سنن الترمذيلا : بَابُ مَا جَاءَ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
666 – حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي، حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ»: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِهَذَا أَوْ شِبْهِهِ فِي المُذَاكَرَةِ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.: حَدِيثُ صَفْوَانَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، «وَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ، إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ»، ” وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يُعْطَوْا، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُعْطَوْا اليَوْمَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا المَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ كَانَ اليَوْمَ عَلَى مِثْلِ حَالِ هَؤُلَاءِ وَرَأَى الإِمَامُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَعْطَاهُمْ جَازَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ”
—–
المبحث الأوَّل: تعريفُ المُؤلَّفة قلوبُهم
المُؤَلَّفة قُلوبُهم: هم مَن يُرجى إسلامُهم، أو كفُّ شرِّهم، أو يُرجى بعَطِيَّتِهم تأليفُ قُلوبِهم وقوَّةُ إيمانِهم.
قال ابنُ تيميَّة: (المؤلَّفة قلوبُهم نوعان: كافرٌ ومُسلمٌ، فالكافر: إمَّا أن يُرجى بعَطِيَّتِه منفعةٌ، كإسلامِه؛ أو دفْعُ مضَرَّتِه إذا لم يندفِعْ إلا بذلك، والمسلمُ المطاع: يُرجى بعطِيَّتِه المنفعةُ أيضًا كحُسنِ إسلامِه، أو إسلامِ نظيره، أو جبايةِ المال ممَّن لا يُعطيه إلا لخوفٍ أو النكايةِ في العدوِّ، أو كفِّ ضَرَرِه عن المسلمين إذا لم ينكفَّ إلَّا بذلك، وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهرُه إعطاءَ الرُّؤساء وترْكَ الضُّعَفاء كما يفعل الملوكُ؛ فالأعمالُ بالنيَّات؛ فإذا كان القصدُ بذلك مصلحةَ الدِّينِ وأهلِه، كان مِن جِنسِ عطاءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفائِه، وإنْ كان المقصودُ العلوَّ في الأرضِ والفسادَ، كان من جنس عطاءِ فِرعونَ؛ وإنَّما ينكره ذَوُو الدِّينِ الفاسِدِ، كذي الخُويصِرَة الذي أنكرَه على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قال فيه ما قال، وكذلك حِزبُه الخوارِجُ، أنْكروا على أميرِ المؤمنين عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه ما قصَد). ((مجموع الفتاوى)) (28/290)، وينظر: ((الأموال)) للقاسم بن سلام (ص: 721)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (29/111)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/226).
سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ:
٣ – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَهْمِ الزَّكَاةِ الْمُخَصَّصِ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ سَهْمَهُمْ بَاقٍ.
وَذَهَبَ بِهِ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ سَهْمَهُمْ مُنْقَطِعٌ لِعِزِّ الإِْسْلاَمِ، لَكِنْ إِذَا احْتِيحَ إِلَى تَأَلُّفِهِمْ أُعْطُوا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِسُقُوطِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
٤ – ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَقْسَامِهِمْ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ كُفَّارٌ يُتَأَلَّفُونَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْطَى مِنْ هَذَا السَّهْمِ لِكَافِرٍ أَصْلًا.
وَجَوَّزَ الْحَنَابِلَةُ الإِْعْطَاءَ لِمُؤَلَّفٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ضَرْبَانِ:
كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ صِنْفَانِ، وَالْمُسْلِمُونَ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ ف ١٦٧ – ١٦٨) .
الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٦/١٣
بوب ابن حبان:
ذِكْرُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِعْطَاءُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمُسِ
٤٨٠٧ – عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أبا سفيان بن الحارث مئة مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مئة مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مئة مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ مئة مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذلك: فأنشأ يقول:
(جَعَلْتَ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْـ ـدِ بينَ عُيينةَ والأقْرعَ)
ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجَلِهَا كَانَ يُعْطِي ﷺ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ مَا وَصَفْنَا.
٤٨٠٧ وذكر حديث صفوان
ذِكْرُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِعْطَاءُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ خُمْسِ خُمُسِهِ – وَإِنْ أُسْمِعَ فِي ذَلِكَ ما يكره ـ.
٤٨٠٩ – أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مئة مِنَ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذَلِكَ وآثرَ نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُريدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ: لأخبرنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فأخبرتُهُ فتغيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ:
(فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ثُمَّ قَالَ: ⦗١٨٧⦘
(يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) فَقُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إليه – بعدها – حديثًا.
صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع ٧/٨٤
المبحث الثاني: حُكم إعطاء المؤلَّفة قلوبُهم
المؤلَّفةُ قلوبُهم مِن مَصارِفِ الزَّكاة الثَّمانية، وسهمُهم باقٍ لم يسقطْ ولم يُنسَخْ، ويكون حسَبَ الحاجةِ والمصلحةِ، فحيثما وُجِدَت المصلحةُ أو دعَتْ إليه الحاجةُ، عُمِل بهذا السَّهمِ، وهذا في الجُملةِ مذهَبُ الشَّافعيَّة ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (3/ 109). اشترط الشافعيةُ الإسلامَ في المؤلَّفة قلوبُهم، كمَن كان حديثَ العَهدِ بالإسلامِ؛ ليقْوَى إيمانُه، أو كان مُطاعًا في قَومِه، فيُرجى بعطِيَّتِه إسلامُ مَن وَراءه، أمَّا الكافِرُ فلا يُعطَى عندهم بلا خلافٍ. ينظر: ((الوسيط في المذهب)) للغزالي (4/557)، ((أسنى المطالب في شرح روض الطالب)) لزكريا محمد الأنصاري (1/395)،
وهو مذهب الحَنابِلَة لكن ادخلوا الكفار ((الإقناع)) للحجاوي (1/ 294)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/ 278). قال الوزير بن هُبَيرة: (فقال أحمدُ: حُكمُهم باقٍ لم يُنسخْ، ومتى وجَد الإمامُ قومًا من المشركين يخاف الضَّرَرَ بهم ويعلَمُ بإسلامِهم مصلحةً، جاز أن يتألَّفَهم بمالِ الزَّكاة، وعنه روايةٌ أخرى أنَّ حُكمَهم منسوخٌ). ((اختلاف الأئمة العلماء)) (1/216)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/497)، والظَّاهِريَّة قال ابنُ حَزْم: (ادَّعى قومٌ: أنَّ سهمَ المؤلَّفةِ قُلوبُهم قد سقَط، وهذا باطلٌ, بل هم اليوم أكثَرُ ما كانوا, وإنما يسقُطونَ هم والعاملون إذا تولَّى المرءُ قِسمةَ صَدَقةِ نفْسِه; لأنَّه ليس هنالك عاملون عليها, وأمْرُ المؤلَّفةِ إلى الإمامِ لا إلى غيره…وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه قال في الزَّكاة: (ضَعُوها مواضعَها)، وعن إبراهيم النَّخَعي والحسَن مثلُ ذلك، وعن أبي وائل مثلُ ذلك, وقال في نصيبِ المؤلَّفة قلوبُهم: رَدُّه على الآخرين، وعن سعيد بن جبير: (ضعْها حيث أمَرَك الله)، وهو قول الشافعي, وأبي سليمان, وقول ابن عمر, ورافع). ((المحلى)) (6/145رقم 719)، وهو قولٌ للمالكيَّةِ ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) لأحمد الصاوي (1/660)
، وبه قالت طائفةٌ مِنَ السَّلَف قال ابنُ قدامة: (أحكامُهم كلُّها باقيةٌ، وبهذا قال الحسَنُ والزُّهري، وأبو جعفر محمد بن علي).، وهو اختيارُ أبي عُبَيدٍ القاسِمِ بنِ سلَّام قال أبو عُبَيد: (اختلفتِ الناسُ بعدُ فيمَن كان بمِثلِ حالِهم اليومَ؛ فقال بعضهم: قد ذهَب أهلُ هذه الآيةِ، وإنما كان في دهْرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا ما قاله الحسَنُ، وابن شهاب، فعلى أنَّ الأمر ماضٍ أبدًا، وهذا هو القولُ عندي؛ لأنَّ الآية مُحكَمة، لا نَعلم لها ناسخًا من كتابٍ ولا سُنَّة، فإذا كان قومٌ هذه حالُهم، لا رغبةَ لهم في الإسلامِ إلَّا للنَّيْلِ، وكان في رِدَّتهم ومحارَبَتِهم إن ارتدُّوا ضررٌ على الإسلامِ، لِمَا عندهم من العزِّ والأنَفَة، فرأى الإمامُ أن يرضخَ لهم مِنَ الصَّدقة، فعَل ذلك لخِلالٍ ثلاثٍ: إحداهنَّ: الأخْذُ بالكتاب والسُّنة، والثانية: البُقيا على المُسلمين، والثالثة: أنَّه ليس بيائسٍ منهم إنْ تمادى بهم الإسلامُ أن يفقهوه، وتحسُنُ فيه رغبتُهم)، ((الأموال)) (ص: 721، 722)، وابن رُشد قال ابنُ رُشد: (سببُ اختلافِهم؛ هل ذلك خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو عامٌّ له ولسائر الأمَّة؟ والأظهَرُ أنه عامٌّ. وهل يجوز ذلك للإمامِ في كلِّ أحواله أو في حالٍ دون حال؟ أعني في حال الضَّعْفِ لا في حال القوَّةِ؛ ولذلك قال مالك: لا حاجةَ إلى المؤلَّفةِ الآنَ لقوَّة الإسلامِ، وهذا كما قُلْنا التفاتٌ منه إلى المصالِحِ). ((بداية المجتهد)) (1/275)، وابن تَيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (ما شرَعه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شرعًا معلَّقًا بسببٍ، إنما يكونُ مشروعًا عند وجودِ السَّبَب، كإعطاءِ المؤلَّفةِ قُلوبُهم؛ فإنَّه ثابتٌ بالكتاب والسُّنة، وبعضُ الناس ظنَّ أنَّ هذا نُسِخَ؛ لِمَا رُوي عن عمر: أنَّه ذكَرَ أنَّ الله أغنى عن التألُّفِ، فمن شاء فليؤمِنْ ومَن شاء فليَكفُرْ، وهذا الظنُّ غلطٌ؛ ولكِنَّ عُمَرَ استغْنى في زَمَنه عن إعطاءِ المؤلَّفة قلوبُهم، فترك ذلك لعَدمِ الحاجة إليه، لا لنَسخِه، كما لو فُرِض أنَّه عُدِم في بعضِ الأوقات ابنُ السَّبيلِ والغارِمُ، ونحوُ ذلك). ((مجموع الفتاوى)) (33/94)، والشوكانيِّ
قال الشوكانيُّ: (قد وقَع منه صلَّى الله عليه وسلَّم التأليفُ لِمَن لم يخلُصْ إسلامُه من رُؤساء العرب…فالتأليف شريعةٌ ثابتةٌ جاءَ بها القرآنُ، وجعَل المؤلَّفةَ أحدَ المصارِفِ الثمانية، وجاءتْ بها السنَّةُ المتواترة؛ فإذا كان إمامُ المسلمينَ محتاجًا إلى التأليفِ لِمَن يخشى مِن ضرِره على الإسلامِ وأهلِه، أو يرجو أن يَصلُحَ حالُه ويصير نصيرًا له وللمسلمينَ، كان ذلك جائزًا له… فكما يجوز لربِّ المالِ أن يضعَها في مصرفٍ مِن المصارِفِ غيرَ المؤلَّفةِ، يجوز له أيضًا أن يضعَها في المؤلَّفةِ، وهذا ظاهرٌ واضح، وأمَّا إذا كان الإمامُ موجودًا، فأمْر الصَّرفِ إليه، وليس للإمامِ أن يتألَّفَ مع قوَّةِ يَدِه وبسْطَة أمرِه ونَهيِه، ووجودِ مَن يستنصِرُ به عند الحاجة؛ لما عُرِف من أنَّ عِلةَ التأليف الواقِعِ منه صلَّى الله عليه وسلَّم هو ما تقدَّم عنه). ((السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)) (ص: 252)، وبه صدَر قرارُ المجمَعِ الفقهيِّ التابع لمنظَّمة المؤتَمَر الإسلاميِّ كما في قرارات مجمع الفقه الإسلامي: (سهمُ المؤلَّفة قلوبُهم باقٍ ما بقيَتِ الحياة، لم يسقُطْ ولم يُنسَخ، ويكون حسَب الحاجةِ والمصلحة؛ فحيثما وُجِدَت المصلحة أو دعتْ إليه الحاجةُ عُمِل بهذا السَّهم. يجوز إعطاءُ الزَّكاة لتأليفِ قلوب من أسلم حديثًا؛ تثبيتًا لإيمانِه، وتعويضًا له عمَّا فقدَه، وكذلك إعطاءُ الكافر إذا رُجِيَ إسلامُه، أو دفعًا لشرِّه عن المسلمينَ). قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الثامنة عشرة في بوتراجايا (ماليزيا) من 24 إلى 29 جمادى الآخرة 1428هـ، الموافق 9 م 13 تموز (يوليو) 2007 م. قرار رقم: 165 (3/18).
قال القاضي عياض:
[وذكر مسلم: ما أعطاه المؤلفة قلوبهم يوم حنين من قريش ولم يعط الأنصار] (1). قال الإمام: هذا حجة لأحد القولين؛ أن الغنيمة لا يملكلها الغانمون حتى يملكهم إياها الإمام. وهذا أصل مختلف فيه عندنا، وينبنى عليه الخلاف ممن سرق من الغنيمة أو زنا بأمة منها قبل أن تقسم.
قال القاضى: ليس فى الحديث نص أنه فعل ذلك عليه السلام قبل إخراج الخمس، [أو أنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس]، والمعروف من الأحاديث الأخر: أن إعطاء النبى صلى الله عليه وسلم لمن أعطى، إنما كان من الخمس.
وفيه أن للإمام تصريف الخمس ومال الفىء فى مصالح المسلمين، وأنه حل للأغنياء، وأن له أن يفضل فيه الناس على قدر ما يراه، وأن يعطى منه الكثير….
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 3/ 599]
قال ابن العطار:
الحديث السادس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زيد بْنِ عَاصِمٍ – رضي الله عنه – قَالَ: لَمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ – ﷺ – يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا في أَنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِيْنَ، فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بي…
وفي هذا الحديث أحكام وآداب:
منها: أن للإمام صرفَ بعض الخمس على ما يراه من تفضيل الناس فيه، وأن يعطي الواحد منه بكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة.
ومنها: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام منه.
[العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار 2/ 827]
قال صاحب العرف الشذي:
[666] كان أناس حديث العهد بالإسلام ولم يكن الإسلام راسخاً في قلوبهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم لتأليف قلوبهم ولم يبق هذا المصرف الآن كما قال الأئمة الأربعة، ثم قيل: إن هذا المصرف انتهى بانتهاء العلة، وقيل:
منسوخ ونسب الترمذي إلى الشافعي بأنه قائل ببقاء هذا المصرف إلى الآن، وقال الشاه ولي الله: إن هذا الصنف باق إلى الآن وظاهر حديث الباب أنهم يُعطون وهم في حال الكفر، ولكنه منظور فيه فإن المؤلفة قلوبهم هم الذين أسلموا ولم يرسخ الإسلام في قلوبهم.
[العرف الشذي شرح سنن الترمذي 2/ 130]
قال البسام:
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بن زَيد بن عَاصِمٍ المَازِني رضي الله عنه قال: لما أفَاء الله عَلَى نَبِيهِ ﷺ يَوْمَ»حُنَيْن «قسَمَ في الناس وَفي الْمُؤَلَّفةِ قُلُوُبهُمْ….
ما يؤخذ من الحديث:
1- إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، بحسب رأي الإمام واجتهاده.
2- جواز حرمان من وثق بدينه، تبعاً للمصلحة العامة.
فائدة:
لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث في كتاب الزكاة. ولعل ذلك متابعة لمسلم حيث أخرجه في باب الزكاة من صحيحه.
أو لعله أراد أن يبينَ أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيام رسالته، وبعد ما أعز الله الإسلام وقواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة.
فيقاس على الغنيمة أن يعطوا من الزكاة خلافا لمن يرى من العلماء سقوط نصيبهم من الزكاة بعد أن أعز الله الإسلام، كأبي حنيفة وأصحابه.
والصحيح، جواز إعطائهم تأليفا لهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهو المشهور من مذهب الإمام ” أحمد ” وهو من مفردات مذهبه.
وليس عند المسقطين لسهمهم ما يعارضون به فعل النبي صلى الله عليه وسلم وآية ” براءة ” التي هي من آخر القرآن نزولا.
[تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ص296]
وفي صحيح مسلم :
عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أقبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: “خبَّأتُ هَذَا لَكَ”، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ).
قال الاتيوبي :
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم، ومن يُخاف على إيمانه إن لم يُعط.
2 – (ومنها): استئلاف من كان سيّئ الأخلاق بالعطية، والكلام الطيب، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مع مخرمة، حيث كان في خلقه شدّة.
قاله في “الفتح”، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم:
قال العلّامة القرطبيّ رحمه الله في “تفسيره”: اختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعزّ الإسلام، وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ الله الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم الله- اجتمعت الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم.
وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، قال يونس: سألت الزهريّ عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك. قال أبو جعفر النحّاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، ويُخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن يحسن إسلامه بعدُ ، دُفع إليه.
قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربىّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطُوا سهمهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، فإن في “الصحيح”: “بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ”. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ رحمه الله هو الأرجح.
وحاصله: أن نصيب المؤلّفة قلوبهم باقٍ على حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة إلى تأليفهم، أُعطوا، وإلا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 20/ 118]
٨ – شبهة: المؤلفة قلوبهم.
نص الشبهة:
هل الأموال التي تدفع للمؤلفة قلوبهم عبارة عن أموال تقدم إلى هؤلاء تطميعًا لهم للدخول في دين الإسلام؟ .
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أقوال العلماء في معنى المؤلفة قلوبهم، والحكمة من إعطائهم من أموال الزكاة.
الوجه الثاني: هل حكم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم نسخ؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أقوال العلماء في معنى: المؤلفة قلوبهم، والحكمة من إعطائهم من أموال الزكاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠).
قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي: أن اللَّه جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: سدُّ خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته.
فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه؛ فإنه يُعطاه الغني والفقير؛ لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونةً للدين، وذلك كما يعطى الذي يُعطاه بالجهاد في سبيل اللَّه، فإنه يعطى ذلك غنيًّا كان أو فقيرًا للغزو لا لسدّ خلته، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحًا بإعطائهموه أمرَ الإسلام وطلبَ تقويته وتأييده، وقد أعطى النبي ﷺ مَنْ أعطى مِنْ المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح اللَّه عليه الفتوح، وفشا الإسلام وعز أهله، فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى منهم في الحال التي وصفت .تفسير الطبري (١٤/ ٣١٦).
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام ١٠/٢١٩
جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ليسلموا
قال أبو داود رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده: (أنهم كانوا على منهل من المناهل فلما بلغهم الإسلام جعل صاحب الماء لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم…
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن بدا له أن يسلمها لهم فليسلمها، وإن بدا له أن يرتجعها فهو أحق بها منهم، فإن هم أسلموا فلهم إسلامهم، وإن لم يسلموا قوتلوا على الإسلام
والحديث ضعفه العباد
وقال العباد :
في هذا الحديث اتفاق حصل على إعطائهم الإبل على أن يسلموا، وهذا له أن يرجع ما أعطاهم، وأما إذا أعطاهم ترغيبًا لهم في الإسلام، وما قال: بشرط أن يسلموا؛ فلا بأس، وإعطاء المؤلفة قلوبهم ليس من هذا القبيل؛ لأنه يعطيهم من أجل أن يتألفهم ويستميلهم، وأما هذا فأعطاهم وكأنه ثمن للإسلام ومقابل الإسلام. شرح سنن أبي داود