جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٥) – (بَابُ: بَيَانِ أَرْكَانِ الإِسْلَام، ودَعَائِمِهِ الْعِظَامِ)
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١١٩] (١٦) – (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ – يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرَ – عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ، قَالَ: لَا، «صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ – ﷺ -).
[١٢٠] (…) – (وحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»).
[١٢١] (…) – (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ – وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ – عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»).
[١٢٢] (…) – (وحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – يَقُولُ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيَتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: “(٥) – (بَابُ: بَيَانِ أَرْكَانِ الإِسْلَام، ودَعَائِمِهِ الْعِظَامِ)”
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١١٩] (١٦) – (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ – يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرَ – عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ …) الحديث.
شرح الحديث:
شُبّه ثبات الإسلام، واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة [راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٢٠].
وقوله: «بُني الإسلام على خمس»: فيه: بيان عظم شأن هذه الخمس، وأنَّ الإسلام مبنيٌّ عليها، وهو تشبيه معنويٌّ بالبناء الحسي، فكما أنَّ البنيان الحسي لا يقوم إلاَّ على أعمدته، فكذلك الإسلام إنَّما يقوم على هذه الخمس، والاقتصار على هذه الخمس لكونها الأساس لغيرها، وما سواها فإنَّه يكون تابعًا لها. [فتح القوي المتين للشيخ عبد المحسن العباد (29)].
وأورد النووي هذا الحديث [- في الأربعين النووية -] بعد حديث جبريل وهو مشتملٌ على هذه الخمس لِمَا اشتمل عليه هذا الحديث من بيان أهميَّة هذه الخمس، وأنَّها الأساس الذي بُني عليه الإسلام، ففيه معنى زائد على ما جاء في حديث جبريل. [فتح القوي المتين للشيخ عبد المحسن العباد (29 – 30)].
(عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ) والتوحيد بمعنى: العبادة في الرواية التالية بلفظ: «على أن يُعبد الله، ويُكفر بما دونه»، وبمعنى: الشهادتين في الرواية الثالثة بلفظ: «شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله». [البحر المحيط الثجاج].
وقوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ» هذا يفسر ما جاء به جبريل عليه السلام «شَهَادَة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، بأن المراد بها: التوحيد، فلو قالها بلسانه، وخالفها بفعاله فوقع في عمل الشرك، فلا تنفعه، فلا بد أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ينطق بها بلسانه، ويلتزم بالتوحيد، ويبتعد عن الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. [توفيق الرب المنعم، (1/ 73)].
(وَإِقَامِ الصَّلَاةَ) أي: وعلى الإتيان بالصلاة على الوجه المطلوب شرعًا، من استيفاء شروطها، وأركانها، وآدابها.
و”أهمُّ أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين الصلاة، وقد وصفها رسول الله ﷺ بأنَّها عمودُ الإسلام، كما في حديث وصيَّته ﷺ لمعاذ بن جبل، وهو الحديث التاسع والعشرون من الأربعين النووية ، وأخبر أنَّها آخر ما يُفقد من الدِّين، وأوَّل ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٧٣٩)، (١٣٥٨)، (١٧٤٨)، وأنَّ بها التمييز بين المسلم والكافر، رواه مسلم (١٣٤)، وإقامتها تكون على حالتين: إحداهما واجبة، وهو أداؤها على أقلِّ ما يحصل به فعل الواجب وتبرأ به الذِّمَّة، ومستحبَّة، وهو تكميلها وتتميمها بالإتيان بكلِّ ما هو مستحبٌّ فيها. [فتح القوي المتين للشيخ عبد المحسن العباد (30 – 31)].
(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)
و”الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، كما قال الله عز وجل: ﴿َإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وهي عبادةٌ مالية نفعها متعدٍّ، وقد أوجبها الله في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير ولا يضرُّ الغنيَّ؛ لأنَّها شيء يسير من مال كثير. [فتح القوي المتين، (31)].
(وَصِيَامِ رَمَضَانَ) من إضافة الحكم إلى سببه”. [البحر المحيط الثجاج]
و”صومُ رمضان عبادة بدنية، وهي سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، لا يطَّلع عليه إلاَّ الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ من الناس مَن يكون في شهر رمضان مفطرًا وغيرُه يظنُّ أنَّه صائم، وقد يكون الإنسانُ صائمًا في نفل وغيرُه يظنُّ أنَّه مُفطر، ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنَّ الإنسانَ يُجازَى على عمله، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: «إلاَّ الصوم فإنَّه لي، وأنا أجزي به»رواه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١٦٤)، أي: بغير حساب، والأعمال كلُّها لله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وإنَّما خُصَّ الصوم في هذا الحديث بأنَّه لله لِمَا فيه من خفاء هذه العبادة، وأنَّه لا يطَّلع عليها إلاَّ الله”. [فتح القوي المتين، (31- 32)].
(وَالْحَجِّ) أي: وحج البيت،
و”حجُّ بيت الله الحرام عبادة ماليَّة بدنية، وقد أوجبها الله في العمر مرَّة واحدة، وبيَّن النَّبيُّ فضلَها بقوله ﷺ: «مَن حجَّ هذا البيتَ فلَم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه» رواه البخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠)، وقوله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفَّارة لِما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنَّة» رواه مسلم (١٣٤٩)”. [فتح القوي المتين، (32)].
(فَقَالَ رَجُلٌ) اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السَّكْسَكِيّ، ذكره الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في «الأسماء المبهمة»، (الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ) قال بل قل: («صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»)
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: أظهر ما قيل في توجيه إنكار ابن عمر – رضي الله عنهما – هذا على هذا الرجل عندي قول من قال: إنّ ابن عمر – رضي الله عنهما – سمعه من النبيّ – ﷺ – مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين، في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ عليّ ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله – ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، وسيأتي ذكر بقيّة أجوبة العلماء في توجيه إنكاره – رضي الله عنه – في المسألة الثانية – إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث ابن عمر – رضي الله عنهما -، هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج].
“في رد ابن عمر رضي الله عنهما على من سأله: «أَلَا تَغْزُو؟»: بيان أن الغزو ليس من أركان الإسلام، أو أن معناه: ليس الغزو بلازم على الأعيان؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية، وقد يكون واجبًا عينيًّا، وذلك في إحدى حالات ثلاث:
١ – إذا داهم العدو البلاد.
٢ – إذا استنفر الإمام طائفة، أو بعض الناس.
٣ – من وقف في الصف.
وإنما خص هذه الأركان الخمسة بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد- مع أنه به أُظهر الدين وكُسرت شوكة الكافرين-؛ لأن هذه الخمسةَ فرائضُ دائمةٌ على الأعيان، لا تسقط عمن اتصف بشروطها، أما الجهاد فمن فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل ذهبت جماعة كبيرة إلى أن فرض الجهاد سقط بعد فتح مكة، وذُكر أنه مذهب ابن عمر رضي الله عنهما، والثوري رحمه الله، وابن معمر رحمه الله، وابن سحنون رحمه الله، إلا في حالة أن ينزل العدو بقوم من المسلمين، فيلزم عند ذلك دفعه، الأقرب فالأقرب. [إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٢٢٧)]”. [توفيق الرب المنعم، (1/ 76)].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في بيان الأسئلة الواردة على هذا الحديث
[راجع في هذه الأسئلة: «عمدة القاري» ١/ ١٢٠ – ١٢١، و«فتح الباري» ١/ ٦٥ – ٦٦].
(الأول): ما قيل: ما وجه الحصر في هذه الخمسة؟
وأجيب: بأن العبادة
– إما قوليّة، وهي الشهادة،
– أو غير قوليّة، فهي إما تَركيّ، وهو الصوم، أو فعليّ، وهو إما بدنيّ، وهو الصلاة، أو ماليّ، وهو الزكاة، أو مركّبٌ منهما، وهو الحجّ.
(الثاني): ما قيل: ما وجه الترتيب بينها؟
وأجيب: بأن الواو لا تدلّ على الترتيب، ولكن الحكمة في الذكر أن الإيمان أصل للعبادات، فتعيّن تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخرًا. [»الفتح«١/ ٦٥].
[قال الشيخ عبد المحسن العباد: “هذه الأركان الخمسة وردت في الحديث مرتَّبة حسب أهميَّتها، وبدىء فيها بالشهادتين اللَّتين هما أساس لكلِّ عمل يُتقرَّب به إلى الله عز وجل، ثم بالصلاة التي تتكرَّر في اليوم والليلة خمس مرَّات، فهي صلة وثيقة بين العبد وبين ربِّه، ثم الزكاة التي تجب في المال إذا مضى عليه حَولٌ؛ لأنَّ نفعَها متعدٍّ، ثم الصيام الذي يجب شهرًا في السنة، وهو عبادة بدنيَّة نفعها غير متعدٍّ، ثم الحج الذي لا يجب في العمر إلاَّ مرَّة واحدة”. [فتح القوي المتين، (32 – 33)].]
(الثالث): ما قيل: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يُحكم بإسلام من تلفّظ بها، فلم ذكرت الأخوات معها؟
وأجيب: بأنها أظهر شعائر الإسلام، قال النوويّ رحمه الله تعالى: حكم الإسلام في الظاهر يَثبُت بالشهادتين، وإنما أُضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتمّ إسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله. انتهى.
(الرابع): ما قيل: إن الإسلام هو هذه الخمسة، والمبنيّ لا بدّ أن يكون غير المبنيّ عليه؟!
وأجيب: بأن الإسلام عبارة عن المجموع، فما دام الأوسط قائمًا فمسمّى البيت موجود، ولو سقط ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمّى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده، أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أسّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملة.
(الخامس): ما قيل: الأربعة الأخيرة مبنيّة على الشهادة؛ إذا لا يصحّ شيء منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنيّة، والشهادة مبنيّ عليها، فلا يجوز إدخالها في سلك واحد.
وأجيب: بأنه لا محذور في أن يُبنى أمرٌ على أمر، ثم يبنى عليهما أمرٌ آخر.
ويقال: لا نسلّم أن الأربعة مبنيّة على الكلمة، بل صحّتها متوقّفة عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس.
وقال التيمي رحمه الله تعالى: قوله: «بني الإسلام على خمس»، كان ظاهره أن الإسلام مبنيّ على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنيّة على الإسلام؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يُخاطب بهذه الأشياء الأربعة، لو قالها فإنّا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنيّة على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه، إلا أن النبيّ – ﷺ – لَمّا أراد بيان أن الإسلام لا يتمّ إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًّا عليها، ولهذا المعنى سوّى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه.
قال الكرمانيّ: حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة، لا نفس الإسلام، وهو حسنٌ، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث؛ إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها، لا في إنكارها، وكيف وإنكار كلّ حكم من أحكام الإسلام موجبٌ للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: وأيضًا قوله: لا يخاطب إلخ فيه نظر؛ إذ هذا مذهب مرجوح، فالحقّ أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فكان الأولى أن يعبّر بقوله: فلا يُعتدّ بهذه الأشياء إلخ.
وللعينيّ اعتراض على كلام الكرمانيّ المذكور، تركت ذكره لعدم جدواه فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(السادس): ما قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة عليهم السلام وغير ذلك مما تضمّنه سؤال جبريل عليه السلام؟
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول – ﷺ – فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر من المعتقدات، وقال الإسماعيليّ رحمه الله تعالى ما محصّله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت «الحمد»، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدتُ، برسالة محمد – ﷺ -، وتريد جميع ما ذُكر. [»الفتح«١/ ٦٥]. والله تعالى أعلم.
(السابع):
وأغرب ابن بطّال، فزعم أن هذا الحديث كان في أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وهو خطأ بَيِّنٌ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وكانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فُرض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحجّ بعد ذلك على الصحيح.
، والحديث يدلّ على أن ابن عمر كان لا يرى فرضيّته إما مطلقًا، كما نُقل عنه، أو في ذلك الوقت. [“عمدة القاري” ١/ ١٢١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثانية):
في بيان اختلاف العلماء في توجيه إنكار ابن عمر – رضي الله عنهما – على الرجل في تقديمه الحجّ على الصيام في هذه الرواية مع ثبوت ذلك في الرواية التالية:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما تقديم الحج وتأخيره: ففي الرواية الأولى والرابعة تقديم الصيام، وفي الثانية والثالثة تقديم الحج، ثم اختلف العلماء في إنكار ابن عمر على الرجل الذي قَدَّم الحجَّ مع أنّ ابن عمر رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين.
والأظهر – والله أعلم – أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبيّ – ﷺ – مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ على ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله – ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر.
ويحتمل: أنّ ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين، كما ذكرنا، ثم لَمّا رَدّ عليه الرجل نسي الوجه الذي رده، فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
(تنبيه): وقع في رواية أبي عوانة الإسفرايينيّ في كتابه «الْمُخَرَّج على صحيح مسلم، وشرطه» عكسُ ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر: قَدِّمِ الحجَّ، فوقع فيه أن ابن عمر – رضي الله عنه – قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهنّ، كما سمعت من رسول الله – ﷺ -.
فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: لا تقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا محتمل أيضًا صحته، ويكون قد جَرَت القضية مرتين لرجلين. والله تعالى أعلم، انتهى [«شرح النوويّ» ١/ ١٧٩].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى من ترجيح رواية مسلم أظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وهناك توجيهات أخرى لانكار ابن عمر رضي الله عنهما تركنا ايرادها
(المسألة الثالثة):
قد حقّق الكلام على هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فأردت إيراد تحقيقه، وإن كان معظمه قد تقدّم، إلا أن فيه فوائد زوائد، قال رحمه الله تعالى:
المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خَرّجه محمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة»، ولفظه: «بُنِي الإسلام على خمس دعائم …»، فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائمُ البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتَتِمّة البنيان، فإذا فُقِد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله تعالى ورسوله – ﷺ -، وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: «بُنِي الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله …» وذكر بقية الحديث، وفي رواية لمسلم: «على خمس: على أن يُوَحَّد الله عز وجل»، وفي رواية له: «على أن يُعبَد الله، ويُكفر بما دونه».
وبهذا يُعلَم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام، كما سبق في حديث جبريل عليه السلام.
وأما إقام الصلاة: فقد وردت أحاديث متعددةٌ تَدُلّ على أن من تركها، فقد خرج من الإسلام، ففي «صحيح مسلم» عن جابر – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة»، ورُوي مثله من حديث بُريدة، وثوبان، وأنس، وغيرهم،
وفي حديث معاذ – رضي الله عنه -، عن النبي – ﷺ -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده، الصلاة»، فجعل الصلاة كعمود الفُسْطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.
وقال عمر – رضي الله عنه -: لا حَظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد – رضي الله عنه – وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: من تركها فقد كفر.
وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله – ﷺ – لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة.
وقال أبو أيوب السختيانيّ: ترك الصلاة كفر، لا يُخْتَلَف فيه.
وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: وهو قول جمهور أهل الحديث.
وذهب طائفة منهم: إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمس عمدًا فهو كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية.
وخَرّج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قيل: يا رسول الله الحج في كل عام؟ قال: «لو قلت: نعم لوجب عليكم، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم». [رواه بهذا اللفظ عبد بن حميد في «مسنده» كما في «الدرّ المنثور» ٢/ ٢٧٣ عن الحسن مرسلًا].
وخَرّج اللالكائيّ من طريق مؤمل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُكْريّ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه، قال: «عُرَى الإسلام، وقواعدُ الدين ثلاثة، عليهن أُسِّسَ الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، مَن تَرَك منهم واحدةً فهو بها كافرٌ، حلال الدم، وتجده كثير المال، لم يحج، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ولا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل دمه». [رواه اللالكائيّ في «أصول الاعتقاد» (١٥٧٦)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٢٣٤٩) وإسناده ضعيف، مؤمل سيء الحفظ، وعمرو بن مالك النكريّ صاحب أوهام].
ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمر بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: «من ترك منهنّ واحدةً فهو بالله كافر، ولا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حَلّ دمه وماله»، ولم يذكر ما بعده.
وقد رُوِي عن عمر – رضي الله عنه – ضربُ الجزية على من لم يحجّ، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم.
وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر، دون الصيام والحج.
وقال ابن عيينة: المرجئة سَمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر إبليس، وعلماء اليهود الذين أَقَرُّوا ببعث النبي – ﷺ – بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – ﷺ – قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد، اعتزل إبليس يبكي، ويقول: يا ويلي أُمِر ابنُ آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيتُ فلي النار».
(واعلم): أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد رُوي أنه لا يُقْبَل بعضها بدون بعض، كما في «مسند الإمام أحمد» عن زياد بن نُعيم الحضرميّ قال: قال رسول الله – ﷺ -: «أربعٌ فَرَضَهُنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يُغنِينَ عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا: الصلاة، والزكاة وصوم رمضان، وحج البيت»، وهذا مرسل [أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠ و٢٠١ وإسناده مرسل، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف].
وقد روي عن زياد عن عُمَارَةَ بن حَزْم، عن النبي – ﷺ – [رواه أحمد، والطبرانيّ في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» ١/ ٤٧ قال الهيثميّ: وفي إسناده ابن لهيعة].
ورُوي عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله – ﷺ -: «الدين خمسٌ لا يَقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين، لا يَقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طَهُور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان، ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم جاء رمضان، فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسر له الحجّ، فلم يحج، ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها»، ذكره ابن أبي حاتم. [«العلل» ١/ ٢٩٤ و٢/ ١٥٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٠١ و٢٠٢، وقال: غريب من حديث ابن عمر بهذا اللفظ]، فقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، يَحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني.
قال ابن رجب: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاءٌ من أجلاء علماء الشام.
وقال ابن مسعود: من لم يُزَكِّ فلا صلاة له.
ونفيُ القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة.
فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن أتى ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا.
ومن ها هنا يُعلَم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان، تكون مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي – ﷺ -: «مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، رواه مسلم، وقال: «مَن أَتَى عَرّافًا، فصدقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا»، رواه مسلم أيضًا، وقال: «أَيُّما عبد أَبَقَ من مواليه، لم تُقبَل له صلاة»، رواه مسلم أيضًا.
وحديثُ ابن عمر – رضي الله عنهما – يُستَدَلُّ به على أن الاسم إذا شَمِلَ أشياء متعددة، لم يَلزم زوالُ الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: “إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال لَلَزِم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي – ﷺ – جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل عليه السلام، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي – ﷺ – عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس.
ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال، سوى الشهادتين لم يَخرُج بذلك من الإسلام، وقد رَوَى بعضهم أن جبرائيل عليه السلام سأل النبي – ﷺ – عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونُقّاده، منهم أبو زرعة الرازيّ، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيليّ، وغيرهم.
وقد ضَرَب العلماء مَثَلَ الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شُعَبها وفروعها لم يَزُل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أتم منها.
وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك، في قوله تعالى:
و الجهاد ذروةُ سنامه الإسلام أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه، وأركانه التي بُنِيَ عليها، وذلك لوجهين:
[أحدهما]: أن الجهاد فرض كفاية، عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين، بخلاف هذه الأركان.
[والثاني]: أن الجهاد لا يستمرّ فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى عليه السلام، ولم يَبْقَ حينئذٍ ملةٌ إلا ملةُ الإسلام، فحينئذٍ تَضَعُ الحرب أوزارها، ويُستَغْنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله، وهم على ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [المبحر المحيط الثجاج].
(المسألة الرابعة): تتمة لما سبق
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قوله ﷺ: «الإسلام هو الخمس» يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل، لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل، ولهذا وصف الإسلام بهذا.
وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها،
ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب.
وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور.
وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه أنه يكفر من ترك واحدة منها، وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط.
ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها.
ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن.
وهذه أقوال معروفة للسلف.
ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج، والحج فرض سنة تسع أو عشر [«الإيمان» (٢٨٦)، و«شرح العمدة» (ص: ٨٦ – ٨٧)].
سبب اختصاص هذه الأركان الخمسة بكونها أركان الإسلام دون غيرها من الواجبات:
وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الجواب على هذا السؤال حيث عقد له فصلا في كتابه الإيمان. قال فيه:
(قد أجاب بعض الناس أن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيام العبد بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد القيادة.
والتحقيق: أن النبي ﷺ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادرا عليه أن يعبد الله بها مخلصا له الدين، وهذه هي الخمس.
وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب المصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما:
١) أن يكون فرضا على الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة، وحكم وفتيا، وإقراء وتحديث، وغير ذلك.
٢) وإما أن يجب بسبب حق للآدميين. يختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه، وإذا حصلت المصلحة، أو الإبراء، إما بإبرائه، وإما بحصول المصلحة. فحقوق العباد مثل قضاء الديون، ورد المغصوب، والعواري، والودائع، والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض، إنما هي حقوق الآدميين، وإذا أبرئوا منها سقطت، وتجب على شخص دون شخص، في حال دون حال. لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر، ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى، بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين.
وكذلك ما يجب من صلة الأرحام، وحقوق الزوجة، والأولاد، والجيران، والشركاء، والفقراء، وما يجب من أداء الشهادة، والفتيا، والإمارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار، لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب. فما كان مشتركا فهو واجب على الكفاية، وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون عمرو. لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس. فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه. فليس الواجب على هذا، مثل الواجب على هذا، بخلاف صوم رمضان، وحج البيت، والصلوات الخمس، والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله.
ولهذا وجب فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه، ولم تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار). [«الإيمان» (٢٩٧) «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٦٣) ذكره مختصرا].
إذن؛ نقول: الأركان الخمسة على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما هو شرط لصحة الإسلام بالإجماع، وهو: الشهادتان.
القسم الثاني: ما هو شرط لصحة الإسلام على الصحيح، وهو: الصلاة.
القسم الثالث: ما ليس شرطاً لصحة الإسلام على الصحيح، وهو إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، بشرط أن يعتقد وجوبها.
أما الشهادة فمحل إجماع،
وأما الصلاة؛ فيدل على أن إقامة الصلاة شرط في صحة الإسلام، وأن ما عداها من بقية الأركان ليس شرطاً؛ قول الله تعالى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءاتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: ١١].
إذن الله عَزَّ وَجَلَّ جعل الأخوة هنا في الدين، وجعل الدين يحصل إذا تحققت ثلاثة شروط:
الشرط الأول: التوبة من الشرك، وذلك بالتوحيد.
الشرط الثاني: إقامة الصلاة.
الشرط الثالث: إيتاء الزكاة.
إذن؛ هذه الآية على ظاهرها تدل على أن التوبة من الشرك شرط لصحة الإسلام، وإقامة الصلاة شرط لصحة الإسلام، وإيتاء الزكاة شرط لصحة الإسلام.
لكن إيتاء الزكاة خرجت من هذا الاشتراط بدليل آخر، وهو ما ثبت في الحديث عن مانع الزكاة في قول النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن صَاحِبِ كَنزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنبَاهُ، وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَينَ عِبَادِهِ، فِي يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ …) [أخرجه مسلم (۹۸۷) من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه].
ولو كان كافرًا لما رأى سبيله إلى الجنة أبدًا؛ فدل ذلك على أن التوبة من الشرك وإقامة الصلاة شرط لصحة الإسلام، وأن إيتاء الزكاة وما بعدها ليس شرطا لصحة الإسلام بشرط اعتقاد وجوبها، أما إذا جَحَدَهَا فلا شك أن ذلك كفر.
وبهذا: نعرف منزلة هذه الأركان، وأن أعلاها الشهادة؛ لأنها شرط في صحة الإسلام بإجماع العلماء، وهي التي بدأ بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[شرح ثلاثة الأصول للشيخ سليمان الرحيلي، (225 – 227)].
رابعًا: فوائد الحديث:
1 – (منها): “بيان أركان الإسلام، ودعائمه العظام.
2 – (ومنها): أنه يُفهم من ظاهر الحديث أنه لا يكون الشخص مسلمًا عند ترك شيء من هذه الأركان، وقد اختُلف في ذلك، [وقد سبق تحقيق الخلاف في ذلك، ولله الحمد].
3 – (ومنها): أن هذه الأشياء الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة بعض المكلّفين عن الباقين.
4 – (ومنها): أن هذا الحديث أصل عظيمٌ في معرفة الدين، وعليه اعتماده، وقد جَمَعَ أركانه كلها.
5 – (ومنها): أن فيه جواز إطلاق «رمضان» دون إضافة لفظة «شهر» إليه، وهو الحقّ الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن منع ذلك، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه من «كتاب الصيام» – إن شاء الله تعالى -.
6 – (ومنها): أنه يستفاد من إنكار ابن عمر – رضي الله عنهما – على الرجل في تقديمه الحج، وقوله: «هكذا سمعته من رسول الله – ﷺ -»تأكّد أداء الحديث باللفظ، وقد سبق في شرح المقدّمة بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح قول الجمهور بجواز الرواية بالمعنى بشروطه، لكن الأولى المحافظة على اللفظ لقوله – ﷺ -: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه». [حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذيّ (٢٦٥٨)].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون محافظة النبيّ – ﷺ – على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ،
ويحتمل ذلك: أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد،
فقد يَستنبط الناظر في ذلك الترتيبِ تقديمَ الأوكد على ما هو دونه إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحاجّ، فيتذكّر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف للمشقّة في استئناف الحجّ.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أنَّ القول الثاني أرجح؛ للمشقّة المذكورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فالحرج مرفوع بالنصّ، ففعل ما يرفع الحرج أولى، وإن كان أدون في الرتبة، والله تعالى أعلم.
قال: ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فرّط في أدائها، وبكفّارةِ فطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أوّلًا؛ لأوكديّتها على الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهديٍ واجبٍ في الحجّ، قدّم كفارة الفطر، وهذا كلّه على أصل مالك رحمه الله، فإن ذلك كلّه يخرَج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يُخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ. [«المفهم» ١/ ١٦٩ – ١٧٠].
[قال الشيخ عبد المحسن العباد: “هذا الحديث بهذا اللفظ جاء فيه تقديم الحجِّ على الصوم، وهو بهذا اللفظ أورده البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه، وبنى عليه ترتيب كتابه الجامع الصحيح، فقدَّم كتاب الحجِّ فيه على كتاب الصيام.
وقد ورد الحديث في صحيح مسلم (١٩) بتقديم الصيام على الحجِّ، وتقديم الحجِّ على الصيام، وفي الطريق الأولى تصريح ابن عمر بأنَّ الذي سمعه من رسول الله ﷺ تقديم الصوم على الحجِّ، وعلى هذا يكون تقديم الحجِّ على الصوم في بعض الروايات من قبيل تصرُّف بعض الرواة والرواية بالمعنى، وسياقه في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ قال: «بُني الإسلام على خمسة: على أن يوحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحجِّ، فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا! صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ»” [فتح القوي المتين، (32)]..].
7 – (ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحّة إسلام من باشر ما ذُكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصحّ منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، على ما تقرّر في موضعه [«الفتح» ١/ ٦٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
وقال الشيخ عبد المحسن العباد:
8 – (ومنها): “بيان أهميَّة هذه الخمس لكون الإسلام بُني عليها.
9 – (ومنها): تشبيه الأمور المعنوية بالحسيَّة لتقريرها في الأذهان.
10 – (ومنها): البدء بالأهمِّ فالأهم.
11 – (ومنها): أنَّ الشهادتين أساس في نفسهما، وهما أساس لغيرهما، فلا يُقبل عمل إلاَّ إذا بُني عليهما.
12 – (ومنها): تقديم الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لأنَّها صلة وثيقة بين العبد وبين ربِّه”. [فتح القوي المتين، (33)].