( ٧ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
الحديث السابع
الدين النصيحه
عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيْم بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النبي ﷺ قَالَ:( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: للهِ، ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ (رواه مسلم.
………………
أهمية الحديث :
قال ابن رجب : ﻭﻗﺪ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺩاﻭﺩ ﺃﻥ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺃﺣﺪ اﻷﺣﺎﺩﻳﺚ اﻟﺘﻲ ﻳﺪﻭﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻔﻘﻪ.
ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺤﺎﻓﻆ ﺃﺑﻮ ﻧﻌﻴﻢ: ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻪ ﺷﺄﻥ، ﺫﻛﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺳﻠﻢ اﻟﻄﻮﺳﻲ ﺃﻧﻪ ﺃﺣﺪ ﺃﺭﺑﺎﻉ اﻟﺪﻳﻦ. جامع العلوم والحكم
قال ابن دقيق العيد: ﻭ”اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ” ﻛﻠﻤﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﺇﺭاﺩﺓ ﺟﻤﻠﺔ اﻟﺨﻴﺮ ﺣﻴﺎﺯﺓ ﻟﺤﻆ اﻟﻤﻨﺼﻮﺡ ﻟﻪ، ﻭﻫﻲ ﻣﻦ ﻭﺟﻴﺰ اﻷﺳﻤﺎء ﻭﻣﺨﺘﺼﺮ اﻟﻜﻼﻡ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻛﻼﻡ اﻟﻌﺮﺏ ﻛﻠﻤﺔ ﻣﻔﺮﺩﺓ ﻳﺴﺘﻮﻓﻲ ﺑﻬﺎ اﻟﻌﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﻫﺬﻩ اﻟﻜﻠﻤﺔ، ﻭﻛﻤﺎ ﻗﺎﻟﻮا ﻓﻲ اﻟﻔﻼﺡ: ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻛﻼﻡ اﻟﻌﺮﺏ ﻛﻠﻤﺔ ﺃﺟﻤﻊ ﻟﺨﻴﺮﻱ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﻵﺧﺮﺓ ﻣﻨﻬﺎ.
ﻭﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ: “اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ” ﺃﻱ ﻋﻤﺎﺩ اﻟﺪﻳﻦ ﻭﻗﻮاﻣﻪ: اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ ﻛﻘﻮﻟﻪ “اﻟﺤﺞ ﻋﺮﻓﺔ” ﺃﻱ ﻋﻤﺎﺩﻩ ﻭﻣﻌﻈﻤﻪ . شرح الاربعين
منزلة الحديث أو أهمية الحديث:
الحديث ينص على أن عماد الدين وقوامه النصيحة، فبوجودها يبقى الدين قائماً في المسلمين، وبعدمها يدخل الخلل في جميع شؤون حياتهم.
وإذا فسرت النصيحة بمعنى الصدق والإخلاص، تتضح لنا أهمية الحديث بجلاء أكبر، لأن الصدق والإخلاص شرط في قبول الأعمال.
قواعد وفوائد من الأربعين النووية (ص ١٢٤)
قال ابن باز:
وهذا الحديث يدل على أن النصيحة هي الدين، وهي الإخلاص في الشيء، والصدق فيه، حتى يؤدى كما أوجب الله، فالدين هو النصيحة في جميع ما أوجب الله، وفي ترك ما حرم الله، وهذا عام يعم حق الله، وحق الرسول، وحق القرآن، وحق الأئمة، وحق العامة.
والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية به، والحرص على أن يؤدى كاملًا تامًا لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهب ناصح، أي ليس فيه غش. ويقولون أيضا: عمل ناصح، يعني ليس فيه غش.
موقع ابن باز الرسمي
قواعد وضوابط للحديث :
1- قاعدة في في التوجيه والإرشاد: (البداءة في الأهم ثم الأهم)،
لأنه قال النصيحة أولاً لله فهو الأهم ثم لكتابه ثم لرسوله وهكذا
2- للنصيحة ضوابط ينبغي مراعتها، منها: ألا تكون على الملأ، وإنما من أدب النصيحة أن تكون على انفرادٍ؛ لكيلا تورث العداوة والبغضاء بين المنصوح والناصح، إلا أن يكون المنصوح لا يفهم إلَّا بالتصريح والجهر، فيجوز ذلك ما لم يترتب عليه ضرر للناصح، مع الأخذ في الاعتبار ألَّا يكون النصح على شرط القبول للنصيحة.
قال الإمام ابن حزم في “الأخلاق والسير في مداواة النفوس” (ص: 45، ط. دار الآفاق الجديدة): [وإذا نصحتَ فانصح سرًّا لا جهرًا، وبتعريضٍ لا تصريحٍ، إلا أنْ لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح، ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالمٌ لا ناصحٌ، وطالب طاعةٍ وملكٍ لا مؤدي حق أمانةٍ وأخوةٍ، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة] اهـ. وينظر أيضًا: “جامع العلوم والحكم” ابن رجب الحنبلي (1/ 225، ط. مؤسسة الرسالة).
ومن الضوابط أيضًا: أن تكون النصيحة بغير تعيينٍ؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «ما بال أقوام»؛ ومن ذلك ما جاء عن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكَّرته ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اشْتَرِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» متفق عليه.
كذلك من ضوابط النصيحة: ألَّا تؤدي إلى مفسدة أعظم أو إلى منكر أشد، وقد أصَّل لهذا المعنى الإمام القرافي في “الفروق” (4/ 257، ط. عالم الكتب) حيث قال: [شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ما لم يؤد إلى مفسدة هي أعظم، هذه المفسدة قسمان: تارة تكون إذا نهاه عن منكرٍ؛ فَعَلَ ما هو أعظم منه في غير الناهي، وتارة يفعله في الناهي بأن ينهاه عن الزنا فيقتله -أعني الناهي، يقتله المُلابِسُ للمنكر-، والقسم الأول: اتفق الناس عليه أنه يحرم النهي عن المنكر، والقسم الثاني: اختلف الناس فيه، فمنهم من سواه بالأول، نَظَرًا لعظم المفسدة، ومنهم من فَرَّق] اهـ.