. ذلك أن ما تقدم – وما سيأتي – عن جلب المصالح ودرء المفاسد, إنما يؤتي أُكله وتمام فائدته, حينما يتجسد في نظام للحياة الفردية والجماعية, تطبق فيه تلك القواعد ويسير وفق مقتضياتها ويجتني ثمارها.
… فالنتائج المتوخاة من جلب المصالح ودرء المفاسد, تبدأ وتتحقق أولا بوجود الإنسان المستصلَح الصالح, في ذاته وتصرفاته, وتتحقق ثانيا بوجودِ التدبيرِ المستصلِح لشؤون الحياة الدنيا, من أجل الفوز في الدارين وتحصيل السعادتين.
… فهذا المقصد العام الجامع, يتلخص في التحصيل المندمج للعناصر التالية:
1 – الصلاح الفردي للناس, كل واحد في ذاته وباطنه وتصرفه في نفسه.
2 – الصلاح الجماعي للناس في علاقاتهم ومعاملاتهم ونظام تعايشهم.
3 – ضمان امتداد هذا الصلاح وانتقاله للبشرية, جيلا بعد جيل.
أدلة القاعدة:
1 – قال الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود-88]. قال ابن عاشور: ” فعَلِمْنا أي من هذه الآية أن الله أمر ذلك الرسول بإرادة الإصلاح بمنتهى الاستطاعة. ” [2]. ومعلوم أن هذا هو شأن جميع المرسلين.
2 – وقال سبحانه: {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين} [الأعراف -142]. وقال أيضا: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين} [القصص -4]. قال ابن عاشور: “فعلمنا أي من مجموع الآيتين أن الصفات التي أجريت على فرعون كلها من الفساد, وأن ذلك مذموم, وأن بعثة موسى كانت لإنقاذ بني إسرائيل من فساد فرعون. فعلمنا أن المراد من الفساد غير الكفر, وإنما هو فساد العمل في الأرض, لأن بني إسرائيل لم يتبعوا فرعون في كفره. ” [3]. اهـ
قال القرافي:
وَضْعَ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا هُوَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ مَعًا، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهَا صِحَّةً أَوْ فَسَادًا، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ أَحْكَامَ اللَّهِ لَيْسَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أَلْبَتَّةَ، كَمَا أَنَّ أَفْعَالَهُ كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةً بِرِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ1، وَلَمَّا اضْطُرَّ2 فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ إِلَى إِثْبَاتِ الْعِلَلِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، أُثْبِتَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلَلَ بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَحْقِيقِ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالْمُعْتَمَدُ إِنَّمَا هُوَ أَنَّا اسْتَقْرَيْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ اسْتِقْرَاءً لَا يُنَازِعُ فِيهِ الرَّازِيُّ وَلَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ1 اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْثِهِ الرُّسُلَ وَهُوَ الْأَصْلُ: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النِّسَاءِ: 165] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 107] ….
[الموافقات 2/ 9]
قال البسام:
المقاصد
إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وهذا ما يدلُّ عليه مثلُ قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)}، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}، وقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} فدلَّ الاستقراء من الشريعة أنها وضعَتْ لمصالح العباد.
المقاصد قسمان:
أحدهما: يرجع إلى قصد الشارع مِنْ وضعه الشريعة.
الثاني: يرجع إلى قصد المكلَّف من أفعاله…
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 1/ 81]