( ٦ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الحديث السادس
البعد عن مواطن الشبهات
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشِيْر رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَات لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاس،ِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً . أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهيَ القَلْبُ) رواه البخاري ومسلم .
………………………..
أهمية الحديث
قال ابن دقيق العيد: ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺃﺻﻞ ﻋﻈﻴﻢ ﻣﻦ ﺃﺻﻮﻝ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺩاﻭﺩ اﻟﺴﺠﺴﺘﺎﻧﻲ: اﻹﺳﻼﻡ ﻳﺪﻭﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ ﺫﻛﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺃﺟﻤﻊ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﻋﻠﻰ ﻋﻈﻴﻢ ﻣﻮﻗﻌﻪ ﻭﻛﺜﻴﺮ ﻓﻮاﺋﺪﻩ. شرح الاربعين النوويه
قال الشيخ عبد المحسن العباد:
هذا حديث عظيم من جملة الأحاديث التي ذكر العلماء أن مدار الإسلام عليها؛ وذلك لما اشتمل عليه الحديث من بيان الحلال والحرام، وما يشتبه بالحلال وبالحرام، وما يكون فيه الاحتياط والسلامة، ثم بيان عظيم لشأن القلب، وأنه ملك الأعضاء، فبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.
شرح الأربعين النووية – العباد ١٣/٢
قال ابن عثيمين في شرحه على الأربعين:
وهذا الحديث في الحقيقة حديث عظيم، لو تكلم الإنسان عنه لبلغ صفحات لكن نشير إن شاء الله إلى جوامع الفوائد في هذا الحديث.
القواعد والضوابط المستنبطة من الحديث:
اولا : قاعدة فقهية: (سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها)
——
قال ابن القيم : ” ما حُرِّم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل ، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر ، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم ، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال ، حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله ، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة “.
انتهى من ” إعلام الموقعين” (2 / 161).
وقال الشيخ ابن عثيمين : ” وما كان تحريمه تحريم وسيلة ، فإنه يجوز عند الحاجة “.
انتهى من ” منظومة أصول الفقه ” صـ 67.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم ، إذا عارضتها حاجة راجحة : أُبيح المحرَّم” انتهى من “مجموع الفتاوى” (29/49) .
وقال: ” ما كان من باب سد الذريعة : إنما يُنهى عنه إذا لم يُحتج إليه ، وأما مع الحاجة للمصلحة التي لا تحصل إلا به : فلا ينهى عنه ” انتهى من ” مجموع الفتاوى” (23/214).
سد الذرائع
تعريف الذرائع:
الذرائع: جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة المؤدية إلى الشيء، سواء أكان مصلحة أم مفسدة.
وسد الذرائع: منع الوسائل المفضية إلى المفاسد.
والأقوال والأفعال المؤدية إلى المفسدة أربعة أقسام:
الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة قطعا، كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنى المفضي إلى مفسدة اختلاط الأنساب وثلم الأعراض.
الثاني: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، مثل عقد النكاح بقصد تحليل الزوجة لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا.
الثالث: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، ولكنها تؤدي إليها غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل: سب آلهة الكفار علنًا إذا كان يفضي إلى سب الله جل وعلا.
الرابع: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها، مثل النظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها، والجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر.
فالقسم الأول قد جاءت الشريعة بمنعه، إما على سبيل التحريم أو الكراهة، وذلك بحسب درجته في المفسدة ولا خلاف فيه.
والقسم الرابع قد جاءت الشريعة بمشروعيته إما على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ بحسب درجته في المصلحة، ولا خلاف فيه.
والقسمان الثاني والثالث هما موضع النزاع، هل جاءت الشريعة بمنعهما؟
ومذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه.
وذهب بعض العلماء من الشافعية والحنفية والظاهرية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل ولم يوجبوا سد الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلا أن يرد بمنعها نص أو إجماع أو قياس، ولكنهم لم يطردوا في فروعهم الفقهية بل قالوا في بعض الفروع بالمنع دون بعضها الآخر.
ومما يدل على صحة العمل بقاعدة سد الذرائع ما يلي:
١ – قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام١٠٨].
وجه الاستدلال: أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة.
٢ – قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة١٠٤].
وجه الاستدلال: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول ﷺ راعنا؛ منعا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يقولون للرسول ﷺ راعنا، من الرعونة
وهي الحمق والسفه، والمسلمون يقصدون منها القصد الحسن أي: من المراعاة وهي الانتظار.
٣ – منع الشارع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «هدايا العمال غلول» (أخرجه الإمام أحمد وغيره).
والأحكام التي قصد بها سد الذرائع المؤدية إلى المحرم أكثر من أن تحصى.
وإذا تقرر وجوب سد الذارئع المؤدية إلى المحرم تقرر وجوب فتح الذرائع الموصلة إلى الواجب؛ لأن الذريعة الموصلة إلى الواجب واجبة، لكن وجوبها قد يكون وجوبا معينا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة إلى الواجب، ولهذا جاءت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وقد يكون وجوب وسيلة الواجب على التخيير إذا كانت هناك وسائل متعددة كلها تفضي إلى الواجب.
وباب سد الذرائع من أهم ما ينبغي للفقيه معرفته، ولهذا قال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (ت٧٥١): «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه (أي التكليف) أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» (١).
وإعطاء الوسيلة حكم المتوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية؛ لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبا لوقع الناس في حرج عظيم.
أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ١/٢١١-٢١٣
ثانيا : قاعدة في الحياة: (القلب أمير البدن؛ بصلاحه يصلح) أو (العناية بعلم القلب قبل عمل الجوارح):
التلازم المتين بين عمل القلب وعمل الجوارح
هناك تلازم قوي بين عمل القلب وعمل الجوارح، فعمل القلب هو: أصل الإيمان في القلب، وإذا وجد عمل القلب فلابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، والاتصال بينهما اتصال ثابت شرعًا وواقعًا.
أما من الناحية الشرعية: فالنبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فبين أن العلاقة بين القلب والجوارح علاقة تامة.
بمعنى: أنه إذا لم يوجد شيء من عمل القلب، فلا يمكن أن يوجد شيء من عمل الجوارح، وإذا وجد شيء من عمل القلب، فإنه يوجد على قدره شيء من عمل الجوارح، فمن وجد في قلبه شيء من محبة الله، وشيء من الخوف من الله عز وجل، وشيء من التوكل على الله عز وجل؛ فإنه سيوجد مقابله عمل من الجوارح، فلا يتصور أبدًا أن يكون عمل القلب موجودًا، وليس هناك عمل للجوارح بالمرة، ولا يتصور أيضًا وجود عمل الجوارح بدون عمل القلب بالمرة إلا في حالة المنافق، ففي الحالة العادية لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر.
فإذا تصورنا إنسانًا عنده عمل من أعمال القلب فإننا نقول: في الحالة الطبيعية لابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، ولا يمكن أن يوجد إيمان وتقوى لله عز وجل وقدرة على العمل ثم لا يحصل العمل؛ لأن العمل يتكون من الإرادة التامة، والقدرة الكاملة، فينتج العمل مباشرة، يعني: ما دامت المحبة موجودة لله، والخوف كذلك فلابد أن يحصل شيء من العمل، ولا يمكن أن يفقد العمل بالكلية.
وكذلك في الحالة الطبيعية إذا كان يعمل في الظاهر، فهذا مباشرةً يدل على وجود إيمان في الباطن، ويمكن أن يوجد لدى إنسان عمل في الظاهر، وليس عنده عمل في الباطن مثل: المنافق، ويمكن للإنسان أن يكون عنده عمل في الباطن، وليس عنده عمل في الظاهر في حالة المكره، وإن كان الإكراه لا يمكن أن يتصور أن يحيط بالإنسان من كل وجه؛ لأنه يمكن أن يسبح الله من غير تنبه المكرهين له، ويمكن أن يذكر الله من غير أن ينتبه المكرهين له.
الشاهد هو: أن العلاقة علاقة تامة، ومطردة وقوية، وبهذه الطريقة تعلمون أن قضية الإيمان قضية حية في واقع المسلمين، وليست قضية نظريات مجردة يعتقدها الإنسان في قلبه ثم لا يعمل بها.
شرح العقيدة الواسطية – عبد الرحيم السلمي ١٩/١١
ثالثا : قاعدة في تعريف الورع المشروع
– الورع المشروع:
قال ابن تيمية: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو: اتقاء من يخاف أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام وإن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن يكون سببا للنقص والعذاب.) (١).
٢ – الورع الواجب:
(وأما الورع الواجب: فهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب وهو فعل الواجب وترك المحرم والفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه؟ وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه؛ فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع. وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثما من تركه مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه. والأصل في الورع المشتبه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه)) (٢) وهذا في الصحيحين. وفي السنن قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٣) وقوله: ((البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب)) (٤) وقوله في صحيح مسلم في رواية: ((البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس)) (٥) ((وإنه رأى على فراشه تمرة فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)) (٦).
————
(١) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (٢٠/ ١٣٧).
(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٣) رواه الترمذي (٢٥١٦)، والنسائي (٥٧١١)، وأحمد (١/ ٢٠٠) (١٧٢٣). وصححه الترمذي، وصحح إسناده الحاكم، وصححه الذهبي.
(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٢٨) (١٨٠٣٥)، والدارمي (٣/ ١٦٤٩) (٢٥٧٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢/ ١٤٨) من حديث وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه. وحسن إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢/ ٣٥١)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠/ ٢٩٤): رواه الطبراني، وأحمد باختصار عنه، ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات.
(٥) رواه مسلم (٢٥٥٣)،وابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (ص٢٢٤) واللفظ له.
(٦) رواه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
رابعا : قاعدة : إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر
معنى القاعدة وأدلتها]
آخر قاعدة مهمة جداً وهي فرع من القاعدة السابقة؛ قاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح.
والمعنى: إذا جاء دليلان ظاهرهما التعارض أحدهما يحرم والآخر يبيح غلبنا الذي يحرم على الذي يبيح؛ عملاً بالورع والاحتياط.
أدلة القاعدة من السنة: ما جاء في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
واتقاء الشبهات أن تحرم هذا الأمر المشتبه فيه أو تمنع نفسك عنه.
أيضاً من أدلة هذه القاعدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
والحديث الثالث الذي نستدل به على هذه القاعدة: حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (قلت: يا رسول الله! أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أسم عليه، ولا أدري أيهما أخذ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكل؛ إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر)
تطبيقات قاعدة تغليب الحظر على الإباحة]
صور هذه القاعدة كثيرة جداً: منها: امرأة سافرت مع رجال فيهم محارمها وغير محارمها، فطهرت من الحيض، فلابد أن تغتسل، فلم تجد ما تستر به جسدها وهي تريد الصلاة، فإن اغتسلت تكشفت أمام الرجال وهذه فتنة، وإن تركت لم تصح صلاتها.
وهناك دليل يوجب عليها الغسل، ودليل آخر يحرم عليها التكشف أمام الرجال، فلابد أن تطبق القاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح نقدم أو نغلب الحاظر على المبيح، فنقول لها: لا تغتسلي ولا تتكشفي، ولها أن تتيمم وتصلي.
وهذه المسألة فيها تفصيل فقهي آخر لسنا بصدد الكلام عليه، لكن هنا نغلب الحاظر على المبيح.
ومن صور هذه المسألة أيضاً: رجل كانت امرأته تشبه نساء أخريات، فأراد أن يطأ امرأته فوجدها قاعدة بين شبيهات من النساء، فالدليل الذي يحرم يغلب على الدليل الذي يبيح فنقول: نغلب الحاظر على المبيح، فلا يجوز لك أن تطأ أي امرأة، بل تتركهن جميعاً بما فيهن الزوجة، ولا يجوز لك أن تطأ أي امرأة.
أيضاً من صور هذه المسألة: الشرب قائماً: فالأدلة التي تبيح ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائماً من ماء زمزم، وأيضاً أوضح من ذلك شرب النبي من شن معلقة قائماً ولم يجلس.
والدليل المحرم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم (من شرب قائما فليستقئ).
وأيضاً: حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل كان يشرب قائماً: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا.
قال: يشرب معك من هو أشر منه الشيطان).
وهذا فيه دلالة على التحريم والأدلة على التحريم كثيرة فاجتمع الحاظر والمبيح عند من لا يعمل بقاعدة إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فيغلب الحاظر على المبيح فيقول: يحرم الشرب قائماً، والحاظر يكون أقوى؛ لأن الأصل في العبادة الحيطة، ولابد للمرء أن يلتزم في كثير من أحيانه الورع.
أيضاً من صور هذه المسألة: استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط: ويتجاذب هذه المسألة دليل مبيح ودليل حاظر؛ فالدليل المبيح هو حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه (رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبلاً بيت المقدس ومستدبر الكعبة).
والحديث الحاظر حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ولكن شرقوا وغربوا) فنغلب الحاظر، فلا يجوز استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط.
أيضاً من هذه الصور: إذا دخل الرجل في بلاد الكفر فوجد اللحوم متكاثرة متناثرة؛ لحم غنم ولحم بقر ولحم خنزير ولم يستطع أن يفرق بينها، فنقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وطبق القاعدة، فلا يأكل من أي نوع من الأنواع.
فإذا اجتمع حاظر مع مبيح غلبنا الحاظر، فإذا اجتمع مال حلال مع مال حرام غلبنا حكم الحرام، فإذا غلبنا حكم الحرام قلنا: لا يجوز لك أن تتعامل معه.
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجية لمحمد حسن عبدالغفار ج١٣ ص٩-١١
خامسا : القاعدة: أنه إذا وجد احتمال الاشتباه فهنا إن قوي قوي تركه، وإن ضعف ضعف تركه، ومتى لم يوجد احتمال أصلاً فإن تركه من التعمّق في الدين المنهي عنه.*
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
في الحديث من الفوائد:
الحث على اتقاء الشبهات، لكن هذا مشروط بما إذا قام الدليل على الشبهة، أما إذا لم يقم الدليل على وجود شبهة اتقاء الشبهات كان ذلك وسواساً وتعمقاً، لكن إذا وجد ما يوجب الاشتباه فإن الإنسان مأمور بالورع وترك المشتبه، أما مالا أصل له فإن تركه تعمّق ،
مثال ذلك: ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنه أن قوماً أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سَمُّوْا أَنْتُمْ وَكُلُوا قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر .
فهنا هل نتّقي هذا اللحم لأنه يُخشى أنهم لم يذكروا اسم الله عليه؟
والجواب: لا نتقيه، لأنه ليس هناك ما يوجب الاتقاء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
سَمُّوْا أَنْتُمْ وَكُلُوا فكأن في هذا نوعاً من اللوم عليهم، كأنه عليه الصلاة والسلام يقول: ليس لكم شأن فيما يفعله غيركم، بل الشأن فيما تفعلونه أنتم، فسمّوا أنتم وكلوا.
ومن هذا ما لو قدّم إليك يهودي أو نصراني ذبيحة ذبحها، فلا تسأل أذبحتها على طريقة إسلاميةأو لا، لأن هذا السؤال لا وجه له، وهو من التعمّق.
ومن ذلك أيضاً: أن يقع على ثوب الإنسان أثر ولا يدري أنجاسة هو أم لا؟ فهل يتقي هذا الثوب أو لا يتقيه؟
الجواب: ينظر: إذا كان هناك احتمال أن تكون نجاسة فإنه يتجنبه، وكلما قوي الاحتمال قوي طلب الاجتناب، وإذا لم يكن احتمال فلا يلتفت إليها، ولهذا قطع النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله حين سُئل عن الرجل يشكل عليه أحدث أم لا وهو في الصلاة فقال: لاَ يَنْصَرِفَ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَاً أَوْ يجِدَ رِيْحَاً .
فالقاعدة: أنه إذا وجد احتمال الاشتباه فهنا إن قوي قوي تركه، وإن ضعف ضعف تركه، ومتى لم يوجد احتمال أصلاً فإن تركه من التعمّق في الدين المنهي عنه.
شرح ابن عثيمين على الأربعين
سادسا: قاعدة: أنه لا يمكن أن يكون في الشريعة مالا يعلمه الناس كلهم، لقوله: لاَ يعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ .( شرح الاربعين لابن عثيمين) .