[1ج/ رقم (587)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق ومحمد البلوشي وعبدالله المشجري وأسامة وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (587)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (٢٥١٨): حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: حَجَجْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ، وَمَعَ سِنَانٍ بَدَنَةٌ، فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا، فَقُلْتُ: لَئِنْ قَدِمْتُ مَكَّةَ لأسْتَبْحِثَنَّ عَنْ هَذَا، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قُلْتُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ، وَكَانَ لِي حَاجَتَانِ، وَلِصَاحِبِي حَاجَةٌ، فَقَالَ: أَلا أُخْلِيكَ؟ قُلْتُ: لَا، فَقُلْتُ: كَانَتْ مَعِي بَدَنَةٌ فَأَزْحَفَتْ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ: لَئِنْ قَدِمْتُ مَكَّةَ، لَأَسْتَبْحِثَنَّ عَنْ هَذَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِالْبُدْنِ مَعَ فُلَانٍ، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا قَفَّا رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَصْنَعُ بِمَا أَزْحَفَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: «انْحَرْهَا وَاصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَاضْرِبْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ».
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَغَازِي، فَأُغْنَمُ فَأُعْتِقُ عَنِ أُمِّي، أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَتِ امْرَأَةٌ سِنَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، عَنْ أُمِّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحْجُجْ، أَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ، فَقَضَتْهُ عَنْهَا، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَلْتَحْجُجْ عَنْ أُمِّهَا»، وَسَأَلَهُ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: «مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ».
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد في مسنده، (٢٥١٨).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٣ – كتاب الطهارة، ٣٥ – ماء البحر طهور، (٧٥٢).
٧ – كتاب الحج والعمرة، ١٨ – ماذا يعمل بالهدي إذا عطب، (١٣٥٨).
١٠ – كتاب البيوع، ٤٧ – الرق، (١٧٦٠).
– جاء في صحيح مسلم – ط التركية ٤/٩٢ وبوب عليه النووي بَابُ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ: ٣٧٧ – (١٣٢٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ قَالَ: «انْطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ، قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْفَ يَأْتِي بِهَا، فَقَالَ: لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ، قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَضَى، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ ».
٣٧٧ – (١٣٢٥) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ . قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِثَمَانَ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ .
٣٧٨ – (١٣٢٦) حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ ، حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ ».
– ورد في الصحيح المسند من مسند ناجية الأسلمي
١١٤٧ – قال أبو داود (ج ٥ ص ١٨١): حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن هشام عن أبيه عن ناجية الأسلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث معه بهدي فقال «إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس».
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين. وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها.
الحديث أخرجه الترمذي (ج ٣ ص ٦٥٥) وقال: حديث ناجية الأسلمي حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٠٣٦)، والدارمي (ج ٢ ص ٩٠).
وصححه الألباني والأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود.
– قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) في الاستذكار ٤/٢٥١: وَرَوَاهُ شُعْبَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سِنَانِ بن سلمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ الْخُزَاعِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ إِذَا عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ وَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهُ ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهُ وَلَا تَطْعَمْ مِنْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ
*قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يوجد هذا اللفظ إلا في حديث بن عَبَّاسٍ قَوْلُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّ أَهْلَ رُفْقَتِهِ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَأْكُلُونَهَا لَمْ يَخُصَّ أَهْلَ رُفْقَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ*
*وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَدَاوُدَ قَالَا لَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ*
*قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ هِيَ زِيَادَةُ حَافِظٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بها وكأنه جعل أَهْلِ رُفْقَتِهِ فِي حُكْمِهِ لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ الرَّفِيقُ مِنْ مُوَاسَاةِ رَفِيقِهِ فَزَادَهُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ نَاجِيَةَ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ*
وقال محققو المسند – ط: الرسالة -:
“إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو التياح: هو يزيد بن حميد الضبعي.
وأخرجه الطبراني (١٢٨٩٨) من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
وأخرج القسم الثاني منه النسائي ٥/١١٦، وابن خزيمة (٣٠٣٤) من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح، به. ووقع عند النسائي “امرأة سنان بن سلمة الجهني”، ولعله خطأ من أحد الرواة، ولم يذكر في أوله سؤال موسى بن سلمه عن العتق عن أمه.
وأخرج القسم الثالث منه وهو السؤال عن ماء البحر: الدارقطني ١/٣٥، والحاكم ١/١٤٠ من طريق سريج بن النعمان، عن حماد بن سلمة، به.
وصححه الحكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وصَوب الدارقطني وقفه على ابن عباس. وانظر (١٨٦٩) و(٢١٨٩). انتهى.
قال الشيخ الإتيوبي رحمه الله تعالى في القسم الثاني الذي نبه عليه محققو المسند:
[تنبيه]: قوله: «امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ»، هكذا هو في رواية المصنّف هنا، وفي «الكبرى»، وهو غلط، والصواب: «سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ»، كما هو عند أحمد، وابن خزيمة، ولفظ أحمد في «مسنده»:
٢٥١٤ – حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التَّيَّاح، عن موسى بن سلمة، قال: حججت أنا، وسنان بن سلمة، ومع سنان بدنة، … الحديث.
وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» مختصرًا بنحوه.
ولعله وقع في رواية المصنّف اشتباه سنان بن سلمة الذي انطلق مع موسى بن سلمة إلى ابن عبّاس، ليسأله، عن إزحاف بدنته، بسنان بن عبد اللَّه الجهني الذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته، فوقع التصحيف، ولا سيّما مع عدم ذكر المصنف قصّة انطلاق الأول إلى ابن عباس – رضي اللَّه تعالى عنهما -.
والحاصل أن سنان بن سلمة هو الذي انطلق مع موسى بن سلمة الجهني إلى ابن عبّاس – رضي اللَّه تعالى عنهما -، ليسأله عن إزحاف بدنته، والذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته عن أمها التي ماتت، ولم تحجّ، هو سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ، وقد نبّه الحافظ على ذلك في كلامه الذي قدّمناه عن «الفتح»، حيث قال: ووقع عند النسائيّ: سنان بن سلمة، والأول أصحّ انتهى، فتفطّن لهذا التنبيه، فإنه دقيق. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، (23/ 330 – 331)].
والثاني: شرح وبيان الحديث
((قَالَ: حَجَجْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ )) بن الْمُحَبّق، أخو موسى، وفي رواية مسلم (مُعْتَمِرَيْنِ)،
((وَمَعَ سِنَانٍ بَدَنَةٌ))، بفتحات: هي الناقة، أو البقرة، وقيل: هي الإبل خاصّة. وفي رواية مسلم (يَسُوقُهَا)،
((فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ))، أي: وقفت من الكلال والإعياء. قال النوويّ رحمه الله: «أزحفت» -بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، وفتح الحاء المهملة- هذا رواية المحدثين، لا خلاف بينهم فيه، قال الخطابيّ رحمه الله: كذا يقوله المحدثون، قال: وصوابه، والأجود: «فَأُزْحِفَتْ» -بضم الهمزة- يقال: زَحَفَ البعيرُ: إذا قام، وأزحفه، وقال الهرويّ وغيره: يقال: أزحف البعيرُ وأزحفه السير، بالألف فيهما، وكذا قال الجوهريّ وغيره، يقال: زَحَفَ البعيرُ، وأزحف لغتان، وأزحفه السيرُ وأزحف الرجلُ: وقف بعيره، فحصل أن إنكار الخطابيّ ليس بمقبول، بل الجميع جائز، ومعنى «أزحف»: وقف من الْكَلال، والإعياء. انتهى كلام النوويّ: رحمه الله [«شرح النوويّ» ٩/ ٧٦]، وهو تعقّبٌ جيّد.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: زحف البعير، من باب نَفَعَ: إذا أعيا، فَجَرّ فِرْسِنَهُ، فهو زاحفةٌ، الهاء للمبالغة، والجمع زواحفُ، وأزحف بالألف لغةٌ، ومنه قيل: زَحَفَ الماشي، وأزحف أيضًا: إذا أعيا، قال أبو زيد: ويقال لكلّ مُعْيٍ سمينًا كان، أو مَهْزُولًا: زَحَفَ. انتهى [راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٥١، ٢٥٢].
((فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا)) قال السندي: قيل: بياءَين أو بواحدة مشددة، أي: عجز، أو بنون ثم ياء على بناء المفعول: من العناية بالشيء والاهتمام به.
والوجه الثاني: «فَعَيَّ» بياء واحدة مشددة، وهي لغة بمعنى الأولى.
والوجه الثالث: «فَعُنيَ» بضم العين، وكسر النون، من العناية بالشيء، والاهتمام به. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: «عَيَّ»، أو «عَيِيَ» – مشددًا ومُفككًا، وهما لغتان معروفتان، وعليهما قرئ: ﴿مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. انتهى [«المفهم» ٣/ ٤٢٥].
((فَقُلْتُ: لَئِنْ قَدِمْتُ مَكَّةَ لأسْتَبْحِثَنَّ عَنْ هَذَا))، وفي مسلم (لَأَسْتَحْفِيَنَّ) -بالحاء المهملة، وبالفاء- ومعناه: لأسالنّ سُؤالًا بليغًا عن ذلك، يقال: أحفى في المسألة: إذا ألحّ فيها، وأكثر منها. قاله النوويّ رحمه الله [«شرح النوويّ» ٩/ ٧٦]. وقال القرطبيّ رحمه الله: «لأستحفين عن ذلك»: أي: لأكثرنَّ السؤال عنه، يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ، وألحف: إذا بالغ فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾؛ أي: كأنه أكثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها [«المفهم» ٣/ ٤٢٥].
((فَلَمَّا قَفَّا))، أي: أدبر. ((رَجَعَ))، ليستفسر النبيّ ﷺ فيما يصنعه إن حدث في البدن شيء.
((فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَصْنَعُ بِمَا أَزْحَفَ عَلَيَّ مِنْهَا؟)) وفي رواية مسلم (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِع عَلَىَّ) -بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال، مبنيًّا للمفعول: أي بما حُبِس عليّ من الْكَلال (مِنْهَا؟) أي من تلك البُدن، يقال: أبدعَتِ الراحلةُ: إذا كَلّت، وأَعْيت، حتى وَقَفت من الإعياء، وأُبْدِع بالرجل على بناء المجهول: إذا انقَطَعت راحلته به لكلال، ولم يقل هنا: أُبْدِع بي؛ لأنه لم يكن هو راكبًا؛ لأنها كانت بدنة يسوقها، بل قال: «أُبْدِع عليّ»؛ لتضمين معنى الحبس، كما ذكرنا [«المرعاة» ٩/ ٢١٧].
((قَالَ: «انْحَرْهَا))، أي: البُدن التي أُبدعت، وفي مسلم من حديث ذؤيب أبي قبيصة رضي الله عنه: (إن عَطِب منها شيء، فخَشِيتَ عليه موتًا، فانحرها).
((وَاصْبُغْ نَعْلَهَا))، أي: النعل التي قلّدتها في عنقها، ((فِي دَمِهَا))، أي دم البُدن التي نحرتها. ((وَاضْرِبْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا))، اجعل النعلين على جانب سنام البُدن، وإنما يفعل ذلك؛ ليُعْلَم أنه هديٌ عَطِبَ، فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحُكِي عن مالك أنه قال: أمره بذلك؛ ليُعْلَم أنه هدي فلا يستباح إلا على الوجه الذي ينبغي، وفي حديث ذُؤيب: «ثم اضرب به صفحتها». ((وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ»)).
وقال الطيبيّ رحمه الله: لا يأكل الرفقاء سواء كانوا فقراء، أو أغنياء، وإنما مُنِعوا ذلك قطعًا لأطماعهم؛ لئلا ينحرها أحد، ويتعلل بالعطب. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المُهْدِي في الأكل وغيره، دون باقي القافلة.
والثاني: وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نصّ الشافعيّ، وكلام جمهور أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة؛ لأن السبب الذي مُنعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة.
[فإن قيل]: إذا لم تُجَوِّزوا لأهل القافلة أكله، وقلتم بتركه في البرية، كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال.
[قلنا]: ليس فيه إضاعة مال، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم، يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة، ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم. انتهى [«شرح النوويّ» ٩/ ٧٧، ٧٨].
((قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَغَازِي، فَأُغْنَمُ فَأُعْتِقُ عَنِ أُمِّي، أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَتِ امْرَأَةٌ سِنَانَ) قال الإتيوبي في حاشية ذخيرة العقبى: “وقع في النسخة المطبوعة من المسند “سلمان بن عبد اللَّه”، والصواب “سنان بن عبد اللَّه”، كما هو في “إطراف المسنِد المعتلي بأطراف مسند الحنبلي”، للحافظ ابن حجر ج ٣ ص ٢٧٧. وهو الموافق لما»صحيح ابن خزيمة” ج ٤ ص ٣٤٣. واللَّه أعلم.”. انتهى.
(بْنَ عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، عَنْ أُمِّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحْجُجْ، أَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ، فَقَضَتْهُ عَنْهَا، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَلْتَحْجُجْ عَنْ أُمِّهَا»،
وَسَأَلَهُ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: «مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ»). [البحر المحيط الثجاج، ذخيرة العقبى، بتصرف].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
القسم الأول من الحديث، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في الأكل من الهدي إذا عَطِبَ، فنَحَره:
قال النوويّ رحمه الله: اختَلَف العلماء في الأكل من الهدي إذا عطب، فنحره، فقال الشافعيّ: إن كان هدي تطوع، كان له أن يفعل فيه ما شاء، من بيع، وذبح، وأكل، وإطعام، وغير ذلك، وله ترْكه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه مُلْكه، وإن كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن ترَكه حتى هلك لزمه ضمانه، كما لو فَرَّط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه، غمس نعله التي قلّده إياها في دمه، وضرب بها صفحة سنامه، وترَكه موضعه؛ ليَعْلَم مَن مَرَّ به أنه هديٌ، فيأكله، ولا يجوز للمهدي، ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا؛ لأن الهدي مُسْتَحَقٌّ للمساكين، فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة، ولا يجوز لفقراء الرفقة. انتهى [«شرح النوويّ» ٩/ ٧٧].
وقال الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله: إن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا، فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي، كالنذر المعيّن للمساكين، ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر.
قال: (واعلم): أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه فلا يجوز إطعامه إلا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم، وكُره عندهم إطعام الذميين منه.
وأما هدي التطوع، فالظاهر أنه إن عطب في الطريق أُلقيت قلائده في دمه، وخُلِّي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مُرْسَل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه، وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه لم يتعلق بذمته، وأما مذهب الشافعيّ، وأصحابه، فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عَطِب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما يشاء، من بيع، وأكل، وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك.
وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع، إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله، فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء.
قال: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النصّ به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن يُترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى. انتهى [«أضواء البيان» ٥/ ١٨٠، ١٨١].
وأما حكم الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فقال الخرقيّ رحمه الله: من ساق هديًا واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء، وعليه مكانه، قال ابن قدامة رحمه الله: الواجب من الهدي قسمان:
أحدهما: ما وجب بالنذر في ذمته، والثاني ما وجب بغيره، كدم التمتع والقران والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، وجميع ذلك ضربان: أحدهما: أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه من غير أن يعيّنه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفْعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيّب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الذي كان واجبًا.
الضرب الثاني: أن يعيّن الواجب عليه بالقول فيقول: هذا الواجب علي، فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عَطِبَ أو سُرِقَ، أو ضل، أو نحو ذلك لم يُجْزِه، وعاد الوجوب إلى ذمته، وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا.
وروي عن أحمد أنه يذبح المعيب، وما في ذمته جميعًا، ولا يرجع المعيّن إلى ملكه. انتهى.
وقال الشنقيطيّ رحمه الله: الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو بغيره، والواجب بالنذر إما معيّن، أو غير معيّن، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر، كهدي التمتع والقران والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته، كأن يقول: لله عليّ نذر أن أهدي هديًا؛ أن لجميع ذلك حالين:
(الأولى): أن يكون ساق ما ذُكِر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه، من غير أن يعيّنه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي.
(والحالة الثانية): هي أن بسوقه ينوي الهدي المذكور مع تعيينه بالقول، فإن نواه ولم يعيّنه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه، ولا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفْعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع؛ لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عُطب، لأنه عُطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دَين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدَّين بغير التالف لأنه تلف في ذمته، وإن تعيّب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا، ويفعل بالذي تعيّب ما شاء؛ لأنه لم يزل في ملكه وضمانه، والذي يظهر: أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب؛ لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته حتى يوصله إلى مستحقه، والظاهر أن له نماؤه. وأما الحالة الثانية وهي ما إذا نواه وعيّنه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب علي. والظاهر أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سُرق أو ضلّ أو نحو ذلك لم يُجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدي آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار، والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدي لازم في ذمته وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم؛ لأن حقهم باق في الذمة فله بيعه وأكله وكل ما شاء، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وعن مالك: يأكل ويُطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه، وسُرِق فلا شيء عليه عند أحمد، قال في «المغني»: وبهذا قال الثوريّ، وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه الإعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه، ولنا: أنه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرّقه، ودليل أنه أدى الواجب: أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة، بدليل أنه لو خَلَّى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبيّ ﷺ البدنات قال: من شاء اقتطع. انتهى.
قال الشنقيطيّ رحمه الله: وأظهر القولين عندي أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًّا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ويقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، والآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه وبين الفقراء، يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإذن لهم في ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من عدم وجوب الإعادة عليه هو الأرجح؛ لأن معنى الإطعام المذكور في الآيتين قد بيّنه ﷺ حيث قال بعد أن نحر خمس بدنات، أو ستًّا: «من شاء اقتطع» [قال الإتيوبي معلقا في حاشية البحر: “رواه أبو داود، وغيره، وصححه ابن خزيمة”]، وهو حديث صحيح، فبيّن أن المطلوب هو النحر، ثم التخلية بينه وبين مستحقيه، لا تفريقه بينهم، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
لكن كنا نرى الذبائح بالآلاف تذبح وتترك في الجبال وفي السهول ولا أحد يستفيد منها ، فلا أظن أحدا يجوز هذه الصورة فالإثم أقرب إليهم من الأجر . بل رأيت بعض من وكل بالذبح يأمر الذابح بالتصرف فيه فيبيعه على المطاعم بأرخص الأسعار
والآن الحمدلله الحكومة السعودية شيدت مناطق للذبح وهيئت برادات مكيفة لنقل اللحوم لمستحقيها .
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يجوز الأكل منه من الهدايا إذا بلغت محلها، وما لا يجوز:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين.
وذهب أحمد في المشهور عنه إلى أنه لا يؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية.
قال في «الفتح» -عند شرح ما رواه البخاريّ عن ابن عمر معلقًا: أنه قال: لا يؤكل من جزاء الصيد، والنذر، ويؤكل من سوى ذلك-: وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك، وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن أحمد: لا يؤكل إلا من هدي التطوع، والتمتع، والقران، وهو قول الحنفية؛ بناءً على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك، لا دم جبران. انتهى.
وقال ابن قدامة رحمه الله: المذهب أنه يأكل من هدي التمتع، والقران، دون ما سواهما، نصّ عليه أحمد، قال: وهذا قول أصحاب الرأي، وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد، ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله لله تعالى، بخلاف غيرهما.
وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمّه للمساكين، ولا مدخل للإطعام فيه، فأشبه التطوع.
وقال الشافعيّ: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه، كدم الكفارة.
قال ابن قُدامة: ولنا أن أزواج النبيّ ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة، فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبيّ ﷺ البقرة، فأكلن من لحومها، قال أحمد: قد أكل من البقرة أزواج النبيّ ﷺ في حديث عائشة رضي الله عنها خاصة.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فساق الهدي من ذي الحليفة. متفق عليه.
وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعِلت في قِدْر، فأكل هو وعليّ من لحمها، وشربا من مرقها. رواه مسلم.
ولأنهما دماء نسك فأشبها التطوع، ولا يؤكل من غيرهما؛ لأنه يجب بفعل محظور، فأشبه جزاء الصيد، فأما هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، فيستحب أن يأكل منه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأن النبيّ ﷺ أكل من بُدنه، وقال جابر رضي الله عنه: كنا لا نأكل من بُدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبيّ ﷺ، فقال: «كلوا، وتزوّدوا»، فأكلنا وتزوّدنا، رواه البخاريّ، وإن لم يأكل فلا بأس، فإن النبيّ ﷺ لما نحر البدنات الخمس قال: «من شاء اقتطع»، ولم يأكل منهن شيئًا. انتهى.
قال الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله -بعد ذكر مذاهب الأئمة-: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة هو جواز الأكل من هدي التطوع، وهدي التمتع، والقران دون غير ذلك، والأكل من هدي التمتع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب الأكل منه، أو وجوبه، ومعلوم أن النبيّ ﷺ ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع أنه أهدى مائة من الإبل، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوُّع، وقد أكل منها، وشرب من مرقها جميعًا.
وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما ثبت في «الصحيحين» أن أزواج النبيّ ﷺ ذبح عنهن النبيّ ﷺ بقرة، ودُخِل عليهن بلحمه، وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذُبح عنهنّ في تمتعهن، وقرانهن بأمره ﷺ، وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران.
أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾؛ لأنه لترك واجب، أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند الله تعالى. انتهى [«أضواء البيان» ٥/ ١٩٧، ١٩٨].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [ذكر هذه المسائل الإتيوبي رحمة الله عليه تحت (٦٤) – (باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق)، من ١٥ – (كتاب الحج)].
[تنبيه]:
وقد سبق ذكر بعض المسائل في التعليق على الصحيح المسند (1147)، تحت حديث: عن ناجية الأسلمي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث معه بهدي، فقال: ((إن عطب منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خلي بينه وبين الناس)).
وأما القسم الثاني من الحديث، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى):
جواز الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ، ثم مات قبل الوفاء بنذره، وفيه اختلاف بين أهل العلم،
فروى سعيد بن منصور وغيره، عن ابن عمر – رضي اللَّه تعالى عنهما – بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن أحد، ونحوه عن مالك، والليث،
وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك، فليحجّ عنه، وإلا فلا.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح المهذب»:
مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- المشهور أنه إذا مات، وعليه حجّ الإسلام، أو قضاء، أو نذر، وجب قضاؤها من تركته، أوصى بها، أم لم يوص.
قال ابن المنذر: وبه قال عطاء، وابن سيرين، وروي عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال النخعيّ، وابن أبي ذئب: لا يحُجّ أحدٌ عن أحد.
وقال مالك: إذا لم يوص به يتطوّع عنه بغير الحجّ، ويُهدى عنه، أو يتصدّق، أو يُعتق عنه انتهى كلام النوويّ. [«المجموع» ج ٧ ص ١٠١].
قال الإتيوبي – عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرحج؛ لقوّة دليله، كحديث الباب، وغيره. وقد تكلّم ابن حزم في هذه المسألة، ورجّح القول بالوجوب، وفنّد القول الثاني بما لا تراه في كتب غيره، فراجع «المحلّى» -٧/ ٥٣ – ٦٢. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، (23/ 329 – 330)].
(المسألة الثانية): الفتاوى:
[1] السؤال:
إني امرأة لي والدة توفيت قبل أن تحج حجة الإسلام، وأريد أن أوكل من يحج عنها من أحد أولادي، فهل يجوز ذلك، أم لا؟
الجواب:
نعم نعم، إذا مات الرجل، أو المرأة قبل الحج، فحج عنه أهله بنته، أو ابنه، أو أحد أقاربه، أو غيرهم، أو استنابوا من يحج عنه من أهل الخير، فكل هذا طيب، وقد سئل النبي عن ذلك -عليه الصلاة والسلام- سأله إنسان فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: نعم، حج عن أبيك واعتمر، وامرأة سألته قالت: إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال: حجي عن أبيك وسأله آخرون عمن عليه حج، أو صيام؟ فأجاب بأنهم يحجون ويصومون عن ميتهم. [والدتي توفيت قبل أن تحج فهل لي أن أوكل من يحج عنها؟، فتاوى الجامع الكبير للإمام ابن باز رحمة الله عليه].
[2] السؤال:
وأخ يسأل فيقول: والدتي توفيت، ولم توص أحدًا بأن يحج عنها، هل يجوز لي أن أحج عن والدتي؟
الجواب:
نعم إذا كانت ما حجت تحج عنها الفريضة، وإذا كانت قد حجت فهو نافلة، وجزاك الله خيرًا، هذا من أهم البر [هل الحج عن الوالدة جائز؟، فتاوى الجامع الكبير للإمام ابن باز رحمة الله عليه].
أما الشيخ الألباني فقال :
أولًا الحج عن الميت ليس على إطلاقه ؛ لأن القاعدة كما قال – تعالى – : (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )) ، وقد جاء في ” موطأ ” الإمام مالك من أثر عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال : ” لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ ، ولا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ ” ، وعلى هذا فينبغي أن نظلَّ على هذه القاعدة إلا ما استثني .
وفيما علمت ليس هناك ما صحَّ استثناؤه إلا ما هو داخل تحت هذه القاعدة ؛ (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )) ، فحجُّ الولد – مثلًا – عن أبيه عن أمه قد جاء في ذلك أحاديث ، وحسبكم في ذلك شهرةً حديث الخثعميَّة
ولم نَرَ حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على جواز حجِّ الغير عن غيره ممن لا علاقة نَسَبيَّة بينهما ، كلُّ ما في الأمر في هذا الباب إنما هو حديث شبرمة الذي جاء في السنن وفي ” مسند الإمام أحمد ” وفي غيرها من كتب السنَّة أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سمِع رجلًا يقول في تلبيته : لبيك اللهمَّ عن شبرمة . فقال له – عليه الصلاة والسلام – : ( من شبرمة ؟ ) . قال : أخ لي أو قريب لي . قال : ( هل حججت عن نفسك ؟! ) قال : لا . قال : ( حجَّ عن نفسك ، ثم حجَّ عن شبرمة ) . فهذا الحديث قد يَحتجُّ به من يذهب إلى شرعية الحجِّ عن الغير لأن شبرمة لم يكن في الحديث ما ينُصُّ على أنه كان أبًا له ، وإنما قال : ” هو أخ لي أو قريب لي ” ، فإذا كان أخًا فاستقام الاستدلال بهذا الحديث حينذاك على أنه يجوز أن يحج – أيضًا – عن غير والديه ، وإن كانت الرواية ليست عن أخٍ له إنما عن قريب ؛ فهذه أقرب وأصح في الاحتجاج ؛ لأن الأخ أقرب قريب ، أما قريب بعد الأخ فيكون أبعد عنه .
لكن يَرِد على هذا الاستدلال الذي ظاهره الصحة أمران اثنان :
الأمر الأول – وهو مهم جدًّا في نظري – : أن هذا الحديث الذي جاء بهذا اللفظ : ” أخ لي أو قريب لي ” هذا ليس هو نص الحديث الذي كان جوابًا من الملبِّي للرسول – عليه السلام – حين سأله : ( من شبرمة ؟ ) ؛ فلا يستقيم في الجواب خاصَّة من مسؤول من رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يقول متردِّدًا بين قوله : ” أخ لي أو قريب لي ” ؛ لأن هذا التردُّد إنما يصحُّ بالنسبة للحافظ الذي قد يَهِم ، أما من كان موكَّلًا أو نائبًا للحج عن الغير وهو يدري يقينًا إن كان هذا الغير هو أخًا له أو أبًا له أو أو إلى أخره
وقد وجدتُ في ” معجم الطبراني الصغير ” – وربما في غيره – أيضًا – – أن المسؤول والحاجَّ عن شبرمة قال في الجواب : ” هو أبي ” ، وحينئذٍ يكون الحديث كحديث الخثعمية لا يصح الاستدلال به عن الحج حجة البدل ؛ الحج عن الغير ولو كان غير أبويه . هذا أول ما يَرِد على هذا الحديث .
الشيء الثاني : لو سلَّمنا فرضًا وجدلًا أن المحجوج عنه هو ليس أبًا له ولا أمًّا ؛ فحينئذٍ يحتمل أن يكون حجُّ هذا الحاجِّ عن شبرمة عن وصيَّةٍ صدرت عن شبرمة ، وحينئذٍ يَأخذ الحديث مجالًا آخر ؛ وهو تنفيذ وصيَّة مَن أوصى بالحج عنه ؛ وحينئذٍ فتنفيذ هذه الوصية أمر مشروع .
ومعلوم عند الفقهاء أن الحديث أو الدليل إذا طرقَه الاحتمال سقط به الاستدلال ، وبخاصة إذا كان يُخالف قاعدة شرعية ؛ (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )) ، وإذا فُتِح باب الحج عن الغير انفتح باب واسع جدًّا من الإحداث في الدين في اعتقادي ؛ فيجوز حينئذٍ أن يُصلِّيَ الإنسان عن غيره ، وأن يصوم صيامًا مطلقًا عن غيره ، ونحو ذلك مما يختلف كل الاختلاف مع قوله – تبارك وتعالى – المذكور آنفًا : (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )) .
بقي الجواب عن أخذ الأجرة ؛ فأعتقد أننا إذا حصرنا دائرة حجَّة البدل بين الولد ووالديه ؛ فحينئذٍ يبطل كثير مما يتعلق بموضوع أخذ الأجرة ؛ اللهمَّ إلا في حالة واحدة ؛ إذا أوصى رجلٌ كان يجب عليه الحجُّ ، ثم لأمرٍ ما أو لغيره لم يحجَّ ولم يقضِ حجة الإسلام ، فأوصى بأن يحجَّ إما أن يُعيِّن شخصًا بعينه أو يُطلق فيقول : أن يحجَّ رجل عالم فاضل صالح عنِّي وله كذا ، فقوله : وله كذا يعتبر جُعالة ، … فما يأخذه من هذه الجُعالة هو يدخل في باب قوله – عليه الصلاة والسلام – : ( يا عمر ، ما آتاك الله من مالٍ ونفسك غير مشرفة إليه ؛ فخُذْه وتموَّله ؛ فإنما هو رزقٌ ساقَه الله إليك ) ؛ فهذا لا مانع منه ، أما أن تُصبح حجَّة البدل سلعة يُساوَمُ عليها فهذا ليس من طبيعة العبادة ،
هذا ما يمكن الجواب عن ذاك السؤال .
* فتاوى جدة – شريط : 24
* توقيت الفهرسة : 00:07:44
—–
وأما القسم الثالث من الحديث، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ماء البحر طهور:
إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإن ماء البحر له طهور، وعليه حُكي إجماع العلماء.
(المسألة الثانية) من نقل الإجماع:
الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: «أرأيت رجلًا بال في البحر، أينجس بوله ماء البحر؟ فإن قال: لا، قيل: ماء البحر ماء دائم، وقيل له: أفتنجس المصانع الكبار؟ فإن قال: لا، قيل: فهي ماء دائم، وإن قال: نعم، دخله عليه ماء البحر، فإن قال: وماء البحر ينجس؛ فقد خالف قول العامة مع خلافه السنة» [«الأم» للشافعي (٨/ ٦١٢)].
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: «وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء، أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرض عليه ولا التفت إليه» [«التمهيد» (١٦/ ٢٢١)].
وقال: «فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، . . وهذا إجماع من علماء الأمصار الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى» [«الاستذكار» (١/ ١٥٩)].
الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول: «ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبد اللَّه بن عمر» [«المنتقى شرح الموطأ» (١/ ٥٤)].
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: «أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا» [«بداية المجتهد» (١/ ٥٠)]، وهذا يعني أنه يرى أن خلافهم غير معتبر، حيث حكم عليه بالشذوذ.
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: «ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم» [«المغني» (١/ ٢٢)].
ويقول: «قد دلت هذه المسألة على أحكام، منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير أو غير ذلك. . . وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه، هو نار، وحكاه الماوردي [«الحاوي» (١/ ٣٧)] عن سعيد بن المسيب» [«المغني» (١/ ١٥ – ١٦)].
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: «والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع» [«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٩)]. ونقله عنه ابن قاسم [«حاشية الروض» (١/ ٧٦)].
الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: «وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر، ولا خلاف في جواز التطهير به، وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه» [«مواهب الجليل» (١/ ٤٦)].
الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: «ودخل في تعريف المؤلف للمطلق – أي الماء المطلق – ما إضافته بيانية كماء المطر. . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به» [«شرح خليل» للخرشي (١/ ٦٤)].
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن أقوال الصحابة المخالفة: «ولا حجة في أقوال الصحابة، لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع» [«نيل الأوطار» (١/ ٣٠)].
(المسألة الثالثة): الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر، وابن عباس رضي الله عنهم [«سنن الترمذي» (١/ ٧٧)]، والحنفية [«البناية شرح الهداية» للعيني (١/ ٣٥٧)].
(المسألة الرابعة): مستند الإجماع:
١ – قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
٢ – حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [أحمد (ح ٧٢٣٢)، (٢/ ٢٣٧)، أبو داود كتاب الطهارة، وقال ابن حجر عن أحد أسانيده: «إسناده لا بأس به»، «الدراية» (١/ ٥٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (ح ٦٩٢٥)، «السلسلة الصحيحة» (ح ٤٨٠)].
- وجه الدلالة: حيث نص النبي ﷺ على طهورية ماء البحر، ولا عبرة بالاجتهاد بمقابل النص [انظر: «الحاوي» (١/ ٣٧)].
(المسألة الخامسة): الخلاف في المسألة:
روي الخلاف في هذه المسألة عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وأبي العالية [«سنن الترمذي» (١/ ٧٧)، «المصنف» لابن أبي شيبة (١/ ١٥٦)، وانظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٥٤٣)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٤٦)، «البناية شرح الهداية» للعيني (١/ ٣٥٧)]،
وابن المسيب [«الحاوي» (١/ ٣٧)، «المجموع» للنووي (١/ ١٣٧)، «سبل السلام» (١/ ١٨)، «المحلى» لابن حزم (١/ ٢١٠)، «الفروق» للقرافي (٢/ ١١٣)]،
ونسب الترمذي مسألة الباب إلى أكثر الفقهاء، ثم نقل القول المخالف ونسبه لبعض الصحابة [«سنن الترمذي» (١/ ٧٧)].
وقد أشار ابن حزم لوجود خلاف في هذه المسألة [«مراتب الإجماع» (٣٥)].
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما [«الحاوي» (١/ ٣٧)].
وبعد طول بحث في هذه المسألة، لم أجد من قال بهذا القول غير هؤلاء الخمسة، بل صرح ابن عبد البر بأنه لم يتابعهم أحد من علماء الأمصار [«التمهيد» (١٦/ ٢٢١)]، مما يعني أن قولهم اندرس بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
قال صاخب فتح العلام شرح بلوغ المرام :
مسألة [٢]: حكم ماء البحر:
- ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الأخذ بما اقتضاه حديث أبي هريرة، وهو أنَّ ماء البحر طهور، قاله: ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، ثم ابن قدامة في «المغني» (١/ ١٥ – ١٦).
- إلا أنه حُكِيَ عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو خلاف ذلك، فَصَحَّ عن ابن عمر عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، أنه قال: التيمم أحبُّ إليَّ من الوضوء من ماء البحر.
وصحَّ عن ابن عمرو عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥٠)، أنه قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا من جنابة، إنَّ تحت البحر نارًا، ثم ماءً، ثم نارًا، حتى عَدَّ سبعة أبحر، وسبعة أنيار.
والراجح ما تقدم، وأما قول هذين الصحابيين، فمحمول على أنهم ما بلغهم الحديث.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند أبي عبيد (٢٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٠)، وغيرهما أنه قال: وأيُّ ماءٍ أطْهر من ماء البحر. وهو من طريق عكرمة، عنه، وعكرمة لم يدرك عمر ؛ فهو منقطع.
وقال ابن قدامة : وقوله: (هو نار)، إنْ أُرِيْدَ به أنه نارٌ في الحال؛ فهو خلاف الحس، وإنْ أريد أنه يصير نارًا، لم يمنع ذلك الوضوء به في حال كونه ماءً. اهـ
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ ١/٣٣
(المسألة السادسة): النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الصدر الأول بلا إشكال، ولكن هناك من قال بتحققه بعد ذلك كما سبق.
وبهذا يكون قد تحقق الإجماع بعد الخلاف [انظر: «العدة» لأبي يعلى (٤/ ١١٠٥)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٧٥)، «المهذب في أصول الفقه» (٢/ ٩٢١)]، واللَّه تعالى أعلم. [[١٥ – ١٥] ماء البحر طهور، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، مجموعة من المؤلفين، (1/ 104 – 107)].
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (ومنها): جواز الحجّ عن الميت على الصحيح من قولي أهل العلم.
2 – (ومنها): أنه إذا جاز قضاء دينِ الآدمي الميت، فدين الله -تعالى- أولى بالقضاء.
3 – (ومنها): “بيان أن من بُعِث معه هدي إلى الحرم، فعَطِب في الطريق قبل بلوغ محله، أنه ينحره، ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها؛ ليَعْلَم مَن مَرّ بها أنها هدي، فينتفع بها.
4 – (ومنها): بيان عدم جواز أكلها لأحد من أهل رفقته، قال النوويّ رحمه الله: إذا عَطِب الهديُ وجب ذبحه، وتخليته للمساكين، ويحرم الأكل منها عليه، وعلى رفقته الذين معه في الركب، سواء كان الرفيق مخالطًا له، أو في جملة الناس من غير مخالطة،
والسبب في نهيهم قطع الذريعة؛ لئلا يَتَوَصَّل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل أوانه. انتهى [«شرح النوويّ» ٩/ ٧٧].
5 – (ومنها): بيان جواز أكله لسائر الناس إذا كانوا بصفة الاستحقاق؛ لقوله ﷺ: «ثم خلّ بينها وبين الناس، فليأكلوا»، رواه مالك في «الموطّإ»، والدارميّ، وابن حبّان في «صحيحه».
6 – (منها): بيان استحباب بعث الهدايا إلى مكة، وإن لم يذهب بنفسه.
7 – (ومنها): بيان جواز توكيل من يقوم ببُدنه”. [البحر المحيط الثجاج،].
8 – (ومنها): أن ماء البحر طاهر مطهِّر.
9 – (ومنها): ماء البحر يَرفَع الحَدَثَ الأكبرَ والأصغر، ويُزِيْل النجاسة الطارئة على طاهر، مِن بَدَنٍ، أو ثَوب، أو غير ذلك.
10 – (ومنها): حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم.
11 – (ومنها): أن من حسن التعليم ضرب الأمثال المحسوسة التي يعقل بها المعنى وتنجلي بها الأحكام.
12 – (ومنها): حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم؛ ليعبدوا الله على بصيرة.
13 – (ومنها): الحرص على سؤال أهل العلم الثقات، والرحلة لذلك.