سنن الترمذي:بَابُ مَا جَاءَ فِي المُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ
667 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ»، ” وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ ” وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ، فَإِذَا وَرِثَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مِثْلِهِ ” وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرٌ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ
—-
حديث بريدة:
أخرجه مسلم.، وأبو داود، وغيرهم
قال ابن معين : عبدالله بن عطاء صاحب ابن بريدة ثقة كما في تاريخ الدوري ( تحفة الأحوذي )
[[باب ما جاء في المتصدق يرث صدقته]]
[٦٦٧] يجوز أخذها إذا أتته وراثته عند الأحناف وغيرهم، وفي كتبنا ضابطة أن تبدل الملك يوجب تبدل العين ولكن ليست بمطردة فإنها تتخلف في بعض الجزئيات، كما في الهداية أن المشتري إذا تصرف في بيع البيع الفاسد، فالربح له غير طيب، وأما البائع فيطيب له ربح الثمن، والمسألة هذه مسألة جامع الصغير، وقال الشيخ سعد الدين الذيري في حاشية العناية: إن هذا الخبث منحصر في التبدل بتصرف واحد وأما إذا تعد التصرف فلا خبث، وفي غصب الهداية ص (٣٥٩): أنه إذا غصب ألف درهم وشرى به جارية فباعها بألفين ثم اشترى بألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف درهم فإنه يتصدق بجميع الربح إلخ، فإنه بقي الخبث مع تعدد التصرف فالحاصل أن الضابطة ليست بكلية، ويمكن لأحد أن يقول: إن هذه الضابطة كلية فيما ليس فيه معاوضة وتسبب تصرف عن تصرف
قوله: (صومي عنها الخ) قال أحمد بن حنبل: يجوز النيابة عن الآخر في صوم النذر لا الفريضة حتى قالوا: إنه إذا مات وعليه ستون صوم نذر، فصام عنه ستون رجلًا في يوم أجزأ عنه وللشافعي قولان: القديم وهو جواز النيابة والجديد وهو عدم جوازها ورجح النووي القديم، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصوم الولي عن الولي نيابة، وقال المحدثون: إن الرجحان من حيث الحديث لمذهب أحمد لأن في بعض طرق الحديث تصريح صوم النذر كما في البخاري ص (٢٦٢)، ثم في بعض الطرق لفظ «رجل» وفي بعضها لفظ «امرأته» كما أشار البخاري فقيل بتعدد الواقعة، وقيل: لا وقال الحنابلة: إن حديث لا يصوم أحد عن أحد في حق الفريضة وتأول الأحناف وجمهور الشافعية في حديث الباب أن مراد «صومي عنها» أطعمي عنها ولكنه تأويل، وأما المسألة ففي الهداية ص٢٧٦ أن العبادة على ثلاثة أقسام أحدها البدنية ولا يجوز النيابة فيها، وأما المالية فيجوز النيابة عند العجز والقدرة، وأما المركبة من المالية والبدنية فلا تجوز النيابة إلا عند العجز وما تعرض في الهداية إلى الإثابة وتعرض إليها في البحر في باب الحج عن الغير فقال: إن كل عبادة بدنية تجوز فيها الإثابة أي إيصال الثواب، ثم قيل: يجوز الإثابة في الفريضة أيضًا أي يصل الثواب ولا تسقط الفريضة عن ذمة من أصابه الثواب، وقيل: إن الإثابة منحصرة في النافلة، ثم قيل: إن الإثابة إنما تكون للميت فقط، وقيل: للميت والحي كليهما، وأقوال أخر؛ فيقال في حديث الباب: إنه صوم الإثابة لا النيابة، وإن قيل: إن لفظة «عن» تدل على النيابة قلت: إن «عن» أيضًا قد تكون للإثابة كما في البخاري في صدقة الفطر، وأما دليلنا فما في النسائي عن ابن عباس موقوفًا عليه: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وكذلك عن ابن عمر في موطأ مالك (٩٤)، وأخرج الطحاوي عن عائشة موقوفًا: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وهي رواية حديث الباب المرفوع، وفي العيني شرح البخاري مرفوعًا عن ابن عمر: «من مات وعليه صوم يطعم عنه»، ونقل تحسينه عن القرطبي، وأعله أكثر حفاظ الحديث، وقالوا: الصحيح وقفه، ونقله محشي البخاري ص (٢٦٢) وذكر الحديث وتحسين القرطبي، لا إعلال جمهور الحفاظ وهذا الاختصار مخل، وذكر أيضًا أن النسائي رفعه عن ابن عباس، أقول: وقفه النسائي، ثم ما في عمدة القاري عن ابن عمر فقد أخرجه الترمذي ص (٩٠) أيضًا وصوب الوقف، وفي سنده محمد وقال الترمذي: إنه محمد بن أبي ليلى وأنه رواه ابن ماجة سندًا ومتنًا وفي سنده تصريح محمد بن أبي سيرين فصح السند إلا أنه قال الحافظ في التلخيص: إن في ابن ماجه وهم ابن ماجه أو شيخه ثم رأيت في السنن الكبرى في موضعين تصريح ابن أبي ليلى في السند، وظني أن القرطبي لا يحسن بناءًا على ما في الترمذي فإنه فيه محمد بن أبي ليلى وما حسنه أحد إلا الترمذي في موضع واحد في أبواب السفر، ولعل تحسين القرطبي بناءً على ما في ابن ماجه والله أعلم، ولنا أيضًا قراءة ابن عباس في الآية: [البقرة: ١٨٤] كان يقول الشافعي: لا يصح الإثابة إلا إثابه الدعاء والصدقة ولا يمكن إيصال ثواب تلاوة القرآن، وأما عندنا فيجوز إيصال ثواب كل شيء من العبادة، ثم أفتى الشافعية بجواز إهداء ثواب التلاوة.
العرف الشذي شرح سنن الترمذي
— الكشميري[[١٣١/٢-١٣٢]]
———-
وفي مسائل الكوسج للإمام أحمد واسحاق :
[٣٠٥٣-] قلت: رجل تصدق بصدقة فرجعت إليه في الميراث؟
قال: جيد.٢
قال المحقق : – نقل هذه الرواية بنصها عن الإمام أحمد: الخلال في، كتابه الجامع ص ٤٨.
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «كنت جالسا عند النبي ﷺ، إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله إني كنت تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث». الحديث.
وروى عبد الرزاق عن الشعبي والزهري وومسروق قولهم: «ما رد عليك، كتاب الله فكل». وقال الزهري: ما علمنا به بأسًا، وما علمنا أحدًا كان يكرهه الا ابن عمر رضي الله عنه. مصنف عبد الرزاق ٩/١١٩.
مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه
— إسحاق الكوسج[[٤٢٨٥/٨]]
قال ابن قدامة:
فصل: وليسَ لِمُخْرِجِ الزكاةِ شِراؤها مِمَّنْ صارَتْ إليه. وَرُوِيَ ذلك عن الحسنِ، وهو قَوْلُ قَتَادَةَ، ومالِكٍ. قال أصْحابُ مَالِكٍ: فإن اشْتَرَاهَا لم يُنْقَضِ البَيْعُ. وقال الشَّافِعِيُّ وغيرُه: يجوزُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، إلا لِخَمْسَةٍ؛ رَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ” . ورَوَى سَعِيدٌ، في “سُنَنِه” أنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ على أُمِّهِ بِصَدَقَةٍ ثم مَاتَت، فسألَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: “قد قَبِلَ اللهُ صَدَقَتَكَ، ورَدَّهَا إليكَ المِيرَاثُ” . وهذا في مَعْنَى شِرَائِها. ولأنَّ ما صَحَّ أن يُمْلَكَ إرْثًا، صَحَّ أن يُمْلَكَ ابْتِيَاعًا، كسَائِرِ الأمْوالِ. ولَنا، ما رَوَى عمرُ، أنَّه قال: حملْتُ على فَرَسٍ في سَبِيل اللهِ، فأضَاعَهُ الذي كان عِنْدَه، وظَنَنْتُ أَنَّه بائِعُه بِرُخْصٍ، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَهُ، فسألْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: “لا تَبْتَعْهُ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ ولَوْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِه كالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه”. مُتَّفَقٌ عليه .
فإن قِيلَ: يحتمِلُ أنَّها كانت حَبِيسًا في سَبِيلِ اللهِ فَمَنَعَهُ لذلك. قُلْنا: لو كانت حَبِيسًا لَما بَاعَها الذي هي في يَدهِ، ولا هَمَّ عمرُ بِشِرَائِها، بل كان يُنْكِرُ على البَائِعِ ويَمْنَعُه، فإنَّه لم يكنْ يُقِرُّ على مُنْكَرٍ، فكيف يَفْعَلُه، ويُعِينُ عليه. ولأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ما أنكَرَ بَيْعَها، إنَّما أنْكَرَ على عمرَ الشِّرَاءَ، مُعَلِّلًا بِكَوْنِه عَائِدًا في الصَّدَقَةِ. الثاني، أنَّنا نَحْتَجُّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غيرِ نَظَرٍ إلى خُصُوصِ السَّبَبِ، فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “لا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ” أي بالشِّرَاءِ “فَإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِه كالعَائِدِ في قَيْئِه”. والأخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِن التَّمَسُّكِ بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فإنْ قِيلَ: فإن اللَّفْظَ لا يَتَنَاوَلُ الشِّرَاءَ، فإنَّ العَوْدَ في الصَّدَقَةِ ارْتِجاعُها بغَيْرِ عِوَضٍ، وفَسْخٌ لِلْعَقْدِ، كالعَوْدِ في الهِبَةِ، والدَّلِيلُ على هذا قولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “العَائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائِدِ في قَيْئِه” . ولو وَهَبَ إنْسانًا شيئًا، ثم اشْتَرَاهُ منه، جازَ. قُلْنا: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ ذلك جَوَابًا لِعمرَ حين سَألَهُ عن شِراءِ الفَرَسِ، فلو لم يَكُنِ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِلشِّرَاءِ المَسْئُولِ عنه لم يكن مُجِيبًا له، ولا يجوزُ إخْرَاجُ خُصُوصِ السَّبَبِ من عُمُومِ اللَّفْظِ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ السُّؤالُ عن الجَوابِ، وقد رُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه قال: إذا جاءَ المُصَدِّقُ فَادْفَعْ إليه صَدَقَتَكَ، ولا تَشْتَرِها، فإنَّهم كانوا يقولون: ابْتَعْها فأقولُ: إنَّما هِي للهِ . وعن ابْنِ عمرَ أنَّه قال: لا تَشْتَرِ طَهُورَ مَالِكَ . ولأنَّ في شِرَائِه لها وَسِيلَةً إلى اسْتِرْجَاعِ شىءٍ منها؛ لأنَّ الفَقِيرَ يَسْتَحِي منه، فلا يُمَاكِسُه في ثَمَنِها، وَرُبَّما أرْخَصَها له طَمَعًا في أن يَدْفَعَ إليه صَدَقَةً أُخْرَى، وَرُبَّما عَلِمَ أنه إن لم يَبِعْهُ إيَّاها اسْتَرْجَعَها منه أو تَوَهَّمَ ذلك، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِي أن يُجْتنَبَ، كما لو شَرَطَ عليه أن يَبِيعَه إيَّاها. وهو أيضًا ذَرِيعةٌ إلى إخْرَاجِ القِيمَةِ، وهو مَمْنُوعٌ من ذلك. أمَّا حَدِيثُهم فنقولُ به، وأنَّها تَرْجِعُ إليه بالمِيرَاثِ وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ العُلماء يقولون: إذا رَجَعَتْ إليه بالمِيرَاثِ طابَتْ له، إلَّا ابنَ عمرَ والحسنَ بن حَيٍّ. وليس البَيْعُ في مَعْنَى المِيرَاثِ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَتَ بالمِيرَاثِ حُكْمًا بغيرِ اخْتِيَارِه، وليس بِوَسِيلَةٍ إلى شىءٍ ممَّا ذَكَرنَا، والحَدِيثُ الآخَرُ مُرْسَلٌ، وهو عَامٌّ، وحَدِيثُنَا خَاصٌّ صَحِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى من كُلِّ وَجْهٍ.
فصل: فإن دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَاءِ صَدَقَتِه، مثل أن يكونَ الفَرْضُ جُزْءًا من حَيَوانٍ لا يُمْكِنُ الفَقِيرَ الانْتِفَاعُ بِعَيْنِه، ولا يَجِدُ من يَشْتَرِيه سِوَى المالِكِ لِبَاقِيهِ، ولو اشْتَرَاهُ غيرُه لتَضَرَّرَ المالِكُ بِسُوءِ المُشَارَكَةِ، أو إذا كان الوَاجِبُ في ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنَبًا وَرُطَبًا، فاحْتَاجَ السَّاعِي إلى بَيْعِها قبلَ الجِذَاذِ، فقد ذكر القاضي أنَّه يجوزُ بَيْعُها من رَبِّ المَالِ في هذا المَوْضِعِ. وكذلك يَجِىءُ في الصُّورَةِ الأُولَى، وفي كُلِّ مَوْضِعٍ دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَائِه لها؛ لأنَّ المَنْعَ من الشِّرَاءِ في مَحَلِّ الوِفَاقِ إنَّما كان لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن الفَقِيرِ، والضَّرَرُ عليه في مَنْعِ البَيْعِ هاهُنا أعْظَمُ، فَدَفْعُه بِجَوَازِ البَيْعِ أوْلَى.
[المغني لابن قدامة 4/ 102]
قال العيني:
وذكر أبو بكر المعافري أن الناس اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها؟ قال: الصحيح جوار كلها للأثر والنظر [ثم] ذكر هذا الحديث. وقال: الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند كثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلّت له.
[شرح سنن أبي داود للعيني 6/ 409]
قال صاحب العرف الشذي:
[667] يجوز أخذها إذا أتته وراثته عند الأحناف وغيرهم، وفي كتبنا ضابطة أن تبدل الملك يوجب تبدل العين ولكن ليست بمطردة فإنها تتخلف في بعض الجزئيات….
[العرف الشذي شرح سنن الترمذي 2/ 131]
قال الشيخ ابن عثيمين : هذا فيه زيادة حكمين على ما سبق :
منها أن الإنسان إذا تصدق بمال ثم عاد عليه بسبب شرعي ليس له فيه صنع فلا بأس، هذه المرأة تصدقت على أمها بجارية وماتت فقال : ( وجب أجرك وردها الميراث عليك )، ومثل ذلك لو أعطيت فقيراً مالاً لفقره ثم دعاك وأكلت من هذا الذي أعطيته فلا بأس ، أما لو اشتريت صدقتك فهذا لا يجوز والفرق ظاهر.
… يعني هذه إما أن يقال أن المرأة اقتسمت الميراث مع من يشاركها وصار نصيبها هذه الجارية ، وإما أن يقال ردها أي رد نصيبها منها يعني ما ردها كلها ، رد نصيبها منها على حسب الميراث.
لا يجوز للإنسان إذا تصدق بصدقة أن يشتريها ، ووجه ذلك أن اشتراءها يكون وسيلة للرجوع في الصدقة والرجوع في الصدقة حرام …
كتاب الصيام والإعتكاف-05a
قال ابن رسلان :
وفيه دليل على أن من تصدق بجارية أو بهيمة أو غيرهما ثم ورثه لم يكره له أخذه، وكذا لو أوصى له به، أو وصل إليه من غير سعيٍ فيه، وله التصرف فيه من غير كراهة بخلاف ما إذا أراد شراءه أو سأل اتهابه فإنه يكره لحديث فرس عمر
شرح سنن أبي داود لابن رسلان ١٣/٧١٢
——
(المسألة الثالثة): في فوائده فذكر منها :
– (ومنها): أنه إذا تصدّق بشيء، ثم عاد إليه بسبب الإرث جاز له، وقيل: لا يجوز، وهو ضعيف، قال الترمذيّ رحمه الله بعد إخراجه الحديث ما نصّه: وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم: أَنَّ الرَّجُلَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ له، وقال بَعْضُهُمْ: إنما الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ، فإذا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا في مِثْلِهِ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول الثاني ضعيف، بل باطلٌ؛ لمصادمته هذا الحديث الصحيح، فتنئه.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢١/٣٣٥-٣٣٧
قال الراجحي فيه :
– مشروعية الرد في الميراث خلافًا لمن أنكره، وهو رد الباقي بعد ميراث ذوي الفروض على أهل الفروض، فإذا مات شخص عن بنت ولم يوجد غيرها من الورثة فلها النصف فرضًا، والنصف الثاني يُرَدُّ عليها؛ لأن هذه المرأة قالت: «إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ»، يعني: بوليدة، «وَإِنَّهَا مَاتَتْ»، فقال النبي ﷺ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ».
– قضاء الصوم عن الميت؛ لقوله ﷺ لما سألته بقولها: «إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟»، فقال: «صُومِي عَنْهَا».
– قضاء الحج عن الميت.
توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم ٣/٣٢١ — عبد العزيز بن عبد الله الراجحي (معاصر)
قاعدة في حديث وجَب أجرُكِ وردَّها عليكِ المِيرَاثُ : ” اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان حكما”.
وإن كانت الذات المعينة لم تتغير حقيقة؛ لأن تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات، وعامل عمله حكما، وإن لم يتبدل هو حقيقة.
ومن ألفاظ القاعدة: قولهم:” اختلاف الأسباب يوجب اختلاف المسببات”.
وقولهم: “تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات”.
وقولهم: ” تبدل الملك كتبدل العين “
وقولهم:” اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان” .
وممن نص على هذه القاعدة تعليلا، أو تأصيلا ابن الهمام في فتح القدير، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، وابن عبد البر في التمهيد.
وأجاز المالكية أن تعود الصدقة بالميراث إلى من تصدق بها دون كراهة ، وكذلك رجوع الهبة مطلقا بأي سبب ، وعند الشافعية يجوز شراء الزكاة ممن صارت إليه لكن مع الكراهة ، وفي التخلص من المال الحرام نص النووي في المجموع على أنه لا يكون حراما على الفقير إذا دفع إليه بل يكون حلالا طيبا ، ونص الحنابلة على جواز رجوع الزكاة إلى من بذلها بالميراث.([8])
قال ابن عبد البر: (وكل العلماء يقولون إذا رجعت إليه بالميراث طابت له) ([9]).
فهذا كله من تطبيقات هذه القاعدة الأصولية الفقهية ؛ لأن اختلاف سبب الملك يوجب اختلاف العين حكما ، وإن كانت هي ذاتها ؛ لاختلاف سبب الحوز.
ومما يستدل به لهذه القاعدة أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية ، وإنها ماتت، قال: فقال: «وجب أجرك ، وردها عليك الميراث».([10])
والشاهد منه أنه ﷺ أجاز لهذه المرأة أن تأخذ ما تصدقت به مع أن الرجوع في الصدقة منهي عنه، وذلك عن طريق الإرث.
وقد يقول قائل إن هذا السبب غير اختياري وفرق بين العود بالسبب الاختياري وغيره، وهنا يستدل أيضا للقاعدة بما ورد في قصة اللحم الذي أهدته بريرة للنبي ﷺ فقيل له: إنه تصدق به عليها، فقال: ” هو عليها صدقة وهو لنا هدية “
وبوب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب إذا تحولت الصدقة.
وبوب مسلم: باب إباحة الهدية للنبي ﷺ ولبني هاشم وبني المطلب، وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة. وبيان أن الصدقة، إذا قبضها المتصدق عليه، زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه.
وجاء في فتح الباري عند شرح هذا الحديث: أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصدق عليه فيها.
فدل ذلك على أنه ﷺ أقام تبدل سبب الملك، من التصدق إلى الإهداء، فيما هو محظور عليه، وهو الصدقة، مقام تبدل العين، وهذا هو مقتضى القاعدة ، وهذا سبب اختياري لا اضطراري.
وراجع فتح القدير لابن الهمام ج6ص435.
والقواعد الفقهية وتطبيقاتها للزحيلي ج1ص527.
و القواعد والضزابط الفقهية المتضمنة للتيسير، لعبد الرحمن بن صالح ج1ص71.
آثار : ذكر ابن أبي شيبة حديث بريده ثم ذكر آثار :
حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن علية عن أيوب عن حميد بن هلال أن رجلا منهم تصدق على أمه بأمة فكاتبتها ثم توفيت أمه ، فسأل عمران بن حصين فقال ” أنت ترث أمك ، وإن شئت وجهتها في الوجه الذي كانت وجهتها فيه ، قال حميد : فلقد رأيتها يقال لها لبنيه .
حدثنا أبو بكر قال حدثنا عباد بن العوام عن عمر بن عامر عن قتادة عن [ ص: 117 ] سعيد بن المسيب في الرجل يتصدق بالصدقة ثم يرثها ، قال : إذا ردها إليه كتاب الله فلا بأس بها ، قال : وقال قتادة : كان ابن مسعود يقول ذلك .
حدثنا أبو بكر قال حدثنا يزيد بن هارون عن العوام عن إبراهيم التيمي أن عمر كان إذا كانت صدقة فردها عليه حق يرى أن يوجهها في مثل ما كانت فيه .
وذكر آثار عن إبراهيم وابن عباس والشعبي وعطاء ومسروق والحسن وشريح وإبراهيم التيمي
فتاوى:
س: وهبت ابن أخي بعض إبلي ثم اشتريتها منه؟
ج: عليك عدم العود فيها، ولو بالثمن؛ لما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم : «لا تعد في صدقتك، ولو أعطاكه بدرهم» ، وقال صلى الله عليه وسلم : «العائد في هبته كالكلب، يقيئ، ثم يعود في قيئه»، وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده». فهذه الأحاديث وما جاء في معناها، تدل على تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، ولو بالثمن، والله المسئول أن يوفقنا وإياك وجميع المسلمين للعلم النافع، والعمل به؛ إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدرر الثرية من الفتاوى البازية ١/٢٧٥