باب ٧٨ – باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
– وعن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاء، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيكُونُ بَعْدِي خُلفَاءُ فَيَكثرُونَ»، قالوا: يَا رسول الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّل فَالأَوَّل، ثُمَّ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله الَّذِي لَكُمْ، فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». متفقٌ عليه.
(كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛ أي: ذُرّيّة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم – عليهم السلام -، وإسرائيل لقب يعقوب – عليه السلام -.
وقال القرطبيّ – رحمه الله -: “إسرائيل” هو: يعقوب – عليه السلام -، وبنوه: أولاده، وهم الأسباط، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل،
قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: “إسرا” هو عبد، و”إيل” هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وفيه لغات، وقيل: هو عِبْرِيٌّ، اسم واحد بمعنى يعقوب
قوله صلى الله عليه وسلم : ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي ) أي : يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية . ( شرح مسلم للنووي)
تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ)؛ أي: تدبّر أمورهم، يقال: ساس فلان الأمرَ يسوسه، من باب قال، سِيَاسَةً: إذا دبّره، وقام بأمره.
وقال النوويّ – رحمه الله -: “تسوسهم”؛ أي: يتولون أمورهم، كما تفعل الأمراء، والولاة بالرعيّة، والسياسةُ القيام على الشيء بما يُصلحه، .
والمعنى: أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ بَعَث الله لهم نبيًّا يقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غَيَّروا من أحكام التوراة، وفيه إشارة إلى أنه لا بُدّ للرعيّة من قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، ويُنصف المظلوم من الظالم . (فتح الباري
وفي الحديث : جواز قول : هلك فلان إذا مات ، وقد كثرت الأحاديث به ، وجاء في القرآن العزيز قوله تعالى : { حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } .
وقال القرطبيّ – رحمه الله -: قوله: “وإنه لا نبيّ بعدي”: هذا النفي عامٌ في الأنبياء والرُّسل؛ لأن الرَّسول نبيٌّ وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذيّ قوله: “لا نبي بعدى ولا رسول”، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، ومن أسمائه – ﷺ – في الكتب المتقدمة، وفيما أطلقته هذه الأمَّة: خاتم الأنبياء، ومن أسمائه: العاقب، والمقفِّي، فالعاقب: الذي يَعْقُبُ الأنبياءَ، والْمُقَفِّي: الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.
وعلى الجملة: فهو أمرٌ مُجْمَع عليه، معلوم من دِين هذه الأمَّة، فمن ادَّعى أنَّه بَعْدَهُ نبيّ، أو رسولٌ؛ فإن كان مُسِرًّا لذلك، واطُّلِع عليه بالشهادة المعتبرة قُتِل قِتْلة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد، يُستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِل قِتْلة مُرتدٍّ. ( المفهم)
قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتكون خلفاء فتكثر قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا بيعة الأول فالأول ) قوله : ” فتكثر ” بالثاء المثلثة من الكثرة ، هذا هو الصواب المعروف .
وقال الطيبيّ – رحمه الله -: الفاء في قوله: “فالأول” للتعقيب، والتكرار للاستمرار، ولم يُرد به في زمان واحد، بل الحكم هذا مستمرّ عند تجدّد كل زمان، وتجدّد كلّ بيعة .
وقال القرطبيّ – رحمه الله -: هذا الحديث دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول، وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر، وقد نصَّ عليه عند مسلم حيث قال: “فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر”،
وفي رواية: “فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”،
وهذا الحكم مجمَعٌ عليه عند تقارب الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضَبْطها، فأمَّا لو تباعدت الأقطار، وخِيْفَ ضَيْعَةُ البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه؛ فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم واليًا يدبّرهم، ويستقلُّ بأمورهم، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في “الأم”.
معنى هذا: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها ، ويحرم عليه طلبها ، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو بلد ، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره ، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء ، وقيل : تكون لمن عقدت له في بلد الإمام ، وقيل : يقرع بينهم ، وهذان فاسدان ، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا …
قال ابن عثيمين:” كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزبًا يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور.”
(قال: أوفوا ببيعة الأول) أي بقضيتها من طاعته والانقياد وقتال من بغى عليه وخرج عن طاعته وذلك لانعقاد إمامته لعدم اشتغال الأمر بأحد (ثم أعطوهم حقهم) أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة وهو كالبدل من قوله «أوفوا بطاعة الأول» (واسألوا الله الذي لكم) أي عليهم من الرفق بكم والجهد في مصالحكم والنصيحة لكم إذا لم يقوموا به. (دليل الفالحين)
قوله: ( فإن الله سائلهم عما استرعاهم ) هو كحديث ابن عمر المتقدم: ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ”
وفي الحديث تقديم أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة والشر؛ وتأخير أمر المطالبة بحقه لا يسقطه، وقد وعده الله أنه يخلصه ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة.
حكم نصب الحاكم؟
ضرورة لا يقوم الدين والدنيا إلى بها .
قال الامام أحمد :” وقال: لا بد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟!
قال مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سُفْيَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: «وَالْفِتْنَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ يَقُومُ بِأَمْرِ النَّاسِ» (السنة للخلال)
قال ابن تيمية:” يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَلْ لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا. فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَلَا بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ﴾ ”
فأهل الحضر من باب أولى
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ }
فكيف يأمرنا الله عزوجل بطاعته وهو ليس بواجب.
((ومن مات وليس في عنقه بيعه مات مية جاهلية)) رتب العقاب على تركه فيدل أنه واحب.
قال الماوردي:” الْإِمَامَةُ: مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَعَقْدُهَا لِمَنْ يَقُومُ بِهَا فِي الْأُمَّةِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ”
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم. اهـ
٢٣ – أما حُقُوق السُّلْطَان الْعشْرَة:
فَالْحق الأول:
بذل الطَّاعَة لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا، فِي كل مَا يَأْمر بِهِ أَو ينْهَى عَنهُ، إِلَّا أَن يكون مَعْصِيّة؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ .
وأولو الْأَمر هم: الإِمَام ونوابه عِنْد الْأَكْثَرين. وَقيل: هم الْعلمَاء.
وَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: ” السّمع وَالطَّاعَة على الْمُسلم فِيمَا أحب أَو كره مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة “. فقد أوجب الله تَعَالَى وَرَسُوله: طَاعَة ولي الْأَمر، وَلم يستثنِ مِنْهُ سوى الْمعْصِيَة، فَبَقيَ مَا عداهُ على الِامْتِثَال.
الْحق الثَّانِي: بذل النَّصِيحَة لَهُ سرا وَعَلَانِيَة. قَالَ رَسُول الله [ﷺ]: ” الدّين النَّصِيحَة ” قَالُوا: لمن؟ (٩ / أ) ” قَالَ لله، وَلِرَسُولِهِ، ولأئمة الْمُسلمين، وعامتهم “.
الْحق الثَّالِث:
الْقيام بنصرتهم بَاطِنا وظاهرًا ببذل المجهود فِي ذَلِك لما فِيهِ نصر الْمُسلمين وَإِقَامَة حُرْمَة الدّين، وكف أَيدي الْمُعْتَدِينَ.
الْحق الرَّابِع: أَن يعرف لَهُ عَظِيم حَقه، وَمَا يجب من تَعْظِيم قدره، فيعامل بِمَا يجب لَهُ من الاحترام وَالْإِكْرَام، وَمَا جعل الله تَعَالَى لَهُ من الإعظام، وَلذَلِك كَانَ الْعلمَاء الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْإِسْلَام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مَعَ زهدهم وورعهم وَعدم الطمع فِيمَا لديهم، وَمَا يَفْعَله بعض المنتسبين إِلَى الزّهْد من قلَّة الْأَدَب مَعَهم، فَلَيْسَ من السّنة.
الْحق الْخَامِس: إيقاظه عِنْد غفلته، وإرشاده عِنْد هفوته، شَفَقَة عَلَيْهِ، وحفظًا لدينِهِ وَعرضه، وصيانةً لما جعله الله إِلَيْهِ من الْخَطَأ فِيهِ.
الْحق السَّادِس:
تحذيره من عَدو يَقْصِدهُ بِسوء، وحاسد يرومه بأذى، أَو خارجي يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ، وَمن كل شَيْء يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ على اخْتِلَاف أَنْوَاع ذَلِك وأجناسه، فَإِن ذَلِك من آكِد حُقُوقه وأوجبها.
الْحق السَّابِع:
إِعْلَامه بسيرة عماله: الَّذين هُوَ مطَالب بهم، ومشغول الذِّمَّة بسببهم لينْظر لنَفسِهِ فِي خلاص ذمَّته، وللأمة فِي مصَالح ملكه ورعيته.
الْحق الثَّامِن: إعانته على مَا تحمله من أعباء الْأمة ومساعدته على ذَلِك بِقدر المكنة، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعانوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وأحق من أعين على ذَلِك وُلَاة الْأُمُور.
الْحق التَّاسِع:
رد الْقُلُوب النافرة عَنهُ إِلَيْهِ، وَجمع محبَّة النَّاس عَلَيْهِ؛ لما فِي ذَلِك من مصَالح الْأمة وانتظام أُمُور الْملَّة.
الْحق الْعَاشِر:
الذب عَنهُ بالْقَوْل وَالْفِعْل، وبالمال وَالنَّفس والأهل فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن، والسر وَالْعَلَانِيَة. وَإِذا وفت الرّعية بِهَذِهِ الْحُقُوق الْعشْرَة الْوَاجِبَة، وأحسنت الْقيام بمجامعها والمراعاة لموقعها، صفت الْقُلُوب، وأخلصت، وَاجْتمعت الْكَلِمَة وانتصرت.
(تحرير الأحكام لابن جماعة)