القواعد الفقهية – رقم القاعدة: 23
نص القاعدة: قَصْدُ الشَّارِعِ ضَبْطُ الخَلْقِ إِلَى القَوَاعِدِ العَامَّةِ. [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – المعنى الكلي ضبط الخلق بلِجام التقوى والتكليف [2]
2 – التشريع منوط بالضبط والتحديد [3]
قواعد ذات علاقة:
1 – مَظِنَّةُ الشيء تقوم مقام حقيقته [4] /قاعدة متفرعة
2 – المظانُّ إنما يعلم جعْلُها مظنةً بنص أو إجماع [5] /قاعدة متفرعة
3 – ما اعتُبرت مظنتُه لم يُلتفت إلى حقيقته [6] /قاعدة متفرعة
4 – المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه [7] /قاعدة متفرعة
5 – يقدَّم في الولايات الأقومُ بأركانها وشرائطها [8] /قاعدة تطبيقية.
6 – إذا لم يكن معنا ضبط شرعي نقف عنده, أخذنا بأقصى الإمكان في التقريب [1] قاعدة متفرعة
7 – تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور [2] /قاعدة أخص
شرح القاعدة:
… يدور الكلام في هذه القاعدة حول كلمة “الضبط” وبعض مشتقاتها….
اشتهر عند المحدِّثين استعمال الضبط مقترنا بالعدالة, وهما الصفتان المشروطتان في الرواة لكي تقبل رواياتهم. واشتهر ذكر الصفتين في تعريفهم للحديث الصحيح بأنه “ما رواه عدل ضابط عن مثله … “. فالضبط هنا هو ضبطُ المرويات بمتونها وأسانيدها, أي التيقظ والتدقيق في سماعها وتلقيها, والإتقانُ في حفظها, والسلامةُ في أدائها….
ومن هذا الباب شاع استعمال الضبط في الكتابة, بمعنى وضع علامات الشكل عليها, لكي لا تلتبس فيها الحروف والكلمات المتشابهة.
وفي مجال الفقه والقواعد الفقهية, استعمل مصطلح”الضابط”, بمعنى القاعدة الفقهية. ثم تدَرَّج الاستعمال إلى معنى أضيق وأدق, وهو القاعدة الفقهية الخاصة بباب فقهي واحد [4] , وهذا هو الاصطلاح المعتمد في هذه الموسوعة.
وأما معنى “الضبط” الذي نتحدث عنه في هذه القاعدة, فهو من قبيل المعاني المستعملة في الفقه والقواعد الفقهية, إلا أنه أوسع منها وأعم….
والمعنى المقصود في قاعدتنا, هو أن الضبط هناك يُعنى به الصيغ والأشكال والوسائل التي يتحقق بها ضبط الأمور المتوخى ضبطها, كالروايات والأحكام. أما الضبط في هذه القاعدة, فهو باعتباره مقصدا عاما للشارع في عموم شريعته, بغض النظر عن الوسائل والمسالك والصور المعتمدة لذلك.
والضبط بهذا المعنى, يقصد منه تنظيم حياة الناس في تكاليفهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم, على نحو محدد واضح معلوم, يحقق لهم الانتظام والارتقاء والتفاهم والتعايش, ويخرجهم من الحيرة والغموض والاضطراب والتنازع. فيكون الناس – بذلك – على هدى وعلى بينة مما لهم وما عليهم؛ مع ربهم, ومع أنفسهم, ومع من وما حولهم. وحينئذ يَحي من حَيِيَ عن بينة, ويَهلِكُ من هلك عن بينة.
… فلذلك كان لابد لشريعة الرحمة والهداية والصراط المستقيم, أن تجعل أمور الناس على محجة بيضاء, ليلها كنهارها صفاء ووضوحا. فمن هنا كان ضبط الخلق مقصدا عاما لهذه الشريعة.
“المعنى الكلي في ضبط الخلق بلجام التقوى والتكليف”, هو ما سماه الشاطبي “المصلحة الكلية” للشريعة. وذلك في قوله: “إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة, وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص. أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليلٍ لحكم في خاصته, وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع, في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته, فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها, حتى يرتاض بلجام الشرع”
وقد روعي تحقيق هذا المقصد بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة, بحسب ما يخص كل مجال وما يناسبه.
… – فأولاً: وضعُ الشرائع من أصلها هو ضبط للحياة ولتصرفات الناس فيها. فأن تكون للإنسان شريعة, معناه أن حياته وسلوكه ينضبطان – من حيث المبدأ والجملة – بهذه الشريعة. وبذلك يخرج الإنسان من دائرة العشوائية والشهوانية, إلى دائرة المشروعية والعقلانية. وقد تقرر في قاعدة أخرى أن ” المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه ” [3]
– وثانيا: الشريعة, كما هو معلوم, قد حددت للإنسان عددا من الغايات والتوجهات والمعالم الكبرى, لحياته ومساراته في هذه الحياة. وهذه هي الضوابط الكلية الأولية التي تتضمن الأساس العقدي والفلسفي للشريعة والتشريع.
– وثالثا: في نطاق هذه الضوابط الكلية الأساسية, وبناء عليها, جاءت التكاليف والفرائض والمحرمات, مما يدخل في مجمله تحت المصطلح الأصولي “الأحكام التكليفية”.
… – ورابعا: ولأجل ضمان تطبيق تلك الأحكام, وانتظامِ العمل بها, وضمانِ الحد الأدنى من التماثل بين المكلفين في الالتزام بها, وُضعت الأحكام التفصيلية والصيغ التنفيذية, بما تتطلبه من ضبط للمقادير والمواقيت والكيفيات والشروط والآجال … ومعظم ذلك يدخل تحت مصطلح “الأحكام الوضعية”, وضمن أحكام الوسائل. وهذا الصنف والذي قبله يجمعان جملة الأحكام الشرعية المنصوصة.
… – وخامسا: فإن كثيرا مما لم يضبطه الشرع تنصيصا وتصريحا, مما قد يحتاج إلى ضبط آنِيٍّ متغير, أسند ضبطه إلى ولاة الأمور وأهل الحل والعقد, ومَنْ يدخل في معناهم أو تحت إمرتهم من ذوي المسؤوليات العامة. ولأجله جاء ما جاء من الحث على طاعة أولي الأمر.
… – وسادسا: هناك ما لم يُنص عليه وقد يحتاج إلى ضبط, ولكن لا يتوقف ضبطه والإلزام به على السلطان. فهذا يتولى ضبطَه العلماء باجتهاداتهم وفتاويهم وإرشاداتهم.
– سابعا: ما لا يتأتى إخضاعه للرقابة والضبط الظاهري الخارجي, فهو موكول إلى الضبط الباطني الذاتي, وهو ما كان معولا فيه على الإيمان والأمانة والتقوى ومراقبة الله عز وجل. قال الشاطبي: “وما لا ينضبط رُدَّ إلى أمانات المكلفين, وهو المعبر عنه بالسرائر؛ كالطهارة للصلاة والصومِ والحيض والطهر, وسائر ما لا يمكن رجوعه إلى أصل معين ظاهر” [1]
– وثامنا: الضبط العرفي الاتفاقي بين الناس؛ فهناك أشياء كثيرة جدا – منصوصةٌ وغير منصوصة – تُرك تحديدها وضبط تفاصيلها إلى الناس فيما بينهم, من خلال عاداتهم وأعرافهم وعقودهم وعهودهم. ولكثرة ما يبنيه الفقهاء والقضاة على العرف قال الجويني: “التعويل في التفاصيل على العرف. وأعْرَفُ الناسِ بالعرف أعرفهم بفقه المعاملات”…