قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (606)]:
قال أبو داود رحمه الله (ج ٤ ص ٣٧٥): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنبأَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ طُلَيْقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا لَكَ ذَاكِرًا لَكَ رَاهِبًا لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوْ مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَاهْدِ قَلْبِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي».
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
قَالَ: «وَيَسِّرْ الْهُدَى إِلَيَّ» وَلَمْ يَقُلْ «هُدَايَ».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا طليق بن قيس، وقد وثَّقه أبو زرعة والنسائي.
الحديث أخرجه الترمذي (ج ٩ ص ٥٣٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٢٥٩)، وأخرجه أحمد (ج ١ ص ٢٢٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (ص ٢٣٢)، وابن أبي شيبة (ج ١٠ ص ٢٨٠).
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
الوادعي رحمه الله جعل الحديث في جامعه:
٩ – كتاب الدعوات والأذكار، ١٦ – من الدعوات الجامعة، (١٥٤٧).
و٣٢ – كتاب الأدب، ١٦٠ – التوبة، (٣٨٣٠).
و٣٤ – كتاب التوحيد، ٧٩ – صفات متعددة، (٤٥٧٦).
وقال محققو السنن – ت: الأرناؤط – (2/ 622 – 623):
“إسناده صحيح. سفيان: هو ابن سعيد الثوري.
وأخرجه ابن ماجه (٣٨٣٠)، والترمذي (٣٨٦٥) و(٣٨٦٦) من طريق سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
وهو في «مسند أحمد» (١٩٩٧)، و«صحيح ابن حبان» (٩٤٧).
وانظر ما بعده.
تنبيه :
الحديث بعضهم قال أخرجه أبو داود (١٥١٠) تفريع أبواب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سَلَّم
وبعضهم قال في أبواب فضائل القرآن
وفي نسختي لا يوجد إلا ابواب الوتر لكن ساق أحاديث في الوتر ثم ساق أحاديث في القرآن ثم ذكر باب في الدعاء وذكر تبويبات تخص الدعاء والأذكار وذكر التبويب فيه باب ما يقول الرجل إذا سلم
فربما الصواب( أبواب) الدعاء
قال الشيخ العباد:
حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما ليس فيه أن هذا يقال بعد السلام وإنما فيه أنه كان النبي ﷺ يدعو.
[[شرح سنن أبي داود للعباد٢٦/١٨٠]]
وفي تحفة الأشراف عزاه لأبي داود لكتاب الصلاة
فقال :
طليق بن قيس الحنفيُّ الكوفيُّ – أخو أبي صالح الحنفي عبد الرحمن بن قيس، عن ابن عباس
٥٧٦٥ -[د ت سي ق] حديث كان النبي ﷺ يدعو اللهم أعنِّي ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليّ … الحديث. د في الصلاة (٣٦١: ٦) عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عنه به. و(٣٦١: ٧) عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، قال سمعت عمرو بن مرة – بإسناده ومعناه. ت في الدعوات (١١٥) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الحفري – و(١١٥) محمد بن بشر العبدي فرقهما كلاهما عن سفيان نحوه، وقال: حسن صحيح. س في اليوم والليلة (١٩٢: ٤) عن عمرو بن علي، عن يحيى نحوه. و(١٩٢: ٥) عن عمران بن موسى، ⦗٣٢⦘ عن عبد الوارث١، عن محمد بن جحادة، عن عمرو بن مرة، عن ابن عباس نحوه ولم يذكر بينهما أحدًا. ق في الدعاء (٢: ١) عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان به.انتهى
وكله صواب فهناك كتاب الصلاة وفي أحاديث ثم بوب أبوداود أبواب الإمامة وتفريع أبواب الصفوف وتفريع أبواب السترة ….
ولا يبعد أن يكون الحديث ليس موضعه في باب ما يقول الرجل إذا سلم مع أن كل الشراح لسنن أبي داود ومغلطاي في شرحه لسنن ابن ماجه عزوه لأبي داود في هذا التبويب ، فيكون خطأ قديم .
خاصة وأنه لم يبوب عليه أحد هذا التبويب :
فأخرجه الترمذي – وصحّحه -؛ كتاب: الدعوات، باب: دعاء رَبِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، برقم (٣٥٥١). وانظر: صحيح الترمذي، برقم (٢٨١٦). وأخرجه ابن ماجَهْ؛ كتاب: الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ، برقم (٣٨٣٠)، عن ابن عباس رضي الله عنهما . وانظر: صحيح ابن ماجَه للألباني، برقم (٣٠٨٨).
وفي عمل اليوم والليلة للنسائي
الاستنصار عِنْد اللِّقَاء
٦٠٧ – أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ قَالَ حَدثنَا يحي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ سَمِعت عَمْرو بن مرّة قَالَ حَدثنِي عبد الله بن الْحَارِث قَالَ حَدثنِي طليق بن قيس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ
كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء
رب أَعنِي وَلَا تعن عَليّ وَانْصُرْنِي وَلَا تنصر عَليّ وامكر لي وَلَا مكر عَليّ واهدني وَيسر الْهدى لي وَانْصُرْنِي على من بغَى عليَّ ربِّ اجْعَلنِي لَك شكّارًا لَك ذكارا لَك رهابا (لَك) ب ج مطواعًا إِلَيْك محبًا لَك أواهًا مُنيبًا ربِّ تقبل تَوْبَتِي واغسل حَوبتي وَثَبت حجتي واهد قلبِي وسدد لساني واسلل سقيمة قلبِي
٦٠٨ – أخبرنَا عمرَان بن مُوسَى قَالَ حَدثنَا عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جحادة عَن عَمْرو بن مرّة عَن ابْن عَبَّاس كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو
رب أَعنِي وسَاق الحَدِيث مُرْسلا
حَدِيث سُفْيَان مَحْفُوظ وَقَالَ يحي بن سعيد مَا رَأَيْت أحفظ من سُفْيَان وَحكى عَن الثَّوْريّ أَنه قَالَ مَا أودعت قلبِي شَيْئا فخانني
وبعضهم يخصه بالوتر
ففي كتاب المروزي مختصر قيام الليل
تحت باب
بَابُ مَا يُدْعَى بِهِ فِي آخِرِ الْوِتْرِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوِتْرِ
وفي سنن ابن ماجه بعد الحديث
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّنَافِسِيُّ: قُلْتُ لِوَكِيعٍ: أَقُولُهُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
—–
شرح الحديث :
قال الشيخ عبدالرزاق البدر في كتابه جوامع الأدعية النبوية :
(17) شرح حديث «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ…»
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
روى أبو داود والترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُـرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي».
هذا الدعاء العظيم يعد من الأدعية الجامعة، وقد اشتمل على اثنين وعشرين سؤالاً ومطلباً هي من أهم مطالب العبد وأسباب صلاحه وسعادته في دنياه وأخراه، فينبغي الاهتمام به وملازمة التضرع به إلى الله ، وقد ذكر الحافظ البزار في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ هذا الدعاءَ كان غالبَ دعائه رحمه الله.
فأول ذلك قوله: «رب أعني» وهو طلب العون من الله، أي: وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وفي مقابلة الأعداء أمدَّني بمعونتك وتوفيقك، كما قال النبي لمعاذ رضي الله عنه : ((أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) رواه أبو داود، وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : ((أَتُحِبُّونَ أَنْ تَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ؟ قُولُوا : اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ ، وَذِكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)).
فقوله (أعني) أي على كل خير : الطاعة والذكر والشكر وحسن العبادة ، وأعني على نفسي الأمارة بالسوء حتى لا تهلكني ، وأعني على السلامة من المعاصي والبعد عنها فلا تكلني إلى نفسي .
والثاني: قوله «ولا تعن عليَّ»؛ أي: لا تغلّب عليّ من يمنعني من طاعتك؛ من النفس الأمارة بالسوء، ومن شياطين الإنس والجن، وشواغل الدنيا وملهياتها.
والثالث: قوله «وانصرني» وهو طلب النصر، أي: اغلبني على الكفار أعدائي وأعداء دينك، وقيل: انصرني على نفسي الأمارة بالسوء فإنها أعدى أعدائي.
والرابع: قوله «ولا تنصر عليَّ»؛ بمعنى: لا تسلّط عليّ أحداً من خلقك.
والخامس : قوله «وامكر لي» أي: الحق مكرك بأعدائي وارزقني الحيلة السليمة والفكر القويم للسلامة من شرهم ودفع كيدهم، بحيث لا يشعر العدو بما هديتني إليه من سبل دفع كيدهم وعدوانهم.
والسادس: قوله «ولا تمكر عليَّ» أي: ولا تهدِ عدوّي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه.
والسابع: قوله «واهدني» أي: دلني على أبواب الخيرات، ومُنَّ عليَّ بالعلم النافع، وبصِّرني بعيوب نفسي.
والثامن: قوله «ويسّر الهدى لي» أي: وسهّل لي اتباع الهداية وسلوك طريقها، وهيء لي أسباب الخير، حتى لا أستثقل الطاعة ولا أغفل عن العبادة.
والتاسع: قوله «وانصرني على من بغى عليَّ» أي: وانصرني على من ظلمني وتعدّى عليَّ، وهذا تخصيص بعد قوله أولاً (وانصرني ولا تنصر عليّ) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فقوله: (وانصرني على من بغى عليّ) دعاءُ عادلٍ لا دعاءُ معتد؛ يقول: انصرني على عدوي مطلقاً».
والعاشر: قوله «اللهم اجعلني لك شاكراً» أي: ألهمني شكرك على نعمائك وآلائك عليّ، واجعلني كثير الشكر لك على نعمائك العظيمة ومننك الجسيمة وعطاياك التي لا تعد ولا تحصى .
والحادي عشر: قوله «لك ذاكراً» أي: في الأوقات كلها؛ قائماً وقاعداً وعلى جنب، ذاكرًا: أي كثير الذكر و المواظبة عليه كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}[الأحزاب:41] ، وقال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الأحزاب:35] .
والثاني عشر: قوله «لك راهباً» أي: خائفا منك في السرّاء والضرّاء.
والثالث عشر: قوله «لك مطواعاً» أي: ملازما لطاعتك منقادًا لشرعك ممتثلا لأمرك.
والرابع عشر: قوله «لك مخبتاً» من الإخبات، وهو الخشوع والتواضع والخضوع، والمعنى: اجعلني لك خاشعاً متواضعاً خاضعاً. يقال: “أخبت إلى الله” اطمأن إليه وخشع له وخضع، وعلامته: أن يذل القلب بين يدي ربه إجلالاً وذلاً له وانكساراً. قال : {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[الحج:34-35] فالمخبت هو الذي انكسر قلبه وخضع وذل لله فأقبل على طاعة الله والإنابة إليه سبحانه، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[هود:23] أي ذلوا وانكسروا لله و خضعوا بين يديه جل في علاه.
والخامس عشر: قوله «إليك أوّاهاً منيباً» الأوّاه : هو كثير الدعاء والتضرع والبكاء، والمنيب : هو التائب الراجع إلى الله في أموره. واكتفى في قوله: «أوّاها منيباً» بصلة واحدة، لكون الإنابة لازمةً للتأوّه ورديفاً له، فكأنهما شيء واحد، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}[هود:75] . وتقديم الجارِّ والمجرور في هذا وفي ما قبله للاهتمام والاختصاص وتحقيق الإخلاص.
والسادس عشر: قوله «رب تقبل توبتي» أي: بجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها؛ بأن توفقني أولا الى التوبة وأن أكون من أهلها، وأن تكون توبة نصوحا بحيث أكون فيها نادما على فعلي للذنوب وعلى تفريطي في جنب الله سبحانه، عازما على عدم العودة للذنوب مقلعًا عن الذنوب محاذرًا الوقوع فيها، فقوله تقبل توبتي أي وفقني للتوبة النصوح المقبولة عندك وتقبلها مني بقبول حسن.
والسابع عشر: قوله «واغسل حَوبتي» أي: وامح ذنبي وإثمي.
والثامن عشر: قوله «وأجب دعوتي» أي: دعائي، وفقني للدعاء المستجاب، وهذا يتضمن سلامة الدعاء في نفسه، ويتضمن التوفيق لتحري أوقات الإجابة، ويتضمن السلامة من العدوان في الدعاء .
والتاسع عشر: قوله «وثبِّت حجتي» أي: على أعدائك، وثبت قولي وتصديقي في الدنيا وعند سؤال الملكين.
والعشرون: قوله «واهد قلبي»؛ أي: إلى معرفة ربي، ومعرفة الحق والهدى الذي أمر به وبعث به رسله؛ من إنابة إلى الله وخوف منه و محبة له وتعظيم له وحياء منه و غير ذلك من أعمال القلوب العظيمة التي يكون فيها صلاح القلوب. والدعاء لهداية القلب من أعظم الدعاء وأهمه، لأن القلب أساس الصلاح أو الفساد، كما قال عليه الصلاة والسلام : ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).
والحادي والعشرون: قوله «وسدّد لساني» أي: صوّب وقوم لساني حتى لا ينطق إلاّ بالصدق والقول السديد، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[الأحزاب:70]. وقال عليه عليه الصلاة والسلام : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) .
والثاني والعشرون: قوله «واسلل سخيمة صدري» أي: وأخرج سخيمة صدري، وهي غشه وغله وحقده وحسده ونحوها مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق.
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
ذكر الحافظ عمر بن علي البزّار في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الدعاء كان غالب دعائه رحمه الله» [الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، ص ٣٧، نقلًا من فقه الأدعية، ص ٤٩٠][شرح الدعاء].
قال ابن القيم رحمه الله: «ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته ، وهو الذي علَّمه النبي لحبه معاذ بن جبل فقال: (يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته ، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده ، وعلى تكميله وتيسير أسبابه؛ فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين».
وذلك أنَّ فقرَ المخلوق واحتياجَه لربِّه أمرٌ ذاتيٌّ له، لا وجود له بدونه، لكنَّ المخلوقين يتفاوتون في إدراك ذلك الافتقار أو العزوب عنه، والعبد فقيرٌ إلى الله من جهتين: من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة ،كما قال الله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فالعبد يفتقر إلى الله من جهة أنَّه معبودُه الذي يحبُّه حبَّ إجلال وتعظيم، وقلبُه لا يصلح ولا يفلح ولا يُسرُّ ولا يلتذُّ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلاَّ بعبادة ربِّه والإنابة إليه، ولو حصل له كلُّ ما يلتذُّ به من المخلوقات لَم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقرٌ ذاتي إلى ربِّه من حيث هو معبودُه ومحبوبُه ومطلوبُه، وبهذا يحصل له الفرحُ والسرورُ واللذَّةُ والنِّعمةُ والسكونُ والطمأنينة. والعبد يفتقر إلى الله من جهة استعانته به للاستسلام لأمره والانقياد لحكمه والخضوع لشرعِه، إذ لا يقدر على تحصيل شيء من ذلك والقيام به إلاَّ إذا أعانه الله، وإذا خلى الله بينه وبين نفسه هلك كل الهلاك؛ ولهذا كان من دعائه : (اللهم رحمتك أرجو ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا اله الا أنت) وبالله التوفيق، وهو وحده المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأسأل الله أن يوفقنا أجمعين لكل خير، وأن يصلح لنا شأننا كله، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.
وصلى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أدعية في طلب العون من الله تَعَالَى:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ! وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ!»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، تَقُولُ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». أخرجه أبو داود (1522) [«الصحيح المسند» (867)].
عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «أَتُحِبُّونَ أَنْ تَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؟ قُولُوا: اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ، وَذِكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رواه أحمد (13/360).
* ومن الأدعية في طلب العون من الله:
عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أن النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قال: «إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» [رواه الإمام أحمد (28/338)].
* هذه الأدعية فيها طلب العون من الله سُبحَانَهُ:
فالمسلم يسأل الله أن يعينه، ولا يدرك خير إلا بعون الله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، نستعين، أي: نطلب العون من الله، وهذا من أنفع الأدعية وأعلاها.
قال ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين» (1/100): “أَنْفَعُ الدُّعَاءِ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِ الله”.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: “تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]”. [من جوامع الأدعية، 44].
(مسألة ): شبهة: ويمكرون ويمكر الله.
نص الشبهة:
أثار المعترضون شبهة أن الله -عز وجل- ماكر، ويمكر، واعتبروا أن هذا نقص، وكيف يكون إله وله هذه الصفة المذمومة؟، فحرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا: الله ماكر ويمكر ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل: ٥٠].
وعن ابن عباس قال: كان النبي – ﷺ – يدعو يقول: رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ …
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: المكر في اللغة.
الوجه الثاني: المكر بمعنى الاحتيال أو الخديعة ليس مذمومًا مطلقًا.
الوجه الثالث: التشابه في الأسماء لا يلزم التشابه في المسميات.
الوجه الرابع: الألفاظ في النصوص الشرعية قد تتشابه في مواضع بين الخالق والمخلوق.
الوجه الخامس: إذا اتفقنا أن صفات الله غير صفات المخلوق.
الوجه السادس: صفة المكر كما وردت في القرآن.
الوجه السابع: أقوال أهل العلم في المكر.
الوجه الثامن: ماذا في كتبهم المقدسة لديهم من صفة المكر؟
الوجه التاسع: نبذة يسيرة عما في كتبهم من وصف الله تعالى بصفات لا تليق.
وإليك التفصيل:
الوجه الأول: المكر في اللغة.
يأتي بمعاني: منها:
١ – المَكْرُ: احتيال في خُفية.
٢ – ابن سيده: المَكْرُ الخَدِيعَة والاحتيال.
٣ – والمَكْرُ: المَغْرَةُ. وثوب مَمْكُورٌ ومُمْتَكَرٌ: مصبوغ بالمَكْرِ، وقد مَكَرَه فامْتَكَرَ أَي خَضَبه فاخْتَضَبَ.
٤ – والمكر: نوع من النبات.
٥ – والمكر: السقيا. [لسان العرب لابن منظور ٥/ ١٨٣، ١٨٤].
٦ – المكر التدبير والتخطيط. فيقال: فلان يمكر لك: أي يدبر ويخطط له.
فكلمة المكر في لغة العرب ليست على معنى واحد.
الوجه الثاني: المكر بمعنى الاحتيال أو الخديعة ليس مذمومًا مطلقًا.
وذلك أن العرب كانت تطلق صفة المكر على معنين:
المعنى الأول: معنى محمود: وهو أن المكر والدهاء يطلقان على من يستدرج عدوه، أو من لا يغلبه عدوه، فكانوا يمدحون من كانت هذه صفته.
المعنى الثاني: مذموم: وذلك يطلق على من يمكر بأوليائه ومن كان قريبًا منه، لاحتلال مكانته إذا كان ذا جاه أو سلطان، أو لنيل مال أو امرأة أو غير ذلك مما يتنازع عليه الناس في أمور الدنيا. وهذا يحتاج إلى تدبير وتخطيط وتفكير.
الوجه الثالث: التشابه في الأسماء لا يلزم منه التشابه في المسميات.
من المعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، وتفهم مفرداته بحسب لغة العرب، وذلك باختيار المعنى المناسب للنص، ووروده فيه، فقد تأتي لفظة في القرآن أو السنة، وتتكرر، ويقصد بها في موضع معنى، وفي موضع آخر معنى مختلف، وهكذا.
ومن أمثلة ذلك:
* الرجس: جاء معناها في اللغة: القَذَارة، والنجاسة، والعذاب، والإثم، والشك، والعمل القبيح الذي يؤدي إلى العذاب. [انظر: لسان العرب لابن منظور ٦/ ٩٤، ٩٥].
وقد وردت في القرآن بمعنى مثل ذلك وكذلك السنة.
ونحو ذلك من المعاني، فكون إنسان يحكم على لفظة بمعنى لفظة أخرى، فهذا من الجهل بالمعاني.
الوجه الرابع: الألفاظ في النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) قد تتشابه في مواضع بين الخالق والمخلوق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
لأن صفات الخالق غير صفات المخلوق، بمعنى إذا كنا نؤمن بأن الخالق سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة المخلوق في صفاته وذاته، فهنا لا نستطيع أن نأتي بلفظة لمخلوق مشابهة للفظة في حق الخالق ونسوي بينها.
الوجه الخامس: إذا اتفقنا أن صفات الله غير صفات المخلوق.
فصفات الله صفات كمال، وصفات المخلوق صفات نقص. استطعنا أن نفرق بين مكر الله ومكر المخلوق، وإذا كان مكر المخلوق ليس مذمومًا مطلقًا، فلماذا جعلنا مكر الله مذمومًا مطلقًا؟ ! أليس هذا من الجهل والظلم؟ !
الوجه السادس: صفة المكر كما وردت في القرآن.
وردت صفة المكر ومشتقاتها في القرآن في واحد وأربعين موضعًا، في ثلاث وعشرين آية:
وهي على قسمين:
القسم الأول: وردت خاصة بأهل الزيغ والضلال من أعداء الرسل كصفة مذمومة.
والقسم الثاني: وردت في آيات كصفة للمخلوق، وردَّ الله عليهم بصفة له سبحانه فلم تأت هذه الصفة كصفة مستقلة لله سبحانه وتعالى.
ونبدأ بالكلام على القسم الأول، فنقول:
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ [الأنعام: ١٢٣].
قال ابن كثير: والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرفٍ من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢]. [تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٣].
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قال الطبري: تأويل قوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد – ﷺ – مُعْلِمُه ما هو صاح بهؤلاء المتمردين عليه: سيصيب يا محمد الذي اكتسبوا الإثم بشركهم بالله وعبادتهم غيره صَغار يعني ذلة وهوان. [تفسير الطبري ٨/ ٢٥]
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾؛ لما كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًا، وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩].
أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر. وجاء في الصحيحين عن رسول الله – ﷺ – أنه قال: «يُنصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان»؛ والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل. [تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٥].
الموضع الثالث: قال تعالى: ﴿قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ [الأعراف: ١٢٣].
قال ابن جرير: قال فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله يعني: صدقوا رسوله موسى – عليه السلام – لما عاينوا من عظيم قدرة الله وسلطانه (آمنتم) يقول: أصدقتم بموسى وأقررتم بنبوته قبل أن آذن لكم بالإيمان به؟ (إن هذا) يقول: تصديقكم إياه وإقراركم بنبوته (لمكر مكرتموه في المدينة) يقول: لخدعة خدعتم بها من في مدينتنا لتخرجوهم منها. [تفسير الطبري ٩/ ٢٣]
الموضع الرابع: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١].
عن ابن إسحاق قال: لما أظهر النساء ذلك من قولهن: تراود عبدها؛ مكرا بها لتريهن يوسف وكان يوصف لهن بحسنه وجماله، فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئًا. [تفسير الطبري ١٢/ ٢٠١، وابن كثير ٢/ ٤٧٧]
وهكذا باقي الآياتِ في مكر هؤلاء تدور حول الخداع، والتضليل، والتدبير للمؤمنين لإيقاعهم في الباطل أو قتلهم.
– قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
– وقال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل: ٢٦].
قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم وأرادوا إخراجهم من بلادهم؛ فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥٠، ٥١]، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل: من الآية ٥٢) الآيتين، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٤٢]، أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، ويجزي كل عامل بعمله وسيعلم الكافر، والقراءة الأخرى: الكفار لمن عقبى الدار، أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة ولله الحمد والمنة. [تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٢]
– قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ [النحل: ٤٥].
– وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل: ١٢٧].
– وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١].
– وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ [النمل: ٧٠].
– وقال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣].
– وقال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣].
– وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ [غافر: ٤٥].
القسم الثاني: ما ذكر فيه مكر الله تعالى:
لم يذكر مكر الله في أي آية إلا صفة فعل مقابل لما يفعله أهل الضلال، ولم تذكر الصفة مفردة، ومن أجل ذلك لا تطلق الصفة إلا مقارنة بالكفار كما ذكرت في القرآن، ولا يتخذ منها اسمًا أو صفة مستقلة. ولنأخذ مثالا على ذلك:
منها: قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
قال البغوي: قوله تعالى: (وَمَكَرُوا) يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر، وبَرُّوا في قتل عيسى – عليه السلام -، وذلك أن عيسى – عليه السلام – بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، وقال الزجاج: مكر الله -عز وجل- مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشَبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى – عليه السلام – حتى قتل. [تفسير البغوي ١/ ٣٠٧].
وقال أيضًا: وجملته: أنَّ أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى سخيًا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيمًا ولا يسمى رفيقًا، ويسمى عالمًا ولا يسمى عاقلًا، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار؛ بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. [تفسير البغوي ٢/ ٢١٨]
وقال الشيخ السعدي: قال تعالى هما (ومكروا) أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله، وإطفاء نوره (ومكر الله) بهم جزاء لهم على مكرهم (والله خير الماكرين) رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين. [تيسير السعدي ص ١٣٢]
وجاء في التفسير الميسر: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى – عليه السلام -، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظنًا منهم أنه عيسى – عليه السلام -، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله – تعالى – على ما يليق بجلاله وكماله؛ لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين. [التفسير الميسر: مجموعة من العلماء بإشراف الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي]
ومن المواضع الأخرى:
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ [الرعد: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
الوجه السابع: أقوال أهل العلم في المكر، وأن الله لا يوصف بالمكر إلا مقيدًا.
قال الراغب الأصفهاني: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة.
وذلك ضربان:
مكر محمود: وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل على ذلك قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
ومكر مذموم: وهو أن يتحرى به فعل قبيح، قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ وقال في الأمرين: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين – رضي الله عنه -: من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. [مفردات القرآن ص ٤٧]
وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازها.
وقال ابن القيم: وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء؛ لأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر [الفوائد ص ١٦٣].
وقال رحمه الله: وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه، ليتوصل به إلى مراده. فمن المحمود مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. [إغاثة اللهفان ١/ ٣٨٨]
وقال أيضًا: فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأولى مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل. [إعلام الموقعين ٣/ ٢١٨]
قال ابن القيم: عن صفات المكر والخداع والكيد والاستهزاء ونحوها -: (لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرًا، فيقال: فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء، ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها، وهذا هو الذي غر من جعلها مجازًا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيبٍ وذم.
والصواب: أنَّ معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما لكونه متضمنًا للكذب والظلم أو لهما جميعًا، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله … فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازًا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنًا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم حسُن من المجازي له أن يخدعه بحقٍ وعدلٍ – إلى أن قال – إذا عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى – إلى أن قال – أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد عُلِم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟، وهذا إذا نزلنا على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه، وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلًا وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحًا، فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحًا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداءً لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير. اهـ. [الصواعق المرسلة ص ٢٩٠ – ٢٩٣].
[موسوعة محاسن الإسلام، (3/ 127 – 140)].
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): الدعاء بما فيه أسباب الصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
2 – (ومنها): استحباب الدعاء بهذه الكلمات.
3 – (ومنها): اشتمل هذا الدعاء على اثنين وعشرين سؤالا ومطلبا، هي من أهم مطالب العبد وأسباب صلاحه وسعادته في الدنيا وفي الآخرة.
4 – (ومنها): المكر من صفات الله تعالى الفعلية، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مدحا، وذلك في حال المقابلة فالله يمكر بالماكرين.
5 – (ومنها): قد وردت أدعية كثيرة يستعيذ فيها المسلم بالله من أن يتسلط عليه الشيطان أو أعوانه فيجعلوه يتكاسل عن فعل الطاعات أو يتهاون في أدائها على الوجه المطلوب، ونحو ذلك مما قد يؤدي إلى عدم قبول الطاعات.
6- استحباب الدعاء بالجوامع
قال ابن باز رحمه الله
دعواته جوامع عليه الصلاة والسلام، كان يتحرَّى جوامع الدعاء؛ لأنَّها جامعة للخير، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: “كان ﷺ يدعو بجوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك”، مثل: اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، هذا من دعائه ﷺ، اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عني، اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرّه، وما أشبه ذلك من دعواته عليه الصلاة والسلام.
ولما سمع سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ابنه يدعو ويتكلَّف في الدعاء: “اللهم إني أسألك الجنة وكذا وكذا وكذا وكذا” يُعدِّد ما فيها من نعيمٍ، “وأعوذ بك من النار وأغلالها وكذا وكذا”؛ قال: “يا بُني، لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوَّذتَ بالله من شرٍّ كثيرٍ، وإني سمعتُ النبي ﷺ يقول: يأتي قومٌ يعتدون في الدعاء”، فخاف عليه من هذا، “ويكفيك أن تدعو بالجوامع، تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله ..” إلى آخره.
ومن ذلك حديث عائشة: اللهم إني أسألك الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرِّ كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه ومالم أعلم، وأسألك الجنةَ وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأسألك من خير ما سألك عبدُك ونبيك ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه عبدك ونبيك ﷺ، كل هذا من جوامع الدعاء، اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.
وهكذا أنس: يحكي عن النبي ﷺ أنه كان يتحرَّى جوامع الدعاء عليه الصلاة والسلام، ومن هذا قوله ﷺ: اللهم أعني ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسّر الهدى إليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، اللهم اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مُخبتًا، إليك أوَّاهًا مُنيبًا، اللهم تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وثبِّتْ حُجَّتي، وأجب دعوتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، واسْلُل سخيمة قلبي.
ومن دعائه الكثير ﷺ: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، فكان يُكثر أن يدعو بهذا عليه الصلاة والسلام، ويُكثر أن يقول: اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عني.
فينبغي للمؤمن أن يتحرَّى الأدعية الجامعة ويدعو بها، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها.
وفَّق الله الجميع
[تنبيه]
انظر: التعليق على الصحيح المسند، [ 1547( تعديل 1)].